- العراق -

العسكري الأمريكي

أحمد الخميسي

10 مايو 2004


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

عام 1961 نشر يوسف إدريس قصته الشهيرة " العسكري الأسود " ، واتخذ إطارها التاريخي من فترة حكم رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي عام 1948 حين فتحت أبواب المعتقلات للجميع وعاني الوطنيون داخلها من أبشع أنواع التعذيب بكل الأدوات والوسائل . وكانت القصة المستقاة من مرحلة ماضية إسقاطا على ما جرى في مصر عام 1961 من انتهاك مماثل لكرامة البشر.

يقول يوسف إدريس على لسان الراوي أنه في جيل الأربعينات : " شاعت قصص التعذيب ، وطار صيت العسكري الأسود مما يفعله بالمساجين المعتقلين .. وأصبح هو مبعث رعب الجيل " . وتزول دولة الملك وسجونه ، وتمر الأيام وتشاء الصدف أن يقوم أحد ضحايا العسكري الأسود وهو الطبيب شوقي بتوقيع الكشف الطبي على العسكري الأسود للنظر في انتهاء خدمته بوزارة الداخلية .

يلتقي الضحية بالجلاد ، بعد أن بدلت علاقة التعذيب الطرفين ، فلم يعد شوقي بعدها هو شوقي ، ولم يعد العسكري الأسود هو ذاته . إن شوقي يصبح : " جرحا شاملا من قمة رأسه إلي أظافر أقدام شخصيته "، أما الجلاد فأمسى كومة مختلة ، يستيقظ مرعوبا من نومه ، أو يشتم نفسه فجأة ، أو ينشب أسنانه في ذراعه ، أو ينهش يد امرأته حتى يدميها ".

ولم يكن يوسف إدريس معنيا في هذه القصة بالجانب التاريخي للمسألة ، أو عرض الظروف التي عاشها جيل الأربعينات ، كان معنيا بسؤال واحد : كيف يمكن للإنسان أن يكون وحشا ؟ هل هو النظام الاجتماعي فقط ؟ أم أن ثمة جانبا آخر مدفونا داخل النفس البشرية ؟

 يتذكر الطبيب شوقي أن العسكري الأسود : " حين يضرب ، كان من يراه لا يظن أبدا أنه يمت إلي الإنسان أو الحيوان بصلة ، بل ولا حتى الآلة ، فالآلة لا تبدو على وجهها المتعة والوحشية وهي تضرب " ، ويقول يوسف إدريس أن العسكري الأسود : " من بين جميع الذين كان يعهد إليهم بضرب السياسيين أكثرهم توحشا لا في تنفيذ الأوامر فقط وإنما في اختراع وسائل أقسى وأنجع للتعذيب " .

لقد أعادتني إلي" العسكري الأسود " تلك الصور التي بثتها محطة " سي . بي . إس " التلفزيونية الأمريكية للعراقيين في سجن أبو غريب وقد تكوم بعضهم فوق بعض عراة مهانين ، وجنود الاحتلال الأمريكي ينكلون بهم ويتشفون منهم.  شيء واحد استوقفني في تلك الصور: ليس الضحايا المعلقة، والمكومة، ولكن مشهد  الجلادين، وتلك اللذة المريضة التي تلمع في عيني الضابطة الأمريكية التي برتبة عميد.  لم أتوقف عند الأسلاك الكهربائية التي ربطت في أجزاء حساسة من أبدان العراقيين، ولكني توقفت عند العسكري الأمريكي وهو يضحك بتشف ويشير بأصابعه للضحايا إشارات نابية. 

من أين يأتي هذا الشر وهذه الخسة ؟ حينما يكون أمامك شخص معتقل أعزل، فتعذبه، ثم تكتب على جسده كلمات نابية باللغة الإنجليزية؟ هل أن ذلك جزء من صميم النفس البشرية يبحث عن فرصة للظهور؟ وما هي هذه النفس إذن؟

إن القصف الأمريكي للفلوجة العراقية منذ عدة أسابيع، واستشهاد سبعمائة طفل وامرأة تحت القنابل أمر عرفه تاريخ الغزو البربري، والطيارون هنا ينفذون مهمة محددة، ولا يقصدون شخصا بالذات، إن عملهم هو إخضاع هذا البلد بكل الوسائل الوحشية.  والجانب الموضوعي من الاستعمار ينتهي عند حدود إخضاع الإنسان، وتحطيم سلاحه، ووضعه داخل السجن. أما ما يحدث بعد ذلك فهو الجانب الذاتي، حين تغترف النفس البشرية من قيعان القسوة، والتشفي، والاستمتاع المتلذذ المريض: " بتخريب كائن حي وإنسان، والمضروب يتحول إلي كتلة اللحم المذعورة التي تصرخ في فزع أعمى، فلا يفعل مشهدها أكثر من أن يغري العسكري الأسود بالضرب أكثر والتمتع بلذة الهدم" على حد قول يوسف إدريس.

هل أن الظاهرة الاستعمارية هي السبب في ظهور تلك القسوة؟  أم أن تلك الظاهرة لم تكن سوى فرصة للقسوة الكامنة؟  لماذا كان العسكري الأسود: "من بين الجميع أكثرهم توحشا"؟  ولماذا كان: "أكثرهم تفانيا ليس في تنفيذ الأوامر فقط وإنما في اختراع وسائل أقسى ؟"

 لقد أشار الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي في أكثر من عمل إلي أن البشر خلافا لما هو مفترض يشعرون شعورا أنانيا بالراحة حين يشاهدون الآخرين مرضى أو مهانين، ومصدر الراحة هنا أنهم يحسون بأنفسهم أصحاء وأقوياء خارج حالة المرض أو الإهانة التي يشاهدونها.  وقد يكون ذلك شعور دنيئ، لكنه ليس هذا الشر الأسود الكامن في نفس العسكري الأمريكي، والذي كان يلمع في عيني الضابطة الأمريكية وزملائها.  أية أم لأي أطفال يمكن أن تصبح هذه الضابطة؟ أي آباء لأي أبناء قد يصبح أولئك الجنود؟  كيف يجمع المرء بين هذه الخسة وبين عشاء طيب مع أسرته؟  أو نظرة مرحبة بطفل عابر؟  أو زهرة؟  أو سحابة؟ 

إن مقابر الفلوجة الجماعية أمر يدخل في سياق الاستعمار الأمريكي وعملياته الإجرامية . أما الصور التي بثتها القناة الأمريكية فإنها تنطوي على شيء آخر إضافي، أبعد من الظاهرة الاستعمارية.  إنها ليست مجرد فضيحة لأكاذيب الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتشدق بها واشنطن، لكنها أيضا فضيحة مؤلمة وكئيبة للنفس البشرية التي مازالت تحتفظ في ركن منها بالعسكري الأسود. 

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية