بغداد. كل مرة أعود فيها
للعراق، نفس الأمر، كمن يجد موس حلاقة في قالب الشيكولاتة. في اللحظة التي
تبدأ في الاعتقاد ان العراق ’الجديد‘ قد ينهض – بالضبط – يأتيك البرهان على
انه هو نفس العراق القديم، فقط أسوأ قليلا عما كان في الشهر السابق.
كانت البسمات، في صباح أمس، على الحدود في كل مكان.
تنتهي إجراءات جواز السفر الرسمية في دقائق. ولكن عشرة دولارات (أربع
دينارات عراقية ونصف) قد تساعد. ولقد ساعدت. هذا ما اعتدنا صنعه تحت حكم
صدام – انهم نفس الموظفين العراقيين، ولكنهم فقط لا يرتقون لنفس مستويات
قابليتهم للفساد السابقة – ولكن فورا، وبلا شك، سترتفع الرشوة إلى 15 دولار،
أو أكثر.
تم إصلاح جسر الطريق السريع إلى بغداد الذي دمرته القنابل
– رغم مقتل مالك الشركة التي أعادت بناءه منذ خمسة أسابيع. توجد قافلة طولها
ثلاثة أميال من القوات الأمريكية الجديدة تنطلق صوب الغرب بطول طريق السيارات
– تستطيع القول بأنها وحدات جديدة لان ألوان الدروع هي اخضر الغابات اللامع؛
دبابات الغزو لونها اصفر صحراوي – وتبدو الأمور كلها حسنة حتى توقفنا للدردشة
مع شيخ الجامع الصغير المجاور لآخر محطة تزويد بالوقود قبل مدينة الرمادي.
قال أن هناك ثلاث سيارات "لعلي بابا" تنتظر. اصطدموا بسيارة مدنية فانقلبت
هذه السيارة هاوية إلى الصحراء من على الطريق السريع. انطلقنا بسرعة 110 ميل
في الساعة.
أعلن الراديو – الـ BBC
العربية، والإذاعة الإيرانية باللغة العربية، وأي شيء آخر
سوى الإذاعة التي تديرها سلطات الاحتلال – أعلنوا عن تسوية تمت مع آية الله
العظمى علي السيستاني حول الدستور الذي من المفترض توقيعه اليوم صباحا. قادة
رجال الدين الشيعة لا يريدون أن يكون لدى الأكراد حق الاعتراض [الفيتو] على
الدستور الدائم ويريدون عدد اكبر من الشيعة في المجلس الخماسي الأشخاص. ثم
احد الشيعة في مجلس الحكم – حيث التقط الأمريكان بأيديهم كل فرد فيه – يتفوه
بهذه الكلمات التي تملؤني بالرهبة في الشرق الأوسط لأنها عادة ما يتضح أنها
غير صحيحة. "قد وصلنا إلى اتفاق، سوف تكون هناك أخبار سارة جدا في وقت قريب
حالا". حسنا، سوف نرى.
متاريس الاسمنت المسلح المكثفة حول مركز القيادة القنصلي
لبول بريمر، وحول فنادق الغربيين، وحول مجلس الحكم، وحول كل ثكنة عسكرية
أمريكية، أصبحت هذه المتاريس أمرا معتادا. الآن، تختفي الوزارات الحكومية
خلف متاريس الاسمنت المسلح. وتنزل البلوى بهؤلاء العراقيين الذين يعملون مع
الأمريكان كمترجمين ويفشلون في احترام التهديدات التحذيرية حول "تعاونهم" مع
المحتل. تجاهل ثلاثة منهن التهديد. قتلت إحداهن، مسيحية، بطلق ناري وهي
تستقل سيارتها بحي الزيتونة، وجرحت واحدة كانت في صحبتها، وقتل سائقهن
بالرصاص أيضا.
وصلت إلى فندقي الحقير، ووجدت أن سائقا آخر قد قتل
بالرصاص. كان يعمل لدى صحيفة أمريكية، وكان يقود سيارته عائدا لمنزله مصطحبا
معه أمه وابنته ذات العامين، عندما أطلق قناصة مسدسه الكاتم للصوت، فيقتل
ثلاثتهم. هناك شائعة أن ذلك كان قتل ثأريا. لذلك في اللحظات التي كنا في
قمة الثورة والغضب لما حدث، كنا نأمل سرا وبقسوة أن يكون ثأرا، وليس قتلا
لمتعاون، لوث سمعة فندقنا.
استندت على سور شرفتي أراقب أربعة عراقيين بائسين من قوات
الدفاع المدني يخفرون الطريق بالأسفل. احدهم كان أعرج. الرجل الأخير،
الأعرج، كان يسير بظهره محملقا في أسطح المنازل.
محلات البقالة في الكرادة خراج، مركز تجاري واسع متخم
بالعراقيين محدثي الثراء، والطبقات الوسطى العراقية؛ لا يتحمل الفقراء أسعار
هذا المكان. توجد الزبد الهولندي الطازجة، وعصير الفواكه النمساوي، وعبوات
الـ Perrier بالجالون. ثم
أن هناك السيجار. سعر السيجار ’التشرشل‘ بربع ثمنه في أوروبا دون جمارك،
وانواع سيجار الكوهيباس بأقل من ثلث تكلفتها. هل هذه أجزاء من الواردات بدون
جمارك التي يحاول الاحتلال أن يشجع بها الاقتصاد؟ أو هي جزء من منهوبات
متاجر صدام؟ في المساء لعلع صوت الرصاص عبر حي الجدارية، بالقرب من الجامعة
– أنا اسمع صوته بعيدا بينما اكتب – وطائرتا هليوكوبتر أمريكيتان تطير كالرعد
عاليا في السماء المظلمة. أصغيت لهذه المعركة التي لم تذكر في التقارير
الصحفية، وأنا سعيد لأنني لم اشتر لوح من الشيكولاته.
على الأقل، عشرة صواريخ انفجروا الليلة الماضية بالقرب من
مقر سلطة التحالف المؤقتة. لا توجد تقارير عن الخسائر. أطلقت صواريخ
الكاتيوشا باتجاه مركز المؤتمرات وفندق الرشيد. انفجرت العربة التي أطلقت
الصواريخ منها.
|