ترتسم في سماء
العراق هذه الأيام أربع صور، ثلاثة منها مخيفة ومحزنة. الأولى شديدة
الوضوح والثانية بالغة التعقيد والثالثة مرعبة النتائج أما الصورة الرابعة
سنتحدث عنها في مقال آخر.
الصورة
الأولى، شديدة الوضوح:
يبدوا أن الإدارة الأمريكية قد عقدت
العزم على تسليم سلطة، منقوصة ومقيدة، إلى حكومة عراقية انتقالية جديدة،
بحلول الثلاثين من يونيو، حزيران القادم. هذا ما تؤكده تصريحات المسئولين
الأمريكيين بدءا من الرئيس بوش ووزيري خارجيته ودفاعه ومستشاره للأمن
القومي وانتهاءً ببول بريمر وجون نغروبونتي الذي سيحل محل بريمر. إن
إصرار الإدارة الأمريكية على نقل السلطة للعراقيين، كما يمكن أن يلمسه أي
مراقب حصيف، هو ليس حبا بالعراقيين أو إرضاء للمجتمع الدولي أو لحسابات
استحقاقات الانتخابات الرئاسية الأمريكية أو تنفيذا للوعد الذي قطعه
الرئيس بوش على نفسه وأكده في مناسبات عديدة. في رأينا أن كل تلك
الادعاءات والتأكيدات ليس لها علاقة بتسليم السلطة. أما نقل السيادة فلا
نتحدث عنها، سواءً كانت منقوصة أو كاملة، لأن أي إنسان عاقل يحترم نفسه
وعقله لا يمكن أن يتصور اجتماع النقيضين، فالاحتلال نقيض السيادة والعكس
صحيح أيضا، لهذا ليس بنا من حاجة لمناقشة هذا الموضوع في هذا المكان وإنما
نتركه إلى مقال آخر عندما نناقش الصورة الرابعة.
نحاول في السطور القادمة توضيح ما
ذهبنا إليه.
في كلمته الإذاعية الأسبوعية يوم 15
الجاري، أكد الرئيس بوش بقاء قواته في العراق بعد تسليم السلطة إلى
العراقيين وحض دول مجموعة الثماني على تناسي خلافات الماضي وتشكيل تحالف
يدعم استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يضمن مستقبل العراق. ولم يشير إلى
سحب قواته، إذا ما طلب العراقيون ذلك، حسبما أعلنه وزير خارجيته كولن باول
في اجتماع وزراء خارجية مجموعة الثماني الذي عقد في واشنطن مؤخرا، عندما
قال: أن الاحتلال السياسي للعراق سيزول مع تسليم السلطة للحكومة
الانتقالية، وأن القوات الأمريكية ستنسحب من العراق إذا ما طلبت الحكومة
الجديدة ذلك، ولكنه أستبعد أن تقدم الحكومة العراقية المقبلة مثل هذا
الطلب. وبهذا وضع السيد باول العربة أمام الحصان مسبقا وحسم الموضوع مقدما.
وفي تصريح أخر أكد السيد باول أن قيادة
القوات العراقية المستقبلية ستؤول إلى قائد أمريكي يضطلع بمهمات قيادة
قوات متعددة الجنسيات وذلك لضمان وحدة القيادة في أرض المعركة على حد
تعبيره. بكلام أخر، سيبقى العراق ساحةً للمعارك والقتال وأن الجيش
والأجهزة الأمنية العراقية ستشارك في هذه المعارك تحت قيادة سلطة الاحتلال
لقتل إخوانهم وبني جلدتهم من العراقيين.
ومن جانبها أكدت كونداليزا رايس، مستشارة
الأمن القومي للرئيس بوش، أن القوات الأمريكية ستبقى في العراق حتى أنجاز
ما احتلت البلاد من أجله، وقالت في مقابلة مع صحيفة تاغيس شبيغل الألمانية
أن واشنطن لم تصل بعد إلى النقطة التي تريدها!!! وفي تصريح آخر أكدت على
أن الأسابيع المقبلة ستكون صعبة.
أما بطل فضيحة سجن أبي غريب، دونالد
رامسفيلد، فأكد بأنه لن يقود أي جندي أمريكي في العراق قائد غير
أمريكي طالما هو باق في منصبه. وأن موعد 30 حزيران/ يونيو ليس سحريا
لانسحاب القوات الأمريكية، وأضاف قائلا: أن قواتنا لن تعود ولن تقوم
بالتأكيد دولة عراقية قوية ابتداءً من هذا التاريخ تحت أنظار العالم.
أما جون نغروبونتي الذي رشحته الإدارة
الأمريكية سفيرا لها في العراق، قال في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية
لمجلس الشيوخ الأمريكية، أن السيادة العراقية ستكون مقيدة، وشدد على أن
عراق المستقبل لا مكان فيه للمجموعات المسلحة وأن المسألة الآن تكمن في
معرفة ما هي الوسيلة الأكثر فعالية وحكمة في التعاطي مع هذا الموضوع،
أحيانا لابد من مواجهة العنف بالعنف. وأضاف قائلا : أن دور الأمم المتحدة
في العراق لن يكون على حساب المصالح الأمريكية. و أنه مع توسيع دور الأمم
المتحدة في المجال السياسي، لأن ذلك سيسهل التوصل إلى دعم دولي ضروري
لتحقيق النجاح في العراق. كما أكد على أنه سيرأس أكبر سفارة أمريكية في
العالم في بغداد، قوامها 3 ألاف موظف. أي ربع موظفي وزارة الخارجية
الأمريكية.
ولا نعلم ما هي الواجبات التي ستناط
بهؤلاء الدبلوماسيين ورجال المخابرات في العراق الجديد؟ إن لم يكن حكم
العراق والتجسس على المنطقة بأكملها. فهل سيقومون بإحصاء أشجار النخيل في
العراق؟ وهل أصبح العراق القوة العظمى الثانية في العالم؟ لتهتم به
الولايات المتحدة هذا الاهتمام غير المسبوق؟
من جانب آخر أكد مسئولون أمريكيون أن
الحكومة الانتقالية ستكون محدودة الصلاحية وأشاروا إلى بقاء (200) مستشار
أمريكي في الوزارات العراقية، بعد تسليم السلطة.
وبهذا يتضح أن عودة الولايات المتحدة
الأمريكية إلى الأمم المتحدة والموافقة على تعيين السيد الأخضر الإبراهيمي
ممثلا لأمينها العام لإجراء المشاورات مع الأطياف السياسية والشخصيات
الوطنية العراقية لتشكيل حكومة للمرحلة الانتقالية، هو بقصد تسهيل استحصال
غطاء دولي لاحتلالها للعراق ومنحه الشرعية. وكذلك لتهيئة الأجواء المصطنعة
لتظهر للعالم وللعراقيين على وجه الخصوص وكأن الأمم المتحدة هي التي لعبت
دورا أساسيا في اختيار أعضاء الحكومة الجديدة وتوحي لهم بأنها تشارك في
العملية السياسية في العراق. بخلاف ما ذهب إليه السفير نغروبونتي الذي أكد
على أن دور الأمم المتحدة في العراق لن يكون على حساب المصالح الأمريكية.
وما أكده بول بريمر في قوله: إن الإدارة الأمريكية وحدها صاحبة القرار في
تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ودور الأخضر الإبراهيمي هو توضيح موقف
المنظمة الدولية للحصول على قرار من مجلس الأمن لمنح الحكومة الجديدة
التأييد الدولي.
ليس هناك ما يمنع من عودة الأمم المتحدة
إلى العراق، وأن تلعب دورا سياسيا لتهيئة الأجواء للانتخابات العامة التي
ستجرى في بداية العام القادم، حسب ما هو معلن، بشرط أن تقوم بدورها
الأساسي والقانوني وحماية الشرعية الدولية، وفقا لميثاقها، وأن تدين
الاحتلال وتؤكد على خروج قواته من العراق، بدلا من منحه غطاءً دوليا
شرعيا. بيد أن المراقبين يلاحظون أن الأمم المتحدة تقوم بدور ليس
دورها. فدور الأمم المتحدة هو أن تدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحق
الدول في المحافظة على سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها. ولا تساهم في
محاولات تدويل القضية العراقية وإضفاء الشرعية على الاحتلال المقيت. إن
التدويل كلمة مطاطة شديدة الشبه والقرابة بكلمة التوريط أن جاز التعبير.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى توريط الأمم المتحدة في العراق
لكي ينقذها العالم من مأزقها الذي يتفاقم يوما بعد يوم.
لقد تذرعت إدارة الرئيس بوش عشية غزو
العراق بأنها تمتلك غطاءً شرعيا للقيام بهذه الخطوة يعوضها عن لا قانونية
فعلتها، وشددت على أنه حين يتعارض القانون مع الشرعية، يجب تعديل الأول
للتكيف مع الثاني.إلا أن السيدة ماري سلاوتر، عميدة كلية وودرو ويلسون
للشؤون الدولية في جامعة برينستون الامريكية، تحاجج هذا المنطق وتقول: أن
شرعية الغزو الأمريكي لهذا البلد كانت تحتاج إلى ثلاثة شروط: الأول العثور
على أسلحة الدمار الشامل والثاني ترحيب الشعب العراقي بالقوات الحليفة
وأخيرا العودة إلى الأمم المتحدة فور انتهاء العمليات العسكرية. وتخلص إلى
القول: بعد سنة من دخول القوات الحليفة إلى العراق، أستنتج بأن الغزو لم
يكن قانونيا ولا شرعيا. أن قرار التحالف باستخدام القوة من دون قرار ثان
من مجلس الأمن لا يستطيع أن يكون سابقة مستقبلية، بل هو خطأ يجب أن يقود
أمريكا ثانية إلى التعددية الدولية الحقيقية.
ولهذا السبب تحاول الولايات
المتحدة تسليم السلطة ولو شكليا إلى العراقيين عبر إشراك الأمم المتحدة في
العملية، وإجبارها على إصدار قرار من مجلس الأمن، وذلك لتحقيق الشرطين
الثاني والثالث من الشروط التي ذكرتها ماري سلاوتر.
أن لجوء الولايات المتحدة إلى الأمم
المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن، هو من أجل إضفاء الشرعية الدولية
والقانونية على احتلالها للعراق، كما ذكرنا، وتحويل وصف تواجد قواتها
وقوات حلفائها في العراق من صفة قوات احتلال إلى صفة قوات متعددة الجنسيات
وبدعوة من الحكومة العراقية المؤقتة، التي ستختار وتعين أعضاءها الولايات
المتحدة بالتعاون مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، في الأسابيع القلية
القادمة. وبذلك يكون التواجد الأمريكي في العراق تواجدا شرعيا وقانونيا
ودائما لعشرات السنين القادمة، ولا يمكن لأية حكومة عراقية قادمة، أو حتى
الأمم المتحدة نفسها، أن تطالب الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق،
لأن ذلك يتطلب استصدار قرار جديد من مجلس الأمن، وحسب لوائح إجراءات مجلس
الأمن لا يلغى قرار مجلس الأمن إلا بقرار من المجلس نفسه، ويستحيل في هذه
الحالة إصدار مثل هذا القرار، لتمتع الولايات المتحدة وبريطانيا بحق النقض
( الفيتو) في مجلس الأمن. وهكذا تكون الأمم المتحدة قد ساهمت، مساهمة
فعلية وعملية في تثبيت احتلال العراق وتكريسه تحت غطاء الشرعية الدولية.
وهكذا يعيد التاريخ نفسه، فبعد أن
خلقت الأمم المتحدة الكيان الصهيوني الغاصب ومنحته الشرعية الدولية
لاحتلال الأراضي العربية في فلسطين، تساهم اليوم في شرعنة احتلال أمريكا و
الصهيونية العالمية للعراق وتثبيته!! وكأن هذه المنظمة لم تنشأ ألا من أجل
تكريس احتلال الأراضي العربية، تحت مسميات الشرعية الدولية.
أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية، من
تشكيل حكومة انتقالية جديدة وتسليمها السلطة في الثلاثين من حزيران، يونيو
القادم، بعد إضفاء الشرعية عليها بقرار من مجلس الأمن، وبالإضافة إلى
حسابات استحقاقات الانتخابات الأمريكية، هو لتحقيق الآتي:
-
توقيع اتفاقية مع الحكومة الجديدة،
تدعوا الأخيرة بموجبها الولايات المتحدة إلى أبقاء قواتها في العراق
لتثبيت الأمن والاستقرار وحماية العراق من الإرهاب.
-
توقيع اتفاقية أو معاهدة دفاعية
مشتركة، تؤجر الحكومة الجديدة بموجبها قواعد عسكرية عراقية للولايات
المتحدة لمدة 99 عاما.
-
تمنح الحكومة الجديدة عقود
امتياز لإنتاج واستكشاف وتصدير النفط العراقي للشركات الأمريكية لمدة 49
عاما.
-
تطلب الحكومة الجديدة من الولايات
المتحدة الإبقاء على مستشاريها في الوزارات العراقية لحين استكمال تدريب
جيل جديد من الموظفين.
هذه هي الصورة، شديدة الوضوح، وهذا ما
يجب الانتباه إليه، نظرا لانعكاساته الخطيرة، ليس على العراق فحسب، وإنما
على المنطقة والعرب والعالم أيضا.
الصورة الثانية، بالغة التعقيد:
المشهد السياسي العراقي الداخلي مبهم
وقاتم وزادته إبهاما و قتامةً، اغتيال الرئيس الدوري لمجلس الحكم عز الدين
سليم.
أن الصراع حول الحصص الطائفية والاستحواذ
على السلطة بين الأحزاب الممثلة في مجلس الحكم الانتقالي تشتد أواره مع
اقتراب اليوم الموعود.
لنلقي أولا نظرة عاجلة على هذا المشهد
لنستشرف المواقف المتنازعة حول تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة.
كشفت أحدى الصحف الخليجية قبل أيام
قليلة، أن مجلس الحكم الانتقالي شهد أثناء اجتماعه بالحاكم الأمريكي بول
بريمر مشادة كلامية حادة بين عضو المجلس عبد الكريم ماهود والسفير بريمر،
عندما طالب الأول بمنح دور سياسي لمقتدى الصدر وإشراكه في الحكومة
الانتقالية القادمة لتفادي الأزمة الحالية بينه وبين سلطات التحالف. وبخ
بريمر السيد ماهود وأتهمه بموالاته لمقتدى الصدر، وأبلغ الحاضرين، أن
الإدارة الأمريكية وحدها صاحبة القرار في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة
ودور الأخضر الإبراهيمي هو توضيح موقف المنظمة الدولية للحصول على قرار من
مجلس الأمن لمنح الحكومة الجديدة التأييد الدولي. فبعد هذا الكلام الواضح
الدقيق، عن أي حكومة جديدة يرضى عنها الشعب العراقي يتحدثون وعن أي تسليم
للسلطة أو السيادة يتشدقون؟ ولا نريد بعد كلام السيد بريمر أن نناقش مهمة
السيد الإبراهيمي، لأن دوره أصبح واضحا ولا يزيد عن دور عامل مساعد وليس
عامل مقرر.
رغم انه لم يبق سوى أقل من أسبوعين على
الموعد المتفق عليه لتشكيل الحكومة الانتقالية في العراق، إلا أن طبيعة هذه الحكومة
غير واضحة إلى الآن، وأن الصراع بين الأحزاب الشيعية والسنية والكردية
الممثلة في المجلس، حول توزيع المناصب والحقائب الوزارية على أشده، مما
دعا عضو مجلس الحكم الانتقالي نصير الجادرجي إلى القول: إن أعضاء المجلس ما زالوا غير متفقين
على رؤية واضحة، وبعضهم ينتظر كلمة الموفد الدولي الأخضر الإبراهيمي الذي لم يقل كلمته
النهائية بعد.
برأينا أن مسألة تشكيل الحكومة العراقية
الانتقالية الجديدة قد أقرت من قبل الأمريكان، وأن الأشخاص الذين
سيشكلونها قد تم أخيارهم وانتقائهم، بعد أن وافقوا ووقعوا أو التزموا
بالتوقيع على جميع طلبات سلطات الاحتلال في العراق. ووافقت على منح
الولايات المتحدة الشرعية العراقية المطلوبة بعد الثلاثين من يونيو حزيران
القادم، وكذلك وافقوا على أبقاء القوات العسكرية العراقية تحت قيادة
أمريكية فضلا عن بقاء القرار الاقتصادي السيادي في يد السفارة الأمريكية
في بغداد. فما يجري الآن من التحركات المكوكية والاجتماعات المتواصلة ما
هي إلا لاستكمال متطلبات الإخراج المسرحي، لتعرض على العالم بعد الثلاثين
من حزيران يونيو القادم ليس ألا. فإن الحكومة الانتقالية الجديدة سوف لا
تكون ألا نسخة طبق الأصل من مجلس الحكم الانتقالي الذي أثبت فشله الذريع،
وباعتراف وإقرار أعضاء مهمين فيه. بعد تطعيمها بوجوه جديدة.
أن الحكومة العراقية الجديدة ستكون شكلا
بلا مضمون، سلطاتها مصادرة وقراراتها لا تنفذ إلا بعد موافقة السفير
الأمريكي والمستشارون الأمريكان. وقد أكد المسؤولون الأمريكيون أن الحكومة
الانتقالية ستكون محدودة الصلاحية وأشاروا إلى بقاء (200) مستشار أمريكي
في الوزارات العراقية. أن عملية نقل السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة
ستكون مجرد تبديل عنوان من دون انعكاسات عملية حقيقية، ولن تشكل حلا للوضع
المضطرب في العراق، كما ذكر السيد سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة، ماذا سيحدث لو فرض الأمريكيون
والمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، التشكيلة الحكومية التي سيختارونها،
ورفضتها الأحزاب الممثلة في مجلس الحكم، لاسيما الأحزاب الشيعية والكردية؟!
فالشيعة يريدون الاستحواذ على رئاسة مجلس
السيادة أو رئاسة الوزارة أو كليهما معا، والأكراد يطمحون في أحد هذه
المناصب، والأمريكان لهم أجندة أخرى. والرئيس بوش يقول أنه لا يرى إمكان
قيام دولة شيعية في العراق، ورئاسة مجلس السيادة قد تم اختياره ( على
الأغلب من السنة). والجري حول ترشيح الأبناء والأخوال والأعمام والأعوان
للمناصب الوزارية، يقطع أنفاس أعضاء مجلس الحكم الانتقالي قبل أن يفوتهم
القطار.
الصورة بالغة التعقيد، تحمل في
طياتها وزواياها وأطرافها مفاجئات كثيرة وغير سارة للعراقيين أن لم تكن
كارثية. فليحصد الأمريكان نتائج البذرة الطائفية والعرقية المقيتة التي
بذروها في العراق المنكوب. هل يريد الأمريكان، في خضم هذه الفوضى والتكالب
على المناصب، دفع العراقيين باتجاه إشعال فتيل الحرب الأهلية؟
الصورة الثالثة، مرعبة
النتائج:
أن التعرف على المشهد السياسي العراقي
الآن وما ستؤول إليه في الأسابيع والأشهر القادمة مهمة شاقة وجسيمة لأن
الساحة العراقية تحمل، دائما، في أحشائها مفاجئات كبيرة من الصعب توقعها.
أن بذور الطائفية والتعصب العرقي الذي بثته وزرعته سلطات الاحتلال
بانتهاجها نظام الحصص والتقسيم الطائفي والعرقي عرضة للانفجار في أية
لحظة، لتحرق الأخضر واليابس. (فجميع الأمور التي تتحرك على أرض الواقع
العراقي تبدو كأنها واقعة تحت الضوء ويمكن التعرف عليها بسهولة، ولكن عند الغوص في أعماقها،
سرعان ما تبدوا غائمة، مبهمة ومرعبة، كأنها ممنوعة من اللمس حتى بالذهن)..
نقلت شبكة كربلاء للأنباء، عن المبعوث
الرئاسي الاميركى جون بلاك ويل، تأكيده على انه قد تبلورت لدى السيد
الأخضر الإبراهيمي، شكل الحكومة، وان أكثر من نصف الوزراء الحاليين سيستبعدون
من الحكومة المقبلة، أما الأسماء التي سيتم اختيار رئيس الدولة من بينها، تحددت
بثلاثة أسماء هي: عدنان الباجه جي وغازي الياور والشريف على( جميعهم من
السنة) فيما
سيترك للأكراد تحديد نائب رئيس الجمهورية وكذلك للشيعة اختيار النائب الآخر للرئيس. ويبدوا أن
هناك ميلا إلى أن يكون رئيس الوزراء من الشيعة أيضا.
وردا على هذا الخبر، صرح السيد نيجيرفان
البارزاني( شقيق السيد مسعود البارزاني ورئيس حكومة أربيل) لجريدة ( خه
بات) اليومية الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني قائلا: أن "الأكراد لا يساومون في
حقهم المشروع حول المطالبة في المشاركة في دور قيادي في الحكومة العراقية
المقبلة بعد تسلم السلطة في 30 حزيران وهم يعتزمون تسليمهم أحد الحقائب الحساسة
بين رئيس مجلس السيادة أو رئيس مجلس الوزراء والذي من المؤمل أن تتكون هيئة رئاسته
القادمة من ثلاثة أشخاص". وأضاف البارزاني قائلا: "ندعو جميع الأطراف إلى تحمل
المسؤولية تجاه هذه المطالبة والتعامل مع هذه القضية بحساسية بالغة ومراعاة حقوق الشعب
الكردي وتضحياته الجسيمة طوال السنين الماضية" وكرر قوله بأن "الشراكة بين القوميات
المتآخية تفقد مصداقيتها عند عدم اعتبار هذه المطالبة حالة شرعية".
من جانب آخر أكدت أحدى الصحف الخليجية
على أن جون بلاك ويل، قد عقد مؤخرا لقاء ثنائيا مع رئيس المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية في العراق، السيد عبد العزيز الطباطائي الحكيم، تركز حول موضوع تشكيل
الحكومة الانتقالية ، موضحا أن المبعوث
الأميركي قد أكد للحكيم أن النسب
الطائفية التي كان الانتقالي قد تشكل بموجبها سوف يتم اعتمادها في تشكيل الحكومة
الانتقالية الجديدة. وهناك احتمال أن يكون منصب رئيس الوزراء من حصة
الشيعة.
وإذا استمرت المواقف على ما هو عليه
فربما سيدخل الأكراد والشيعة في صراع ومنافسة جادة قد يكون بداية انفراط
عرى التحالف بينهما.
وفي ظل هذه الأجواء، المتوترة، تجرى خلف
الأبواب الموصدة وبعيدا عن الأضواء
مداولات مكثفة بين بعض القوى الشيعية
الممثلة وغير الممثلة في مجلس الحكم
الانتقالي من اجل عقد مؤتمر يضم جميع
القوى الوطنية، يهدف إلى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة في حال عمدت سلطة
التحالف إلى فرض حكومة لا تحقق التمثيل الواسع للشيعة أو استحواذهم على
أحد المناصب الأساسية. ونعتقد أن الشيعة سوف لا يرضون في أقل من رئاسة
مجلس السيادة، لكونهم يمثلون الأغلبية، حسب ادعائهم.
كما تهدف المداولات، التي أشرنا إليها،
إلى تشكيل مجلس سياسي شيعي يتم من خلاله توحيد المواقف حيال جميع المستجدات
والمفاجآت السياسية التي قد تطرأ على الساحة العراقية. مما قد يعني أن
الشيعة يريدون تشكيل حكومة (ظل)، أو حكومة على غرار الحكومة الكردية،
للتهيؤ لأي طارئ إذا لم تلب مطاليبهم؟
وإذا ما تعدت هذه المواجهات، الصامتة
والحذرة، حدودها المحسوبة، فإن احتمالات فتح أبواب الجحيم لاندلاع الحرب
الأهلية لا سمح الله؟ والتي ستفتح الأبواب على مصراعيها لتقسيم العراق إلى
ثلاثة دويلات؟ كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في القسم
الغربي من العراق؟ أليس هذا ما تسعى إليه أمريكا والكيان الصهيوني
وغيرهم!!!
أن الواجب الوطني والقومي والإسلامي
يستدعي الوقوف بحزم أمام المحاولات الأمريكية لتكريس وتثبيت احتلالها
واستعمار العراق ومصادرة حرية شعبه وسرقة ثرواته وخيراته، مصادرة نهائية
وبقرار من مجلس الأمن وتحت غطاء الشرعية الدولية. ينبغي على القوى الخيرة
في العالم أن تضغط على مجلس الأمن للحيلولة دون إصدار قرار جديد يضفي
الشرعية على الاحتلال والعمل على عدم تغيير صفة قواته إلى صفة قوات متعددة
الجنسيات، وكذلك الإعلان بأن الحكومة الانتقالية الجديدة ما هي ألا حكومة
مؤقتة لتصريف الأعمال الحكومية العادية، لحين أجراء الانتخابات العامة
وتشكيل حكومة عراقية شرعية ومنتخبة من قبل الشعب العراقي والتأكيد على أن
جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي ستعقدها، سواء مع سلطات الاحتلال أو مع
أي طرف آخر باطلة وغير قانونية، وكذلك التأكيد على أنه ليس من اختصاصها
ممارسة الأعمال السيادية كتغيير العلم وشعار الدولة وكل ما يدخل ضمن هذا
المفهوم. وإذا ما قامت بتلك الأعمال تحت ضغط سلطات الاحتلال فأنها تعتبر
باطلا وغير ملزم للشعب العراقي مطلقا، لأنها حكومة مؤقتة معينة من قبل
سلطات الاحتلال وغير منتخبة من قبل الشعب العراقي.
الشعب العراق تواق للديمقراطية والحرية
والتعددية واحترام حقوق الإنسان وإقامة المؤسسات المدنية ونبذ الحروب.
وتواق أيضا إلى انتزاع سيادته واستقلاله، بالحسنى أن كان ذلك ممكناً. وإذا
فشل المجتمع الدولي في إنهاء الاحتلال، فأن الشعب العراقي قادر على تحرير
وطنه واستعادة استقلاله وسيادته وطرد الغزاة المحتلين، حتى لو تطلب ذلك
إلى أن يطلق على العراق بلد خمسة ملايين شهيد.
مازال هناك متسع من الوقت لتدارك الكارثة
الحقيقية، لا يعلم إلا الله، إلى أين سيصل مداها.
الجزء
الثاني
كاتب من
العراق
|