- الحركة الاجتماعية -
التمويل الأجنبي ومحاولات احتواء الحركة العالمية المناهضة للعولمة
اقتصاديات وسياسات المنتدى الاجتماعى العالمى

خالد الفيشاوي

مارس 2004


فى نفس الموضوع:

 


لنفس المؤلف:

أهم ما يميز اجتماعات المنتدى الاجتماعى العالمى الرابع الذى عقد هذا العام فى مومباى فى الفترة من 17 إلى 20 يناير 2004، بعد انعقاده ثلاثة مرات فى ثلاثة سنوات متتالية فى "بورتو أليجرى" بالبرازيل .. أهم ما يميز الانعقاد الرابع هو عقد منتدى موازى له يدعى "مقاومة مومباى 2004" شاركت فيه 311 منظمة وحركة شعبية من الهند ومن أنحاء العالم .

كان الغرض من نقل اجتماعات المنتدى الاجتماعى العالمى هذا العام من "بورتوأليجرى" إلى "مومباى"، مد تأثير ونفوذ المنتدى إلى أقصى حد ، ومن أقصى غرب الأرض إلى أقصى شرقها . خاصة بعد أن نجح خلال عام 2003 من تنظيم منتدى اجتماعي أرجنتيني فى "بيونس أيرس"، ومنتدى أوروبي فى فلورنسا، وفلسطيني فى "رام الله"، ومنتدى آسيوي فى "حيدر أباد"، وأفريقي فى "أديس أبابا".

لكن يبدو أن هذا الانتقال، جاء على عكس المرغوب، حيث تعرض المنتدى الاجتماعى العالمى فى مومباى لانتقادات حادة، لم يجابه بمثلها فى اجتماعات السنوات السابقة، وحيث تمكنت المنظمات الهندية والحركات الاجتماعية الأكثر راديكالية من تسليط الأضواء على مثالب المنتدى الاجتماعى العالمي، ولم تكتف بتوجيه نقد لاذع له، بل نظمت منتدى مواز له بمشاركة 311 منظمة وحركة شعبية، واختتم أعماله التى امتدت من 17 إلى 20 يناير 2004 بمظاهرة حاشدة شارك فيها 30 ألفا تحت شعار "ضد العولمة والحرب الإمبريالية".

يتهم "منتدى مقاومة مومباى 2004" المنتدى الاجتماعى العالمى بأنه قد أنشئ خصيصا بدعم مالي من مؤسسات التمويل الرأسمالية بهدف التعتيم على القضايا الرئيسية، وتهدئة وتمييع النضال ضد العولمة الإمبريالية، والإغراق لسنوات طويلة فى مناقشات لا تنتهي ولا تفضي إلى أية نتائج، بينما تواصل القوى الإمبريالية صراعها وحروبها المحمومة من أجل فرض العولمة.

ويرى "منتدى مقاومة مومباى 2004" أن اجتماعات المنتدى الاجتماعى العالمى يهيمن عليها السياسيون الرسميون المعروف عنهم دعم سياسات العولمة والحرب الإمبريالية، بينما يستبعد من تلك الاجتماعات قادة الحركات الاجتماعية الحيوية أو يهمشون فى أنشطة جانبية.

التمويل الأجنبي

فى إطار هجوم "منتدى مقاومة مومباى 2004" على المنتدى الاجتماعى العالمى، أصدر منظمو الأول كتابا يتناول دور منظمات التمويل الدولية فى تمويل المنتدى الاجتماعى العالمى والمنظمات غير الحكومية المشاركة فى أنشطته، بغرض بناء منظمة عالمية عملاقة تفرض نفوذها وسطوتها على الحركة العالمية المناهضة للعولمة والتي انطلقت فى مظاهرات سياتل ضد منظمة التجارة العالمية فى نوفمبر 1999، وتمكنت عبر النضالات المباشرة فى الشوارع من إفشال مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية ، وإفشال العديد من اجتماعات البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ، وغيرها من اجتماعات قادة العالم والمؤسسات الرأسمالية الكبرى والتي كان أخرها اجتماع كانكون لمنظمة التجارة العالمية واجتماع منظمة البلدان الأمريكية فى ميامى . هذا، بينما كان المنتدى الاجتماعى العالمى يعقد المؤتمرات الحاشدة والمنفق عليها مليارات الدولارات بدعم رئيسي من مؤسسات تمويل تابعة للحكومات الرأسمالية الكبرى بغرض تمييع المواجهات وإلهاء واستئناس القوى المعارضة.  هذا، على نحو ما ترى " مقاومة مومباى "، ويرى كتابها.

يميز الكتاب بين شكلين من أشكال التمويل الأجنبي للمنتدى الاجتماعى العالمى، الأول، تمويل الهيئات المركزية للمنتدى الاجتماعى العالمى، والثاني، تمويل المنظمات المختلفة المشاركة فى المنتدى، وكلاهما يكاد يكون من المستحيل اكتشاف حجمهما.

فى هذا الإطار، يشير الكتاب إلى أن منظمي المنتدى قدروا احتياجات الهيئات المركزية للمنتدى لتنظيم اجتماعاته فى مومباى بمقدار 7ر29 مليون دولار، هذا غير النفقات والتمويلات التى تتدفق على آلاف المنظمات غير الحكومية فى كل أنحاء العالم لتغطية نفقات مشاركتها فى المنتدى، حيث قدرت اللجنة الدولية للمنتدى الاجتماعى العالمى تكاليف الاجتماع الثالث للمنتدى الذى عقد فى بورتو أليجرى عام 2003 بحوالى 7ر3 مليار دولار !!

وعلى الرغم من ادعاء المنتدى الشفافية فيما يتعلق بمصادر تمويله، إلا أنه يكاد يكون من المستحيل معرفة ميزانيات المنتدى وعلاقاته بوكالات التمويل. على سبيل المثال، يطرح موقع المنتدى على شبكة الانترنت قائمة الممولين لاجتماعه الأول، لكنه لا يحدد حجم الأموال التى قدموها، وأبرز الممولين هيئات تابعة للحكومات الرأسمالية الكبرى فى العالم، منها: صندوق الحقوق الديمقراطية التابع لوزارة الشئون الخارجية الكندية، ومؤسسة "فورد فونديشن"، التابع لاحتكار "فورد"، وصندوق "هنريك بول فونديشن" التابع لحزب الخضر الألمانى المشارك فى الائتلاف الحاكم، ويرأسه وزير خارجية ألمانيا، الذى أيد الحروب ضد أفغانستان ويوغوسلافيا السابقة.  ومنظمة الكنائس، التابعة للحكومة الهولندية والاتحاد الأوروبي، والموند دبلوماتيك، والحكومة البرازيلية، وحكومة ولاية بورتو أليجرى ...

وتطرح "مقاومة مومباى" سؤالا يصمت عنه المنتدى: هل يمكن أن تمول الحكومات الرأسمالية الكبرى نشاطا ضد العولمة الرأسمالية؟!

مقاومة نهرو - فورد

ويقدم الكتاب فصلا خاصا عن مؤسسة " فورد فونديشن " باعتبارها أقدم مؤسسات التمويل الدولية، وأكثرها إغداقا على المنظمات غير الحكومية، وأوثقها علاقات مع المخابرات المركزية الأمريكية، وتعمل على المستوى الدولى منذ بداية الخمسينيات، واستهدفت جهودها، على حد قول رؤساءها السابقين، تعزيز الهيمنة الثقافية الأمريكية، وتقويض النفوذ السياسى والثقافي لليسار.  وتناوب على رئاستها مسئولين فى المخابرات المركزية الأمريكية. وأغدقت الأموال والمنح على العديد من المنظمات الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان والفنانين والمثقفين فى كل أنحاء العالم بهدف إغراؤهم ودفعهم لتغيير مواقفهم.

وفى الهند وحدها، قدمت " فورد فونديشن " عام 2000، منحا وهبات قدرها 5ر7 بليون دولار، وكانت 13 بليون دولار فى عام 1999.

ويدعى مكتب "فورد فونديشن" فى نيودلهى ، أنه بدأ نشاطه فى الهند عام 1952 بدعوة من "جواهر لال نهرو" ، رئيس الوزراء آنذاك ، لصد النفوذ الشيوعى الصيني ومنع امتداده إلى الهند .

والآن تتولى "فورد فونديشن" تمويل مئات المنظمات غير الحكومية فى الهند، من أجل تعزيز المجتمع المدنى، وحقوق الإنسان، والسلم والعدل الاجتماعى، وحماية النساء والطوائف المضطهدة، بغرض أن تضمن ألا يأخذ نضال الفئات المضطهدة أشكالا تتسم بالمواجهة والتحدي ضد الحكومة الهندية...

هذا نموذج لأحد المؤسسات الكبرى التى تساهم فى تمويل المنتدى الاجتماعى العالمى والمنظمات الإقليمية والوطنية غير الحكومية المشاركة فيه.

الاحتواء

وتنتقد " مقاومة مومباى " موقف الحزب الشيوعى الهندي (الماركسي) الذى لعب دورا بارزا فى تنظيم اجتماع مومباى للمنتدى الاجتماعى العالمى، والذى كان فى الثمانينيات يرفض التمويل الأجنبي وفلسفة المنظمات غير الحكومية الممولة من الخارج، والتي كان يرى فيها اختراقا إمبرياليا للمجتمع الهندي، وسبيلا لإعاقة إمكانيات تطوير حركات شعبية ومنظمات جماهيرية حقيقية.  والآن أصبح منغمسا فى الأموال التى تتدفق على المنظمات غير الحكومية المرتبطة به، ويرى فيها أشكالا تنظيمية جديدة للنضال. وذلك بعد أن أصبح الحزب الشيوعى الهندي ( الماركسي) يحكم فى ولايتى " كيرالا " و " غرب البنغال "، وتدعو حكومته المحلية رءوس الأموال الأجنبية للاستثمار فى الولايتين، ويتفاوض على قروض من البنك الآسيوي للتنمية، ويخصخص وحدات القطاع العام، ويقمع مظاهرات المتضررين من العولمة.

مرة أخرى، تؤكد " مقاومة مومباى " ضرورة التمييز بين الحركة العالمية لمناهضة العولمة والتي ولدت فى " سياتل " فى نوفمبر 1999، والتي لعبت دورا حاسما فى انهيار الاجتماع الوزارى الثالث لمنظمة التجارة العالمية وسلسلة الاجتماعات المتتالية ضد اجتماعات المنتدى الاقتصادى العالمى فى " دافوس " ( والتي يلتقي فيها ممثلو الشركات الاحتكارية وقادة البلدان الكبرى فى العالم)، واجتماعات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى سواء فى واشنطن فى أبريل 2000 أو فى " براغ " فى سبتمبر 2000، وضد قمة " نيس " فى فرنسا فى ديسمبر 2000، وقمة البلدان الأمريكية فى " كويبك " فى أبريل 2001، والقمة والأوروبية فى " جوتنبرج " فى يونيو 2001... وضد قائمة طويلة من الاجتماعات آخرها مؤتمر كانكون لمنظمة التجارة العالمية ومؤتمر ميامى لمنظمة البلدان الأمريكية.  وكلها كانت مواجهات ناجحة ضد مؤسسات العولمة والبلدان الرأسمالية .

تميز " مقاومة مومباى " بين هذه الحشود المناهضة للعولمة، وبين المنتدى الاجتماعى العالمى، الذى يضم عشرات الآلاف من ممثلى المنظمات غير الحكومية، ومن خلفهم مؤسسات التمويل الدولية، تنفق ببذخ على نخبة من قادة المنظمات غير الحكومية يتجمعون فى منتديات وحشود ذات طابع احتفالي، ومهرجانات للخطب الحماسية، لا تنتهي.

وفى إطار التصدي لمظاهرات الحركة العالمية لمناهضة العولمة وجذب الأنظار بعيدا عنها، مولت المؤسسات الرأسمالية المنتدى الاجتماعى العالمى ليكون بديلا كرنفاليا.  ولعبت منظمات كبرى غير حكومية دورا هاما فى إنشاء هذا التجمع البديل. ويخض الكتاب بالذكر " منظمة آتاك " التى نشأت فى فرنسا عام 1998 وامتدت وتوسعت بفروعها لتشمل أكثر من 36 بلد منها بلدان عربية، ولعبت بالاشتراك مع حزب العمال البرازيلي الدور الأساسي فى ابتداع المنتدى الاجتماعى العالمى. ويحتل مفكرو " آتاك " المنصات الرئيسية فى المنتدى الاجتماعى العالمى، ويدعون لبناء عولمة "إنسانية " !! وأقل توحشا !! . ولا تجد " آتاك " غضاضة فى تلقى أموال من الحكومات الأوروبية، لدعم دورها فى مناهضة " العولمة الأمريكية " و " الهيمنة الأمريكية "، وذلك لخدمة السياسة الرسمية الأوروبية التى ترفض السياسة الأمريكية المنفردة، وتدافع عن نصيبها من غنائم العولمة والحروب.

الاستعباد

تشير " مقاومة مومباى " إلى ازدحام فنادق الخمس نجوم بقيادات المنظمات غير الحكومية خلال اجتماعات المنتدى الاجتماعى العالمى، بينما غابت منظمات وحركات شعبية هامة عن المشاركة فى المنتدى، كحركة الزاباتيستا فى المكسيك، والقوات الثورية فى كولومبيا وحركة الفلاحين المعدمين فى البرازيل.

كما تنتقد على المنتدى الاجتماعى العالمى، عدم الشفافية، فالسلطة المركزية للمنتدى، غير معروفة، وغير منتخبة، وهى المجلس الدولى للمنتدى الذى تشكل فى مايو 2001، أى فى وقت غير أوقات انعقاد الاجتماعات العامة التى تعقد عادة فى يناير من كل عام، وتم تشكيله بالاختيار، وتولاه منظمة آتاك وحزب العمال البرازيلي، ولا يعرف أحد أعضاءها حتى الآن، ولا أسس عملية اختيارهم.

من ناحية أخرى، يناقش الكتاب الأسس الفكرية التى تقوم عليها فلسفة المنظمات غير الحكومية، وكذلك الشعار السياسى الأساسي للمنتدى الاجتماعى العالمى، والقائل " عالم مختلف ممكن ".. ليخلص فى النهاية إلى أن العالم المختلف لن يكون ممكنا بمجرد إجراء تعديلات هنا أو هناك على النظام الاقتصادى والسياسي والاجتماعي العالمى الراهن.

على أية حال، لم يكن مفاجئا أن تشهد "مومباى 2004" اجتماع منتديان لمناهضة العولمة، وانقساما فى الحركة العالمية لمناهضة العولمة، بين نارين أحدهما تسوده المنظمات غير الحكومية، والآخر للحركات الشعبية المناهضة للإمبريالية (الأمريكية منها والأوروبية)، فهذا الانقسام كان موجودا من قبل داخل "بورتو أليجرى" وأشار "مايكل هارت"، أحد مؤلفا كتاب "الإمبراطورية"، فى مقاله حول " بورتو أليجرى 2002 ".  حيث قال أن أهم الخلافات السياسية التى اجتاحت المنتدى كانت تتعلق بدور السيطرة القومية، وكيفية الرد على القوى المهيمنة على العولمة: أحدهما يعمل على تعزيز هيمنة الدول القومية كحواجز دفاعية ضد سيطرة رأس المال الكوكبي، والموقف الثاني يكافح من أجل بديل غير قومي لخلق شكل من العولمة ينعم فيه العالم كله بالمساواة.. والموقف الثاني أكثر عداء للرأسمالية نفسها، ويعارض أية حلول قومية، ويبحث عن سبيل من أجل عولمة ديمقراطية.  بينما كان الموقف الأول هو المهيمن على منصات المنتدى وخطبة الرسمية وكان يرعاه "حزب العمال البرازيلي" ومنظمة "آتاك".

على أية حال، إذا كان " المنتدى الاجتماعى العالمى " قد تعرض لأوسع انتقاد عرفه منذ نشأته عندما خرج من "بورتو أليجرى" إلى "مومباى"، فهل ستحميه العودة إلى "بورتو أليجرى" فى يناير 2005 من ملاحقة المنتقدين ؟ ... أم سيكون النقد فى المرة القادمة من داخل المنتدى الاجتماعى العالمى نفسه ؟ ...

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية