- الديموقراطية -

نقل السلطة أم نقل السيادة؟ ذلك هو السؤال

السفير: وجدي انور مردان  

18 ابريل 2004


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

شهران وبضعة أيام تفصلنا عن موعد، ما يسمى بتسليم السلطة أو السيادة إلى العراقيين، فمنذ اليوم الذي وقع السيد جلال الطالباني، بمرحه المعهود، وبحضور الحجاج بن بريمر الثقفي وبقية جوقة مجلس الحكم الانتقالي في 15 تشرين الثاني /نوفمبر 2003، فرمان نقل السلطة أو السيادة إلى العراقيين بحلول 30/حزيران، يونيو2004، ولغاية المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس جورج بوش يوم 13نيسان، أبريل 2004، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نتابع ونسجل تصريحات ومقابلات وأحاديث المسؤولين الأمريكيين البارزين، لوسائل الإعلام بشأن نقل السلطة أو السيادة إلى العراقيين.

فتجمعت لدينا كما كبيرا منها. أجرينا إحصائية لها فوجدنا أن الحجاج بن بريمر الثقفي قد أكد في تصريحاته وأحاديثه للصحافة، على أنهم ملتزمون بهذا الموعد المقدس 426 مرة، وأشار إليه دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، 237 مرة، أما كولن باول، وزير الخارجية فقد ذكره 177 مرة والرئيس جورج بوش 189 مرة، بضمنها ما أشار إليه في مؤتمره الصحفي الأخير في 13 الجاري (8 مرات تصريحا و3 مرات تلميحا).

لقد وردت عبارة نقل السلطة (TRANSFER OF THE AUTHORTY ) في تصريحات المسؤولين المشار إليهم 721 مرة، أما عبارة (نقل سيادة) (TRANSFER SOVEREIGNTY ) فذكرت 296 مرة. (لاحظ نقل سيادة وليس نقل السيادة)، بمعنى أن هذه السيادة ستكون منقوصة أو محدودة، وهذا ما صرح به السيد كولن باول قبل بضعة أيام كما سيأتي، هذا فيما إذا تم نقل أية سيادة أو سلطة على الإطلاق.

لم نفهم لماذا عمدت سلطات الاحتلال للترويج عن نقل السلطة ثم تحولت إلى الترويج لنقل السيادة، فالمعروف أن هناك فرقا بين السلطة والسيادة، فممارسة السلطة في الدولة جزء من أعمال السيادة وليس العكس،  فإزاء هذا التناقض في تحديد نقل السلطة أو السيادة، لابد أن يسأل المرء ماذا ستنقل أمريكا إلى العراقيين في 30 حزيران، يونيو، السلطة أم السيادة؟ ومن هم العراقيون الذين ستنقل إليهم هذه الهبة الأمريكية السخية؟ وكيف؟

ابتدأ أن أمريكا لا تمتلك سلطة شرعية في العراق لكي تنقلها إلى العراقيين، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهذه قاعدة قانونية معروفة. وإنما هي سلطة احتلال غزت بلدا واحتلته واستعبدت شعبه بقوة السلاح. وعلى أية حال، فأن الفأس وقع على رأس العراقيين وعلى رأس القانون الدولي المسكين. وبما أننا نعيش في عصر قانون الغاب، فأن أمريكا تستطيع أن تفعل ما تشاء، ولكن إلى حين.

وربما قد يسأل البعض أيضا، لمن ستنقل هذه السلطة وعن ماهية هذه السلطة التي ستنقل؟؟ هل ستنقل إلى مجلس أو حوزة أو نقابة أو حكومة جديدة يتم اختيار أعضائها بدقة متناهية وبالقسطاس؟ أم أنهم سينتخبون انتخابا حرا نزيها؟ بيد أن الأخبار التي تترى من العراق أنقذتنا من الحيرة، وأفادت بأن رأي صاحب الأمر والنهي قد أستقر على توسيع مجلس الحكم الحالي، بعد أن كان ضيقا جدا، لتضم لصوصا ومنتفعين وعملاء جدد برزوا على الساحة السياسية العراقية خلال فترة الاحتلال، و أثبتوا المقدرة والكفاءة العاليتين على تقبل الذل والخنوع ونالوا بجدارة ثقة الحجاج بن بريمر الثقفي وأصبحوا مؤهلين لخدمة أسيادهم. بمعنى آخر أنهم سيعيدون نفس مأساة مجلس الحكم، نفس العزلة التامة عن الشعب و الشلل في التصرف واتخاذ القرار والتفرغ لتنفيذ الأوامر التي ستصدر من سعادة السفير المبجل، طويل العمر بول وولفووتز، الذي سيحل محل بريمر في بداية شهر تموز، يوليو القادم. نعتقد أن المجلس الموسع الجديد سيكون على غرار المجلس الضيق الحالي، لملوم متنافر ومتناقض ثقافيا وسياسيا وعلميا وفكريا، لا يجمع بينهم أي رابط، سوى رابط الخنوع التام إلى حد الإذلال للمحتل والحب المفرط للسلطة والدولار. لقد وصف الحجاج بن بريمر الثقفي أعضاء المجلس الضيق وصفا بليغا حينما نعتهم بالكسل والجبن وعدم القدرة على كسب العراقيين إلى جانبهم؟. فالأمريكيون يعرفون جيدا وقبلهم العراقيون، أن الأعضاء الذين عينوهم في المجلس، والذين سيعينونهم، ما هم إلا شرذمة منبوذة لا تستطيع حكم العراق لمدة أربع وعشرين ساعة من دون حماية سلطات الاحتلال ومظلتها. أن حال أعضاء المجلس الموسع القادم سوف لا يكون أفضل من المجلس السابق، طالما انهم سيعينون من قبل سلطات الاحتلال و لم ينتخبوا من قبل الشعب العراقي.

 أن موقف أعضاء المجلس الخائب من مجزرة الفلوجة وانتفاضة الشاب مقتدى الصدر كشفت عن معدنهم غير الأصيل، فبدلا من أن يحتجوا ويستقيلوا احتجاجا على جرائم أسيادهم المحتلين، هدد قسم ضئيل منهم بتجميد عضويته في المجلس والآخرون التزموا صمت القبور حتى لا يغضب عليهم من بيده الأمور. في سابقة لم نسمع بها من قبل، فالمعروف أن السياسي المبدئي والوطني الشريف، يستقيل احتجاجا على موقف يتناقض مع مبادئه ووطنيته، فأما أعضاء المجلس فقد اخترعوا نغمة تعليق العضوية خوفا من أن ( يطير الكرسي) لأنهم يعلمون أن الزحام شديد جدا على المناصب في قادم الأيام، ستصل بعدة شهر أو شهرين إلى حد الملازمة بالأيدي والضرب بالعكل.....!!!!. ألم يقولوا أن الغيرة قطرة وليست سطلا؟!!. أتتهم فرصة تاريخية لتحسين صورهم المشوهة أمام العراقيين ويحجزون كراسيهم باستحقاق، ولكنهم لم يغتنموها. أنهم معذورون، لقد كبلوا أنفسهم بالعمالة فلا يستطيعون الفكاك منها.

أما بالنسبة لماهية السلطة التي ستنقل إلى المجلس الموسع، فأننا نتفهم أنه في ظل أي احتلال، تتعمد سلطات الاحتلال في نقل بعض السلطات إلى الجهة التي تعمل لمصلحتها وتتعاون معها، فإزاء التهويل الإعلامي الجاري الآن حول نقل السلطة فأننا لا ندري فهل ستنقل إليه سلطة تنظيف المجاري ورفع القمامة وجمعية الهلال الأحمر و اللجنة الاولمبية العراقية وتنظيم علاوي الفواكه والخضر؟؟ والمستشفيات؟ أم ستنقل إليه سلطة وزارة الداخلية والمالية والخارجية والنفط والدفاع؟؟ وهل سيكون هذا المجلس حرا في اتخاذ قراراته حتى بالنسبة للمؤسسات والوزارات الخدمية التي ذكرنا بعضا منها، دون تدخل الحاكم الأمريكي الفعلي، و المستشارون اليهود الذين عينوهم في الوزارات العراقية بعقود أمدها خمس سنوات؟؟!، وهل سيكون هذا المجلس الموقر مسؤولا عن الأمن والاستقرار وإعادة التدمير؟، أم أن المجلس الموسع سيكون مجرد (فزاعة خضرة)، لا بالعلم ولا بالنفير. كما يقول العراقيون!!!. يتفرغ أعضائه للسياحة السياسية وتلقي فتاة عقود المتساقطة من مائدة أعادة تدمير العراق، وتوزيعها على أولادهم وإخوانهم وأقربائهم، يشفطون بعدها بضعة ملايين من الدولارات ثم يستقيلون ويهاجرون إلى لندن للتنعم بما أسبغها عليهم بريمر أو وولفوتز من السحت الحرام؟.

أما إذا كان الأمر يخص نقل السيادة، فالسيادة، كما يعلم الجميع إنها ليست شحنة طماطة أو فجل لكي ينقلوها إلى العراقيين؟!! أو إنها سيارة أو أثاث منزلية ينقلون ملكيتها إليهم ؟!!. السيادة، كما يعرفها بائع السمك في حي الشواكة في بغداد، هي الإرادة الوطنية الحرة المستقلة في إدارة شؤون البلاد والعباد، هي الكرامة، هي كبرياء الأمة وشرفها وعزتها، هي أن يكون الشعب سيد نفسه وقراره وتصرفاته لتحقيق مصلحته الوطنية وليس تحقيق مصلحة شركة هالبيترون أو بكتل أو..أو..، السيادة والاستقلال يضحي، من أجلها الشعوب أزكى دماء شبابها وتدفع قوافل أثر قوافل من الشهداء لانتزاعها. السيادة لا تمنح ولا تنقل ولا تعطى وإنما تنتزع من عيون المحتلين الغاصبين الغزاة، هكذا فعلت الشعوب الحية حينما قررت أن تكون سيد نفسها. والعراقيون الأبطال لا يقلون عن باقي شعوب الأرض إصرارا واستعدادا للتضحية من أجل نيلها وانتزاعها من عيون الغزاة الأشرار.

أن السيادة التي تزعم أمريكا نقلها إلى العراقيين ليست بسيادة ولا سلطة وإنما وعود مضللة وكاذبة من أجل تسويق الحملة الانتخابية للرئيس جورج بوش، لا أكثر ولا أقل. وحتى لو عولنا على حسن نيتهم، أن وجدت، فأنه يندرج تحت خانة مسعاهم في تضييق مأزقهم المتفاقم في العراق، فأن ما يتحدثون عنه ليس نقلا للسلطة أو للسيادة، وإنما وصاية استعمارية مغلفة بزخرف القول ومعسول الكلام. يقول السيد كولن باول بهذا الصدد: (أن الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة ربما يتعين عليها أن تقبل بعض القيود على سيادتها بعد أن تسلمها الولايات المتحدة السلطة في الأول من يوليو تموز القادم، وأن الولايات المتحدة تنوي أبقاء القوات العراقية تحت قيادة أمريكية). ( ربما وبعض لغرض التلطيف الدبلوماسي)، وماذا عن سحب قواتها ومرتزقتها؟؟ لم يتطرق إليه، بل أن جميع تصريحاتهم تشير إلى وتؤكد على تعزيز قواتهم والبقاء في العراق لأمد طويل. أن قول كولن باول يخالف جميع التعهدات والالتزامات التي أعلنتها الولايات المتحدة سابقا. وبالعربي الفصيح لا سلطة ولا سيادة ولا هم يحزنون، والقبض الريح، وشهر تموز، يوليو القادم ليس ببعيد حيث سنشهد احتفالا خلف الأبواب الموصدة، هذا إذا لم تفسدها المقاومة العراقية كما أفسد احتفالهم في ذكرى ذبح بغداد العزيزة واغتصابها، تنقله على الهواء شبكات التلفاز الأمريكية والبريطانية!!. هناك إشاعة تفيد بحرمان قناة الجزيرة الحرة الشريفة من المشاركة في نقل وقائع الاحتفال!! لماذا؟ لا ندري. أن نقل السلطة أو نقل السيادة إلى العراقيين كما يريده الأمريكان، هو كالأعور والأعرج كلاهما لا يصل إلى الهدف بخط مستقيم..

لقد أكد الرئيس بوش، في مؤتمره الصحفي الموسع الأخير، على انه يرغب أن يرى عراقا ديمقراطيا محبا للسلام، وأن الاحتلال لا يدوم إلى الأبد، لأن العراقيين لا يقبلون أن يكون بلدهم محتلا كما لا يقبل هو( بوش) أن يكون بلده محتلا..... كلام جميل ورائع ولا فض فوك يا سيد الرئيس. أن الشعب العراقي يتحرق شوقا للديمقراطية والعيش بسلام ويتحرق شوقا لاستعادة استقلاله وسيادته سلميا من دون سفك المزيد من دماء أبنائكم ودماء أبنائهم. أن الواجب الأخلاقي والوظيفي يحتم عليكم أن لا تدفعوا بأبنائكم إلى المحرقة وأن الواجب الأخلاقي و الإنساني يحتم عليكم أن لا تذبحوا أبناء العراق وتدمروا البقية الباقية من بناه التحتية.

أنكم لا تستطيعون فرض الديمقراطية على العراقيين من خلال قصفهم بالطائرات وضربهم بالدبابات وقتل أبنائهم وتدمير مساجدهم وقراهم وبيوتهم، فهذا العمل سيلحق ضررا بالغا ليس بالقيم الديمقراطية وإنما بالقيم والمبادىء الأمريكية نفسها ويعمق الكراهية لكم.

فإذا اتخذتم قرارا شجاعا بسحب جميع قواتكم من العراق، وتركتم العراقيين يديرون شؤون بلادهم بأنفسهم ويضعون أسس الديمقراطية الصحيحة لحكم أنفسهم، وهم قادرون على ذلك، سيكونون أكثر من سعداء، وعندها لا تقلق على كرامة جيشك وهيبته، فأن الشعب العراقي يتعهد لك تعهدا جازما بأن يودعهم بالأزهار والنعناع والريحان والجكليت إلى حدود دولة الكويت الشقيقة أو إلى أي منفذ حدودي تريد إخراجهم منه. وأنه مستعد كذلك أن يضمن لكم أقامة علاقات حميمة ومتكافئة مع بلدكم العظيم، ويعامله معاملة الدولة الأفضل رعاية ويفتح أبوابه لشركاتكم للعمل في العراق، ويضمن لكم تدفق النفط إلى آخر برميل من احتياطيه. أما إذا قررتم غير ذلك، وقفلتم على سياستكم غير الحكيمة في العراق، فنقول لسيادتكم أن استمرار بقاء قواتكم في العراق ليس من مصلحة أمريكا، لأنه ببساطة يعني مزيدا من الخسائر وسفك الدماء، ومزيدا من الأكياس السوداء، ومزيدا من المعوقين الذين ستظاهرون أمام البيت الأبيض والكونغرس، كما كانوا يفعلون خلال حربكم العدوانية ضد شعب فيتنام، فالمقاومة العراقية تزداد قوة وشراسة وتنظيما وأصبحت مزيجا تضم جميع أطياف شعب العراق الغيور، ونود أن نؤكد لكم بأن العراق مقبل على انتفاضة شعبية شاملة وعارمة، إذا ما استمرت الأوضاع عما هو عليه الآن. لأن الاحتلال ضد منطق التاريخ ومساره، ومن خلال دروسه وحكمه وتجاربه،تعلمنا أنه ما من احتلال دام مهما طال الزمن، وأن مصيره الاندحار والهزيمة في نهاية المطاف، عندما تقرر الشعوب أن تكون سيد نفسها، والشعب العراقي قرر ذلك منذ شهر أيار، مايو من العام الماضي.

فهل ستتخذون، يا سيادة الرئيس، قراركم الشجاع وتدخلون التاريخ مرفوع الرأس ؟، أم ستتركون الأمور حتى ينتزع العراقيون استقلالهم وسيادتهم من عيونكم ويحرروا بلدهم العزيز، بلد الحضارات والشعراء والأبطال الصناديد، وتدخلون التاريخ منكس الرأس ليلعنكم اللاعنون. الخيار لكم السيد الرئيس.


دبلوماسي عراقي سابق

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية