- العراق -

نموذج بولاق.. لسيادة العراق

أحمد الخميسي

3 يوليو 2004


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

عام 1798 قرر نابليون بونابرت غزو مصر، فرفع إليه تاليران وزير خارجية الثورة الفرنسية تقريرا في فبراير من نفس العام يزكي فيه الحملة على مصر قائلا: "إن أهالي مصر قاطبة يكرهون المماليك الذين يسومونهم الظلم والاضطهاد، وليس ثمة خوف من مقاومة أو انتفاضة من الأهالي".  وهبط نابليون إلي القاهرة في 24 يوليو، ونزل في قصر محمد بك الألفي بالأزبكية، واثقا أن الأهالي ستلقى قوات الاحتلال بالورود!

إلا أن بونابرت فوجئ بوضع مختلف تماما، فقد اندفع الناس لمقاومة الحملة إلي درجة أن كل طائفة كما ذكر الجبرتي: " كانت تجمع الدراهم من بعضها البعض، وبعض الناس يتطوعون بالإنفاق على البعض الآخر، ومنهم من كان يجهز جماعة من المغاربة أو الشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم، ومن لم يجد منهم السلاح خرج بالنبابيت والعصي.. وتحول جميع من بمصر من الرجال إلي بولاق". ولم يجد أنف بونابرت شيئا من عطر الورد الذي عشموه به.   وبعد أكثر من مائتي سنة قرر جورج بوش الابن غزو العراق، فلم يستنشق في مدنها نفحة واحدة من ورود وعدوه بها.

وادعى بونابرت، كما ادعى جورج بوش، أن هدفه الوحيد من الغزو هو: "تخليص المصريين من ظلم المماليك". وفي أول منشور له وعد أهالي مصر بأنهم سيدخلون في المناصب السامية ويكتسبون المراتب العليا، وأصدر في اليوم التالي لدخوله القاهرة مرسوما بتأليف أول وزارة مصرية، ووجد من الشيوخ العملاء من يقبل بالمشاركة في وزارة أو حكومة لم يكن من صلاحيتها معارضة أهواء الفرنسيين أو المساس بالاحتلال. وأنشأ بونابرت أول برلمان مصري وأطلق عليه الديوان العام، وفي الجلسة الأولى للديوان ُقرئت على الأعضاء خطبة الافتتاح مترجمة إلي العربية. وهو ما كان يفعله بول بريمر الحاكم الأمريكي المدني للعراق حين يقف أمام مجلس الحكم الانتقالي ويلقي خطبه وبجواره المترجم!  واستهدفت الديكورات الديمقراطية الفرنسية ومن ضمنها الدعوة لإقامة حكم نيابي أمرا واحدا: التمويه على واقع الاحتلال، وهي نفس الخطة التي تحاول أمريكا اتباعها الآن حين تتحدث عن أنها نقلت السلطة إلي العراقيين، وأنها ستجرى انتخابات عامة في 31 يناير المقبل، على حين تصرح الإدارة الأمريكية بأن قواتها ستبقى في العراق بناء على قرار مجلس الأمن رقم 1546، الذي يجمع بين استمرار الاحتلال وسيادة شكلية هزيلة لحكومة عينتها أمريكا نفسها. أما عن دور هذه الحكومة، وكل حكومة تنشأ في ظل الاحتلال، فإنه لن يزيد عن تصور نابليون لدور الديوان المصري، وقد حدد نابليون ذلك الدور بقوله أن صاري عسكر الفرنسيين: "يسأل أعضاء المجلس عن الأمور الضرورية، فيبدون رأيهم، فينتج عن ذلك ما يليق صنعه"! أي أن دور الديوان والحكومة والوزارة مجرد دور استشاري لا أكثر، أي مجرد منظر.

وعندما قامت بريطانيا باحتلال مصر عام 1882، ادعت ما تدعيه أمريكا الآن من أن غاية دخول بريطانيا بجيوشها إلي مصر هو تهيئتها لأن تحكم نفسها بنفسها، وأن تقيم على أرضها حكما سياسيا حراً! وقد سبق لبونابرت أن عبر عن مثل هذا المعنى بالضبط، كما كرر جورج بوش، وبول بريمر ذات الفكرة مرارا قبل الغزو وبعده.

  وفي مصر أعادت بريطانيا تطبيق خطة بونابرت القديمة، التي لا تبلي، والصالحة لكل أنواع الاستعمار في كل العصور أي الاستعانة بالديكورات الديمقراطية للتمويه على واقع الاحتلال باعتباره نفيا لكل ديمقراطية من أي نوع. في مصر اتخذت الخطة البريطانية اسم اللورد كرومر، وأصبحت الكرومرية مصطلحا يدل على مجموعة من أساليب وأهداف المدرسة الاستعمارية القديمة – الجديدة لتمرير الاحتلال وإلباسه ثوب التحرر والتقدم. وكان اللورد كرومر يرى أنه لدوام الاحتلال واستقراره لابد من القيام بعدد من الإصلاحات الإدارية وبناء المنشآت وتنظيم الأمن وتوفير بعض الحريات الشكلية، لأن كل ذلك يضفي على الاستعمار صفات الاستنارة والتقدم. وفي عام 1913 تم  بإشراف المندوب البريطاني السامي إنشاء الجمعية التشريعية، وتعددت الصحف، ودار الحديث طويلا عن ديمقراطية الاستعمار الإنجليزي الذي قاد مصر إلي الفقر وحولها إلي قاعدة عسكرية لحماية مصالح الإمبراطورية وإلي مستعمرة تزرع القطن فحسب لكي يعاد تصنيعه في بريطانيا. وكان اللورد كرومر يعتمد على قوة إقناع وحيدة هي قوة البوارج الحربية والبنادق التي تقف خلف مشاريعه. وكان كرومر يكتب إلي لندن أن مستقبل مصر محصور بين الاستقلال أو الاندماج في الإمبراطورية، وأنه يفضل الحل الثاني! وأحصى المؤرخون المصريون حتى عام 1904 تسعة وتسعين وعدا بريطانيا بالجلاء، لم ينفذ واحد منها!  أما عن الشعب الذي لم تخدعه أحاديث بونابرت عن الحكم النيابي البرلماني، وديكورات الديمقراطية في ظل أبشع انتهاك لها، فإنه سرعان ما هب لمواجهة الاحتلال الجديد البريطاني، وشن عليه هجوما طويلا إلي أن طهر أرضه منه.

   ومن بولاق إلي الفلوجة، ومن الديوان العام، إلي الحكومة العراقية الانتقالية، ومن إصلاحات كرومر إلي إصلاحات بريمر، لا يجد الغزاة سوى نفس الأقنعة القديمة، لأن أهدافهم مازالت نفس الأهداف القديمة: السيطرة على ثروات ومقدرات الشعوب الأخرى. أما الناس في العراق فإنهم: " يفعلون ما في قوتهم، ومن لم يجد منهم السلاح خرج بالنبابيت والعصي"، وسوف يجلي الشعب العراقي المحتلين عن أرضه، مهما اجتهدوا في خداعه، وحاولوا كسر إرادته في معتقلات أبو غريب و بالمقابر الجماعية الأمريكية في الفلوجة واغتصاب نسائه.  

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية