صَرَخاتٌ يَوْمِيَّةٌ في مدينـةِ الصَّمتِ

للراحــل الشاعر : حسن بيومي

ومَدِينةُ الصّمتِ الشَّجِيِّ

تحِنُّ شَـوْقًا للـكلامْ .

مَسحَتْ بِكفَّيْهَا الشِّفاهَ ..

وَحاوَلَتْ مضْغَ الِّلجـامْ .

لَكنَّها ..

لَمَّا تحرَّكَتْ الحُرُوفُ على الشِّفاهِ ..

تَذكَّرتْ :

أَعْوَامَهَا الْجَدْبَاءَ في دُنْيَـا "السَّلاَم"

فاسْتَجْمعَتْ أنْفَاسَهَا

بَصَقَتْ علَى وَجْه الزِّحام :

أَيْنَ الطَّريقُ إلى جَهنَّم ..،

فالْحيَاةُ هُنَا ..،

بِكفِّ الْمَوْتِ قُنْبِلَةٌ ..،

ويُوشِكُ أَنْ يُفجِّرُهَا الفَتِيلْ ..

لا شَيْءَ نُدْرِكُهُ

بِرَغْمِ غَزَارَةُ الْأَخبَارِ ..

فِي النَّشَرَاتِ والْخُطَبِ الْمُثِيرَةِ والْمَنَابِرِ

والْصَّواوِينِ العِظَامِ . مُكبِّراتِ الصَّوْتِ والصُّحُفِ

الأَجِيرَةِ والْعَناوينِ ، المقَالاَتِ الْمَدَائِحِ والْمَذَابِحِ .

والْبَرِامِجِ والأَغَانِي لِلْقَـوَافِلِ ـ تنْـثُرُ الأَمـلَ .

الَّذي عِشْـنَا نُغَـنِّيهِ انْتِظَـارًا فَـوْقَ أَرْصِـفَةِ

الـرَّدَى عـامًا وعـامًا تَحْتَ وهَـجِ الشَّمْسِ

أَوْ ضَـوْءِ الْقَمَرِ ـ للشَّامِ ذَاهِبَـةٌ وآتِيًـــةٌ

مِنَ الْيَمنِ السَّـعِيدِ ؟!

والْجَيْبُ خَاوٍ مِثْلَمَا كَانتْ

                 لَيَالِيهِ القَـدِيمَة ..

والْعُيُونُ تَكسَّرتْ ذُلاًّ فصَارتْ لا تُحَاوِلُ

أَنْ تُحمْلِقَ في عُيُونِ الْآخَرِينَ

ولا تُحَاوِلُ أَنْ تُشَاركَهُمْ كَلامًا .. ،

نكْتَفِي بِالْحُزْنِ صَمْتًا مائِعًا .. مُـرًّا .

يَسِـيلُ لُعَابُهَا .. !

تَسْتَـغْفِرُ اللهِ الْعَظِيمَ .. ،

تُمَصْمِصُ الشَّـفَتَيْن .. ،

تَقْـرَأُ سُـورَةَ الرَّحْمَنْ .. ،

فَأَحْلامُ الْجِيَاعُ تُبَاعُ في سُوقِ النِّخَاسَةِ

والعُقُولُ تَحَجَّرتْ ..

ظَلَّتْ تَلُوكُ طعَامَها

منْ مخْزِنِ الأَصْوَاتِ

فانْغَرَستْ

بِأعْيُنِـهَا

أَصابِعُ مَنْ يُعَلِّمُها السُّكُوتَ .. ،

يَرُوضُـهَا

كَيْ تَحْرُثَ الأّرْضَ اللَّعِينَةَ

بالأَيَادِي .. ،

تَرْتَوِي مِنْ نَهْرِ أعْيُنِهِمْ دُمُوع .

أهُنَاكَ جُـــوعٌ ..؟؟!!

فالأَرضُ عَـامرَةٌ

وناطِحَةُ السَّحابِ وقَـدْ أُقِيمَتْ ..،

دفْـتَرُ الشِّيكَاتِ صَـارَ مسْـنُودًا

بِأَرْصَـدةِ الأَجَانِبِ والأَعـارِبِ ..،

والغَوَانِي ..

لَوْ رَأَى ابْنُ الرَّشـِيدِ جَمَـالَهُنَّ ..

لكَانَ أَرْحمَ بالبَرامِكَةِ الَّذِينَ تجَنْدَلُوا

في نهْرِ دِجْلةِ أَوْ هُرُوبًا في الصَّحـارى

( سـفُّوا رِمالَ الْقَفْرِ مِنْ ظَمأٍ وجُوعْ )

فارْحَمْ عبِيدَكَ يَا إلهِي .. قُلْ لَنَا .. أينَ

الطَــرِيقُ إلى جَهَـنَّمْ؟!

فالصُّـبْحُ مجْـزرةٌ

وضَـوْء الظُّهْـرِ محْرَقَـةٌ

وأعْمِـدةُ السَّـرِيرِ  مشَانقٌ

تَهْتـزُّ فِيـهَا

أرْجُـلُ الأطْفَـالِ!

والْقِيَـمُ الَّتي عَاشَتْ طَوِيلا

في حَيَاةِ الأّمْسِ ، قَـدْ صَارَتْ

لُصُوصاً يَسْرِقُونَ مِنَ الْعَـرَايَا

في الشِّتاءِ جُلُودَهم ، وَيُتَاجِرُونَ

بِكُلِّ شَيْءٍ ، في الْمَبَاوِلِ والْقَصَائدِ .. ،

بالْعَـذَارَى يُرْسَـلُونَ إلى بِــلاَدِ

النِّفـطِ كَيْ يَأْتِينَ بِالدُولاَر والدِّيِنَار

     تَنْفَـتِحُ  الخَــزَائـنُ

والبُطُـونُ ، وتَرْتَخِي الأَجْفانُ ،

تنْتَـعِشُ الْخَطابَةُ والمَسَارحُ والخيَّالةُ

يَنْسِجُون مِنَ الدِّمُوعِ

مسَـاخِرًا ..،

ومِنَ الْمَـآسِي

               أغْنِيَاتْ ..

فاضْحَكْ وَإلاَّ أَنْتَ أَبْلَهْ ..

لا تُفكِّـرْ في هُمُومِ النَّاسِ وَاخْتَطِفِ الرَّغِيفَ

من الْيَتِيـمَ ، وكُلْ .. فإمَّـا أنْتَ مَقْتُولٌ

وَإمَّا أَنْتَ قِاتِـلْ ..!

والحَكِيمُ هُوَ الَّذي يَـعْلُو عَلَى أجْسادِ مَنْ

قُتُـلُوا بِخنْجَرِهِ ، ويَمْشِي في جنَـازتِهِمْ

ويَرْسُمُ دَمْعَةً بِلُعَابِهِ في مَأتَمِ الذِّكْرَى .. ،

يُوَاسِي الأهْـلَ والأّحْبَابَ:عُمَّالاً وطلابًا

وكتَّابًا وفلاحِينَ تنْهشُهُمْ كِلاَبُ الصَّمْتِ

تَأْكُلُ قَلْبِيَ الأنْيَابُ دامِيَـةً

وتعْرِضُ لِي :

رَذَاذًا مِنْ جِرَاحِ الشَّمسِ

فَوْقَ الأَرْضِ مُنْتَـثِرٌ ..

يُطَالِعُ وجْـهَ مَنْ مَرُّوا

أَشَـاحُوا .. أَغْمَضَوا

العَيْنَـينِ .. لَفُّـوا الرأْسَ

فِي وَرقِ الْجَرائـد .. ،

وانْتظَارِ اللَّيـلِ

لِلْكَذبِ الْمُنَّمَقِ والخِيَانةِ والأَغَانِي .

وانْشِطَارِ الْقَلْبِ

بـَيْنَ القوْلِ والفعْلِ الَّذِي

ضَلَّت بِهِ السُّـبُلُ الْخَبِيئَةُ

واخْتَفَى مِنْهَا الدَّلِيلُ

فقُلْ لَنَا

مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ يَا إلهِي ..!

أَيْنَ الطَّـريقُ

            إلَى جَـهَنَّمْ ..؟

فالْحَيَاةُ هُنـَا

بِكَفِّ الْمَوْتِ،

قُنْبـِلَةٌ

ويُوشِكُ أَنْ يُـفجِّرهَا الْفَـتِيلْ

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون