يتفق أغلب المراقبون
والمتابعون للقضية الكردية على أن الهدف الاستراتيجي لمعظم الأحزاب
السياسية والنخب القومية الكردية، هو الانفصال عن العراق وإنشاء دولة كردية
في شماله، وجعلها نقطة الانطلاق لتأسيس دولة كردستان الكبرى. وماعدا هذا
الهدف فإن عناصر الخلاف والاختلاف بينهم أكثر من عناصر التوحيد، أما
التصريحات المطمئنة والمناورات السياسية المطروحة الآن على الساحة العراقية
من جهة الفعاليات السياسية والنخب الكردية بشأن الفيدرالية أو الاتحاد
الاختياري على الأساس القومـــي ( العربي- الكردي) ضمن عراق موحد، هو من
قبيل ذر الرماد في العيون وتكتيكات سياسية، الغاية منها تحقيق الهدف
الاستراتيجي الأبعد وهو انشاء الدولة الكردية المستقلة.
فما هي احتمالات نجاح الأكراد في تحقيق هدفهم الذي ناضلوا
من أجله لأكثر من سبعة عقود؟ وهل أن غزو العراق واحتلاله وهشاشة الأحزاب
السياسية العراقية وخوائها، هيأت للأكراد الفرصة التاريخية التي لابد من
انتزاعها؟ وهل العراق على شفير هاوية تقسيمه إلى ثلاثة دويلات وفق المخطط
الأمريكي الإسرائيلي وبمباركة بعض الأطراف العربية؟ ففي السطور القادمة نحاول
تسليط الضوء على هذه الأسئلة المصيرية بالنسبة لمستقبل العراق ووحدة أراضيه.
صنف الأكراد على انهم الرابح الأكبر من غزو العراق
واحتلاله، فمنذ اليوم الأول للغزو وذبح بغداد، لعبوا دورا كبيرا في صياغة
مستقبل العراق من خلال فرض رؤيتهم على القوى السياسية العراقية، وخاصة
الشيعية، وأمريكا عند صياغة قانون إدارة الدولة الانتقالي وانتزاعهم حـــق
النقض ( الفيتو) على أي قرار يمكن أن يمس حقهم في الفيدرالية عند صياغة
الدستور الدائم، رغم اعتراض آية الله علي السيستاني والأعضاء الشيعة في
المجلس المنحل على تضمين القانون هذا الحق، وكذلك خطفهم حصة الأسد من المناصب
الحساسة في الحكومة المؤقتة.
فبعد تعيين الأمريكان، الحكومة العراقية المؤقتة، في
بداية شهر حزيران، يونيو، أطلق الدكتور أياد علاوي، رئيس الحكومة المؤقتة،
جملة من التصريحات الوردية، أكد فيها على أن مسألة الأمن والاستقرار من أولى
أولويات حكومته، وعليه قرر، كخطوة أولى، حل المليشيات التابعة للأحزاب
السياسية ( عددها تسع مليشيات)، بما فيها المليشيات الكــردية ( البيشمركة)
بجناحيها الطالبانية والبارزانية. علما بأن قوات البيشمركة الكردية أكثر عددا
من القوات البريطانية التي غابت عنها الشمس والقمر، حيث يبلغ عددها 80-100
ألف مقاتل مجهزين بأحدث الأسلحة ومدربين تدريبا عاليا ويتمتعون بجاهزية
قتالية كبيرة. بيد أن السيد علاوي عاد وتراجع عن قراره، قبل أن يجف حبره،
مستثنياً ( البشمركة) عن قرار الحل، وذلك تحت ضغط السيدين الطالباني
والبارزاني. ولم يتوضح الى الآن هل تم فعلا حل ميليشية أحمد الجلبي المتخصصة
باغتيال العلماء ورجال العلم والفكر والتجسس على العراقيين وخاصة أفراد
المقاومة، أم لا. فحكومة السيد علاوي قد أخفقت في تنفيذ أول قرار لها. فكيف
سيكون حال القرارات الأخرى؟ ألله أعلم.
وهكذا بدأت الحكومة المؤقتة بداية غير موفقة ولا مريحة.
فتعاقبت الأزمات، ففي أثناء مداولات مجلس الأمن لإصدار قرار شرعنة الاحتلال،
تأزم الوضع بينها وبين الأكراد و توالت التهديدات على رئيس الحكومة تقضي
بانسحاب المسئولين الأكراد من الحكومة المؤقتة وإعلان الانفصال والاستقلال
إذا لم تعلن صراحة وعلنا عن التزامها التام بقانون إدارة الدولة. ولتوثيق
ذلك، لدى الأمم المتحدة، قام السيدان جلال الطالباني ومسعود البارزاني بتوجيه
رسالة إلى مجلس الأمن يطلبان فيها تضمين القرار إشارة واضحة للقانون المذكور.
مما حدا بالسيد أية الله علي السيستاني إلى إرسال رسالة احتجاج الى المجلس،
محذرا فيها من العواقب الوخيمة إذا تمت الإشارة إلى هذا القانون في قرار
المجلس. في سابقة تاريخية في حياة المنظمة الدولية، حيث ليس من المعتاد أن
يقوم شخص ليس له صفة رسمية أو زعيم حزب إرسال مثل هذه الرسائل إليها ويطالبها
باتخاذ موقف، رغم وجود من يمثل الدولة بصفة رسمية. على أية حال كادت الأزمة
أن تفجر الحكومة وينفرط عقدها في أسبوعها الأول، لو لا تسارع رئيس الحكومة
الدكتور علاوي إلى تقديم تطمينات ( أو تنازلات) للإخوة الأكراد، من خلال
تأكيده على أن حكومته ملتزمة بقانون إدارة الدولة نصا وروحا، ووعدهم، وعدا
ديمقراطيا، بحجز منصب رئاسة مجلس النواب للسيد الطالباني سلفا. تهانينا كاكا.
فمع طي صفحة المعارضة الكردية لقرار مجلس الأمن واستثناء
البيشمركة من قرار حل الميليشيات، فتح النائب الكردي للرئيس العراقي السيد
روش شاويس باب معارضة جديدة،
مؤكدا أن “أكراد العراق على استعداد للقيام بدور في عراق
ديمقراطي واتحادي، لكنهم
سيرفضون أي محاولة لإقامة دولة يغلب عليها طابع ديني”.
وقال: “إذا رأينا أن هناك
غالبية تريد دولة دينية لن نقبل حينئذ بإرادة الغالبية”.
في تقاطع واضح مع طموحات الإخوة الشيعة. يبدوا انه ليس ضروريا وفقا للمفهوم
الديمقراطي الجديد خضوع الأقلية لإرادة الأغلبية وإنما العكس!!!! فمن أبسط
المفاهيم الديمقراطية هو القبول بنتائجها.
وتوالت التصريحات الكردية الصريحة والمبطنة بالتهديدات،
فمن جانبه صرح السيد نيتشروان
بارزاني، رئيس الحكومة الكردية في اربيل ( شقيق السيد
مسعود), قائلا: إن "شعب كردستان لا يساوم
أبدا
على جوهر قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية, وإذا لم
يجر الاعتراف بشكل
رسمي
بحقوقه, فإن وحدة الأراضي العراقية ستتعرض إلى الخطر".
وشدد خلال لقاءه
حشداً من الكتّاب والمثقفين الأكراد في اربيل على أن "شعب
كردستان يمكنه
خلق
متاعب لتحقيق طموحاته المشروعة". وأشار إلى أن موقف
الإدارة الأميركية "كان
متحفظاً
إزاء عملية توزيع المناصب في الحكومة المؤقتة" منبهاً إلى
أن "الولايات
المتحدة
تحاول إرضاء الآخرين على حساب شعب كردستان ومصالحه...
ونأمل بألا تعمد
الإدارة
الأميركية إلى تصرف يضع الآخرين في خنادق معادية بالتالي
تجبرنا على كشف
الحقائق
المخفية وراء الكواليس".
فما هي هذه الحقائق المخفية وراء الكواليس التي سيضطر
الأكراد إلى كشفها إذا لم تلبى مطاليبهم؟!! هل هي وعود أمريكية موثقة بشأن
انفصال الأكراد عن العراق وإعلان دولتهم المستقلة؟ الأشهر القليلة القادمة
ستجيب على هذا السؤال.
أن الأزمة الأخيرة ليست الأولى ولن تكون بالتأكيد
الأخيرة، لاسيما وأن “طموح الانفصال” لا يبرح الذاكرة الجمعية للنخب الكردية.
وهو كان حاضرا بقوة خلال مناقشة “البرلمان الكردي” لقرار مجلس الأمن 1546،
حتى أن بعض المشاركين دعوا علانية إلى إعلان “الاستقلال”. وما يمنع الإخوة
الأكراد من إعلان الانفصال، حاليا ليس “التمسك بالوحدة العراقية”، وإلى ما
هنالك من شعارات يطرحها زعمائهم، إنما عدم رضاهم حاليا عن الأراضي التي
يسيطرون عليها وعينهم دائما على كركوك، التي تؤجل الطموح الكردي، باعتبارها
عاصمةً لدولتهم والشريان الاقتصادي لها والتي تحتوي على 60% من الاحتياطي
النفطي العراقي. وعليه فأن هذه المدينة ستكون محور الأزمات اللاحقة بين العرب
والتركمان والأكراد، لاسيما مع إصرار الأكراد على نزع الطابع التركماني عن
هذه المدينة ذات الأغلبية التركمانية منذ مئات السنين، وعاش معهم الأكراد
والعرب والآشوريون جنبا إلى جنب بوئام وانسجام.
يعتقد الأكراد أن الظروف الدولية الآن مؤاتية لتحقيق
حلمهم التاريخي، وثمرة لتعاونهم مع الأمريكيين في احتلال العراق، لذا لا
يقيمون وزنا لاعتراضات دول الجوار مثل تركيا وسوريا وإيران، لإمكانية تحجيمها
من قبل أمريكا وإسرائيل. فإيران تورطت بالملف النووي وتداعياته. وفتحت
أمريكا وأكراد العراق لسوريا الملف الكردي فيها لاستنزافها، وفرضت عليها
العقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تتطور إلى ابعد من ذلك. أما تركيا، فنعتقد
أن أمريكا سوف لن تنسى لها موقفها عشية الحرب على العراق، بالإضافة إلى تدهور
علاقاتها مع إسرائيل مؤخرا، فضلا عن مؤشرات أعادة فتح الجبهة الكردية فيها.
وتبقى هناك مشكلة كركوك بالنسبة لتركيا، فإذا قررت أمريكا ضمها إلى كردستان
العراق،( فهو وعد أمريكي من ضمن الخفايا التي هدد السيد روش شاويس بكشفه)
فليس بوسع تركيا سوى أن تكتفي بالاحتجاج الإعلامي و بخلاف ذلك يعني إنها
ستدخل في مجابهة عسكرية مع أمريكا، وهذا الأمر بعيد الاحتمال أن لم يكن
مستحيلا. فليس واردا أن تضحي تركيا بعلاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا وتنهي
آمالها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بسبب التركمان في العراق. وقد صرح
السيد مسعود البارزاني قائلا إن الأتراك ما عادوا يعارضون الفدرالية في
العراق ونيل الأكراد لحقوقهم، التصريح الذي نفته تركيا، ولكن السيد مسعود عاد
وأكده. فهناك طبخة ما تطبخ في الخفاء وعلى نار هادئة ولو زاد في الفترة
الأخيرة جرعتها.
هذا بالنسبة للأكراد، أما بالنسبة للإخوة الشيعة، فأنهم
يعتقدون بان التاريخ قد انتهى في التاسع من نيسان، ابريل 2003 وأن اللحظة
التاريخية أيضا باتت مؤاتية للإعلان عن دولة شيعية مستقلة، تشمل المنطقة، من
سامراء إلى البصرة. ومن يقرأ مقالات وأبحاث غالبية المثقفين وتصريحات رجال
الدين الشيعة، لا يصيبه الدوار فقط وإنما الغثيان والإحباط أيضا. الذين
يدعون إلى إنشاء جمهورية شيعية، دون ايلاء أي اعتبار لتداعيات مثل هذا الأمر
على مستقبل الشيعة أنفسهم. وفي ظل أجواء الشك والتوتر والترقب، تجرى خلف
الأبواب الموصدة وبعيدا عن الأضواء،
مداولات مكثفة بين بعض القوى والأحزاب الشيعية من
اجل عقد مؤتمر يضم جميع القوى الوطنية الشيعية، بهدف تشكيل مجلس سياسي شيعي
يتم من خلاله توحيد المواقف
حيال المستجدات والمفاجآت السياسية التي قد تطرأ على
الساحة العراقية سواءً في الفترة الانتقالية أو بعد الانتخابات العامة
القادمة في بداية العام القادم. مما قد يعني أن الشيعة أيضا ينوون تشكيل
حكومة (ظل)، أو حكومة على غرار الحكومة الكردية، للتهيؤ لأي طارئ إذا لم تلب
مطاليبهم؟ وفق المعادلة التي يرغبون، وليس وفق ما تفرزها نتائج الانتخابات
الديمقراطية، وهذا هو ما أكده السيد عبد العزيز الطباطائي الحكيم، عضو مجلس
الحكم المنحل وأمين محافظة بغداد حاليا، حينما قال: إن بناء العراق الجديد
يجب أن يكون على أساس معادلة اخرى غير تلك التي سلطت أقلية من الأقليات على
رقاب الأغلبية وما نتج عن ذلك من اعتماد لسياسات الاضطهاد القومي والطائفي
التي تتصاعد إلى حالات من الإبادة القومية والطائفية بحق الشيعة. أن أشارة
السيد الطباطائي الحكيم إلى الاضطهاد والابادة القومية بالنسبة للشيعة، معنىً
خطير للغاية، فهو بهذه الإشارة يسلخ الشيعة عن عروبتهم.!!!
لقد كانت القوى الشيعية، على مدى تاريخ العراق، رواد
الحركة الوطنية، وعصارة عبقريته، دافعت عنه وقدمت التضحيات الجسام من اجل
بنائه ورفعته، فلماذا يحاول بعض الأطراف الآن إخراجهم من تاريخ العراق؟ لأجل
من؟ ولمصلحة من؟
ومن جانب آخر، يلاحظ انسياق بعض أهل السنة، وراء الدعوات
الطائفية غير المقبولة، كرد فعل على ما تمارسها ضدها بعض المليشيات، من
تصفيات واغتيالات. أن الفعل السياسي المبدئي ينبغي أن لا ينجر إلى هاوية ردود
الأفعال، وكان يجب عليهم إدامة الزخم الذي أفرزته ثورة الفلوجة وأنتفاضة
السيد مقتدى الصدر في شهر نيسان، ابريل الماضي لتوحيد الصفوف من أجل إفشال
المخطط الرهيب وقبر الفتنة الطائفية التي زرعتها أمريكا ومنع اندلاع الحرب
الأهلية لتقسيم العراق. ورغما من ذلك، ينبغي أن نسجل للحقيقة والتاريخ أن أهل
السنة والغيارى من شعب العراق الأصلاء قد أثبتوا انهم عراقيين أولا ولا يرضون
بالاحتلال أو يهادنونه .
إن التعددية العرقية والطائفية والدينية، يجب أن تكون
مصدر قوة لهذا البلد العظيم بتاريخه وجغرافيته وحضارته وشعبه، ومن أجل بنائه
بناءً ديمقراطيا حرا، يتمتع فيه الجميع بدون تمييز بحقهم المشروع في المواطنة
والمشاركة، لا أن تكون مصدر ضعفه من أجل تفتيته وتقسيمه إلى دويلات ضعيفة
كسيحة، كما يشتهي ويخطط لها الأعداء. إن ما هو مخطط للعراق، هو لتدمير شعبه
وهويته وحضارته، بعربه وأكراده وتركمانه، بشيعته وسنته ومسيحييه، ليسهل عليهم
التهامه، ولكي تبقى الدولة العبرية العنصرية هي الدولة الأقوى في المنطقة
لتفرض عليها إرادتها ورؤيتها ومفاهيمها العنصرية .
فنتيجة لهذه الأحداث والتطورات وتواترها، نرى أن آيادي
السيد أياد علاوي وأرجله، مكبلة، منذ اليوم الأول، بأصفاد كردية وشيعية و
المقاومة الوطنية. وهكذا وقع تحت سندان الأكراد والمطرقة الشيعة، التي تؤيد
حكومته على مضض وتتعامل معها بالريبة والشك، من جهة، و ضربات المقاومة
الوطنية العراقية التي تسارعت وتزايدت وتيرة عملياتها النوعية والنمطية، من
جهة أخرى .
أن بذور الطائفية والتعصب العرقي الذي بثته وزرعته سلطات
الاحتلال بانتهاجها نظام الحصص والتقسيم الطائفي والعرقي، وإذا ما تعدت هذه
المواجهات، الصامتة والحذرة، حدودها المحسوبة، فأن احتمالات فتح أبواب الجحيم
لاندلاع الحرب الأهلية لا سمح الله؟ وارد وبقوة، وعرضة للانفجار، في أية
لحظة، لتحرق الأخضر واليابس، والتي ستفتح الأبواب على مصراعيها لتقسيم العراق
إلى ثلاثة دويلات؟ كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في القسم الغربي
من العراق؟ وهذا هو ما تسعى إليه أمريكا والكيان الصهيوني وغيرهم بالضبط!!!
ويمكن أن نلخص احتمالات ما ستؤول إليه الأوضاع في العراق
في الشهور القليلة القادمة على النحو الآتي:
1- إن القوى السياسية والطائفية والعرقية في العراق الآن
في حالة حرب أهلية غير معلنة، ساخنة أحيانا، وسياسية أحيانا اخرى. ولا يستبعد
أن تظهر إلى العلن في الشهور القليلة القادمة. وخاصة بعد أن طغت على الوضع
الأمني في العراق، بوادر مواجهة من نوع جديد بين الشيعة و السنّة في مدينة
الفلوجة, بعد مقتل ستة سائقين شيعة "ذبحوا في الفلوجة". واستمرار مسلسل
اغتيالات رجال الدين الشيعة والسنة. ومن جانب آخر دخول الإرهابيين، في معارك
مفتوحة مع العراقيين بحجة محاربة قوات الاحتلال. واحتقان التوتر العرقي بين
الأكراد والتركمان والعرب في مدينة كركوك التي ستنطلق منها شرارة الحرب
الأهلية القادمة لا سمح الله. ويضاف
إلى ذلك بروز ظاهرة
جديدة
إلى السطح في الآونة الأخيرة، وهي إيمان العراقيين بأن من
يقوم ببعض عمليات
تفخيخ
السيارات، وزرع العبوات الناسفة في الأماكن العامة، إنما
هي من فعل قوات الاحتلال
الأمريكية والمليشيات الحزبية التي تتعاون معها، كما برزت
ظاهرة تضخيم العمليات المنسوبة إلى المدعو أبو مصعب الزرقاوي وجماعته، فهذه
الظاهرة تثير شكوكا قوية حول عملياتها، التي تلحق ضررا بالغا بسمعة المقاومة
الوطنية العراقية وأهدافها، وتقدم في الوقت نفسه مبررا قويا لترسيخ بقاء قوات
الاحتلال في العراق، بحجة محاربة الإرهاب. أي أن أعمالها تصب في صالح الأهداف
الأمريكية، لذا فان هذه الجماعة تحمل على جبينها علامات استفهام كثيرة، ربما
ستكشفها الأيام القادمة. بالإضافة إلى الدور المشبوه للمليشيات التابعة
للأحزاب العراقية في تأجيج مشاعر الحقد والكراهية بين السنة والشيعة والأكراد
والتركمان، من خلال تنفيذ بعض العمليات والاغتيالات ذات الأهداف السياسية
المشبوهة وضرب المقرات الحزبية. أن استمرار هذه الحالة المحتقنة ستدفع بالحرب
الأهلية إلى العلن وفق ما تريدها واشنطن وتل أبيب .
2-. يمكن الاستنتاج من تصريحات الزعماء الأكراد
وتأكيداتهم، أن الإعلان عن قيام الدولة الكردية المستقلة، باتت مسألة وقت ليس
إلا. أن قيام الدولة الكردية، مخطط أمريكي وإسرائيلي تسعيان إلى تنفيذه على
مراحل، وهو الآن في مرحلته الأخيرة. وقد كشف الصحفي الأمريكي سيمون هيرش في
مقاله الأخير في مجلة نيويوركرز، الدور الإسرائيلي النشط والفاعل في هذا
الاتجاه، وقد عزز مقاله بالوثائق الدامغة التي تؤيد ما ذهب إليه. فبعد أن
فشلت أمريكا في تنفيذ حلمها في السيطرة الكاملة على العراق، بفعل ضربات
المقاومة الوطنية العراقية الباسلة، وأفشلت مختطاتها في المنطقة، تتعمد الآن
إلى تقسيمه إلى ثلاثة دويلات ليسهل عليها ما عجزت عن تحقيقه طيلة عام ونصف.
وذلك بإقامة دولة كردية في الشمال وجمهورية الشيعة في الجنوب ودولة هزيلة
وفقيرة للسنة في القسم الغربي الصحراوي من العراق.
3- وإذا لم يتحقق ما ورد في أعلاه، بسبب متغيرات غير
محسوبة، فأن الدولة الكردية ستكون ربما حقيقة واقعة أيضا، إذا جاءت نتائج
الانتخابات العامة في العام القادم بما لا يرضيهم، من خلال استخدام حق نقض
تلك النتائج، استنادا إلى قانون إدارة الدولة المؤقت الذي منحهم هذا الحق،
ويخرج حينذاك اختلافاتهم مع الشيعة إلى العلن، بعد أن بذلت جهود جبارة في
إبقائها تحت الرماد. وحتى لو انتصرت المقاومة الوطنية العراقية وأجبرت
الولايات المتحدة على الانسحاب من العراق، فأن الدولة الكردية ستكون حقيقة
واقعة أيضا، لعدم تصور موافقة الأكراد على نتائج انتصار المقاومة من جهة،
وعدم قدرة المقاومة في خوض حرب جديدة معهم من جهة اخرى، وينطبق ما ذكرناه على
الشيعة أيضا. فضلا عن التأييد الأمريكي لهما.
العراق مقبل على زلزال كارثي كبير، وربما سيكون العام
2005، أخر عام في عمر دولة كانت تسمى العراق.
أن الواجب الوطني والقومي والإسلامي يستدعي الوقوف بحزم
أمام المحاولات الأمريكية والصهيونية لمنع تنفيذ هذا المخطط اللئيم ضد العراق
والعراقيين. وبالرغم عن هذه الصورة القاتمة والمتشائمة، فأننا واثقون كل
الثقة بحكمة رجالات العراق، في بذل الجهود لإفشال مخططات تقسيم العراق، ولا
يسعنا في هذا المقام إلا أن نضم صوتنا إلى صوت السيدين عبد الأمير الركابي
وسليم مطر والخييرين الآخرين الذين وجهوا نداءات مخلصة، انطلاقا من الإيمان
العميق بالوطنية العراقية، إلى الإخوة الأكراد ليعودوا إلى عراقيتهم، فالعراق
لجميع العراقيين. ونوجه ندائنا إلى أخوتنا وأشقاءنا من الشيعة والسنة والى
جميع أبناء الشعب العراقي الأبي، ونقول أن المؤامرة المخطط لها ستطال جميعنا
عربا وكردا وتركمانا ومسيحيين، سنة وشيعة، لآن الهدف هو تفكيك العراق وشعبه،
والقضاء على حضارته وتاريخه، ونهب ثرواته. فإذا كان أشقاءنا الأكراد والشيعة
يحلمون بجزء من العراق، فنحن نقول لهم أن العراق كله لكم، وأن العراق الموحد
أمانة في رقابكم، فحافظوا عليه كما تحافظون على طفلكم الرضيع. العراق منكوب
مظلوم مجروح، فلا تقتلوه، فأن قتلتموه، فأننا كلنا مقتولون.
ليكن شعارنا العراق أولا والعراق أخيرا، لنجعل هويتنا
العراقية وساما من ذهب نطبعه على جباهنا ونعلقه على صدورنا.
اللهم احفظ العراق وشعب العراق.
كاتب من العراق
|