تطورت الانتفاضة
الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تلك التي بدأت في أواخر سبتمبر
2000 كموجة من الاحتجاج الجماهيري ضد اقتحام آرييل شارون الوقح للحرم
الشريف في اورشاليم، تطورت هذه الانتفاضة إلى حرب استنزاف مفتوحة ضد
الاحتلال الإسرائيلي، تلك الحرب التي للسخرية مهدت الطريق أمام الجناح
اليميني الإسرائيلي العدواني للوصول إلى السلطة.
فرضت "اللبننة" المتدرجة للمناطق المحتلة أثناء
انتفاضة الأقصى، التي حلت فيها الأنشطة الفاعلة المتزايدة للخلايا
المسلحة مكان أشكال الاحتجاج الجماهيري، فرضت تحديا أمام إسرائيل، التي
في سياق طموحاتها الإقليمية المقررة وكذلك الضغوط الخارجية على سلوكها،
لم يستطع ايهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي سقط، أن يتعامل
معه. فرغم كل تصريحاته الصاخبة حول انه لا يتفاوض تحت تهديد النيران،
ووضع حد "للعنف والإرهاب" الفلسطيني، وإحراز "السلام من اجل الأجيال"،
كانت إشكالية شارون بقدر متساوي هى الأخرى مستعصية على الحل. على الأقل
سوف تبرهن أي حكومة يشكلها شارون على أنها حكومة لا ترحب بالانسحاب الى
حدود يونيو 1967 كالحكومة السابقة عليها، وبالتالي سوف تؤكد على استمرار
الانتفاضة. ولو اختار شارون أن يحطم السلطة الفلسطينية (PA)
كنسخة منقحة للاستراتيجية الإقليمية التي حاولها أثناء غزو لبنان 1982،
سيخلق بذلك مرة اخرى الشروط المواتية لصعود خصم أكثر راديكالية لا يقبل
المساومة – مع هذا الفرق وهو ان هذه المرة سيكون الخصم الفلسطيني في
الخليل والقدس ومدينة ام الفحم الفلسطينية داخل إسرائيل بدلا من
وجوده في بعلبك وبيروت. وعلى عكس 1982،
الحرب المفتوحة مع القيادة الفلسطينية في 2001 سوف تحمل إسرائيل تكلفة
إقليمية (وربما دولية) ملموسة.
وبرغم كل ما ورد أعلاه، فإن آفاق حملة ناجحة
للفدائيين الفلسطينيين تبقى خافتة. المجهود
الفلسطيني لا يقترب من أي ناحية إلى درجة التقنية التي كان عليها حزب
الله في لبنان، وإسرائيل مستعدة لتحمل خسائر أعلى بكثير في المناطق
الفلسطينية المحتلة عنها في جنوب لبنان. في نفس الوقت عسكرة الانتفاضة
يهمش دور المجتمع الفلسطيني وبذلك يبدد طاقة عطاء التعبئة الجماهيرية؛
حيث أن السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني لأسباب مختلفة تمسك
بهما حالة شلل خطيرة، وقد زادت التدابير العقابية التي تتخذها إسرائيل
وردود الفعل العشوائية التي تتخذها السلطة الفلسطينية من معاناة الشارع
الفلسطيني إلى حد نقطة الانكسار. بينما تستمر
في التراجع احتمالات إما التسوية الدائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين،
او حتى الاستئناف لترتيبات مؤقتة، وبينما يبقى اندلاع الحريق الأوسع فى
المنطقة هو في صعود، يظل الصدام طويل المدى منخفض الحدة الذي تزكيه نيران
العجز عن اختراق الجمود السياسي في المدى المنظور، وتثيره نوبات عارضة من
سفك الدماء المكثف، وكذلك الفوضى الداخلية (سواء فلسطينية أو إسرائيلية)
والدبلوماسية العقيمة، يبقى ذلك هو السيناريو الأكثر ترجيحا. تهجر
جماعات من الشباب الفلسطيني الغير مسلح منازلهم، على أساس يكاد أن يكون
يوميا، نحو الحدود التي تفصل المناطق الخاضعة للسلطة الأمنية الفلسطينية،
وتلك الخاضعة للسلطة الأمنية الإسرائيلية للإغارة على الجنود
الإسرائيليين الذين تغطيهم الخوذات خلف المتاريس أو في مواقع حصينة.
وعلى غير غرار انتفاضة 1987 – 1993، التي كانت تنتشر فيها القوات
العسكرية داخل المدن الفلسطينية وحيث كانت تنشب فيها مثل هذه المواجهات
غالبا في أي مكان ومجازيا في أي وقت، الاشتباكات التي تجري حاليا تبدأ
عموما حول وقت الظهيرة في نقاط محددة بضواحي المدن الفلسطينية مثل تقاطع
الطرق عند فندق سيتي إن بشمال البيرة، أو على طول خطوط التقسيم الواضحة
مثل وسط الخليل أو تقاطع طرق الشهداء (نتساريم) جنوب مدينة غزة.
لا توجد تلك المظاهرات الجماهيرية التي كانت موجودة
في الأسابيع الأولى من الانتفاضة، التى شهدت المئات وغالبا الآلاف من
المتظاهرين الفلسطينيين يشنون هجمات أمامية على المواقع الإسرائيلية
قاصدين اجتياحها، عاقدين العزم رغم غياب تنظيمهم لأنفسهم بنفس القدر،
ويتكبدون عشرات القتلى وآلاف الجرحى في هذه العملية. وعلى نحو أوضح، مع
استثناءات قليلة، فقد أصبحت هذه المواجهات أشبه بالطقوس الرسمية. تدنو
جماعات الشباب تلك التي تتكون نمطيا من العشرات، ويفصلها عن الجنود
الإسرائيليين المتاريس شبه الدائمة التي أقامها الفلسطينيون وتركها
الإسرائيليون قائمة في مكانها، يقترب هؤلاء الشباب من تجمعات اصغر من
الجنود الإسرائيليين لرشقهم بالحجارة والزجاجات وأحيانا بالزجاجات
الحارقة. غرضهم هو تذكير إسرائيل، والعالم وأيضا تذكير زعمائهم أن
الفلسطينيين سوف يستمرون في مقاومة الاحتلال حتى نهايته، ويواجههم الجنود
ليظهروا بنفس الوضوح عدم وجود نية لديهم في الانخلاع من المكان مكرهين.
قبل إلقاء أول حجر بوقت قصير أو بعده، يبدأ الجنود في
إطلاق دفعات عبوات الغازات المسيلة للدموع (معظمها يتم التقاطها وردها
عليهم) ثم سريعا ما يلحق الجنود وجبتهم السامة بطلقات الرصاص المطاطي
والرصاصات الكروية المعدنية (المغطاة بطبقة لا تذكر من البلاستيك)، التي
يمكن أن تكون قاتلة إذا ما أطلقت – وهذا غالبا ما يحدث – مباشرة على
الرأس أو النصف الأعلى من مدى قريب. وعلى الرغم من اختلال توازن القوى
الكبير، وبشجاعة منقطعة النظير، يستمر الشباب في التقدم، ويعبرون فعليا
وبشكل لا مفر منه نقطة معينة يبدأ بعدها الجنود في إطلاق الرصاص الحي،
ورصاص دمدم الذي يجعل من ليلة الأطباء الجراحين كابوسا مزعجا لاستخراجه.
وفي أحيان اخرى، خصوصا في قطاع غزة، يستغني المجندون المهووسون بالضغط
على الزناد عن بروتوكولات الانتفاضة هذه، ويلجأون إلى الذخيرة الحية
مباشرة، مستهدفين السفك الدائم للأرواح والقتل بدلا من إحداث إصابات
تعجيزية مؤقتة. من المشكوك فيه أن قتل فلسطيني واحد في مثل هذه الظروف
كان بسبب انه قد عرض حياة جندي إسرائيلي للخطر. على الرغم من ذلك،
السلطات العسكرية الإسرائيلية – على عكس ما حدث في الانتفاضة الأولى، لم
ترهق نفسها بادعاء أنها تحقق في انتهاكات جنودها – ردت على هذه المظاهرات
بالإضافة إلى السلوك الذي وصفناه أعلاه، باستخدام القناصة من مسافات
بعيدة (وأحيانا مستخدمين كاتم للصوت)، بالإضافة إلى البنادق الآلية سريعة
الطلقات بدون تمييز للدرجة التي جرحت وقتلت صحافيين ورجال إسعاف.
تنتهي تلك الوقائع المراسمية، بانتظام متزايد، بدفعات
من الرصاص الـ 500 مللم، وأيضا الـ 800 مللم (ظرف الرصاصة الأخيرة تستطيع
أن تدخل فيه إبهامك بشكل مريح)، أو تنتهي بعدة قذائف من الدبابات التي
توجه على المباني القريبة. في بعض الأحيان يتم إطلاق النار دون
استفزازات؛ وفي أحيان اخرى يكون بسبب الرد على إطلاق نار من جانب مسلحين
فلسطينيين شعروا أو اضطروا للتدخل عندما أصبح الوضع مؤلما على نحو خاص.
وعلى العكس مما حدث في بعض أحيان قليلة من أحداث الانتفاضة مبكرا، لم يعد
المسلحون الفلسطينيون يطلقون النيران من بين صفوف الجمهور الغاضب.
عند حلول الظلام، وأيضا بشكل متزايد أثناء النهار،
إنها الكوادر المسلحة هي التي تحدد طبيعة المقاومة الفلسطينية للاحتلال
الإسرائيلي. تتضمن خلاياهم أفراد من الأمن الفلسطيني، ونشطاء فتح (الذين
هم غالبا شيئا واحدا) وبشكل مؤكد غالبا أعضاء من المعارضة الإسلامية
والعلمانية أيضا (بشكل ملحوظ الجهاد الإسلامي)، وهم ينفذون عملياتهم تحت
أسماء لم تكن معروفة سابقا مثل "كتائب شهداء الأقصى" و"قوات بدر".
أسلحتهم المفضلة هي رصاصة القناصة والقنبلة المزروعة على جانب الطريق،
وحديثا مؤخرا قذائف المورتار من حين إلى حين والصواريخ المضادة
للدبابات. أسلوبهم المفضل هو الكر والفر، واستراتيجيتهم المعلنة بتحويل
الأصول الإسرائيلية الأكثر حساسية في المناطق المحتلة إلى أكثر أعبائها
فداحة هي استراتيجية من البساطة بقدر تستطيع به أن تكون مؤثرة.
في هذا المقام، أصبحت شبكة طرق المستوطنين
الإسرائيليين، التي تم التوسع في بنائها بعد اتفاقية اوسلو لربط
المستوطنات اليهودية بإسرائيل (وببعضها البعض) بطريقة طوقت المدن والقرى
الفلسطينية، هي الهدف. أصبحت تلك الطرق، التي بنيت على أساس مبادئ
الابارتهايد (الكلمة الهولندية/الافريكانية سيئة الصيت، والتي تعني
"العزل"، التي تقابل كلمة "الفصل" التي يوصي بها مرارا باراك ومسئولون
إسرائيليون آخرون كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني)، من اجل تأكيد وجود
مادي لإسرائيل في الضفة والقطاع وأيضا لتزويد المستوطنين الذين يقيمون
بها بالإحساس بالأمن، هذه الطرق ولصدمة الذين قاموا بتخطيطها أصبحت أكثر
الطرق خطرا في الشرق الأوسط. ولأنها الطرق الوحيدة التي يستخدمها
المستوطنون، ولأنها في حالات كثيرة تستخدم فقط بواسطة المستوطنين
والعسكريين، فأي سيارة تعبرها هي هدف محتمل.
المستوطنات القصية – مثل تلك القائمة في قطاع غزة
والمستعمرات التي تتاخم تلك المجتمعات التي قامت على أراضيهم مثل جيلو
على أطراف بيت جالا وبساجوت في البيرة – أصبحت على أساس المبادئ المذكورة
أعلاه عرضة لنفس الخطر بقدر متساوي. تعداد سكان هذه المستوطنات الكلي،
لسعادة نشطاء الانتفاضة المسلحين الواضحة، والذي كان قد ازداد حوالي 50%
خلال السبع سنوات التي تلت توقيع اتفاقية اوسلو، هذا التعداد قد شهد أول
انخفاض صافي نتيجة لتلك الهجمات منذ 1967 (على الأرجح باستثناء الانخفاض
الذي حدث عام 1988). بالإضافة إلى، نص العديد من تقارير الصحافة
الأجنبية والإسرائيلية على الخوف العام والشعور بالحصار الذي يعاني منه
العديد من الباقين، ويبدي الكثير رغبتهم في الارتحال في حال توفير
حكومتهم بديل سكني او دفع تعويضات لهم. (المفارقة بأن، المستوطنات التي
أقامتها إسرائيل من اجل غرض واضح وهو حصار وخنق الفلسطينيين، وقد زود
العسكريون سكانها بالأسلحة وبالضوء الأخضر لإطلاق الرصاص لترويع جيرانهم،
تلك المفارقة لم يمسك بها اغلب هؤلاء المراسلون).
بينما كتائب شهداء الأقصى ومعظم الجماعات المشابهة
معروفة للسلطة الفلسطينية ومن المعتقد انهم يتمتعون بدعم عملياتي من
مسئولي الأمن الكبار (ذلك الدعم لا يستبعد انهم يزودون به سرا ومن خلاله
تسعى القيادة للاحتفاظ بقدر من النفوذ على أنشطتهم)، فان هذه الجماعات
ليست وحدات تابعة للسلطة الفلسطينية أنشئت من اجل تنفيذ سياسة رسمية تحت
قناع الاستنكار المرحب به دوليا. والأصح، انهم يمثلون جماعات ذاتية
الحركة وفي أحيان قوة مستقلة داخل حركة التحرير الفلسطينية، ولهم أجندة
تتباين بشكل متزايد مع أجندة السلطة الفلسطينية. عمادهم الأساسي يتكون
من نشطاء من حركة فتح ومن الجناح المتشدد فيها، التي تزاوج سياساتها
ومواقفها بشكل مستقل وأيضا من خلال إصدار البيانات المشتركة مع القوات
الوطنية والإسلامية (NIF)،
التي هي تحالف لأربعة عشر فصيل سياسي فلسطيني يؤلف القيادة العملياتية
والبنية التحتية التنظيمية للانتفاضة.
القوات الوطنية والإسلامية، التي تتضمن كل ألوان طيف
منظمة التحرير الفلسطينية، المعارضة العلمانية والفصائل الإسلامية عدا
فتح-المجلس الثوري وزعيمها صبري البنا (أبو نضال)، وفتح-القيادة المؤقتة
تحت قيادة سعيد مراغة (أبو موسى)، والحزب الشيوعي الفلسطيني-القيادة
المؤقتة بزعامة عربي عوض، هذه القوات ليست قيادة وطنية سياسية ولا تستطيع
أن تقارن (بعد) بالقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة (UNLU)،
التي قادت انتفاضة 1987 – 1993 حتى تم استيعابها بالكامل من قبل قيادة
منظمة التحرير الفلسطينية في منفاها بتونس ودمشق. دورها بالأحرى،
وباتفاق ضمني، مقتصر على التعبئة الجماهيرية والتخطيط والتنظيم لجدول
أعمال الانتفاضة (مثل "أيام الغضب")، بالإضافة إلى قيادة أنشطة مثل
مقاطعة البضائع الإسرائيلية، التي -- نتيجة لالتزامات رسمية مانعة—لا
تستطيع السلطة الفلسطينية التكفل بهذه الأنشطة بنفسها. طبقا لقوانين
اللعبة، صياغة السياسة الوطنية وتنفيذها هي شرط احتكاري للسلطة الوطنية.
ليست الحالة هكذا في الممارسة العملية. يتصاعد
انتقاد القوات الوطنية والإسلامية وكذلك تنظيماتها المكونة لها لتصرفات
السلطة الوطنية، خاصة فيما يتعلق بسياستها الداخلية (أو بالأحرى افتقادها
لذلك) وسلوكها في علاقتها بإسرائيل والولايات المتحدة.
على سبيل المثال، في 10 فبراير، في الوقت الذي كان
فيه معظم مسئولي السلطة الفلسطينية يعلنون رؤيتهم بأن انتخاب ارييل شارون
هو شأن إسرائيلي داخلي، وياسر عرفات يؤكد الموضوع باتصاله بالمرشح
المنتصر ليهنيه ويعبر له عن رغبته في استئناف المفاوضات بعد تشكيل
الحكومة الإسرائيلية الجديدة، نرى القوات الوطنية والإسلامية تصدر تصريحا
تعلن فيه صراحة أنها سوف تعمل على إسقاط "المجرم الإرهابي" شارون، مثل ما
فعلوا مع باراك قبله. أعلنت إن "المرحلة الجديدة للمواجهة"، التي تنبأت
بها، "تتطلب أن تعمل كل القوى الفلسطينية والعربية والدولية لعزل هذا
الثور الهائج بكل الوسائل". فعلا، القوات الوطنية والإسلامية "تشدد على
الحاجة لتدعيم عزلة شارون" والتي "تتطلب تصعيد الانتفاضة والمقاومة لتجعل
من سياسته العدوانية عبئا على كاهل المجتمع الإسرائيلي". وحذرت بشكل
قاطع من أن "أي محاولة لتسويق بضاعة شارون الفاسدة، سوف تقع في الشرك
الذي يسعى شارون لاستخدامه لتدمير الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويقضي على
الانتفاضة وشلل قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية". انتخاب شارون، ربما
أكثر من أي حادث آخر، القي بالخلافات بين السلطة الوطنية والقوات الوطنية
والإسلامية إلى الوراء. بالنسبة للسلطة الوطنية، شارون فوق كل شيئ هو
تحدي أمام الخروج بحصيلة ناجحة من عملية السلام. فإنها لو تستطيع
الاستفادة من حلفائها الإقليميين والدوليين في الإيقاع بهذا القادم الذي
لا يقبل المساومة والرافض للتفاهم في مفاوضات الوضع الدائم حول تقسيم
القدس، وعودة اللاجئين وتفكيك المستوطنات، برغم انه قد تم انتخابه
للتهوين من حجم الفلسطينيين، فإنها [السلطة الوطنية] سوف تثبت بذلك إنها
كانت محقة في قرارها بالدخول في اتفاقات اوسلو وفي أدائها فيما قبل ومنذ
انتفاضة الأقصى. ولا تستطيع السلطة الوطنية الفلسطينية أن تصل إلى تسوية
بأقل مما نوقش أثناء الجولة النهائية لاتفاقات الوضع الدائم التي جرت في
المنتجع المصري طابا، ويجب ان تؤسس المفاهيم التي وصلوا إليها هناك كخط
أساس تنطلق منه لمفاوضات حول مواضيع ابعد مع حكومة شارون. لذلك
الانتفاضة هي أداة دبلوماسية رافعة، تساعد وتذكر المجتمع الدولي لحث
شارون على العودة إلى المفاوضات من النقطة التي توقفوا عندها، ولتخفيف
تمسكه بالأراضي عند اختلافهم أو عند رفضه لذلك. الاحتفاظ بتوقعات
استئناف اتفاقيات اوسلو ونتائجها الناجحة حية، التي دونها لا ترى إسرائيل
ولا المجتمع الدولي فائدة تذكر للسلطة الوطنية، هي الخط الأحمر الذي
يرسله عرفات ضمنيا إلى القوات الوطنية والإسلامية. الغياب النسبي
للهجمات الفلسطينية المنظمة عبر الخط الأخضر، التي لا يمكن رده بشكل
منفرد إلى الحملات الفلسطينية السابقة ولا الحملات الإسرائيلية الحالية
ضد حماس والجهاد الإسلامي، هذا الغياب يفترض أن رسالة عرفات قد تم فهمها
بشكل عام.
بالنسبة للمتشددين داخل فتح وللغالبية داخل القوات
الوطنية والإسلامية، الانتفاضة هي أداة من نوع مختلف تماما، وشارون هو
الفرصة لإثبات فاعليتها. طبقا لهذه النظرة، فمن خلال التصعيد الدائم،
انتفاضة الأقصى (والدعم العربي الحاضر لها)، سوف يجبران إسرائيل على
التنازل عن رؤيتها الاستراتيجية لمحمية فلسطينية تحت الهيمنة
الإسرائيلية، تلك الرؤية التي احتفظت بها إسرائيل حتى في لحظات مباحثات
طابا النهائية، وهكذا يفسحون المجال أمام الفلسطينيين لتجاوز إطار عمل
اوسلو بالكامل.
في الكلمات الواثقة لسكرتير فتح العام في الضفة
الغربية، مروان البرغوثي، شارون هو "طلقة إسرائيل الأخيرة" قبل استسلامها
لحقيقة انه "إما السلام والأمن أو الاحتلال والمستوطنات، ولكن الاثنين
معا لا". الانتفاضة هكذا هي حرب تحرر وطني، المفاوضات الوحيدة التي يمكن
إجراءها هي تلك التي تضع أسس إنهاء الاحتلال بشكل رسمي. إلا انه، لو تم
استغلالها [الانتفاضة] كتكتيك من اجل التفاوض وجعلها رهينة للضغوط
السياسية ولمطالب اللحظة، لا محالة سوف تجهض الانتفاضة قبل الأوان وتنتهي
إلى الفشل. ذكريات مصير انتفاضة 1987 – 1993 في هذا المجال ذكريات قوية
على نحو خاص، وقد تم ترسيخها أكثر بالتناقض الصارخ بين عدم الاحترام الذي
تبديه إسرائيل نحو الاتفاقيات الموقعة رسميا مع "شريكها في السلام"
الفلسطيني وبين احترامها المرتاب عموما نحو التفاهمات غير الرسمية مع
عدوها اللدود حزب الله. الخط الأحمر بالنسبة للمتشددين، الذي يحترمه حتى
الآن ياسر عرفات، هو استمرار الانتفاضة حتى إنهاء الاحتلال.
ولهذا الحد، هذه الاتجاهات ذات الغايات النهائية
المتناقضة تدير التنافس بينها في تعايش مشترك، بل حتى يكمل بعضها الآخر.
يستطيع البرغوتي وقادة آخرين من فتح انتقاد السلطة الوطنية بمرارة،
ويطلبون من عرفات اجتثاث جذور الفساد الضارب في الأعضاء والمتعاونين معه
بين صفوفهم، ويقترحون تشكيل "حكومة انتفاضة" تقوم على الوحدة الوطنية
ووحدة الهدف على المستوى المحلي. إلا انه، لا يوجد تحدي صريح للقيادة
الحالية ولا ضد شرعيتها، وتضمن فتح الولاء الرسمي من القوات الوطنية
والإسلامية للسلطة الوطنية. ومن جانبها لم تقطع السلطة الوطنية بشكل
محدد التعاون الأمني مع إسرائيل، وفي الواقع وصلت السلطة الفلسطينية إلى
تفاهمات عدة مع باراك وكلينتون لاستعادة الهدوء إلى الضفة الغربية وقطاع
غزة؛ ولكنها تجنبت التدابير التي قد تعرض ولاء فتح للاختبار أو تقطع
علاقاتها بالفصائل الأخرى داخل القوات الوطنية والإسلامية. يبدو أن
أسلوب عرفات هو أسلوب التشاور المستمر مع فتح والمعارضة، متحدا مع
التجاهل الثابت لمواقفهم عند تخطيطه لخطوته التالية.
حتى انتخاب شارون، كانت كلا من السلطة الفلسطينية
والقوات الوطنية والإسلامية في الإجمال على رضا وهم يرون الانتفاضة تستمر
وفي السياق يتحسن وضع السلطة الفلسطينية التفاوضي، حتى ولو كان الطرف
الأول يشعر بان عمليات الخلايا المسلحة في بعض الأوقات محسوبة لصالح
إفشال المفاوضات، بينما يرى الطرف الأخير مسلك السلطة الوطنية في
المفاوضات كما لو كان يعرض فرص تطوير الانتفاضة للمزيد إلى الخطر. وعلى
الرغم من افتخار القوات الوطنية والإسلامية بهزيمة باراك، فالهدوء النسبي
في الأسابيع التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية، كان بوضوح مدعوما
بالإذعان لرغبة السلطة الوطنية. في الفترة القادمة سوف يستمر التعاون
بين السلطة الفلسطينية والقوات الوطنية والإسلامية، على سبيل المثال، في
السعي لنشر قوة حماية دولية أو بإنهاء تمسك شارون بالأرض عن طريق السخرية
من وعوده باستتباب الأمن، وسوف يستمر التنافس بينهما على قضايا مثل
التعاون الأمني. ولكن لو تطورت الأمور بحيث تشعر السلطة الوطنية فيها
أنها مضطرة لحجب الانتفاضة حتى تضمن بقائها، أو تعتقد القوات الوطنية
والإسلامية فيها انه من الضروري تنظيف البيت داخل السلطة الفلسطينية
لتحافظ على استمرار الانتفاضة، فلا يمكن استبعاد احتمال أن تنشأ مواجهة
صريحة بين مختلف الأطراف. وفور حدوث ذلك، فالذي سوف يحسم النتائج هم
نشطاء فتح، خاصة هؤلاء الذين على علاقة أو في مواقع بقوات الأمن.
في نفس الوقت، حصار إسرائيل وقصفها للتجمعات السكانية
الفلسطينية يكلف الفلسطينيين خسائر اجتماعية واقتصادية ومادية رهيبة.
حملات تجريف الأراضي التي تقوم بها إسرائيل بشكل منهجي، عبر أراضي الضفة
الغربية وعلى وجه الخصوص عبر قطاع غزة، حولت آلاف الأفدنة إلى خرائب
لأشجار الزيتون والبرتقال والبلح المقطوعة من جذورها، بالإضافة إلى أعداد
متزايدة من البيوت التي اكتسحتها البلدوزرات. أصبحت مداخل العديد من
المدن والقرى الفلسطينية غير قابلة للمرور، حيث أقيمت فيها متاريس من
الاسمنت المسلح أو أكوام التراب العالية، أو بحفر خنادق عميقة عبر
طرقها. مثل هذه التدابير، وخصوصا أشكال الإغلاق المتنوعة (ومنها تقسيم
قطاع غزة ضيق المساحة إلى أربع قطاعات مفصولة) تترك آثارا اقتصادية
مدمرة. الحصار، طبقا لتقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة، يكلف الاقتصاد
الفلسطيني 8.6 مليون دولار يوميا (باستثناء الخسارة المادية، وخسارة دخل
الضرائب ونفقات العناية بأكثر من 10 آلاف مصاب). إجمالي الخسائر من
سبتمبر 2000 الى فبراير 2001 بلغت 1.5 بليون دولار، تساوي انخفاضا قدره
20% من الإنتاج القومي العام. زاد الفقر بنسبة 50%، ليمسك بخناق 32% من
السكان، وارتفع معدل البطالة إلى 38% من قوة العمل (المصادر الفلسطينية
تدعي أرقاما أعلى من ذلك بقدر ملموس). بينما التقارير القائلة بأن
مؤسسات السلطة الوطنية تواجه انهيارا وشيكا هي تقارير في بعض الأحيان
دقيقة، يستمر الجهاز الأمني في استلام مرتباتهم كاملة في مواعيدها، وتصبح
التنبؤات بالانهيار الوشيك للسلطة الفلسطينية حاملة لإنذارات وراءها
دوافع سياسية.
تتمركز الدبابات حاليا خلال المناطق المحتلة لأول مرة
منذ الغزو في 1967، وتستخدم مقذوفاتها ومقذوفات البنادق الآلية المنصوبة
عليها بشكل روتيني ضد أحياء المدنيين المجاورة. في منتصف فبراير، ظهر
نمط يعود فيه معظم إصابات الفلسطينيين إلى تلك المقذوفات أكثر من كونها
بسبب الجنود الذين يواجهون المتظاهرين كما في السابق. في خان يونس بغزة،
التي هي ورفح والخليل على طول الخط قد تعرضوا لأكثر أنواع القصف كثافة،
يبدو أن القوات الإسرائيلية تستخدم بالإضافة إلى ذلك نوعا جديدا من الغاز
السام.
هذا الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان، الذي يتضمن طبقا
للنشرة الصحفية التي أصدرتها في 21 فبراير منظمة هيومان ووتش، إطلاق
النيران المكثف والعشوائي [الإسرائيلي]" على أحياء المدنيين، كما جاء في
الوثائق التي قدمتها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية
والدولية، هذه الانتهاكات قد تضمنت أيضا العمليات التي تنفذها فرق الموت،
ووصلت بذلك إلى مستويات من الوحشية لا يمكن تجاهلها حتى من قبل واشنطن.
في نفس الذي اليوم نشرت فيه هيومان رايتس ووتش
إدانتها، أعلن قسم إدارة الدولة انه قد شرع في إجراء تحقيقات لتحديد إذا
ما كانت إسرائيل قد انتهكت قانون الولايات المتحدة للرقابة على صادرات
السلاح الذي ينظم استخدام السلاح والذخيرة الأمريكية. وبالتوازي، أتمت
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مهمة تقصي الحقائق لفحص الدليل على
ارتكاب إسرائيل "لجرائم الحرب" بالضفة الغربية وقطاع غزة؛ ومن المتوقع أن
تصدر تقريرها النهائي في منتصف مارس. في نفس الوقت، أدانت منظمة هيومان
رايتس ووتش ومنظمات اخرى المسلحين الفلسطينيين أيضا بإطلاق النار على
المواقع الإسرائيلية من داخل المدن الفلسطينية، ولو أنها لاحظت بوضوح أن
مثل هذه التصرفات لا يمكنها أن تسوغ هذا الرد الإسرائيلي الغير متناسب.
في 14 فبراير، قام خليل أبو علوبة من مخيم الشيخ
رضوان بغزة، وواحد من 16 الف فقط (من ثلاثة ملايين فلسطيني) لديهم سجل
تعتبره أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية سجلا نظيفا ويعتد به ليحتفظ بتصريح
دائم للدخول إلى والخروج من إسرائيل والعمل بها، قام بالدخول بالحافلة
الخالية من الركاب التي يقودها في تجمع من الجنود الإسرائيليين عند تقاطع
طرق جنوب تل أبيب. قتل ثمانية أفراد، من بينهم احد المدنيين، في هذا
الهجوم. انه بكل المعايير عمل فردي لم يتطلب تخطيطا دقيقا ولا دعما
تنظيميا. هذه المرة لا يدور الفشل حول مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي.
بالأحرى سياسات إسرائيل كانت هي السبب؛ كانت محاولات المحققين مع أبو
علوبة تنصب على تحديد ما إذا كان الحصار وآثاره الاقتصادية المدمرة، أم
العنف الوحشي والقتل، أم القصف المكثف بالقنابل والغاز على خان يونس الذي
حدث في نفس الأسبوع أو الغارة الجوية الأخيرة التي اغتالت احد النشطاء
الفلسطينيين (في جباليا القريبة في نفس اليوم السابق على الهجوم) هو
الدافع وراء واحد من آخر الفلسطينيين الذين أحلهم الكوشير على المذبح.
وكما لاحظ القائد الفتحاوي والمشرع الفلسطيني فارس
قدورة منذ عدة شهور، لو أصرت إسرائيل على تجويع المناطق المحتلة فمن
المرجح أن الثمن سوف يدفعه فقط الفلسطينيون،
وحدهم بالكامل، خصوصا إذا كانت السلطة الفلسطينية غير قادرة على تلبية
احتياجات الناس الأساسية.
الهجمات مثل تلك الهجمة التي قام بها أبو علوبة، وفي
الأخير العمليات الأخرى التي سوف تقوم بها المنظمات المنتسبة إلى القوات
الوطنية والإسلامية، ليس من المقدر لها أن تتوقف نتيجة إغلاق المناطق
الصارم والقمع المتصاعد – على العكس تماما. فإن لم تكن الهجمة القادمة،
فلابد إذا أنها الهجمة التي سوف تليها هي التي سوف ينتج عنها الشرارة
التي سوف تؤدي إلى المواجهة الواسعة بين إسرائيل والفلسطينيين، وسوف
تتصاعد بالضغط الذي يتراكم داخل الجسد السياسي الفلسطيني، إلى مفترق طرق
جديد وأكثر خطورة.
|