انشغلت، طوال العام الماضي، كما انشغل الكثير منا،
بشيء واحد، العراق. العراق، كما قالها بوب وودورد في كتابه ’خطة
الهجوم‘، قد "امتص كل الأكسجين من النظام". انه الحدث المحوري في
زماننا، انه حربنا الأهلية الأسبانية، انه فيتنامنا. وكل شيء آخر
بدا كما لو انه قد توقف هنا وفي كل مكان آخر في العالم حتى يكون هناك
قرارا حاسما وعادلا للحالة الرهيبة التي خلقها الغزو والاحتلال
الأمريكي لهذا البلد.
عندما نزل جورج
دابليو بوش على حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن على ساحل
كاليفورنيا في الأول من مايو العام الماضي لإعلان نهاية الحرب في العراق،
ظهرت واشنطن كما لو أنها في أوج سلطانها، وكثير من المعلقين يسمونها،
بنظرة تجمع بين الرعب والاشمئزاز، "روما الجديدة". النزول بحاملة
الطائرات، كما أشار الدارس الكندي انتوني هال، كان احتفالا بالقوة – مشهد
تم إخراجه بمقدرة عالية الاحتراف على نفس خطوط الفيلم الأمريكي الشهير
’يوم الاستقلال‘ وفيلم لني رايفنشتال ’انتصار الإرادة‘.
في المشهد الافتتاحي
للانتصار، تم تصوير أدولف هتلر يطل من السماء على تجمع للحزب النازي في
نورمبرج عام 1934. بدأ الرئيس بوش عرضه العظيم على سطح أبراهام لنكولن
لامسا ظهر السفينة في رداء (S-3B)
بسواد الفايكنج. كان ذيل الطائرة موسوما بهذه الكلمات "القائد العام".
اطل الرئيس الأمريكي برأسه من الطائرة وهو يرتدي ملابس الطيار الحربي
الكاملة، باعثا في المخيلة المشاهد الدرامية النهائية لفيلم يوم
الاستقلال. في هذه المشاهد، يقود رئيس أمريكي تحالفا كوكبيا من قمرة
قيادة طائرة نفاثة صغيرة مقاتلة. هدف العملية التي تقودها الولايات
المتحدة هي الدفاع عن الكوكب في وجه هجوم كائنات غريبة من الفضاء
الخارجي.
ولكن الحظوظ متقلبة،
خاصة في وقت الحروب. اليوم، يتمنى بوش ومستشاروه لو انهم لم يقوموا
بتمثيل مشهد الأول من مايو الفوتوغرافي. حدثان وقعا متقاربين معا الحقا
اللعنة بالمشروع الأمريكي: المقاومة في مدينة الفلوجة والفضيحة التي ثارت
حول الانتهاك الجنسي لسجناء المعتقل العسكري الرئيسي "أبو غريب" في
بغداد.
أبو غريب وجيش الولايات المتحدة
الأمريكية
يرسم أبو غريب بأسلوب
طاغ الإفلاس الأخلاقي لحرب بوش، وليس لدي ما أضيفه على هذا. كل ما أود
قوله هو أن أبو غريب والطريقة التي تم تناول الحدث بها سوف يكونا نقطة
تحول للجيش الأمريكي في العراق. لعبة المحيطين ببوش هدفها الواضح هو
تقليص عدد المتهمين، والمدرجين، والمعاقبين لعلاقتهم بالإساءات التي وقعت
في أبو غريب، وتحديدهم في حفنة قليلة من الجنود النساء والرجال وربما
قبضة من الضباط. سوف ينسب الانتهاك إلى مجموعة قليلة من البيض الفاسد
ولن يعتبر عملا "منهجيا". على الأرجح، سوف تمتنع الإدانة عن الوصول إلى
أعلى سلسلة القيادة والزعامة المدنية التي خططت لكل الغزو الإجرامي الذي
زرع بذور الظروف التي أدت إلى الانتهاكات في المقام الأول. عندما تلزم
التضحية بالبعض في مستويات الضباط الأعلى، كما في حالة اللفتنانت جنرال
ريكاردو سانشيز، القائد الميداني الأعلى في العراق، يبدو أن الاستراتيجية
هي فصلهم، ثم إخفاؤهم بسرعة عن الظهور العلني بدلا من إنزال العقوبة بهم.
المشكلة الوحيدة في
هذه الاستراتيجية هي انها قد تنقذ القيادة العليا المدنية والعسكرية
ولكنها قد تؤدي الى تدمير الروح المعنوية للمستويات الدنيا.
إحساسي إننا سوف نشهد
سريعا نواتج حالات الانهيار المعنوي التي دمرت تقريبا جيش الولايات
المتحدة في فيتنام. بعض المجندين في فيتنام "تهجموا على" أو قتلوا
ضباطهم بالقنابل اليدوية عندما كفوا عن رؤية أي معنى في ان يطلب قادتهم
منهم المغامرة بحياتهم في حرب فقدوا احساسهم بشرعيتها ومعناها أو عندما
كانت تثيرهم عجرفة هؤلاء القادة الأعلى. هناك أكثر من 200 حالة تهجم
مسجلة في فيتنام. ولهذا الحد، في حرب العراق، كانت هناك حالة واحدة فقط
سجلت في منتصف 2004، قام بها احد الجنود عندما رمى ثلاث قنابل يدوية
ناحية ضباطه في معسكر، بنسلفانيا، الكويت، في 23 مارس 2003. قد يكون
هناك ربما المزيد من الذي لم يسجل بعد. الآن، استراتيجية إلقاء اللوم
على المجندين والمجندات بتهم أبو غريب سوف تكون دعوة للتهجم والإقدام على
تصرفات اخرى من التمرد يقوم بها جنود محبطين يقابلون المزيد والمزيد من
المقاومة المستميتة لما يراه الكثير منهم الآن حربا جوفاء بلا معنى.
الفلوجة:
نقطة تحول
ما أود إنفاق مزيد من
الوقت عليه هو مغزى الفلوجة. في أوائل ابريل 2004, أصبحت الفلوجة نقطة
التحول في حرب العراق. على مبعدة ساعة واحدة إلى الغرب من بغداد على
الطريق السريع رقم 1، الفلوجة هي منتجع يسكنه 300 الف على ضفاف نهر
الفرات. وعلى عكس الدعاية العسكرية الأمريكية، لم تعتبر الفلوجة في يوم
من الأيام احد معاقل حزب البعث أيام صدام حسين. الذي قلب الفلوجة إلى
مركز مقاومة للأمريكيين كان إطلاق القوات الأمريكية للنار بلا تمييز على
مظاهرة سلمية كبيرة ضد وجودهم في 29 ابريل 2003 أثناء تقدمهم إلى بغداد.
حولت تلك المذبحة البلدة بشكل حاسم ضد الولايات المتحدة، وفي العام
التالي "تحت الضربات المنتظمة المستمرة للهجمات، انسحبت قوات الولايات
المتحدة من المدينة" تحت ستار تسليم وظائف الأمن إلى الشرطة العراقية
وقوات الدفاع المدني، طبقا لتقرير جاء في الفاينانشال تايمز.
في أواخر مارس 2004،
هوجم أربعة مرتزقة "مدنيون" من الولايات المتحدة على صلة بشركة بلاكووتر
للأمن والحراسات، الذين تم تجنيدهم من الجيش الأمريكي، وتم سحل جثثهم
بواسطة المقاتلين من المقاومة العراقية. في واحد مما سوف يذهب كأسوأ
قرارات سلطات الاحتلال الأمريكي، حاصر حشد من 2000 من قوات البحرية
الأمريكية المحمولة رقم 1 المدينة يوم 4 ابريل للبحث عن وإنزال العقاب
بالعراقيين المتورطين في الحادث. البريجادير جنرال مارك كيميت، نائب
مدير العمليات في القوات العسكرية الأمريكية في العراق، وعد بـ "رد فعل
كاسح"، قائلا، "سوف نخلد المدينة للهدوء".
كرر سكان المدينة
شعارا مستهينا أثناء اشهر الاحتلال يقول "الفلوجة مقبرة الأمريكان".
شاهد شهر ابريل هذا الشعار وقد أصبح حقيقة، بمصرع عدد له مغزاه من وفيات
الكتيبة الأمريكية 102 بسبب القتال في المدينة وحولها. ولكن هنالك معنى
اكبر في أن الشعار أصبح حقيقة: الفلوجة أصبحت مقبرة سياسة الولايات
المتحدة في العراق.
المعركة من اجل
المدينة لم تنته بعد في 9 ابريل، عندما أعلنت القوات الأمريكية "تعليق
العمليات الهجومية من جانب واحد". ولكن المقاومة العراقية قد أعلنت توا
انتصارها نفسيا. المقاتلون غير النظاميين المدفوعين أساسا بالروح
المعنوية العالية والشجاعة كانوا قادرين على محاربة نخبة الكتائب
الاستعمارية الأمريكية – المارينز – وأوقفوهم على الضواحي الخارجية
للفلوجة. أكثر من ذلك، قيادة القوات الأمريكية وقد ثار هياجها، وهي
مدججة بأحدث تكنولوجيا الدمار مما صار ماركة مسجلة لها، فتحت نيرانها بلا
تمييز، مما أدى إلى وفاة بعض من 600 من الناس، أساسا من النساء والأطفال،
طبقا لروايات شهود العيان. خلقت هذه التطورات، وقد نقلت أحداثها
التلفزيونات العربية، خلقت كلا من الإلهام والغضب العميق الذي سوف يترجم
إلى دعم للمقاومة. المستنكرون للمذبحة لم يكونوا العراقيين فقط ولكن إلى
جانبهم كان حلفاء الولايات المتحدة أيضا من المستنكرين: وقد شاهدوا آثار
استخدام قوة النيران المكثفة ضد المدنيين، فالجنرال سير ميكائيل جاكسون،
رئيس القيادة العامة البريطانية، ابعد نفسه عن حمام الدم: "يجب ان نكون
قادرين على الحرب مع الأمريكان. وذلك لا يعني إننا يجب أن نكون قادرين
على الحرب كالأمريكيين"، هذا ما أكده. "هذا أن المقاربة البريطانية
للنزاع بعد الحرب يختلف مذهبيا عن الولايات المتحدة وهي حقيقة من حقائق
الحياة".
ووجهت القوات
الأمريكية بإشكالية لا تحسد عليها: قد يكونوا قادرين على التمسك بوقف
إطلاق النار، الذي يفسره العراقيين على انهم غير قادرين على التعامل مع
الفلوجة، أو انهم يستطيعون الدخول إليها والاستيلاء على المدينة بثمن
باهظ رهيب يدفعه سكان المدينة ويدفعونه هم أيضا. لا يوجد أدنى شك أن
المارينز المدججين بالسلاح يستطيعون فرض السكينة في المدينة، ولكن ثمن
ذلك كان سوف يجعل النصر على الأرجح مروع التكاليف.
اختار المارينز
الكارثة الأخف وطأة، ودخلوا في ما رآه البعض اتفاقية غير معتادة لخلق قوة
جديدة، تعرف باسم جيش دفاع الفلوجة, ليدخل المدينة من اجل توفير الأمن.
سوف يتشكل هذا الجيش مما يصل إلى 1100 جندي من الجيش العراقي السابق
يقوده احد قادة فرق الجيش السابقين تحت حكم صدام. كيف سيكون أداء الوحدة
الجديدة هذا غير واضح، ولكن شوهد أعضاء مقاومة الفلوجة سريعا وهم يشرفون
على الأمن في شوارع المدينة. لا شك أن بعضهم هم من الناس الذين ساهموا
في كمين مرتزقة شركة بلاكويل.
الشيء الهام، انه
مهما كانت الترتيبات الملموسة على الأرض، انه قد لوحظ أن الفلوجة قد
أصبحت ترى كهزيمة للولايات المتحدة وان أثر تلك الهزيمة المرجح هو إمداد
صفوف المقاومة المزدهرة توا بآلاف المقاومين الجدد.
جذور
المقاومة
الحق هو أن، سيناريو
المحافظين الجدد بالغزو السريع، ثم تحييد السكان بالحلوى والنقود، ثم زرع
"ديموقراطية" ألعوبة يسيطر عليها عملاء واشنطن، ثم انسحاب إلى قواعد
عسكرية لا تطالها يد الثائرين بينما يتحمل جيش وشرطة يدربهما الأمريكيون
مسئولية حفظ الأمن في المدن، هذا السيناريو سقط فاقدا الحياة بمجرد
الوصول.
برغم كل شروخ البلد
المتعددة، شعبية الإسلام والنزعة القومية العابرة للاختلافات الإثنية لا
زالت قوية في العراق. تلك الحقيقة وصلت إلي في بلدي عن طريق حادثتين
عندما كنت ازور العراق مع الوفد البرلماني قبل القصف الأمريكي بوقت
قليل. عندما سألنا احد الفصول في جامعة بغداد عما يرونه في الغزو
القادم، أجابت فتاة شابة بحزم انه لو درس جورج بوش تاريخ بلادنا، لكان قد
عرف أن الأمريكيين سوف يواجهون نفس مصير الجيوش التي لا حصر لها التي أتت
بلاد الرافدين غازية مدمرة طوال الـ 4000 سنة. عند مغادرتنا لبغداد، كنا
قد اقتنعنا ان هؤلاء الفتيان والفتيات الذين تحدثنا معهم ليسوا من النوع
الذي سوف يخضع بسهولة للاحتلال الأجنبي.
بعدها بيومين، على
الحدود مع سوريا، قبل ساعات من القصف الأمريكي، تقابلنا مع مجموعة من
المجاهدين قاصدين الاتجاه المعاكس، تملؤهم الحماسة ويتفجرون نشاطا لقتال
الأمريكان. كانوا من ليبيا، وتونس، والجزائر، وفلسطين، وسوريا، كانوا
الحد الأقصى من حشود المتطوعين الإسلاميين الذين انهمروا كالسيل على
العراق طوال الشهور القليلة التالية للمشاركة فيما قابلوه بترحاب
كالمعركة الحاسمة مع الأمريكان.
تنبأ الكثير منا، عند
بداية الغزو، أن الغزو الأمريكي سوف يواجه مقاومة مدنية تستعصي على
الإخماد في بغداد وفي أي مكان آخر في البلاد. قال سكوت رايتر، مفتش
الأمم المتحدة السابق للأسلحة، قال قولته المشهورة بان الأمريكيين سوف
يجبرون على مغادرة العراق "وذيلها بين أرجلها، مهزومة. إنها حرب لا يمكن
لنا أن نكسبها".
كنا، بالطبع، على خطأ
حيث كان هناك قليل من المقاومة الجماهيرية عند دخول الأمريكيين بغداد.
ولكننا فعليا أثبتنا صحة ما توقعناه. كان خطأنا يقع في أننا قللنا من
قيمة الوقت الذي يستغرقه الأمر لتتحول الجماهير من كتلة خاضعة غير منظمة
تحت صدام إلى قوة تتمكن بالقومية والإسلام. بوش ومستشاره التابع في
العراق، بول بريمر، تكلما باستمرار هن حلمهم "بعراق جديد". للسخرية،
العراق الجديد ما بعد صدام تشكل في كفاحه الجماعي ضد الاحتلال المكروه.
اعتقد رجال بوش انهم
قادرون على إجبار العراقيين على الخضوع أو شراؤهم. لقد فشلوا في تخيل
شيئ واحد: الروح. بالطبع، الروح المعنوية لا تكفي، والتطور الذي حدث في
العام التالي للاحتلال، كان حركة تنتقل بسرعة في خط بياني حاد من
الاستفادة بالدروس: تصرفات المقاومة العشوائية بلا تنسيق إلى تكرار
العمليات بشكل أرقى في التقنية تجمع ما بين استخدام أجهزة المتفجرات
المصنعة يدويا (IEDs)،
وتكتيكات اضرب واجري، واشتباكات بالنيران دفاعا عن منطقة، وإطلاق
الصواريخ الأرضية.
هذه التكتيكات، لسوء
الحظ، قد تضمنت أيضا عمليات مخططة بشكل استراتيجي مثل السيارات المفخخة،
وعمليات اختطاف الرهائن التي طالت المدنيين إلى جانب مقاتلي الولايات
المتحدة والتحالف والمرتزقة. ولسوء الحظ أيضا، في جانب المقاومة
الإسلامية لطعن إرادة العدو بنقل المعركة إلى ارض الأخير، تضمنت عملياتها
مهمات استهدفت المدنيين بشكل مقصود، مثل عملية تفجير قطار الضواحي في
مدريد التي أسفرت عن مقتل المئات من الأبرياء. مثل هذه التكتيكات غير
مبررة وتستدعي الندم والأسف، ولكن بالنسبة لهؤلاء الذين يسارعون
بالإدانة، يجب أن يشير المرء إلى أن القتل العشوائي لحوالي 100 الف مدني
عراقي من قبل القوات الأمريكية في العام الأول من الاحتلال واستهداف
المدنيين في حصار الفلوجة هي أفعال على نفس المستوى الأخلاقي لهذه
الأفعال التي تقدم عليها المقاومة الإسلامية والعراقية. في الواقع،
لطالما انخرطت "الطريقة الأمريكية في الحرب" في قتل وعقاب السكان
المدنيين. قصف درسدن بالقنابل، وطوكيو بالنيران، وهيروشيما ونجازاكي
بالقنابل الذرية، وعملية العنقاء في فيتنام – كل هذه العمليات كان لديها
الهدف الاستراتيجي لكسب الحروب عن طريق الاستهداف المتعمد للمدنيين.
لذلك، من فضلكم، وفروا علينا الوعظ الأخلاقي الخاص بما يسمى السلوك
المتحضر في الحرب الذي ينتهجه الغرب وما يسمى بالسلوك الهمجي للمقاومة
العراقية.
استراتيجية اليأس
حقيقة، الحالة قد
انفلتت من عيارها، وهي ما تعلق عليها إدارة بوش أعذارها، وهي تتوجه لما
يسمى "انتقال السيادة" إلى الشعب مقترنة بـ "مجلس الحكم الانتقالي" تحت
السيطرة الأمريكية الذي يتمتع بشرعية جماهيرية قليلة.
لمن سوف تسلم
"السيادة"؟ من أي شيئ بالضبط سوف تتشكل السيادة؟ من أين سوف تنبع شرعية
الحكومة؟ ما هي بالضبط العلاقة بين الحكومة القادمة مع الأمم المتحدة؟
تحتفظ الولايات المتحدة بالحق في بقاء قواتها العسكرية في العراق
والسيطرة عليها وان تستمر في ذلك لأجل غير مسمى. المسوغات التي جعلها
وزير الخارجية الأمريكي باول شرطا لجلاء الولايات المتحدة هي أن تطلب
الحكومة القادمة منها ذلك، هي مسوغات ماكرة، حيث أن النظام القادم لن
يطلب أبدا إلغاء القوة العسكرية التي يعتمد عليها وجوده هو نفسه. تلك هي
المسائل التي لا يوجد لها حل والتي توفر أساس للاتهام الذي تقوله
النيويورك تايمز بأن "الموضوع الوحيد الذي يوحد هؤلاء مع سياسات واشنطن
هو اليأس القاتل". مصادقة مجلس الأمن الأخيرة على ترتيبات ما بعد 30
يونيو لن تجعل من مثل هذا الحل الأمريكي المفروض أمرا مقبولا سواء للشعب
العراقي أو للعالم.
المعارضة
الموالية
لكن ليس لدى التايمز
ولا لدى المعارضة الليبرالية لبوش أي إجابات على ذلك.
التايمز نفسها، بينما
تهاجم بوش وتتهمه بعدم كفاءة إدارته للاحتلال، صدقت على إعطاء الأمم
المتحدة "سلطة... حقيقية على الترتيبات السياسية للانتقال"، جالبة بذلك
قطاعات عسكرية أكثر للمشاركة في توفير الأمن، "لتزداد أعداد القوات
الأمريكية في العراق على المدى القصير". على أن كل هذه العناصر هي أصلا
في خطة بوش، بما فيها سحب قوات إضافية من القوات الأمريكية في كوريا
الجنوبية.
تأتي مماحكات التايمز،
إلى الحد الذي يمكننا القول أن لديهم تناولا خاصا بهم، بالإضافة إلى جون
كيري، مرشح الديموقراطيين للرئاسة، جاعلا القضية الرئيسية لا تختلف
جوهريا مع خطة بوش ولكنه يجعلها قضية اختلاف في إدارة العملية: سوف يقوم
بإدارة التدخل في العراق على نحو أفضل من بوش. فيما وسم بأنه الخطاب
المحدد لسياسته في مسائل الأمن القومي يوم 27 مايو 2004، قال كيري بوجوب
مطالبة الناتو بإمداد الاحتلال في العراق بالقوات، ووجوب "تدويل" تدريب
قوات الأمن العراقية وكذلك وجوب تعيين "مندوب سامي دولي" لتنظيم
الانتخابات، ولوضع مسودة الدستور، ولتنسيق إعادة الإعمار.
كل هذا وارد في أجندة
بوش، ويزيد عليه جون كيري الدعوة لزيادة القوات العسكرية الأمريكية
بإضافة 40 ألف جندي، وهي الدعوة التي لا تعني شيئا جديدا، فقد أصدر بوش
فعلا أوامره بزيادة القوات العسكرية عن طريق إضافة 30 ألف جندي بحلول
يناير 2005، وهو الأمر الذي لاحظه المتحدث الرسمي باسم حملة بوش
الانتخابية، بقوله " أن جون كيري يقتفي خطى بوش ".
خلال الانتخابات
الأولية، لم يجرؤ أي من المرشحين الديموقراطيين على طرح استراتيجية ممكنة
سوى "دينيس كوسينيتش"، الذي صرح بخمس كلمات تشكل الاستراتيجية الوحيدة
البديلة: "الانسحاب المباشر للقوات المسلحة الأمريكية"، كان الاعتبار
الأساسي قبل " الفالوجا " و " أبو غريب " أن هذا الموقف قد يضر بهم في
انتخابات نوفمبر – رغم حقيقة أن، حتى قبل انتفاضة الفالوجا وفضيحة أبو
غريب، وطبقا لإحصاءات " مركز بيو للأبحاث"، أن 44% من الأمريكيين يطالبون
الآن بضرورة عودة القوات الأمريكية للوطن بأسرع ما يمكن، لم تكن هذه
النسبة تزيد عن 32% في سبتمبر الماضي، ولكن بحلول مايو الماضي، لم يعد
هناك أي مبرر للخوف أو التردد، حيث أكد 52% من المشاركين في استطلاع رأي
جالوب الذي أجري في مايو 2004، أكدوا أن الحرب في العراق لم تكن تستحق كل
هذه التضحيات، بينما أكد 45% فقط أنها كانت ضرورية، قبل ذلك بعام كانت
النسبة 29% ضد الحرب و 68% معها.
هذا الاتفاق حول
الموقف من الحرب العراقية ليس قضية تكتيكية على الإطلاق، فعلى حد قول
"جيرارد بيكر" كاتب العمود في صحيفة الفايننشيال تايمز الليبرالية: "سواء
كنت أو لم تكن تعتقد بأن العراق تحت حكم صدام حسين تشكل تهديدا حقيقيا،
فأنك لا تستطيع أن تتجاهل أن أي هزيمة للولايات المتحدة الأمريكية في
العراق ستكون سابقة خطيرة في الوقت الراهن"، يوضح ذلك حقيقة أن كلا من
الليبراليين والمحافظين لا يزالان يعملان في إطار الصيغة الإمبريالية
الأمريكية، فرغم أن الليبراليين والديموقراطيين يجمعون على أن غزو العراق
ليس هناك ما يبرره، لا يجرؤ أي منهم على الدعوة للانسحاب من طرف واحد لأن
ذلك سوف يعصف بمكانة الولايات المتحدة الأمريكية وقيادتها، بمعنى أخر، أن
خروج أمريكا من العراق تجر أذيال الخيبة سيكون له أثار كارثية على
مصداقية القوة الأمريكية في المستقبل.
تبدو إمكانية الخروج
من العراق غير سهلة، وتشكل مستنقعا أخلاقيا يغرق فيه النظام الحاكم في
واشنطن وأيضا المعارضة الأمريكية الليبرالية المستأنسة، الشئ الذي يبدو
أنه قابل للتحقق هو الاستمرار في الاحتلال مع استبعاد العقلانية السياسية
والعسكرية والتجرد من أي شرعية أخلاقية.
شلل حركة
السلام
لا يمكن أن يكسر
الركود والشلل الذي نزل بالديموقراطيين في العراق إلا بشئ واحد: حركة
قوية مناهضة للحرب مثل تلك التي احتلت الشوارع بشكل يومي، وبآلاف البشر
خلال عام 1968، و هو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن، على الرغم من خيبة
الأمل والتحرر من أوهام السياسة الأمريكية في العراق التي تسود الرأي
العام الأمريكي، خاصة بعد فضيحة أبو غريب.
في الحقيقة، الشعب
العراقي في حاجة ملحة لهذه الحركة، في الوقت الذي تعاني فيه حركة السلام
الدولية من متاعب في داخلها وعدم الاستعداد اللازم لأن تكون فاعلة، حيث
نري مظاهرات 20 مارس 2004 أصغر كثيرا من مظاهرات 15 فبراير 2003، حيث
شاهد 15 فبراير 2003 مظاهرات عشرات الملايين في كل أنحاء العالم ضد مشروع
غزو العراق. إذا كان ضغط الجماهير على النطاق الدولي يؤثر بفاعلية علي
صناع القرار السياسي، فإننا في حاجة لمظاهرات يومية تضم مئات الآلاف في
مدينة تلو أخرى، وهو الأمر الذي لم يحدث.
قد يكون السبب
الأساسي هو أن جزء هاما من حركة السلام الدولية، خاصة في الولايات
المتحدة الأمريكية، يتشكك في مشروعية المقاومة العراقية، يتساءلون عن:
ماهية المقاومة العراقية؟ وهل يمكنهم منحها ثقتهم ودعمهم؟
تلك الأسئلة تطرح
بشكل لحوح ومتزايد، علي شخصيا، وعلي المدافعين عن الانسحاب العسكري
والسياسي غير المشروط من العراق، فاستخدام العمليات الانتحارية كسلاح
سياسي لازال يزعج الكثيرين من النشطاء الأمريكيين، وهى العمليات التي
يرفضونها في بياناتهم ضد مثل هذه العمليات؛ التي يؤكد القادة الفلسطينيون
بفخر أن التفجيرات الانتحارية هي الرد المناسب للشعب الفلسطيني المقموع
علي الغارات الإسرائيلية بطائرات أف-16.
هذا فضلا عن أن
نشطاء حركة السلام العالمية يتخوفون من دور الأصوليين الإسلاميين،
واحتمالات تحول العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية إلى دولة إسلامية علي
شاكلة إيران، خاصة، مع الوضع في الاعتبار أن غالبية سكان العراق من
الشيعة.
حتى الآن، لا توجد
أية حركة ضخمة من أجل التحرر والاستقلال القومي وجدت الرضا التام، فقد
أعرب التقدميون الغربيون أيضا عن قلقهم من بعض أساليب حركة الماوماو في
كينيا، وجبهة الإنقاذ الوطني في الجزائر، وجبهة التحرير القومي في
فيتنام. لكن ما يتناساه التقدميون الغربيون هو أن حركات التحرر الوطني
لم تطالبهم أساسا بالدعم الأيديولوجي أو السياسي، أن ما يحتاجونه بالفعل
من الخارج هو الضغط الدولي من أجل انسحاب قوات الاحتلال غير الشرعية لكي
تتمكن القوى الداخلية في العراق من تشكيل حكم وطني حقيقي، إلي أن يحقق
نشطاء السلام الأمريكيون هذا الحلم في وجود حركة ليبرالية نموذجية تتفق
مع قيمهم، سيبقوا مثلهم مثل الديموقراطيين، واقعون أسرى تصوراتهم التي
يريدون فرضها علي غيرهم من الشعوب.
الإفراط
في التوسع
دعوني أنتهي إلي
القول بأن الأمريكيين لن ينتظرهم في العراق إلا ما هو أسوأ، علاوة علي
ذلك، فالمقاومة العراقية غيرت المعادلة الكونية، الولايات المتحدة اليوم
أضعف مما كانت عليه قبل بداية مايو 2003، وحلف الأطلنطي الذي كسب الحرب
الباردة لم يعد له وظيفة أو فاعلية، والوضع في أفغانستان أصبح الآن أكثر
اضطرابا عما كان عليه منذ عام، والقوات الأمريكية تجلس علي خازوق أخر
هناك، وتنمو اليقظة والإحياء الإسلامي الآن بقوة كبيرة على عكس ما تستهدف
أمريكا، والآن أيضا، نري في البرازيل، والأرجنتين، وبوليفيا، حكومات تعلن
صراحة عن عدائها للسياسات الاقتصادية للنيوليبرالية القديمة التي تفرضها
واشنطن، وتعاني منظمة التجارة العالمية من سلسلة الاضطرابات والمصاعب بعد
انهيار مؤتمرها الوزاري الذي عقد في كانكون في سبتمبر الماضي، وعجز
واشنطن عن فرض رؤيتها الخاصة بتحرير التجارة في البلدان الأمريكية بسبب
معارضة بلدان أمريكا اللاتينية خلال الاجتماع الوزاري لمنظمة الدول
الأمريكية الذي عقد في ميامى في نوفمبر الماضي.
نتيجة للعجرفة
والصلف، تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من المرض العضال الذي أهلك كل
الإمبراطوريات السابقة:
التوسع الإمبريالي المفرط، كما أن تهديدها بتغيير
النظم في بلدان أخري مثل إيران، وسوريا، وكوريا الشمالية لم يعد أمرا
جديرا بالتصديق.
اعتقد أن أزمة
الإمبراطورية ليست فقط أمرا جيدا للعالم، إنها أيضا شيئا حسنا للشعب
الأمريكي نفسه، لأنها تفسح الإمكانية للأمريكيين من اجل إقامة علاقات مع
الشعوب الأخرى علي أسس متساوية ومتكافئة وليس باعتبارهم سادة العالم، بل
والتعلم من هذه الشعوب، واحترامهم وتقديرهم، علاوة علي ذلك، فإن عجز
الإمبراطورية وفشلها، تهيئ الظروف لقيام جمهورية ديموقراطية حقيقية كانت
الولايات المتحدة تسعي من أجلها قبل أن تجبر على أن تكون ديموقراطية
إمبريالية.
والدن بيللو؛ المدير التنفيذي " لموقع قوكاس علي
جنوب العالم " ومقره بانجكوك، وأستاذ علم الاجتماع والإدارة العامة في
جامعة الفلبين، والحاصل علي جائزة حق الحياة ( الجائزة البديلة لجائزة
نوبل ) عام 2003، ومستشار علمي لجامعة كاليفورنيا في إيرفين لعام 2004.
|