رغم فشل المحاولات الأمريكية الدءوبة للإطاحة بالرئيس الفنزويلي، ورغم نجاح
الشعب البوليفي فى الثورة ضد الرئيس السابق المدعوم من أمريكا وإجباره على
الفرار لواشنطن، ورغم التعثر الأمريكى فى إعادة الاستقرار للعراق بعد
احتلاله، نجحت إدارة " بوش " ومخابراته فى تدبير انقلاب للإطاحة بالرئيس
الهاييتي المنتخب، واعتقاله وفرض الحصار عليه فى أفريقيا الوسطى، واحتلال
هاييتي بعد قرنين من الاستقلال...
يوافق هذا العام، مرور 200 عام
على استقلال هاييتي، بعد ثورة 400 ألف من العبيد الأفارقة عام 1791 التى
انتهت بطرد الاستعمار الفرنسى وإعلان استقلال البلاد عام 1804.
منذ انتخاب الرئيس " جين
برتران أريستيد "، تتحرك الولايات المتحدة للإطاحة به، بقطع المساعدات
الاقتصادية، وبالتمويل الضخم لجماعات المعارضة النخبوية، وبدعم مساعى
العسكريين السابقين لقلب حكومة " أريستيد ". لكن التأييد الشعبى الذى يحظى به
أريستيد وحكومته، حال دون هذه المؤامرات وإفشالها لسنوات طويلة إلى أن نجحت
المؤامرة الأخيرة...
الديمقراطيون الجدد
كانت الإطاحة بأريستيد نتيجة
انقلاب دموي قادته إدارة " بوش " وساعدت فيه حكومة "شيراك "، ونفذته عصابات
القتلة المشكلة من الجنود السابقين فى القوات المسلحة التى تم تسريحها عام
1994، فاحتضنتهم المخابرات المركزية الأمريكية، وسلحتهم ودربتهم فى جمهورية
الدومنيكان، وأطلقتهم عبر الحدود ليمارسوا القتل والإرهاب ضد المدنيين، بينما
تولت السفارة الأمريكية فى هاييتي اعتقال أريستيد وفرض الحصار عليه بعد نقله
إلى أفريقيا الوسطى، واحتلت قوات المارينز احتلال البلاد بدعوى إعادة
الاستقرار.
قام بعمليات الإرهاب وإشاعة
الفوضى، قيادات عسكرية سابقة، كانت قد حكمت البلاد من قبل عقب انقلاب عسكري،
ومارسوا إرهاب الدولة فى فترة حكمهم من 1991 إلى 1993.
قائد الانقلاب، وعمليات الغزو
وإشاعة الفوضى، التى سبقت دخول القوات الأمريكية، " جاى فيليب "، ضابط سابق
فى الجيش الهاييتي، تلقى تدريبه على يد القوات الخاصة الأمريكية فى الإكوادور
خلال التسعينيات، أرسلوه بعدها إلى هاييتي حيث أصبح رئيسا للشرطة خلال الحكم
العسكرى، وارتبط اسمه بتجارة الكوكايين.
هذه المرة، قام الانقلابيون
بغزو هاييتي من حدودها مع جمهورية الدومينيكان، حيث دربتهم وسلحتهم المخابرات
المركزية الأمريكية. غزوا البلاد، وقتلوا المئات من المدنيين وأشاعوا
الإرهاب، ولاحقوا مؤيدي الحكومة من بيت لبيت. بينما تردد وسائل الإعلام
الدولية أن جماهير هاييتي انتفضت للإطاحة بديكتاتورية أريستيد، كان القتلة
المسلحون يجوبون شوارع المدينة بعد أن قتلوا المئات وهدموا المتاريس التى
أقامها المدنيون دفاعا عن بلادهم. ووقفت واشنطن تدير الانقلاب، وتدعى الوقوف
على الحياد، لكنها كانت تؤكد أنها ستتدخل فى الوقت المناسب لوقف أية أعمال
وحشية يقوم بها المتمردون.. فقد كانت تعلم مقدما بهذه العمليات، وأعدت قوات
المارينز لتتخذ هذه الأعمال مبررا للتدخل. ولتبدو فى ثياب المنقذ الذى ينتشل
البلاد من الفوضى، لتخفى دورها الحقيقي كقوة احتلال.
المشاركة الفرنسية
ورغم كذب "كولن باول" وإعلانه
عدم نية واشنطن لإرسال قوات مسلحة أو شرطة لوقف العنف نشاهده " .. "، وأنه
لابد من تعاون أريستيد مع المعارضة، والموافقة على إجراء انتخابات رئاسية
جديدة فى أقرب وقت " ... بينما كانت عجلة الانقلاب قد دارت، وأطلقت " فرق
الموت " لإرهاب الشعب وفتح الطريق أمام قوات المارينز المتأهبة للغزو. وهو
الأمر الذى كشفه " جيمس فولى "، سفير أمريكا فى هاييتي، الذى أعلن، فى نفس
الوقت الذى كان فيه " باول " يردد أكاذيبه عن " عدم النية فى التدخل "، أعلن
" فولى " أن " قوات عسكرية أمريكية ودولية ستسارع بالوصول إلى هاييتي لإعادة
الأمن ".
تشارك الحكومة الفرنسية فى
المؤامرة، أشركتها الولايات المتحدة لتفادى معارضتها نتيجة عدم إشراكها فى
العراق، ومنذ البداية مولت باريس المعارضين لأريستيد، وأصر وزير خارجيتها "دي
فيليبيان " على ضرورة رحيل " أريستيد ". ولعل هذا الموقف يعيد الصواب لمن
وضعوا آمالهم على فرنسا كمناطح للسياسة الأمريكية، بعد رفضها لغزو واشنطن
المنفرد للعراق.
يبدو أن حكام أمريكا يعاملون
حكام العالم الثالث، معاملة عمد القرى والنجوع، فمع كل تغيير فى الحكومة
الأمريكية، يتغير التابعون فى العالم الثالث، ومن المفارقات، أن الرئيس
الأمريكى السابق " بيل كلينتون "، كان قد أعاد " أريستيد " لحكم هاييتي عام
1994 بعد انقلاب عسكرى حكم البلاد منذ عام 1991، وتدخلت أمريكا آنذاك وفرضت
الانتخابات التى جلبت "أريستيد" للحكم، وكانت تتوقع منه أن يرد الجميل، وأن
يتولى تنفيذ برامج الخصخصة، وتحويل البلاد إلى سوق للمنتجات الأمريكية، لكنه
آثر الاستجابة لمطالب الشعب الهاييتي الذى يعد من أفقر شعوب العالم، وشرع فى
تحسين أوضاع العاملين ورفض برامج التكيف الهيكلي والخصخصة ومشروعات البك
الدولى والاعتماد على الذات فى إقامة مشروعات البنية الأساسية، والتوسع فى
بناء المدارس والمستشفيات العامة. وكان أهم خطوة نحو الديمقراطية، تسريح
القوات المسلحة، التى كانت مصدرا دائما للانقلابات والديكتاتورية العسكرية فى
البلاد، والاعتماد على التأييد الشعبى فى الدفاع عن النظام. وهو الأمر الذى
أثار اليمين الأمريكى وشبهوا " أريستيد " بفيديل كاسترو.
عودة الاستعمار
وبمجئ اليمين الأمريكى للبيت
الأبيض عام 2000، بدأ " بوش " حروبه ضد الأنظمة المنتخبة والمناوئة للسياسات
الأمريكية، فى العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، ومنها هاييتي. وبدأت سلسلة
من هجمات العسكريين المسرحين، والذين يواصلون تدريبهم تحت قيادة المخابرات
الأمريكية فى الإكوادور والدومينيكان، لشن هجمات عسكرية للإطاحة بأريستيد
وحكومته، وتعددت المحاولات، فى يوليو، ثم ديسمبر 2001، وفى أواخر 2002، وطوال
2003، وعمليات تخريب منها تدمير مشروع توليد الطاقة الكهربائية، وتدمير واحد
من أكبر السدود فى القارة، موجود فى هاييتي لحرمان البلاد من أهم مصادر
الطاقة.
فى الوقت نفسه، فرض " بوِش "
المقاطعة الاقتصادية وأية مساعدات أمريكية أو دولية للبلاد. وأخيرا نجح " بوش
" فى الإطاحة بأريستيد واحتلال هاييتي. فى إطار ظاهرة عودة الاستعمار على
النطاق العالمى. حيث تدعى واشنطن - وباريس وغيرهما من العواصم المبريالية
الحق فى التخلص من ما تسميهم ( بالأنظمة الفاشلة )، سواء كانت منتخبة أم لا،
دفاعا عن مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
لن يسفر الاحتلال الأمريكى
بمساعدات فرنسية لهاييتي إلا عن ديكتاتورية عسكرية خاضعة للمحتل، والمزيد من
القمع لشعب هاييتي. والاستيلاء على اقتصاديات البلاد الفقيرة، وفرض برامج
التكيف الهيكلي والخصخصة عليها، وإرهاب بقية شعوب القارة اللاتينية، ولبعض
حكوماتها التى تناصبها العداء.
الحرب ضد هاييتي، جزء من حروب
الإمبريالية الأمريكية، التى خاضت حربين لاحتلال أفغانستان والعراق فى أقل من
عامين، واستخدمت قواتها المسلحة فى أكثر من 100 بلد. لكنها لن تسفر إلا عن
المزيد من الاضطرابات الاجتماعية. واتساع رقعة وجبهة المناهضين للاستعمار.
ولعل هاييتي البلد الفقير، الذى لا يتجاوز عدد سكانه ثمانية ملايين نسمة،
تلقن أمريكا درسا، كما لقنت فرنسا درسا منذ قرنين، فى أحد أهم ثورات العبيد
فى التاريخ.
وأما عن مصير " أريستيد " الذى
سبق الإطاحة به عام 1991 وأعاده كلينتون للحكم عام 1994، فليس أمامه إلا أن
ينتظر صعود الديمقراطيين للبيت الأبيض، لعلهم يعيدونه مرة أخرى عبر
الانتخابات لحكم هاييتي، فحكام العالم الثالث لا يفتقدون الثقة فى واشنطن
مهما لاقوا من آلام تحت أقدامها.
من ناحية أخرى، تكشف هاييتي،
والطريقة التى تم بها الإطاحة بأريستيد وإعادة احتلال البلاد، تكشف عن أسلوبا
مبتكرا جديدا، يتلخص فى إطلاق يد القوى الموالية لأمريكا والمعادية للنظام
القائم، فى القيام بأعمال التخريب والدمار، لتفتح الطريق أمام قوات الاحتلال
لغزو البلاد، والقيام بدور المنقذ من الفوضى.
|