انقضت ستة أيام دون أن نتخير اسما للصبي الوليد . كانت
فرحتنا به غامرة ، الأيام الأولى مرت ونحن نتبادل حمله وتقبيله ونناديه من
دهشتنا كل لحظة باسم . فإذا نام قصدت غرفته بين وقت وآخر ، أجلس بصمت على
حافة السرير أرقبه وهو يغط في النوم ، رقبته مثل غصن ، ووجهه مثل وردة ،
أتملى ملامحه الدقيقة طويلا حتى أرى ابتسامة ناعمة فوقها سحابة رقيقة من
الهناء ، فأدعو الله أن يسعد الناس جميعا . في اليوم السابع كان لابد له
من اسم لنضعه في شهادة الميلاد . ترددت أسماء كثيرة كل منها مرتبط بذكرى
أو أمل. وطالت الأمسية وانفضت ثم دخل الليل علينا . وشعرت بالتعب ، فقمت
لأنام في مكان آخر . وقفت في الصالة شبه المعتمة أفرد ملاءة في الهواء
لأضعها على الأريكة ، متسائلا : ما الذي يراه الطفل في منامه ليصبح سعيدا
هكذا ؟ وبان وجه جدتي : التجاعيد الخفيفة حول زاويتي فمها، ونظرتها
الوديعة ، والطيبة التي تسكن ملامحها ، تقف إلي جواري في الشرفة وأنا صغير
، وتهبط ببصرها إلي السيارات المصطفة تحت وتسألني : لو اخترت
لنفسك سيارة فأي لون تنتقي ؟ . مددت رقبتي لأسفل محدقا واخترت . رأيت جدي
أيضا ، مرق وجهه بسرعة ، ثم أمي ، وأبي ، فأخي الكبير ، وهم مجتمعين في
مناسبات عائلية وأعياد يتبادلون الأحاديث . نهضت من مكاني ومضيت
فترة في عتمة حتى طلع نور ، فسرت قليلا في ممر طويل مشمس ، برزت من جانبيه
أغصان ملتوية مطلية بالأبيض تحمل زهورا حمراء وصفراء ، وتقدمت في ضوء هادئ
بين بقع الضوء والظل ، يهب على هواء منعش مشبع برائحة الفل. قادني الممر
إلي وسط الحديقة الصغيرة المعلقة كربوة في النور اجتمع فيها الأهل .
كانت أمي أول من شاهدني وهي جالسة بروب منسدل متكئة
بمرفقيها إلي منضدة مستديرة وبيدها سيجارة ، ابتسمت بسعادة . جلس أبي عن
يمينها وقد حاد عنها قليلا واضعا ساقا على ساق ، ابتسم هو الآخر .
وظهرت جدتي قادمة إلي الضوء الأبيض في ثوب باهت السواد كأنه بنفسجي
تحمل بيدها شيئا ، ربما طبقا ، أو كوب ماء . ونظر لي جدي من ركن ،
ثم أخي الأكبر الذي حدق في وجهي طويلا بعينين يقظتين ممازحتين .
كان الجميع سعداء بقدومي ، وضح هذا من نظرات السرور والبهجة
الخفيفة التي شملت حركاتهم . وجدتني جالسا على كرسي . وأخذنا نتبادل
الحديث دون كلام كأنما كان يكفي أن يفكر أحدنا في شئ فتنتقل الفكرة
إلي الآخر ، ويرد عليها ، ويطلع الجميع على رده .
سألوني عن أخوتي وأخواتي وزوجتي وأعمامي ومعارف
قدامى فقلت إنهم جميعا بخير. لم يكن باديا من أخي في الجو سوى كتفيه ورأسه
حين قال : لماذا لم يأت أحد معك ؟ قلت وأنا أتخيل مشقة المشوار :
سيأتون . همست أمي: اشتقت إليهم . هز أبي رأسه يؤمن على قولها. تذكر
أحدهم عمتي ، وبناتها ، وطمأنتهم أنهم جميعا بصحة وفي أحسن الأماكن .
شع الجو حولنا وتخلل وهج متورد كل شئ ،
الملاعق التي تضوي ، وبشرة الأيادي ، ومساند الكراسي . لزمنا الصمت ،
وحدنا في ذلك السكون ، نعب من سعادة رفت بداخلنا مثل رنة هينة بعيدة على
إصبع بيانو ، ووجوهنا تترقرق وتتكسر في اتجاه النسيم .
التفتت أمي نحوي سائلة : هل اخترت اسما للولد ؟ .
وبدا ذات السؤال بقوة في أعين الآخرين . أجبت بنظرة حاولت أن تشملهم كلهم
: جئت أسألكم . قال جدي: سنجد اسما . أعطتنا جدتي ظهرها واختفت مغمغمة :
لابد من ملح ينثر ، وهاون ومدق .
تحلل الضوء وتكسر ، ولاح لي وجه الصبي يختلج ،
ثم تشنجت ملامحه في بكاء متقلصة في الهواء . رفعته إلي صدري ، وضممته
فتشبثت أصابعه بقوة برقبتي . ما الذي يراه الطفل في أيامه الأولى لينشج
هكذا ؟
من البقعة التي غيبت جدتي هبت
دفقة هواء بارد . مد والدي يده لأخي الكبير بشال خفيف، فوضعه على كتفيه
وهو يزم شفتين زرقاوين . تجمدنا في الصمت ، ساهمين ، دون أدني حركة ، سوى
رعشة أهدابنا الخفيفة ، عائلة واحدة ، وحدنا ، من دون غرباء ، لنا تاريخ
مشترك تشعب فينا وتجمد .
ظهرت جدتي وقد تدلت من قبضة يدها حزمة أعواد
جافة هشة ، جالت بعينيها في المكان وظلت على وقفتها صامتة .
الآن كنا جميعا ننتظر ، بأمل ويأس ، الآخرين : الذين كان
الدم الحار مازال يندفع إلي وجناتهم، والغبار يعلق ببشرتهم ، والكلمات
تصدر من حلوقهم ، أولئك الذين ما زالوا أحياء .