- العسكرة والحرب -

بغداد

نعومي كلاين

15 يونيو 2004

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 
في بغداد، كل لقاء نشهده يشبه قليلا مرورك عبر الجمرك.
"أمريكية؟"، هذا هو السؤال الأول لا محالة.
"لا، لا، كندية" هكذا تكون إجابتي الفورية.
في بعض الأحيان لا تكون إجابتي الشفوية كافية ومستجوبنا يطلب الدليل.
نخرج جوازات السفر من حقائبنا للفحص.
تستطيع أن تلمح غالبا سحابة الغضب وهي تتلاشى من على وجوههم.  بعض النساء يسمحن لأنفسهن بالابتسام.  يتوقف الأولاد عن تمثيل دور الكوماندوز الصغار وينطلقون إلى اللعب.

لا تفهمني خطأ: الكنديون غير محبوبون في العراق؛ بالضبط نحن لسنا محبوبون، للحد الذي أستطيع وصفه لك، انهم يشمئزون منا فعلا.

لهذا كم هي موجعة العودة إلى كندا وأنت تواجه احتمالات أن يكون ستيفن هاربر هو رئيس وزراءنا القادم.  انه الرجل الذي يتوق بشدة للانضمام إلى تحالف جورج دبليو بوش صاحب الإرادة للدرجة التي أطلق فيها على وزير الدفاع السابق جون ماكالوم وصف "الأبله" داخل مجلس النواب، معلنا أننا يجب أن نكون في العراق مع الولايات المتحدة، "باذلين كل شيء ممكن من اجل الانتصار".  انه الرجل المتشوق "لدعم المجهود الحربي" للدرجة التي ذهب فيها إلى محطة فوكس وادعى أن "أغلبية الكنديين الصامتة تدعم بكل قوة" الغزو، مستهينا بنتائج كل استطلاعات الرأي ذات المصداقية.

إذا ما توفرت الفرصة للمحافظين لتحويل كندا إلى أكثر من مقاتل يحمل كارت اللعب في حرب السيد بوش الكارثية على الإرهاب أكثر مما نحن فعلا، فلسوف يختفي سريعا الترحيب القليل الذي قابلته في العراق.  عند عودتي، سوف يصبح إظهاري لجواز سفري امام المفتشين الخاصين ذو تأثير مختلف جد، عندئذ.

كنت في ابريل الماضي في العراق، في لحظة مصيرية عندما قررت الولايات المتحدة شن حربين استباقيتين من داخل حربا استباقية، واحدة ضد المقاومة في الفلوجة، والأخرى ضد مقتدى الصدر في النجف ومدينة الصدر.  تقدر صحيفة لوس انجيليس تايمز أن 800 عراقي قد قتلوا خلال الشهرين الماضيين لهجوم الولايات المتحدة على مدينة الصدر، تقريبا مثل الـ 900 قتيل الذين هم تقديرات الخسائر في حصار الفلوجة.

رأيت عيانا عن قرب ماكينة جورج بوش الرهيبة لصناعة الأعداء، حيث تنتهك المساجد، ويمثل بالمساجين وتقتل الأطفال.  ارتفعت الكراهية للأمريكان إلى العنان، ليس فقط في العراق ولكن أيضا في البلاد المجاورة.

بدأ فورا الأخذ بالثأر: موجة من اختطاف الأجانب، من الشائع أنها هي التي تصنع الأخبار الآن.  التغير في المزاج العام أصبح ملموسا.

لم يعد العداء للأمريكان مجرد شعور؛ لقد أصبح طبيعة قوية خارج السيطرة.  كوننا كنديين لا يضعنا بعيدا عن المخلب؛ لا زلنا جزء من غزو قبيح لجنود أجانب، ومقاولين أجانب، وصحفيين أجانب يتسكعون في البلد يأخذون ما ليس لهم: الأرواح، الوظائف، البترول، الروايات، الصور.  لا يميز الخاطفون صيدهم عادة بناء على الجنسية.

ولكن كوننا كنديون، أو بشكل أكثر تحديدا، لسنا أمريكيين، هذا يفتح لنا في بعض الأحيان نافذة.  هذا يعطي الناس، في محنتهم، سماحة التقاط الإنسانية خلف هويتنا.  الأغلبية الكاسحة من العراقيين الذين قابلتهم – حتى أولئك، بمعجزة، الذين فقدوا أطفالهم وأزواجهم بالأسلحة الأمريكية – كانوا شاكرين بعمق لهذا السماح، ويشعرون بالراحة لأنهم غير مضطرين للكراهية.  أما أنا، بالطبع، فقد كنت أكثر امتنانا، حين ساهم كوني لست أمريكية في إبعادي عن الخطر الحقيقي أكثر من مرة.

إنها لميزة أن لا تتعرض للكراهية بسبب هويتك، ويجب ألا نغفل ذلك بخفة.  حرم جورج بوش هذا الامتياز عن شعبه، وسوف ينزع ستيفان هاربر بفروسية هذا الامتياز من الكنديين بمحو القليل الباقي ولكن المختلف بين السياسة الخارجية للولايات المتحدة وكندا.  الخطر الذي ينتج عن هذا التصرف ليس فقط في هل سيتوفر الأمان للكنديين عند سفرهم إلى الشرق الأوسط.  الكراهية التي يصنعها السيد بوش هناك، ضد الولايات المتحدة وشركائها في التحالف، تلحق فعلا بالجنود عند عودتهم إلى موطنهم.

لقد شعرت بهذه الكراهية في العراق، وصدقوني: لا نريد تجربة ذلك هنا في كندا.  أو لا تصدقوني، صدقوا المواطنين الأسبان، الذين قرروا في انتخابات مارس انهم يرحبون بقبول الانسحاب من حروب جورج بوش، وأنهم لا يرغبون في أن يكون هؤلاء الأعداء المتزايدين هم أعداؤهم هم أيضا.  أو مواطنو المملكة المتحدة، الذين أطاحوا توا بتوني بلير وحزب العمال في الانتخابات المحلية الأسبوع الماضي، الذين أغضبهم جرهم إلى حرب جعلتهم اقل أمنا.  أو مواطني استراليا، الذين على وشك إرسال نفس الرسالة إلى جون هوارد.  او حتى مواطني الولايات المتحدة، الذين لا يقر 55% منهم أداء السيد بوش في العراق، طبقا لاستطلاع الرأي الأخير الذي أجرته صحيفة لوس انجيليس تايمز.

والآن حيث يقول العالم أخيرا "لا مزيد"، يوضع الكنديون في سياق ينتخبون فيه حزبا يقول "وأنا أيضا".

يضع صقور واشنطن كندا، كما يودون كثيرا، في صورة الراكب المجاني، الذي يستجدي ثمن رحلته حماية عسكرية باهظة التكاليف، ويصورونها أيضا كأضعف حلقات مكافحة الإرهاب.  الحقيقة هي انه حول العالم، انه تآمر الحكومة الأعمى مع سياسة الولايات المتحدة الخارجية، ذلك التآمر نفسه الذي ينادي به السيد هاربر، هذا التآمر الذي يضع المدنيين في صف الإرهاب.  إنها الولايات المتحدة التي هي الحلقة الضعيفة.

قبل ذهابي إلى العراق، احد المراسلين العسكريين الموسميين، وقد أمضى سنة يراسل صحيفته من بغداد، أعطاني أفضل نصائحه الأمنية.  "حافظي على أن تكوني بعيدة عن الأمريكيين، انهم يضرون بصحتك".  هذا الصحفي لم يكن معاديا للأمريكان (انه مواطن أمريكي ومدافع عن الحرب)؛ لقد كان ذا تفكير عملي فقط.  في العراق، تعني تلك النصيحة انك لست في حاجة لركوب ناقلات الجند الأمريكية أو أن تترك القوات الأمريكية تصطحبك معها.  أن تحتفظ بمسافة تختارها وتبقى مستقلا.  في هذه اللحظة المرعبة في التاريخ، نفس هذه المبادئ تنطبق عليك في وطنك: يعتمد الأمن الكندي على قدرتنا على الاحتفاظ بسيادة غير فارغة بعيدة عن الولايات المتحدة.  وجودك داخل القلاع الأمنية الأمريكية لا يعني انك تكتسي بدرع مضاد للقذائف، بل تكتسي بمغناطيس جاذب لها.

طالما استمرت الولايات المتحدة تتصرف كمعتدي كوكبي، فالطريق الأفضل لنا حتى نحتفظ بأنفسنا أصحاء هو أن نحتفظ بمسافة بعد عن الأمريكان بقدر ما نستطيع.

التباعد الجغرافي، ونحن نشترك معها في حدود طولها 8890 كيلومتر، ليس اختيارا.  لحسن الحظ، لا يزال التباعد السياسي اختيارا قائما.  دعنا لا نسلمه.


نعومي كلاين هي مؤلفة كتاب "لا شعارات" وكتاب "أسوار ونوافذ".

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية