يلف المدينة الديناصورية غبار
معتم لزج... تلتصق الأقدام بالأرض.تفوح برائحة القـار. حرارة
ورطـوبة تكتم الأنفـاس..تضغـط علي الصـدور..العرق ينـزّ من
الأجساد.الإبطان والجلود المترهلة ترشح بروائح مقززة.رءوس الشجيرات
المبعثرة علي جانبي الطريق اسودت أوراقها وتفحـمت..بيوت تقـادم عليها
الزمن متداعية تتساند علي بعضها، وآيلة للسقوط..حوار تئن بالمارة والباعة
وأصحاب الحـاجات وتجار التوافه والأشياء المستعملة..زحام ضبـابي
أخرس.أصوات زاعقة في فراغ ممـل تصم الآذان. ورش وماكينات جلخ وسحب
المعـادن تزلزل الأرض وتحـرك البيوت المتهالكة...
استيقظت من غزارة العـرق،ونداء
زوجتي: الساعة الخامسة والنصـف. ألن تذهب إلي الدرس الجديد؟ نم مبكرا.
سهـرك طول الليل تقـرأ في الكتب يضـر بصحتك وعينيك مورمة والقراءة لن نأكل
من ورائها ولن تلبي احتياجاتنا، بيني وبين نفسي هي علي حق..ومنطقها يبدو مترابطا ومتماسكا
وقويا ومفحما،لابد أن أذهب إلي هذا الدرس..الأسعار ترتفع كل يوم..الغلاء
يلتهم كل شئ رغم كل الوعـود بتثبيت أسعار السلع الأساسية…والقراءة تصدع الرأس، وتبعث علي
الكآبة…ولا أملك ثمن كتاب...
تم القضاء قصديا علي سور بيع الكتب المستعملة… جلست علي حافة الفراش
متثائبا ومتثاقلا... ألم وصـداع في مؤخرة الرأس…
فكرت بصوت عال:
سنشتري كل احتياجات الأولاد
طفلة صغيرة ووحيدة تسميها
أولاد...
قالتها
بمكر. وهي تقلب كفيها... صوتها يكشف عن ذاتية مفرطة متغافلة أولاد
أختي الأرملة... دائما
تذكرني أن الأولاد طفلة وحيدة في العاشرة وفي حاجة إلي أخ أو أخت تؤنس
وحدتها... الطفل الوحيد انطوائي وعدواني وأناني…محاضرات شبه يومية
في علم النفس الانطـوائي
والتربوي... تنتهي محاضرتها بعبارتها التقليدية التي ترددها كلما
لاح بعض مال في الأفق... ألن نذهب إلي الطبيب، ربنا
يفرجها علينا بولد أوبنوتة... اسع يا عبد وأنا أسعى معك...
يتحول صوتها النكدي الآمر إلي
صـوت قططي سيامي وديع،وتشرق الدمـوع من عينيها وتحتضـن دميـة كبيرة الحجم
تلعب بها ابنتها النائمة في الحجرة المجاورة...
احتسيت الشاي وارتديت أفضـل ما
لدي من ثياب وخرجت مسرعا…الشـارع أكثر بشاعة واشمئزازا من
الحـواري والأزقـة... أين قصـور المماليك والاغـاوات والبشاوات
والحدائق والجداول والبحيرات التى نقرأ عنها في كتب التاريخ...
أشباح بشرية مكدسة في مركبات
تترنح تنفث دخانا أسـود في الصدور الصدئة المتكلسة، وعلي الأرصفـة نساء
وشيوخ وشباب يبيعون كل شئ ويتشاتمون بجوارح الألفاظ…انتظرت علي المحطة وسط حشد كئيب
غير متجانس... قفزت إلي داخـل "الميني باص" المتجه إلي الزمالك…جلست علي أول مقعد خال قابلني وسط
زحام فظ غليظ خشن متعاف... أتلهف إلي الوصول... تلميذي ابن
باشا سابق سأحصل علي خمسين جنيها في الحصة ومنحـة في المواسم
والأعياد..سيتضاعف دخلي الشهـري أربعـة أضعاف..سأسدد ديوني، وأشتري ملابس
لائقة وكافة الضروريات، وربما الكماليات أيضا، ومكتبـة أجمع فيها أوراقي
وكتبي المتناثـرة فوق الدولاب وتحت الأسرة، ولن أنسي ابنتي..سأشـتري لها
كومبيوتر وملابس فخمـة..ربما نذهب إلي الطبيب.. لا تروقني فكرة
الأطفال..أجبن أمام هذه المسئولية..المال..الفلوس.. الدخـل الثابت.الأمان
والمسكن المريح الواسع..معادلة صعبة بل مستحيلـة..ما أجمل أن تعـيش في
حرية واستقرار وهدوء وسكينة مع النفس..درس ابن الباشا سيطرد شبح الأزمـات،
وأوقع هدنة مع الفقر، وتذهب زوابع أمشير من شقتي...
نزلت في شارع نظيف..سويت ملابسي.
مسحت حذائي.. شارع هادئ يملس عليه نسيم رطب عبق برائحة
الياسمـين..عثرت أخيرا علي العنوان. فيلاّ تحيط بهـا حديقة
ضخمة..علي قطعة رخـام صافيـة لامعة وبخط متأنق "فيلا السعادة".. الباب
الخارجي حديد مجدول عليه زخارف.الفراغات مسدودة بزجاج سميك ملون، وسـور
ثلثه السفلي من الحجر الوردي.الثلثان العلويان حديد مطلي بطلاء أسـود
لامـع به أشكال هندسية في قلبها زهـرة اللوتس مفضضـة شديدة البريق. في
مستوي قامتي زر جرس أحمر مضيء..فتح الباب دون إزعاج أو صوت.استقبلني رجل
أسمر بعمامة بيضاء وسروال وقفطان،وحزام عريض من الكتان.انحني
محييا... تقدمني.دفع الباب الداخلي برفق..اصطحبني إلي حجرة واسعـة
جدا، مساحتها تقدر بثلاثة أضعـاف مساحة شقتي... ارتفاع سقفها يقدر
بارتفاع طابقين في عمارات عامة النـاس، تتدلى من السقف نجفة من الأوبالين
النقي والفضـة والكرستـال بها مصابيـح لا أستطيع حصرها…الحوائط مغطاة بمكتبة ضخمة مملوءة
بالمجلدات الأنيقـة.. في ركن الحجرة "بيانو " سطحه أسـود عاجي.. روائـح
زهور الياسمين تقتحم عليك الغرفة..زهـور القرنفل والورد البلدي وحنـك
السبع تملأ المكان، موزعة بعناية وخبرة..حمل الخادم كوب عصير لم أذق طعمه
من قبل... آه. تذكـرت شربت شيئا قريبا من طعمه يوم اصطحبت
زوجتي ونحن في نشـوة الحب إلي" كافتيريا" فخمة في وسط البلد..كان عصير
الأناناس... أردت أن أكافئها بنزهة راودتها ونحن في سكرات غيبوبة
الخطوبـة
ولم تتكرر…من الصعب أن أذهب إلي مثل هذه
الأماكن لأسباب متنوعة أهمها ارتفاع الأسعـار وأحيانا الإيهام بأنها قد
حضرت إليها قبل الزواج لإزكاء نار الغيرة ولرفـع مكانتها وأنها كانت
مطلوبة ومحـل اهتمام آخرين قبلي.أعلم مثل هذه الحيل..كانت أرجلها تتلعثم
وتتوه نظراتها لاختيار المكان المناسب للجلوس…منذ عرفتها وهي تحضر من العمـل،
تغتسل وتجهز الغذاء وتشرب الشاي وتنام لليوم التالي يتخلله الاستيقاظ
للعشاء ومشاهدة مسلسل الساعة الثامنة اليومي... غيرت هذا المسلك بعد
أن أنجبت طفلتنا.. تجلس معها وتحادثها كأنها فتاة ناضـجة.مركز اهتمامها
وعنايتها.وأنا بدوري أصبحت أفتقـد المشاعر المتدفقة والأحلام
المتفائلة... أذكر تلك النشوة التى كانت تنقلني من عالم
الواقع إلي عالم متخيـل محلق حينما أستمع إلي شدو عمالقـة الموسيقى
الحالمة وهي تنساب رقراقة والطرب الشجي كلها أصبحت ذكريات مؤسية...
أعيش واقع حزين ومستقبل غير واضح المعالم،ولم يبق سوى الوحدة
والاغتراب،ووحشـة الردة،وظلمة النفس،والديون، وأحزان الوطن…..
أقبـل تلميذي ابن الباشا
باشّـا.فارعا.يلبس نظارة طبية رقيقة.وقور رغم صغر سنه. جميل القسمات.وجبين
عريض.خليط من الملامح المصرية والتركية أو القوقازية
مسـاء الخير..مستر
مسـاء الخير...
دعاني للجلوس علي مكتب فخم..جلس
أمامي، تبدو عليه سمات رجولة مبكرة…
نضج واعتزاز بالنفس أفتقـده في
تلاميذ المدارس الحكومية ذوى الأجساد الهشـة النحيلة، وملامحهم الطفولية
البلهـاء، وعيونهم الذابلة الدامعة، وجلودهم الجافـة الكالحـة...
أشرت إليه أن يعرفني بنفسـه... ولدت وأقمت في لنـدن وعواصم
أوربا.دادى قرر العودة.أنا سعيد. لأني وسط أقاربي. في أوربا لا يحبون
الأجانب.لكن هنا الجو حار. والشوارع مزدحمة،والناس ملابسهم
تقليدية... دادي يقول أن بلدنا كانت جميلـة ومتطـورة
وهادئة... أحيانا أشعر بالملل... الزحام هنا لا يطاق... لا
أجيد اللغة العربية،أحفظ بعض سور القرآن...مخارج الحروف عندي ضعيفة...
شعرت بارتياح عميق...
سأستمر معه فترة طويلة لو اقتنع بي.سأبذل مجهودا... فرصة لن تتكرر
لأحقق ما أصبوا إليه..لأول مرة سيكون لي تلميذ
أشكّل شخصيته العلمية والأدبية... سأستدعي كل فنون ومهـارات
مهنتي.سـأقرأ كل ما له صـلة بتخصصي... سأقوّم لسـانه... أول
خطـوة علي طريق الشهـرة في عالم الدروس الخصوصية في الأحياء الراقية بين
أولاد النـاس وأولاد الذوات... درس لمـدة ثلاث ساعات في الأسبوع
يسـاوى مرتبي لعـدة شهـور... أكثر من عشرين سـنة ألهث وأعدو بين
المدارس الحكومية والمدارس الخاصة أستنـزف من أجل أن أحقق شيئا من الشعور
بالأمن أو تحقيق الذات متحملا "رزالات وغلاسات "أولاد الفقراء المحشورون
في أدراج مهشمة، وإهانات الصحف والسينما والتلفزيون..إعانة اجتماعية.بـدل
تعطل يسمونه مرتبا... ومحنة يسمونها منحة يتعطفون بها علينا كأولاد
السبيل..نهاية المطاف وثمار عرق المهانين المكافحين يتضررون منها كأنها
ورطة يجب التخلص مـن أعبائها…مانشيتات
سوداء وحمراء وخضراء... تطوير التعليم... دعم المـدرس… المافيا في وزارة التعليم…الوزير يقف خلف المدرس…وعد،ووعيد، سب وهجاء، مـدح
وإطراء...
كنت أطمح إلي تحقيق حلم الشعور
بالذات والأمان..جميل فعلا أن تحس بالأمان وبالطمأنينة
والاستقرار... آمال وطموحات... زهو وخيلاء..لم تكن تسعنا
الأرض بطولها وعرضها وسمائها…الآن
أتوارى من نفسي، أطوف علي شـقق الطلبة؛ فقراء وأغنياء، يقتلنى الخزي وأنا
أتجول في حواريها وأزقتها…تتطلعني وجوه جعدها الهمّ وطول
الانتظـار والآمال المجهضة متوسلة، بكل الابتهالات والدعوات، بالنجاح
ومستقبل أفضل لأولادها، وبالستر لبناتها…
حاولت أن أقارن بيني وبين مدرس
حفيد الباشا في بلاد الضباب فوجدتها مقارنة جائرة وظالمة... انكمشت.
تضاءلت. مشاعر مضطربة مهدرة مرغمة خائبة...
اقتربت من كوبري" أبو العلا "
فجأة أمطـرت السماء برخات غليظة صفعتني علي وجهي..أرعد البرق. لم يدخل
الشتاء بعد... أشرت إلي سيـارة أجرة:
العتبة...
ثلاثة جنيهات
قبلت علي مضض...
فجـأة توقف المطر.لم يستمر.ندمت. لمت نفـسي. لو انتظرت بضع دقائق
كان يجب أن أتوقع ذلك.مازال علي الشتاء فلكيا عشـرة أيام.
ثلاث جنيهات مرة واحدة...
ابتلت الأرض وهمد التراب وصفت
السماء واغتسلت مما علق بها مـن تراب وغبـار... اندفـع الهواء
منعشا ممتزجـا برائحة عرق التقاء المطر بالأرض.التقـاء اشتيـاق...
مـلأت رئـتيّ بالهـواء النظيف.. تحسست جيبي غمرني شعور دافق بالسـعادة. لن
أنتظر إعارة أو عقد إذعان وخنوع في بلاد الزفت والقـار. أغمضت عينيّ وطوحت
برأسي إلي الخلف في تيه وعجب ورضى... نط إلي رأسي طائر الشك: لماذا
أنت راض عن نفسك هكذا؟! ماذا لو قرر حفيد الباشا المدلل المترف العودة إلي
لندن هـاربا من التلـوث. والزحـام والضوضاء. و…و...و... أو لأي سبب من
الأسباب...
يا نهار اســـود...
توقف السائق فجـأة:
خير يا أستاذ كفى الله الشر…
أفقت من ذهـولي وشرودي.
اعتـذرت. يبدو أنني فكرت بصوت عال كعادتي الرديئة.وأخذت أبرر صـراخي.كنت
أتصـبب عرقا…يبدو أنه لم يصـدقني...
تحركت السيارة.أخذ يتطلع إليّ من
خلال المرآة التي أمامه... ارتفعت قامته... اتسعت
عيناه.انتبهت كل حواسه تراقبني وتلاحظني….
arlshaf954@hotmail.com