ضربوا الواد
على رأسه في خناقة شارع عادية، صرخ واشتكى وبكى ومن بين دموعه صاح وهو
يجري بعيداً:
ـ عليّ
النعمة لأنا مكلُم أخويا في الموبايل دلوقتي أهه وأخليه يجيب شلته اللي في
الشرابية ونقطعكم حتت، هنسيّح دمكم واحد واحد.
لماذا
استقوى الولد ابن مصر الجديدة بشلة أخيه في الحيّ الشعبي، ترى ما هو قدر
العشم الذي سمح بذلك. لابد وأن هناك مصلحة ما بين أخيه وبين الفتوات.
فلوس. خدمات. وما إليه.
عندما قامت
الدنيا ولم تقعد في (11 سبتمبر) بعد تدمير برجيّ مبنى التجارة العالمي،
أشارت أصابع الاتهام بسرعة إلى (جماعة بن لادن) هذا على الرغم من كل
التحفظات التي تشير من قريب ومن بعيد إلى تورط الإدارة الأمريكية نفسها في
ذلك الحدث (أكد على ذلك عبور نهر الربيكان) الذي تنشره مجلة روزاليوسف
مؤخراً
لكن لماذا
استقوت جماعة بن لادن على أمريكا بهذا الشكل. واستقوت بمن؟ استقوت بكل
دابة على الأرض تكره أمريكا، تكره صلفها وتميزها العسكري والمادي وسياستها
التي تكيل الكيل بمكيالين، والغريب هنا أنها أمريكا هي التي استقوت
بطالبان وجماعة بن لادن بل و موّلتهم ودربتهم لضرب السوفيت في أفغانستان.
ودول الخليج
استقوت بالعراق لتتفادى التهديد الإيراني لها فوجدت صدام حسين يحتل إحدى
دولها ويستقوى بالعرب النشامى والمسلمين الصناديد وخطّ (الله أكبر) على
علمه وصلّى بعد احتساء الخمر، وقتها استقوت به قوي ودول عربية لا داعي
لإحراجها الآن.
والساحة
العالمية ملأى بالنماذج التي تحدد مفهوم الاستقواء بالآخر، غير أن الحالة
المصرية تحديداً خصبة وتمتلئ بالنماذج والصور التي لا يمكن تجاهلها، ففي
خلال الحرب العالمية كانت بريطانيا العظمى تحتل مصر وكانت ألمانيا تغزو
العالم كله تتقوى بإيطاليا واليابان أساساً، لكن كثير من المصريين استقووا
بهتلر وبالألمان
والتاريخ
الشعبي ملئ بنماذج شتى لهذا الاستقواء الذي بدا مبرراً ًفي ضوء عدو عدوي
الذي يحتلني صديقي، لكنه أيضاً كان مبالغاً فيه ومستغرباً بعض الشيء
خاصة أن النازي لك يكن حليفاً مفضلاً لدى المصريين.
ثم استقوى
عبد الناصر بالكتلة الاشتراكية غير أنه ولحساباته الخاصة فصل بين هذا
الاستقواء وبين الشيوعيين المصريين؛ فاعتقلهم وعذبهم حتى الموت مما أدى
إلى اعتراض تيتو على ذلك وجهاً لوجه عندما كان عبد الناصر في زيارة
ليوغوسلافيا .
في
المقابل ظلت القوى اليسارية عموماً والشيوعيين خصوصاً يستقوون بالاتحاد
السوفييتي حتى بعد أن فقد مخالبه وإلى أن تفكك أصابتهم الصدمة والإنكار
والرغبة العارمة في عدم التصديق، فالاستقواء بالآخر (السوفييتي) هنا (حتى
لو لم يملك القوة السياسية أو الاقتصادية فهو معنوياً موجود وقائم
ومُسمّى)، لذلك انتاب تلك الجماعة ما يمكن تسميته وقتذاك (الاكتئاب
السوفييتي) وهو مصطلح مجازي يشير إلى الشعور بالإحباط لفقدان قوة عظمى
وإمكانية الاستقواء بها.
ثم أتى
السادات وسط صراعات كثيرة مع اليسار المصري تحديداً والناصريين تخصيصاً
أدّى إلى أن يستقوى بالجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين الذين بدورهم
استقووا بالقوى المتطرفة في الخليج بخاصة السعودية وقطر (هم أيضاً أصيبوا
باكتئاب له صبغة دينية محلية تتعلق بتوزيع القوى وبتجفيف الينابيع في دول
الخليج بعد إضعافها بالعمليات الإرهابية وفقدانها لهيبتها بجانب التهديد
العسكري الأمريكي بعد احتلال العراق .
عودة إلى
(11 سبتمبر) وبصرف النظر عن ملابساته فلقد هزّ بشدة صورة الأمريكان لدى
الكثير من المصريين الذين يعشقونهم، فانقلبت الآية (لأن المعلم الكبير
اتضرب على قفاه يا رجالة) وهنا ظهر الاكتئاب الأمريكي لدى المصريين صاحبه
كره ورفض يقابل رفض الأمريكان للعربي المسلم، ورفض إعطائه فيزا وإهانته
وتفتيشه بشكل مقزز ومع كل الاعتبار للموروث الشعبي الذي يؤكد على أن (اللي
مالوش كبير يشتري له كبير)، و(يا بخت من كان النقيب خاله) و(اللي له ضهر
ما يضربش على بطنه)، إلى آخر تلك القائمة التي تبدو، صورها في حياتنا
اليومية جلية في (أنت مش عارف أنت بتكلم مين، أو حاسب إنت مش عارف أنا ابن
مين أو قريب مين.. إلى آخره)
فالاستقواء
بالآخر صاحب السلطة والجاه والنفوذ خبز يومي يأكله المصريين بل وأتقنوه
فصار المشهد في أقسام الشرطة في الحياة العامة وفي الأفلام، شخط ونطر
ينتهي بأدب وذوق بعد مكالمة تليفون من مجهول يستقوى به فلان وفلانة رغم
جرمهم الفظيع. لكن لماذا هذا الاستقواء بالغريب تماماً، عكس التيار والمثل
الشائع (أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب)، لماذا
الاستقواء بالأجنبي البعيد جداً عن مفهومنا وحياتنا وتقاليدنا مما ينفخ في
عضلاته المنفوخة أصلاً ويضخم من ذاته المتضخمة أساساًْ؛ استقوت الحكومة
المصرية بالأمريكان للاستفادة من عدة مشاريع ومعونات فهل هذا أعطى الحق
لكل من هب ودب ليستقوي ويستنجد بماما أمريكا رغم كل سيئاتها؟!
ألا يدرك
المصريون أن تجربة أمريكا في العراق لها دلالات قوية على أن الاستقواء
بالآخر، هذا المتميز والقوي يغريه بالتدخل فيما لا يعنيه وبالتدخل
في شئون الناس بلا مبرر. ولقد استقوت بعض الجماعات ذات الرأي وتلك
المتنبئة بعض حقوق الإنسان، وكثير من الأقباط مؤخراً بالأمريكان وشاركهم
في ذلك بعض تجار السياسة وسماسرتها من أجل حفنة دولارات أوانبرى البعض
ليقول أنه طالما أن الوطن يعاني من تجاوزات كثيرة فهذا كفيل بتدخل الأجنبي
أبجانب
أن ظاهرة الاستقواء بأمريكا لها أبعاد اجتماعية وسياسية بحتة أفإن لها
أبعاد تتعلق بالمصلحة الشخصية تحديداً، أن تلك الظاهرة التي وسمت كثير من
المصريين مؤخراً وتجلت في مظاهرات الكاتدرائية الأخيرة إنما تدل على قلة
حيلة أفلاس وعدم قدرة على المواجهة، بل و التباهي واستنجاد القرعة بشعر
بنت أختها، وإذا جاز القول فإن (ثقافة الاستقواء بالآخر) لها بعدها النفسي
العميق، يشير إليه روبير الفارس (روزاليوسف 19 – 25/ 2/ 2005) بخصوص مايكل
منير باعتباره إحدى ثمار ثقافة الاضطهاد، فالمهاجرون المصريون أقباطاً
كانوا أم مسلمين يجيدون قرع الطبول ويحلمون أن تطبق أمريكا علي رقبة مصر
ولا تتركها ودون خوف أو خجل؛ صرنا نسمع همسات ترحب باحتلال مصر ؟!
لابد هنا من
الدخول إلي لب البعد النفسي لظاهره الاستقواء بالآخر في تطرفها وفي شكلها
المرضي غير المبرر، بمعني أن ما يحدث إنما هو نتاج التفاعل بين الكرب
الاجتماعي، الضغط العصبي، و العوامل التي- من المفترض- أن تحمي الإنسان في
بيئته، ونموذج ذلك مركب ومتعدد الطبقات يؤكد علي أننا لن نتمكن من وضع
اليد على سبب واحد وراء تلك الظاهرة و إنما مجموعه من العوامل تكاد تتمحور
حول ( الضغط الاجتماعي العصبي - في مقابل ـ الهشاشة أو الاستعداد و
القابلية للإصابة) .
الصحة النفسية
التكيف
الاجتماعي
الضغط الاجتماعي العصبي
الهشاشة
حالة اللاتعويض
فكلما زادت
الهشاشة النفسية للإنسان أكلما أحتاج إلي قليل من الضغط النفسي لكي تظهر
عليه أعراض شتي أهمها الاستقواء بالآخر الخوف المرضي من السلطة،
الاعتمادية المتواطئة ]بمعنى أن المواطن الاعتمادي ـ غير المستقر الضعيف السهل
الانقياد ـ يستقوى بالآخر ـ دوله أو رئيس أو شخص قوي ( في نظره سوي) ـ
متمنياً حمايته ورعايته ويحلم بعصاه السحرية التي ستحل كل المشكلات]
لكن
على الرغم من قوة الإنسان المصري وصلابته (وذلك قد ثبت علمياً في حرب
أكتوبر 1973) إلاّ أن لديه استعداداً تاريخياً للإسراع بالاستنجاد
بالأجنبي، (لما هزمنا في 1967، ظللنا ليل نهار نسأل عن السوفيت
وصواريخهم)، وعندما عاكستنا إسرائيل (قلنا أن 99% من أوراق اللعبة في يد
أمريكا )، وعندما تفاعلت قوي سياسية حزبية وغيرها وجدنا أن أسرع شيء هو
الاستقواء بالأجنبي والاستنجاد به بدءاً من سعد الدين إبراهيم وانتهاءاً
بأيمن نور، ولا ننسي أن هناك ـ للأسف ـ من يستقوي بل ويستنجد أحياناً
بإسرائيل؛ ولعلها تلك الشخصيات المفتونة بنفسها وعقلها، والتي تري بشكل
مرضي أنها تمثل مصر كلها، وتكون غاية في الأبهة والنرجسية وشديدة
الحساسية لأي نقد أو حصار أو سؤال ( علي الرغم من أن تاريخها يكون عادة
حافلاً بمثيرات الشك والارتياب )، عدم الاستقرار، المصاعب العامة والخاصة،
الأفكار الغربية، وهكذا .. يصاحب ذلك شعور عنيف بعدم التصديق إذا ما تم
القبض علي متهم في شأن جنائي أو سياسي أو عام، الإنكار، و الزهو، وانتظار
الأمريكي الجميل يهبط بالبراشوت على أرض أمن الدولة أو التحقيق ليفك الأسر
ويأخذ الضحية إلي هليوكوبتر حديثة تحلق في السموات السبع.
أما عن
العامة الذين إذا واجهتهم مشكلة مثل حكاية وفاء قسطنطين أو ماري وتيرزا (
الفيوم ) مؤخراً فنجد أن القابلية العالية للإيحاء تؤدي إلي فقد أن
العقل لوظائفه العليا مما يقود إلي العنف والاتهام وتعميق صورة
الضحيـــــة ( أنا هنا لا أعني مصادرة حق الإنسان في التعبير عن رأيه
والاعتراض والتظاهر) لكني أسجل هنا تحديداً- لماذا يحدث الاستقواء بالآخر،
الأجنبي، الغريب حتى لو كانت ـ مثلاً ـ ديانته مسيحية فهي مختلفة في
ثقافتها وفي طقوسها كما أن مسلمين يحدث ويستعينون بالأمريكي المسيحي
سياسياً وعسكرياً ـ وربما لضعف في الأنا أو إحساس بعدم الأمان، أو اعتقاد
خاطئ يقترب من حدود الضلالة بأن الاستقواء والاستنجاد بالغريب القوي
المتميز سينصر الحق وسيحل الإشكال علماً بأن وفي حقيقة الأمر يزيد الطينة
بلّة ويترك شرخاً صعب التئامه في النفس الإنسانية.
تهدينا
وقائع المؤتمر المصري الألماني الأول (تحرير نادية حليم ـ ترجمة د. قس ـ
ثروت قادس ـ المواطنة، الدين والديمقراطية أبريل 2003) بتعريف الوطن بمساحة الأرض التي يعيش عليها الناس وتربطهم
اللغة، الدين، العادات، التقاليد، التاريخ... إلخ ويشمل أربعة أبعاد:
الجغرافيا (الأرض)، التاريخ (حركة الجماعة)، الناس (المواطنون)، المشروع
القومي.
بينما يرى
ابن تيمية أن مفهوم "الأمة" لا يتحقق لمجموعة من الناس لمجرد العيش في
مكان واحد أو الاشتراك في تاريخ واحد أو حتى لأنهم يتحدثون لغة واحدة، لكن
مفهوم "الأمة" يشتد ظهوراً في لحظات التأزم وفي ساعات الخطر،
ونلخص
القول من المصدر السابق إلى أن المواطن شخص له حقوق وامتيازات (أساسية)،
وعليه واجبات والتزامات (كاملة) ـ هنا وجب القول بأن نقصان حقوق وامتيازات
الفرد (أساسية)، وعليه واجبات والتزامات (كاملة) ـ هنا وجب القول بأن
نقصان حقوق وامتيازات الفرد لا تعطيه الحق إطلاقاً في الاستقواء بالآخر أو
الاستنجاد به لأن في صميم ذلك نقص لمواطنته وضربها في أحشائها وتجريدها من
معناها الأساسي، واعتقد أن الالتزام الكامل بواجبات المواطن وبالإصرار على
للتصدي للبطش والحرمان بكافة الطرق خير بديل عن الأجنبي لأن استدعاءه فيه
غواية وخسارة لا تدرك خطورتها إلا بعد فوات الأوان.