|
نتائج انتخابات البرلمان
الروسية لم تكن مفاجئة، وإنما كانت الصدمة في الانتصار الساحق الذي حققه
القوميون، أو علي نحو أدق التوجهات القومية المتشددة، التي يصفها بعض
المحللين بالفاشية، ضد القوي اليسارية والإصلاحية اليمينية علي حد سواء.
ولا يختلف الوضع في صربيا كثيرا؛ حيث تمكن أيضا الحزب الراديكالي بزعامة
توماسلاف نيكوليتش من الحصول علي أكثر من ثلث مقاعد البرلمان الصربي، بعد أن
كان قد حصل علي أغلبية أصوات الناخبين في انتخابات الرئاسة الفاشلة والتي لم
تحقق شرعيتها الدستورية.
وقد يكون حصول حزب
روسيا الموحدة الموالي للكرملين علي أغلبية مقاعد البرلمان الروسي الجديد
أمرا متوقعا، إلا أن حجم الأصوات التي حصل عليها حزب السلطة، في ظل تركيبته
البيروقراطية التي لا تثير الثقة لدي المواطن الروسي من جهة، وشعاراته
القومية(روسيا القوية لابد أن تسيطر علي ثرواتها) من جهة أخرى، يعتبر أمرا
مفاجئا. خاصة أن ذلك قد حدث في ظل نجاح ساحق لحزب جرينوفسكي القومي المتشدد،
الذي يعتبره أغلبية المحللين ممثلا للاتجاهات الفاشية الروسية، والذي يدعو
أيضا إلى بناء إمبراطورية روسية وحماية حقوق الروس في مواجهة أبناء القوميات
الأخرى، باعتبار انهم ينهبون ثروات روسيا(بالرغم من أن جرينوفسكي زعيم الحزب
يهودي).
إضافة لانتصار حزب
(الوطن)الجديد الذي تشكل منذ عدة شهور، رافعا شعارات قومية علي غرار"توزيع
الثروة الوطنية بشكل عادل".."حقوق القومية الروسية".
هنا تجدر الإشارة إلى أن
أجمالي نفوذ هذين الحزبين في البرلمان يصل إلي أكثر من 18%، أي حوالي 70
مقعدا، وهو ما يزيد عن نفوذ الشيوعيين (القوة الوحيدة في البرلمان الروسي
التي لا تناصر التشدد القومي) بحوالي 8% أي 20 مقعدا. الأخطر من ذلك هو تنامي
المشاعر القومية في اتجاه إنقاذ الوطن من هيمنة أبناء القوميات الأخرى علي
ثروات روسيا، والذي يعتبر السبب الرئيسي لمساندة أغلبية الناخبين لحزب روسيا
الموحدة الموالي للكرملين.
يرى الخبير السياسي
ليونيد ايونين، عميد كلية العلوم السياسية بمعهد الاقتصاد العالي، أن نتائج
الانتخابات البرلمانية جاءت "كرد
فعل على هزيمة روسيا في العالم وفشلها في العراق
وأوكرانيا ومولدافيا وجورجيا". كما
يرجع الفوز المحير للحزب الليبرالي الديمقراطي
الروسي إلى الفشل السياسي لروسيا حيث لم يحصل الحزب المذكور في انتخابات
الدوما عام 1999 حتى على نسبة 6% من الأصوات، واعتقد الكثيرون أن حزب
جيرينوفسكي سيترك المسرح السياسي في
روسيا.
إن حديث البعض عن أن، حزب
(الوطن) الجديد الذي حصل على جزء من أصوات
الشيوعيين - بالرغم من انه تشكل بسرعة قبل
الانتخابات بدعم من الكرملين - قد يشير إلى أن هذا الحزب سيقوم بتأييد موقف
حزب (روسيا الموحدة) الموالي للكرملين في البرلمان ليحقق أغلبية مؤيدة لبوتين،
فيه شئ من التسرع في الحكم علي مسار اللعبة السياسية في روسيا، نظرا لتشكل
هذا الحزب من خليط غير منسجم يتضمن قوميين متشددين وشيوعيين منقسمين عن حزب
زوجانوف بسبب اختلافهم مع توجهاته.
ويعتبر العديد من
المحللين انه من الآثار المهمة بل والمصيرية لنتائج الانتخابات هو حصول
(روسيا الموحدة)، مع حساب نتائج الانتخابات الفردية في المناطق الروسية، على
أكثر من 300 من أصل 450 مقعدا. مما يعني أن هذا الحزب يستطيع الحصول على
الأغلبية المطلوبة لتغيير الدستور وفق رغبات الكرملين والرئيس، بالتعاون مع
الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي وكتلة (الوطن) والمرشحين الفرديين للحزب
الزراعي وحزب الشعب القريبين من أفكار (روسيا الموحدة) والمؤيدين لسياسة
الرئيس فلاديمير بوتين.
وفي هذا السياق يمكن أن
الإجراءات الحازمة التي اتخذها الكرملين خلال السنوات الماضية ضد العديد من
أباطرة المال لاقت ترحيبا في الشارع الروسي بسبب حالة النهب التي عاني منها
المواطن الروسي علي مدار السنوات الماضية، وأدت لمزيد من إفقار المواطنين
الروس، مما أسفر عن وجود اكثر من 40 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر.
والسؤال الذي لم نجد
صعوبة في معرفة أجابته، كان حول نوايا الكرملين والرئيس بوتين الخاصة بمحاربة
الاحتكار وتوزيع الثروة بالعدل كما يدعو حزب الوطن الجديد الذي تأسس و دخل
البرلمان بدعم من الكرملين. وجاءت الإجابة علي هذا التساؤل في لقاءات بوتين
مع المستثمرين الروس والأجانب عقب اعتقال خدركوفسكي، حيث أكد الرئيس الروسي
انه لا تراجع عن سياسة الإصلاح وبناء اقتصاد السوق الحر. بل وتبحث الحكومة
سبل بيع حصصها في العديد من المؤسسات الاقتصادية علي طريق مواصلة عملية
الخصخصة التي بدأتها روسيا في عهد الرئيس السابق بوريس يلتسن.
هذه التوجهات تعني أن
الكرملين لا يسعى إلى التجاوب مع رغبات المواطنين بقدر ما يسعي لإعادة توزيع
النفوذ المالي والاقتصادي لحساب المؤسسات المالية التي تحالفت معه. ولعل ما
يحدث مع مؤسسة "يوكوس" يأتي علي سبيل المثال لا الحصر، عندما قامت وزارة
الثروات الطبيعية الروسية منذ أسابيع بسحب الترخيص المؤقت الذي منحته الوزارة
لمؤسسة "يوكوس" لاستثمار حقول تالاكانسكي في سيبيريا، وقررت منح الترخيص
لشركة"سيرجوت-نفط"، حيث كانت شركة(لينا نفط–غاز)إحدى الشركات التابعة لمؤسسة"يوكوس"
تقوم باستثمار حقول النفط المذكورة. ورفضت وزارة الثروات الطبيعية شرح أسباب
اتخاذها هذا القرار أو التعليق علي الدوافع التي أدت لاستبعاد مؤسسة"يوكوس"
من العمل في حقول النفط المذكورة. وتجدر الإشارة إلى أن احتياطي النفط في
حقول تالاكانسكي الواقعة بإقليم ياقوتي يبلغ حوالي114 مليون طن نفط، و227
مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وفي عام2001 حصلت شركة"ساخا-نفط" علي حق
استثمار هذا الحقول مقابل 501 مليون دولار.
وإذا كانت سياسة الكرملين
في المجال الاقتصادي تسير في اتجاهات قد لا تلتقي مع رغبات المواطنين،
باعتبار أنها لا تقوم سوي باستبدال أصحاب النفوذ المالي والاقتصادي دون أجراء
أي تغيير جدي يمكن أن يؤدي لتحسين مستوي معيشة السكان، إلا أن صدي توجهات
الكرملين في المجال السياسي- انسجاما مع شعارات القوي المسيطرة علي البرلمان
الجديد- يظهر في أراء النخبة السياسية والصحفية المقربة من الكرملين والتي
تتحدث عن ضرورة سيطرة الروس علي ثروات البلاد وعدم السماح لأبناء القوميات
الأخرى بالتسلل للنخبة المالية الروسية، وذلك استنادا لشعارات تدعو لاستفادة
الشعب الروسي من ثروات بلاده. ويستفيد الكرملين من هذه الشعارات في معاركه
مع بعض أباطرة المال الذين يعتقدون بأن مصالح روسيا تكمن في الرضوخ الكامل
للمطالب الأمريكية و التنسيق مع الولايات المتحدة و الغرب في رسم مسارات
السياسة الدولية.
ولابد من الإشارة إلى أن
غالبية أباطرة المال المعارضين للكرملين هم من اليهود. ولا يمكن أن يكون سبب
خلاف الكرملين معهم قومي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أحد المعارضين
البارزين لهذه الكتلة هو يفجيني بريماكوف والذي لا يمكن اعتباره روسيا
بالمنطق القومي السائد في أوساط القوميين المتشددين، إلا أن تغليف هذا الصراع
بصبغة قومية سيساعد علي:
-
امتصاص نقمة الشارع
الروسي علي سياسات الإصلاح الروسية.
-
سيحقق للكرملين
القاعدة الشعبية التي ستمكنه من القضاء علي معارضيه، بصرف النظر عن صحة أو
خطأ سياساته.
-
سيوفر للرئيس الروسي
تأييد واسع في الشارع يضمن له انتصارا في الانتخابات الرئاسية من الجولة
الأولى، وربما تعديل الدستور ليضمن بقاءه علي رأس السلطة لفترة ثالثة، وأن
كان تحقيق ذلك يتطلب دعما من عوامل القوة داخل تركيبة السلطة الروسية.
إلا أن تنامي النزعة
القومية في الشارع الروسي والذي يستند إلى ترويج الكرملين والقوي السياسية
المسيطرة علي الهيئات التشريعية لهذه النزعة يبدو واضحا. في روسيا التي
تضمن 35 قومية إضافة للقومية الروسية والتي تشكل الأغلبية، ستقود هذه النزعة
بالضرورة إلى صدامات حادة وقد تكون دموية بين هذه القوميات، مما قد يؤدي
لتشظي وتفتت روسيا في صراعات بين الروس ومساعيهم لانفراد بالتحكم في مصير
البلاد من جهة، والقوميات الأخرى مثل الشيشان والتتر والبشكير...الخ من جهة
أخرى. ناهيك انه سيعلن آنذاك عن ميلاد سلطة قومية النزعة علي حدود القارة
الأوروبية، وهذا لان الصرب والروس وغيرهم من شعوب القطاع الشرقي من أوروبا
تنتمي للقومية السلافية والتي يعاني من القهر الغربي بدأ من حرب البلقان
ومرورا بحروب الشيشان، انتهاء بالزحف الصيني علي المناطق السيبيربة الشرقية
والذي دفع الأقلية الروسية للتعلق بأهداب القوي القومية في الانتخابات
البرلمانية الأخيرة.
ويحب القول أن روسيا تشهد
منذ فترة نشاطا متصاعدا للقوي الفاشية التي تزعم السلطات المحلية أنها محظورة
قانونا. إلا أن هذه القوي تتحرك في الشارع الروسي تحت شعار طرد الأجانب من
روسيا، و تقوم بالاعتداء علي كل شخص غير روسي(سواء كان أجنبيا أو من أبناء
الجمهوريات السوفيتية السابقة) دون عقاب رادع من السلطات الأمنية. ووصل
الأمر إلى اعتداء بالضرب المبرح والذي يمكن أن يفضي للوفاة علي الدبلوماسيين،
ومن يشتبه فيه أنصار القوي الفاشية بأنه لا ينتمي للقومية الروسية، دون أن
تتدخل الشرطة أو يتم معاقبة أنصار هذه الاتجاهات علي سلوكهم الإرهابي، في ظل
شعارات ترفعها روسيا عن مكافحة الإرهاب و تعرضها لهجمة من الإرهابيين!!!
ويمكن القول أن تاريخ
نشاط الاتجاهات القومية بدأ من العهد السوفيتي، مع ظهور حركة الذاكرة والتي
اتسمت آنذاك بعداء حاد لليهود، إلا أن طبيعة السلطة آنذاك و القوانين المعمول
بها أدت إلى تحجيم نشاط هذه الحركة التي كانت تدعو لصحوة القومية الروسية،
وكان تركيزها ضد اليهود بسبب تواجدهم في مواقع هامة في السلطة و في أجهزة
الأعلام السوفيتية.
عقب انهيار الاتحاد
السوفيتي، لم تتمكن التيارات القومية من بناء قاعدة جماهيرية بسبب طغيان
النزعات الموالية للغرب والمتأثرة بالحلم الأمريكي. إلا أن ردود الفعل
الحادة ضد الروس في الجمهوريات السوفيتية السابقة ومساعي واشنطن لتفتيت
وأضعاف روسيا للانفراد بسيادة العالم، إضافة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في
روسيا والذي أدى لإفقار أغلبية المواطنين الروس، لعب دورا في تنامي هذه
النزعة. وجاء ظهور الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين علي أرضية شعارات
تبدو أنها معتدلة، إلا أنها ذات مضامين قومية مثل..استعادة هيبة ونفوذ روسيا،
حماية مصالح وحقوق الروس في بلادهم وفي الخارج. وكان من الطبيعي أن يحقق
انتصارا في الانتخابات الرئاسية علي خلفية الحرب الشيشانية الثانية والتي
صورتها أجهزة الأعلام وفق قرارات السلطات آنذاك علي أنها حرب ضد الإرهاب
لإنقاذ روسيا، مع تجاهل مبدأ حق تقرير المصير للقوميات الأخرى.
وكانت سياسات الكرملين في
تلك المرحلة تعبر عن بقايا أجهزة القوة الحكومية (الجيش والاستخبارات) والتي
قررت أن تستعيد نفوذها في الشارع الروسي من خلال أحياء انتماء المواطن الروسي
لوطنه. إلا أنها لتحقيق هذا التوجه المشروع استخدمت أدوات خاطئة معتمدة علي
إثارة النعرات القومية، في محاولة لنفي ارتباطها أمام الغرب بالماضي الشيوعي
ولتحقيق هدفها في توسيع قاعدتها الشعبية. أدرك جرينوفسكي مغزى ذلك؛ فكان
يفصل تماما بين إنجازات العهد السوفيتي وطبيعته الأيديولوجية، وفي الوقت الذي
كان يدعو فيه لعودة النفوذ الروسي كما كان عليه الحال في العهد السوفيتي مع
تضمين ذلك بمنطق العظمة والتفوق الروسي، في إطار حملة انتقادات شرسة
للشيوعيين والحكم السوفيتي.
الوضع في صربيا لم يختلف
كثيرا، باستثناء أنها شهدت فترة حكم ميلوشوفيتش، والتي تميزت بدعم و بلورة
النزعة القومية الشوفينية، والتي قادت إلى معارك دامية بين الألبان والصرب
أسفرت عن ضرب بلجراد، في ظل حالة القلق الأوروبية من ظهور حكومات قومية
شوفينية في القارة اللبيرالية. وقد استفادت واشنطن آنذاك من حرب البلقان في
إعاقة المشروع الأوروبي في الوحدة الاقتصادية.
فشل القوي الديمقراطية
الصربية في حل الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المواطن الصربي، جعلته
يتجاوب مع شعارات القوي القومية المتشددة والتي تنتمي لمرحلة ميلوشوفيتش حول
أن أسباب انهيار البلاد هو السياسة الليبرالية التي انبطحت أمام مطالب الغرب.
ربطت القوي القومية بشكل
متعسف بين النهج الديمقراطي ومصالح القومية الصربية، ونجحت في استقطاب
الناخبين حول شعارات صربيا الكبرى الموحدة القوية، دون التعرض لمصالح
القوميات الأخرى في البلقان. و يمكن القول أن انتصار القوي القومية الصربية
في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أيضا لم يكن مفاجئا بعد أن تمكن زعيم الحزب
الراديكالي في انتخابات الرئاسة الفاشلة من الحصول على أكثر من 45% من أصوات
الناخبين.
تنامي نفوذ التيارات
القومية في أوروبا الشرقية، الذي بدأ يتحول لظاهرة، يعتقد البعض أنها إيجابية
بسبب دعوات القوميين لعدم الانبطاح أمام المطالب الامريكية وإحلال الانضباط
والاستقرار في بلادهم، إضافة لنزاعاتهم المعادية لليهود، لا يعبر عن حالة
نهوض. ناهيك عن عقم هذه القوي التي تلعب بكل الأوراق للسيطرة علي السلطة لا
من اجل إنقاذ الوطن. والأخطر من ذلك انه يحمل في داخله بذور فاشية معادية
لبقية القوميات.
لذا استنادا لرصد الأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية في بلدان أوروبا الشرقية، لابد من الاعتراف بان تنامي
المزاج القومي في روسيا أو في أوروبا الشرقية بشكل عام، يعود لحالة الانهيار
السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي أصابت هذه البلدان. حيث لعبت هذه الحالة
دورا في إقناع المواطنين بان السبب الرئيسي في سوء الأوضاع هو السماح لأبناء
القوميات الأخرى بالاستفادة والسيطرة علي ثروات بلادهم، ودعمت لديهم الإحساس
بالتفوق استنادا إلى التاريخ القريب الذي يرويه آباؤهم عن الحياة المستقرة
والنفوذ القوي لبلدانهم في العالم. واستخدمت القوي السياسية هذا المزاج
القومي لتحاول السيطرة من خلاله مقاليد السلطة، لان قوي السلطة السياسية في
هذه البلدان مدربة علي التلون الفكري بدء من الشيوعية..مرورا بالألوان
الدينية والليبرالية..انتهاء باللون القومي.
ويعتقد فريق من المحللين
السياسيين أن مرحلة الانهيار والتفكك التي تمر بها بلدان أوروبا الشرقية لابد
وان تؤدي إلى ظهور النزعات القومية المتشددة. وربما ينسجم ذلك مع تصريحات
الكرملين الذي يعتبر أن مرحلة الانتقال من النظام السوفيتي إلى مرحلة
الاقتصاد الحر قد انتهت. وربما تأكدت هذه القناعة لدي الكرملين بعد ظهور
سلطة تشريعية و تنفيذية في روسيا خاضعة لنفوذ حزب واحد، بعد أن تمكن من إحداث
انقلاب دستوري وانهي مرحلة التعددية السياسية في السلطة، وعاد لنظام الحزب
الواحد.
ولكن الحزب الواحد هذه
المرة ليس مسلحا بأدوات فكرية، وإنما بدعم أجهزة القوة الروسية، والتي لا
تتعامل مع مصير المجتمع من منظور فكري أو سياسي بقدر ما تخضع إجراءاتها لمنطق
حماية الحكم القائم، بل وسيكون مطلوبا منها تميز القومية الأساسية عن بقية
القوميات لحماية قاعدة الدولة الجماهيرية.
وإذا كانت سياسات
الكرملين في السنوات السابقة تقوم علي أسس براجماتية، لتحقيق مصالح روسيا
المتعددة القوميات، ومصالح روسيا تعني زيادة عائداتها والنمو الاقتصادي فيها،
أي بعبارة ابسط زيادة أرباح قطاع المال والأعمال الروسي دون الأخذ بعين
الاعتبار مصالح الشعوب والقوميات الأخرى خارج روسيا.
وربما لهذا السبب رفضت
موسكو سياسة واشنطن إزاء العراق، في نفس الوقت الذي لم تصدر فيه بيانا رسميا
يدين ممارسات إسرائيل الوحشية ضد الشعب الفلسطيني بسبب صلاتها وتعاونها
الاقتصادي المثمر مع إسرائيل. واقتصرت مواقفها علي مساندة السلطة الفلسطينية
التي تتقاذفها الصراعات الدائرة. فانه من المتوقع أن تقوم السياسة القادمة
لموسكو اليوم- بعد انحسار ألوان الطيف السياسي عن السلطة الروسية، و اقتصارها
علي لون واحد- علي أسس حماية مصالح القومية الروسية فقط. وقد ينسجم هذا مع
المصالح العربية في المرحلة الراهنة باعتبار أن هذه السياسة تستهدف تحجيم
الزحف الأمريكي، وهيمنة واشنطن علي ثروات الشعوب، إلا أنها بالقطع قد تتعارض
مع مصالحنا في ظروف أخرى باعتبار أنها لا تدعم حقوق الشعوب الأخرى في استثمار
ثرواتها بشكل مستقل، و باعتبار أننا لا تسعي لاستبدال الاستغلال الأمريكي
باستغلال أخر.
ولعل العراق مرة أخرى
تكون مثالا علي هذه السياسة، التي دعمت صدام حسين بالرغم من سياسته
الديكتاتورية الدموية، ونهجه في قهر وإفقار الشعب العراقي، في نفس الوقت
الذي كانت تجري فيه اتصالات مع المعارضة العراقية الأمريكية الصنع. وما أن
تمت الإطاحة بصدام حتى سارعت موسكو للإعلان عن أدانتها لسياساته
الديكتاتورية، وحرصت علي توطيد صلاتها مع أجنحة السلطة العراقية الجديدة،
لتطبق بذلك شعارا إنجليزيا كان يتبناه القوميون العرب بخجل ثم تخلوا عنه
وهو"لا صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة".
وقد يكون الحديث عن
الموافق المبدئية في دعم حقوق الشعوب في الحياة الكريمة و حقوق القوميات في
تقرير المصير مع مصالح القوي الدولية يحتمل المناقشة، إلا أن سيطرة النزعات
القومية علي مقاليد السلطة في البلدان الكبيرة التي تحمل بذور فاشية، لابد
وأن يهدد مصير القوميات الأخرى و الاستقرار الدولي المفقود.
صحفي مصري مقيم في موسكو - روسيا الاتحادية |