عن دار ميريت صدرت رواية "
نادي القتال " للروائي الأمريكي تشاك بولانيك ، ترجمة د . أحمد خالد توفيق
. وكنت قد شاهدت الفيلم الأمريكي المأخوذ عن الرواية ، لكني حين قرأتها
وجدت أن الفيلم أضر بالرواية ولم ينفعها ، وكان مجرد نوع من الاختزال لعمل
هام .
وواضح من الرواية كما يقول د
. أحمد توفيق في مقدمته أن المؤلف يسترشد بمبدأ : " الكتابة لمن لا يقرءون
بدلا من الكتابة لجمهور القصة المعتاد " . وهذا المبدأ هو الذي يقود المؤلف
لبناء روايته أساسا على الأحداث والأفعال العنيفة الصادمة التي تتقاطع مع
الجنس والموت والعنف ونزعة تدمير الذات والعالم بشتى الوسائل . لهذا يعترف
" تايلر " الشخصية الأولى في الرواية بقوله : " إنني لن أكتشف قوة روحي
العظمى إلا من خلال تدمير ذاتي " ، وتنجم هذه النزعة من كونه : " نكرة ..
لا يعبأ أحد بحياته أو موته " . ومن الطبيعي لشخصية تسعى لتدمير نفسها أن
تسعى أيضا لتدمير العالم والثقافة والنظام القائم . يقول تايلر : " أريد أن
أدمر كل شئ جميل لم أنله قط ، أن أقتل السمك الذي لن أستطيع أن آكله ، أن
أحرق متحف اللوفر ، أن أمسح مؤخرتي بلوحة موناليزا ، أريد للعالم كله أن
يبلغ الحضيض " . ويؤدي هذا الميل العنيف للموت وتحطيم وجه العالم إلي صراع
يشتبك فيه الرجال في قتال بعضهم البعض قتالا بلا رحمة داخل نادي " القتال
" الذي أنشأه " تايلر " . إنهم يتقاتلون من دون سبب ، لمجرد أن يشعروا
بذواتهم ، وبقوتهم ، ذلك أن " غالبية من يأتون لنادي القتال يأتون من أجل
شئ يخافون أن يقاتلوه ، وبعد بضع معارك يقل خوفك كثيرا " .
لقد اخترع تايلر هذا النادي
، لكي يتحرر فيه الناس بالعنف من خوفهم وكراهيتهم للنظام السائد . إنهم
يخرجون جماعات ليتبولوا في زجاجات العطور الفاخرة بغرفة زوجة أحد الأثرياء
، ويحطموا واجهات السيارات ، ويشعلوا الحرائق في المباني ، ويبصقوا في
أطباق الطعام بالفنادق . لقد اخترع تايلر نادي القتال ، ثم أصبح النادي
مذهبا فكريا عاما منتشرا في مدن عديدة سواء بمعرفة ووجود تايلر أم من دون
ذلك .
وفي لحظة محددة حينما يرغب
تايلر في وقف كل هذا العنف ، فإنه يجد نفسه عاجزا ، بعد أن تشكل للفوضى
والعنف جيش مستقل واسع الانتشار . وخلال ذلك كله تلوح بقوة شخصية الإنسان
الفوضوي ، الذي يؤمن بعمق بأن الدولة هي العدو الأكبر للفرد وأن إزالتها
ضرورة لتحرره ، وأن السبيل الوحيد لذلك التحرر هو بناء مجتمع لا يحتاج إلي
دولة .
ويقدم المؤلف خلال روايته
جانبا هاما من نفسية الفوضوي وتبريره لتدمير الذات والكون ، إنها نفسية
وذهنية من يضعهم المجتمع في موضع النفي والإقصاء " باعتبارهم فضلات للتاريخ
" ، " مهمشين " ، لا تعبأ بهم حتى الآلهة ، ولذلك يقول تايلر " إن جذب
اهتمام الإله بك عبر الشر قد يكون أفضل من ألا تنال ذلك الاهتمام على
الإطلاق " . ولهذا فإن تلك المجموعات تحلم مع تايلر وتحت زعامته بتدمير
الحضارة من أجل الوصول إلي عالم أفضل !
ومع ذلك فإننا نرى بوضوح أن
خلف ذلك اليأس العميق حلما مجنونا بالعدالة . يقول تايلر: " تصور لو أننا
نظمنا إضرابا ورفض الجميع العمل حتى يتم توزيع ثروات العالم بالقسطاس " .
إنه يأس ذلك الجيل الذي يقول عنه تايلر لأحد كبار ضباط الشرطة : " نحن
الذين نغسل غسيلك ونطهو طعامك ونقدم لك العشاء .. نحن أطفال التاريخ
المتوسطون الذين ربانا جهاز التلفزيون وقال لنا إننا سنصبح مليونيرات ونجوم
سينما وموسيقى، لكن هذا لن يحدث ، ونحن الآن نستوعب هذه الحقيقة " .
ويكشف المؤلف عن قسوة
الحياة التي تتأرجح بين غياب العدالة الاجتماعية ، ومواجهة الموت كمصير
فردي ، هذه القسوة التي لا تولد سوى قسوة مماثلة وكراهية وعنفا . في نهاية
الرواية فقط ستعرف أن تايلر ، والراوي الذي يحكي عن تايلر هما شخص واحد ،
حطمته الهلوسة وأمراض العقل في مستشفى بعيد . وتبقى بعد ذلك في نفس القارئ
طويلا تلك الصورة المفزعة للمجتمع الأمريكي الذي يتحلل ، وينهار ، ويوشك
على تدمير ذاته والعالم . أليس هذا ما يحدث ؟!
أحمد الخميسي . كاتب مصري