- العراق -

أم الفضائح تسقط ورقة التوت الأخيرة من الجسد الأمريكي

وجدي أنور مردان

7/5/2004         


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

(مأساة الكذاب ليست في أن أحداً لا يصدقه، وإنما في أنه لا يصدق أحداً )
برنارد شو

انفضحت أمريكا كما لم ينفضح أحد. أسود وجهها القبيح وتلطخ شرفها غير الرفيع.  بعدما انهارت وسقطت جميع مزاعمها، الواحدة تلوى الأخرى.  بقيت لديها ورقة توت واحدة تغطي بها جسمها العفن، تلك الورقة البالية التي كانت تتبجح بها أمام العالم منذ عام، زوراً وبهتاناً، وتدعي بأنها (حررت) العراق لجعله صرحا للديمقراطية ولتعزز احترام حقوق الإنسان الذي كان مهدورا في العهد السابق. انكشفت هذه الخزعبلات والأكاذيب وسقطت تلك الورقة البالية في سجن أبي غريب بفضيحة العصر المدوية، لتهز العالم. وظهرت على حقيقتها. و تلطخ شرفها العسكري في الوحل، ومسخت قيمها التي كانت تتباه بها واستحالت إلى كومة من الهراء. مأساة أمريكا هي بالضبط ما قاله برنارد شو الذي أشرنا إليه في بداية هذه السطور.

نحاول في هذه العجالة أن نناقش الجريمة التي أقترفها شرذمة من الجنود والمجندات الأمريكيات في سجن أبي غريب، بعيدا عن الانفعالات والصدمة التي حفرتها هذه الصور البشعة القذرة في ذاكرتنا وذاكرة الشرفاء في العالم، لنتوصل إلى حقيقة القائمين بها وكذلك لنقف على الهدف من ورائها ولماذا؟

هذه الجريمة النكراء، هي ليست الأولى في العراق ولن تكون الأخيرة،  أنها وما شابهها تجري على أرض العراق بطريقة ومنهجية منذ اليوم الأول من دخول القوات الغازية إليها، ولا تقتصر هذه الجرائم على القوات الأمريكية وحدها، بل تشاركها القوات البريطانية وأولاد عاهرات بولندا أيضا.  وعندما تحدث عنها السجناء الذين أطلق سراحهم من هذا السجن الرهيب، لم يصدقهم أحد، إلى أن فضحهم الله، بالجرم المشهود وكشف عنها وسائل أعلامهم قبل غيرها، ولهذا السبب كانت المقاومة العراقية تكثف ضرباتها وقصفها لسجن أبو غريب طيلة الشهور الماضية انتقاما لما يجري خلف قضبانه.

 الجرائم التي ارتكبت، وترتكب ضد العراقيين على مدار الساعة، بعدما حولته أمريكا إلى سجن كبير، هي ليست ضد العراق والعراقيين وحدهم، وإنما جريمة ضد الإنسان والإنسانية، وضد كرامة البشر وشرفه، ضد جميع القيم والشرائع السماوية وضد أبسط مبادئ حقوق الإنسان، أنها جريمة همجية وسادية تعاف حتى الحيوانات المتوحشة في الغابات الإتيان بها. وإزاء هول ما وقع، فإن على جميع شرفاء العالم مسؤولية التصدي لها وشجبها وأدانتها بقوة والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها الأساسيين وليس فقط الجنود الأدوات الذين قاموا بالتنفيذ بناء على أوامر من رؤسائهم.          

من البديهيات المعروفة في علم القانون الجنائي، أن المجرم يعرف مقدما، قبل ارتكابه لجريمته، العقاب الذي ينتظره، فيما إذا تم إلقاء القبض عليه.  ويفترض أن جنود الاحتلال ومجنداتها في العراق أيضا، يعرفون مسبقا أن ارتكاب مثل هذه الجرائم، إذا ما انكشفت، تعرضهم للعقاب، فضلا عن تلطيخ سمعة بلدهم وشرفهم العسكري.

 والآن لنتفحص الصور معا لنرى ماذا يمكن الاستنتاج منها:

الصور لم تلتقط سرا، وإنما عن سابق التصميم والتهيئة والاختيار، والدليل هو الأوضاع و( البوزات) التي ظهرت فيها المجندة، التي كانت تتلذذ بما تشاهد، والوحش الواقف خلفها باللباس العسكري الأمريكي، والجنود الذين كانوا يغتصبون الفتاة، كلهم كانوا مهيئين لالتقاط هذه الصورة وعيونهم متجهة نحو الكاميرا مع اشارات علامة النصر. وتسرب أخيرا نقلا عن أحد الجنود الأمريكان لصحيفة لوس أنجلس تايمز، قوله: أن الجنود الأمريكان كانوا يضعون هذه الصور بإطار على مكاتبهم. هذه هي القيم الأمريكية التي يتحدث عنها الرئيس بوش وأزلامه.

الممارسات المخلة بالشرف، والأوضاع التي يتعفف الإنسان عن الإتيان بها، كانت مقصودة ومصممة سلفا لتحقيق هدف أبعد من النزوة الحيوانية، من أجل أحداث أكبر قدر ممكن من التأثير النفسي على السجناء الآخرين وترويعهم لانتزاع الاعتراف منهم.

 ظهر المجرمون في الصور وهم مرتاحون، ومطمئنون من عدم تعرضهم للعقاب، وكأن أحدا قد أمرهم بالقيام بهذه الأفعال المشينة.  ومن المعروف أن أي مجرم، وحتى المحترف، عندما يقترف جريمته ينتابه شيْ من الخوف والتردد، ولم نلاحظ أي أثر في الصور لمثل هذا الخوف والتردد على وجوه تلك الوحوش الكاسرة.

 وقد أيدت تداعيات الجريمة صحة ما ذهبنا إليه، وأعترف أكثر من مسئول أمريكي على ذلك وتحمل رامسفيلد المسؤولية الكاملة عما جرى في أبو غريب.

باعتقادنا أن هذه الجرائم كانت مقصودة و مصممة ضمن خطة منهجية، أما بإيحاء من الصهاينة أو بعض الإمعات من مجلس الحكم الانتقالي أو من بعض العرب ( بلغ عدد العاملين العرب مع قوات الاحتلال 1500 شخصا)، وقد أشار رامسفيلد لدى أستجوابه في الكونغرس الأمريكي، إلى أن هناك أعدادا من المترجمين الذين يرافقون المحققين، أو بإيحاء من المتخصصين في دراسة طبيعة شخصية الفرد العراقي، الذين يعرفون أن ردود فعله وخوفه الشديد من المساس بشرفه الشخصي أو شرف عائلته يدفعه إلى الاعتراف حتى بجرم لم يقترفه.

إن ممارسة اللواط ضد شخص عراقي أو عربي أو مسلم أو اغتصابه، يعني الحكم عليه بالإعدام، لأنه سيكون منبوذا ولا يستطيع مواجهة المجتمع بعد ذلك، بخلاف المجتمعات الغربية عامة والأمريكية بخاصة، الذين يفتخرون بممارسة هذه العملية الحيوانية. لذا نعتقد بأن هذه العمليات الجماعية ارتكبت بقصد التأثير على مقاتلي المقاومة العراقية الباسلة، أو لأحداث الصدمة عند الذين لديهم النية للانخراط في صفوفها، من أجل الإيحاء لهم بأن مصيرهم سيكون نفس مصير الذين ظهروا في الصور، إذا ما تم إلقاء القبض عليهم.

بمعنى أخر، أرادت سلطات الاحتلال أن تؤثر، من خلال هذه الصور، على معنويات عناصر المقاومة أولا، وغرس هاجس الخوف من الفضيحة والمساس بالشرف الشخصي والعائلي لديهم ثانيا. كما فعلت مع صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين لأحداث التأثير النفسي لدى حكام العرب والمسلمين إذا خرجوا عن الطاعة وتحدوا أمريكا.

أما لماذا نشرت هذه الصور في هذا الوقت بالذات، والرئيس الأمريكي في محنته وورطته في العراق، واستمرار تدني شعبيته في الداخل وهو على أبواب الانتخابات. الجواب على ذلك، أبحث عن الصهيونية!!!  أنهم يعلمون حجم محنة بوش وورطته، وعليه فأن الفرصة مواتية جدا لحلبه لانتزاع المزيد من الوعود لصالح الكيان الصهيوني، وألا فأن الفضائح تتري، والتاريخ الأمريكي زاخر بفضائح رؤسائها، تصنعها الصهيونية وتخزنها للاستفادة منها في اللحظة المناسبة.

أما من سرب الصور إلى قناة (سي بي أس) الأمريكية، فهنالك احتمالان؛ الأول: أننا نعلم بأن القيمة المثلى لدى المجتمع الأمريكي هي المادة (الدولار)، فلربما باعها أحد الأفراد العاملين معهم في سجن أبي غريب، من دون ايلاء أدنى اعتبار لنتائج الفضيحة وانعكاساتها على الشرف العسكري الأمريكي أو للوطنية الأمريكية.  أما الاحتمال الثاني: فربما هي نتيجة للصراع الدائر الآن في الإدارة الأمريكية ( بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع) من أجل السيطرة على مقاليد إدارة سلطات الاحتلال في العراق!!!.

الأغرب من ذلك كله، هو تصرف المنظمات الحقوقية الدولية التي كانت تعلم بهذه الممارسات اللا إنسانية ولم تنشرها في حينها، وإنما أكتفت بإطلاع الأمريكيين عليها!!!. لقد اعترفت منظمة العفو الدولية أن قوات التحالف تتبع نمطا منظما لتعذيب المعتقلين وإنها تلقت عشرات التقارير الموثقة خلال العام الماضي، واعترفت المتحدثة باسم المنظمة في الشرق الأوسط نيكول شوبري، بأنها لم تفاجأ بالصور البشعة لعمليات تعذيب السجناء لأن المنظمة كان لديها ما يؤكد تلك الوقائع. وقالت السيدة ندى دوماني المتحدثة باسم الصليب الأحمر بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر طلبت مرارا من الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات لتدارك الموقف وتصحيحه، وأضافت لوكالة أسوشيتد بريس قائلة: نحن بالطبع على دراية بالموقف في سجن أبو غريب لأننا نتحدث إلى المعتقلين على انفراد ونحصل على شهادات منهم. كما نزور كافة أجنحة السجن ونحاول إعادة التحقق من المعلومات التي نتلقاها من أكثر من مصدر.

فلماذا لم تنشر هذه المنظمات معلوماتها لإطلاع الرأي العام العالمي على ما يجري في العراق المذبوح المحتل المنكوب؟؟  نحن على إطلاع تام على أسلوب عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي وإجراءاتها، ولكننا لا نقتنع مطلقا أن تكون مثل هذه المنظمات الدولية ذات السمعة الطيبة، جزءا من أداة الاحتلال الأمريكي وتتستر على جرائم بمثل هذا الحجم والبشاعة.  

إن لم يكن في الموضوع ألا ؟؟؟!!

ما قاله الرئيس بوش في تصريحه الأول، بشأن الصور، بتلعثم وارتباك واضحين، وما قاله الناطق باسم البيت الأبيض بحزن مصطنع، لا يعنيان شيئا أبدا. قال الرئيس بوش أنه مشمئز من نشر تلك الصور وأنها مقززة ، ولم تعجبه مطلقا (  I DIDN'T LIKE IT A BIT ) مشيرا إلى أن التحقيقات بصددها جارية. هذا ما قاله القائد العام للقوات المسلحة الأمريكية ورئيسها، بعد أن تلطخ شرف بلده العسكري في الوحل، والقيم الأمريكية نزلت إلى الحضيض. لم يذكر الرئيس بوش أن الفاعلين سينالون العقاب الصارم. ولم يشر، حتى من باب المجاملة والتلطيف، إلى أن هذا عمل غير أنساني وضد كرامة الإنسان وحقوقه، وإنما قال أننا لا نعامل الناس في أمريكا بمثل هذه المعاملة.  بمعنىً أخر أنه يمكن أن يعاملوا الناس خارج الولايات المتحدة بمثل هذه المعاملة‍‍‍‍‍‍ ‍‍!!!!

ثم ما قاله الرئيس بوش في مقابلته مع القناة العربية وقناة غير الحرة الأمريكية، كان كلام بائس وغير صادق، مما حمله على أبداء أسفه لما جرى للسجناء وعوائلهم بعد نصيحة الملك عبد الله الثاني، عاهل الأردن، أن التأسف في المصطلح الأمريكي يعني الاعتذار. وحتى تلك الكلمة كانت باهته وغير صادقة، وإنما كانت تصب في خانة العلاقات العامة. الكلمة الصادقة تدخل القلب كالسيف، ولكن كلمة السيد بوش لم تلامس حتى الجلد.

وكما ذكرنا، أن هؤلاء الوحوش قاموا بهذا العمل المشين عن سابق قصد وبأمر ومعرفة رؤسائهم المباشرين ومن جهاتهم العليا، وأنهم ليسو ستة أشخاص كما تروجها وسائل الإعلام الأمريكية وإنما يعدون بالمئات ( وثبت ذلك في مقال سيمون هيرش في مجلة نيويوركرز)، وعدد من المسئولين الأمريكان من ضمنهم الجنرال كربنسكي المسئولة السابقة عن إدارة سجن أبو غريب، عندما اعترفت، لنيويورك تايمز، بأن ما كان يجري في السجن كان بمعرفة القيادة العسكرية وبأمر من المخابرات العسكرية ووكالة المخابرات المركزية (سي.آي.أي). 

نحن نعتقد بأن هؤلاء الجنود الذين ظهروا في الصور، سيقدمون إلى محاكمة صورية ثم يطلق سراحهم مع تقليدهم الأوسمة والشارات.

يتحمل الرئيس بوش المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم باعتباره القائد العام للقوات المسلحة الأمريكية، ولا يمكن تبرير تنصله عنها بأي حال من الأحوال، بحجة عدم قيام وزير دفاعه، رامسفيلد بإطلاعه على ممارسات خطيرة من هذا الحجم والنوع والتي تلطخ الشرف العسكري الأمريكي، وسمعة أمريكا كدولة، وسمعة أدارته.

أن عدم قيام رامسفيلد بإطلاع قائده بالأمر، يعتبر في العرف المهني، أخلالاً بواجبه الوظيفي. ويأتي في ترتيب تحمل المسؤولية بعد الرئيس بوش وزير الدفاع رامسفيلد والجنرال مايرز والجنرال أبي زيد والجنرال سانشيز ومساعده الجنرال كميت، ثم الذين نفذوا الجريمة أو أمروا بتنفيذها.

الجريمة المشينة ارتكبت وسوف لن تتوقف مادام الاحتلال البغيض جاثم فوق صدور العراقيين، وإزاء هذه الممارسات اللا أخلاقية يطرح السؤال نفسه؟ ما العمل لمواجهتها والحيلولة دون استمرار ارتكابها؟ هل ينبغي أن تمر هذه الجريمة مرور الكرام؟ ويبلعها العراقيون والعرب كما يبلعون الجرائم الصهيونية ضد أبناء شعبنا في فلسطين منذ خمسين عاما؟ لا أعتقد بأن العراقيين الشرفاء سينسونها ويبلعونها أبداً.

في هذه العجالة يحضرنا مقترحات العمل الآتية:

  • تنظيم إضراب سلمي عام وشامل في العراق، يشمل الموظفين والعمال والأعمال التجارية كافة، (عدا المخابز والأفران ومحلات مواد المعيشة الأساسية). ولا يعودون إلى العمل ألا بعد الاقتصاص من المجرمين الأوباش وإنزال أقسى العقوبات بهم. ولحين إقصاء وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والجنرالات مايرز وأبي زيد وسانشيز وكميت من مناصبهم.

  • قيام المنظمات الحقوقية، العربية والإسلامية، بالتحرك على مستوى العالم والمطالبة بإدانة هذه الجرائم وتقديم مرتكبيها إلى المحاكمة، بتهمة الجرائم ضد الإنسانية، لينالوا جزائهم العادل، مع احتفاظ الشعب العراقي بحقه بالمطلب الأول على سبيل الأولوية.

  • قيام المنظمات الحقوقية العربية والإسلامية بجمع توقيعات مليون شخص، تطالب الأمين العام للأمم المتحدة، بإرسال لجنة لتقصي الحقائق في سجن أبي غريب وسجون الاحتلال الأخرى المنتشرة في العراق على أن تنشر تقريرها علنا، والكشف عن الجنرالات والضباط الذين أمروا بارتكابها.

  • نناشد المنظمات الحقوقية والمعنية بحقوق الإنسان، مطالبة الأمم المتحدة تسلم السجون من قوات الاحتلال، وأدارتها أو تعيين مراقبين من كوادرها ( من المفوضية السامية لحقوق الإنسان أو من الصليب الأحمر) للإشراف عليها لحين انتهاء الاحتلال.

  • نناشد جميع الكتاب والمثقفين العرب الشرفاء الاستمرار على إثارة هذا الموضوع، والكشف عن مخاطرها على المجتمعات العربية والإسلامية، وتعرية زيف الادعاءات الأمريكية في نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان في العراق في مقالاتهم وأعمدتهم اليومية في الصحف والمجلات. لأن الإعلام الغربي سيعمل جاهدا من أجل طمس أثار هذه الجريمة ومحوها من الذاكرة.

  • لكي تكفر أمريكا عن جريمتها، ولكي تحسن ولو قليلا من صورتها المشوه، ينبغي عليها إنهاء الاحتلال وسحب قواته ومرتزقته من العراق فورا.

وهكذا سقطت ورقة التوت الأخيرة، وانكشفت عورة أمريكا على حقيقتها، وانفضحت كما لم ينفضح أحد. وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. صدق الله العظيم.

 


دبلوماسي عراقي سابق

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية