هذه الرواية

نـــــادي القتـــــــــال

أحمد الخميسي

22 يوليو 2005 

عن دار ميريت صدرت رواية " نادي القتال " للروائي الأمريكي تشاك بولانيك ، ترجمة د . أحمد خالد توفيق . وكنت قد شاهدت الفيلم الأمريكي المأخوذ عن الرواية ، لكني حين قرأتها وجدت أن الفيلم أضر بالرواية ولم ينفعها ، وكان مجرد نوع من الاختزال لعمل هام .

وواضح من الرواية كما يقول د . أحمد توفيق في مقدمته أن المؤلف يسترشد بمبدأ : " الكتابة لمن لا يقرءون بدلا من الكتابة لجمهور القصة المعتاد " . وهذا المبدأ هو الذي يقود المؤلف لبناء روايته أساسا على الأحداث والأفعال العنيفة الصادمة التي تتقاطع مع الجنس والموت والعنف ونزعة تدمير الذات والعالم بشتى الوسائل . لهذا يعترف " تايلر " الشخصية الأولى في الرواية بقوله : " إنني لن أكتشف قوة روحي العظمى إلا من خلال تدمير ذاتي " ، وتنجم هذه النزعة من كونه : " نكرة .. لا يعبأ أحد بحياته أو موته " . ومن الطبيعي لشخصية تسعى لتدمير نفسها أن تسعى أيضا لتدمير العالم والثقافة والنظام القائم . يقول تايلر : " أريد أن أدمر كل شئ جميل لم أنله قط ، أن أقتل السمك الذي لن أستطيع أن آكله ، أن أحرق متحف اللوفر ، أن أمسح مؤخرتي بلوحة موناليزا ، أريد للعالم كله أن يبلغ الحضيض " . ويؤدي هذا الميل العنيف للموت وتحطيم وجه  العالم إلي صراع يشتبك فيه الرجال في قتال بعضهم البعض قتالا  بلا رحمة داخل نادي " القتال " الذي أنشأه " تايلر " . إنهم يتقاتلون من دون سبب ، لمجرد أن يشعروا بذواتهم ، وبقوتهم ، ذلك أن " غالبية من يأتون لنادي القتال يأتون من أجل شئ يخافون أن يقاتلوه ، وبعد بضع معارك يقل خوفك كثيرا " .

لقد اخترع تايلر هذا النادي ، لكي يتحرر فيه الناس بالعنف من خوفهم وكراهيتهم للنظام السائد . إنهم يخرجون جماعات ليتبولوا في زجاجات العطور الفاخرة بغرفة زوجة أحد الأثرياء ، ويحطموا واجهات السيارات ، ويشعلوا الحرائق في المباني ، ويبصقوا في أطباق الطعام بالفنادق . لقد اخترع تايلر نادي القتال ، ثم أصبح النادي مذهبا فكريا عاما منتشرا في مدن عديدة سواء بمعرفة ووجود تايلر أم من دون ذلك .

وفي لحظة محددة حينما يرغب تايلر في وقف كل هذا العنف ، فإنه يجد نفسه عاجزا ، بعد أن تشكل للفوضى والعنف جيش مستقل واسع الانتشار . وخلال ذلك كله تلوح بقوة شخصية الإنسان الفوضوي ، الذي يؤمن بعمق بأن الدولة هي العدو الأكبر للفرد وأن إزالتها ضرورة لتحرره ، وأن السبيل الوحيد لذلك التحرر هو بناء مجتمع لا يحتاج إلي دولة .

ويقدم المؤلف خلال روايته جانبا هاما من نفسية الفوضوي وتبريره لتدمير الذات والكون ، إنها نفسية وذهنية من يضعهم المجتمع في موضع النفي والإقصاء " باعتبارهم فضلات للتاريخ " ، " مهمشين " ، لا تعبأ بهم حتى الآلهة ، ولذلك يقول تايلر " إن جذب اهتمام الإله بك عبر الشر قد يكون أفضل من ألا تنال ذلك الاهتمام على الإطلاق " . ولهذا فإن تلك المجموعات تحلم مع تايلر وتحت زعامته بتدمير الحضارة من أجل الوصول إلي عالم أفضل ! 

ومع ذلك فإننا نرى بوضوح أن خلف ذلك اليأس العميق حلما مجنونا بالعدالة . يقول تايلر: " تصور لو أننا نظمنا إضرابا ورفض الجميع العمل حتى يتم توزيع ثروات العالم بالقسطاس " . إنه يأس ذلك الجيل الذي يقول عنه تايلر لأحد كبار ضباط الشرطة : " نحن الذين نغسل غسيلك ونطهو طعامك ونقدم لك العشاء .. نحن أطفال التاريخ المتوسطون الذين ربانا جهاز التلفزيون وقال لنا إننا سنصبح مليونيرات ونجوم سينما وموسيقى، لكن هذا لن يحدث ، ونحن الآن نستوعب هذه الحقيقة " .

    ويكشف المؤلف عن قسوة الحياة التي تتأرجح بين غياب العدالة الاجتماعية ، ومواجهة الموت كمصير فردي ، هذه القسوة التي لا تولد سوى قسوة مماثلة وكراهية وعنفا . في نهاية الرواية فقط ستعرف أن تايلر ، والراوي الذي يحكي عن تايلر هما شخص واحد ، حطمته الهلوسة وأمراض العقل في مستشفى بعيد . وتبقى بعد ذلك في نفس القارئ طويلا تلك الصورة المفزعة للمجتمع الأمريكي الذي يتحلل ، وينهار ، ويوشك على تدمير ذاته والعالم . أليس هذا ما يحدث ؟!

أحمد الخميسي . كاتب مصري

 

 

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون