العراق ورقة خاسرة في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية
هذا العام. عدد القتلى الأميركيين تجاوز قبل أيام حاجز الخمسمائة، معظمهم
فتيان وفتيات في العشرينات من العمر. وبدلاً من تدفق النفط العراقي الموعود
يتحمل دافعو الضرائب الأميركيون نفقات تجهيز الوقود للعراقيين و"تزييت"
نظام احتلالهم. وفي العراق وقعت واشنطن، التي تقيم سياساتها على أساس أنها
بعيدة عن الحساب والمساءلة رهينة المحبسين، حسب تعبير الشاعر أبي العلاء
المعري: المقاومة العراقية المسلحة والحوزة العلمية في النجف. هل يمثل
إعلان الرئيس الأميركي أخيراً عن مشاريع استكشاف الفضاء نوعاً من الهروب،
ليس إلى الأمام بل إلى الأعلى؟
هذا هو التفسير المعقول
لإعلان غير معقول. فالرئيس بوش يتحدث عشية الذكرى الأولى لكارثة انفجار
المكوك كولومبيا، التي تحل نهاية الشهر عن بناء قاعدة على سطح القمر،
واستخراج الوقود من التربة القمرية للقيام برحلات استكشافية في الفضاء. ما
الهدف من الرحلات؟ يجيب جورج بوش: لا أحد يعرف، ثم يستطرد قائلاً: لكننا نعرف
أن الكائنات البشرية انطلقت نحو الكون. أحد معلقي صحيفة "الغارديان"
البريطانية اعتبر ذلك دعوة لملايين الناس لمغادرة كوكب الأرض قبل انتصار بوش
في الانتخابات في نوفمبر القادم. والرسام ستيف بيل، الذي أبدع أقذع رسوم
الكارتون عن غزو العراق كرّس مسلسله الكارتوني اليومي في الصحيفة لمغامرات
القرد جورج بوش وكلبه الصغير توني بلير على سطح المريخ.
تعليقات المجتمع العلمي
الدولي تتسم بالسخرية أيضاً. مجلة "نيوساينتست" نصحت من يريد معرفة فرص نجاح
خطط الرئيس الأميركي لبناء مركبات فضائية جديدة تحمل البشر إلى القمر والمريخ
المراهنة على قطعة نقدية مرمية في الهواء والنظر على أي وجه تستقر. وذهب
علماء وخبراء فضاء أميركيون أبعد من ذلك بالسخرية من الجهل بموضوع الرهان
نفسه. هاوارد ماكاردي, أستاذ تاريخ الفضاء في الجامعة الأميركية في واشنطن
ذكر أن معدل فشل معظم المبادرات الفضائية الكبرى يبلغ اثنين من ثلاثة. سبب
الفشل قلة الانضباط وعدم الجدية. عالم الطب لورنس كوزنتس في كلية بايلور
للطب، الذي يساهم في بحوث "ناسا" ذكر أن أهداف المشروع مرتبكة وستمتص موازنة
وكالة الفضاء بأسرع ممّا تفعل الحفر الكونية السوداء، التي تبتلع كل شئ يقترب
منها. جون إي بايك، مدير مؤسسة أبحاث الدفاع الفضائية في واشنطن
GlobalSecurity.org توقع فشل خطط
بوش الفضائية لأنها على خلاف خطط الرئيس كنيدي، الذي وضع في ظروف الحرب
الباردة برنامج الهبوط على سطح القمر تفتقر إلى ركيزة سياسية قومية. واعتبر
بايك المشروع مجرد استعراض انتخابي وعواقبه خطيرة، ولن تنتج عن الموازنة
الطفيفة المقترحة سوى رسوم على الورق. هذا كل ما فعلوه. لقد نظروا في الطيران
الفضائي وقرروا وقفه، ثم فكروا بالمرواغة في حال وصول الصينيين إلى القمر.
ونبّه العلماء إلى مصير
فاشل تخبؤه مشاريع الفضاء الكبرى، التي يراهن عليها خصوصاً الرؤساء
الجمهوريون في سنة الانتخابات. "مركبة الطاقم الاستكشافي"
CEV، التي يقترح الرئيس الحالي
بنائها ستعيد مأساة المكوكات التي تبنّاها الرئيس الجمهوري نكسون عام 1972.
وقتها برّر نكسون بناء المكوكات بالقدرة على استخدامها مرات عدة وكلفتها
الزهيدة، التي بدت أقل من عُشر كلفة مركبات فضائية تُستخدم مرة واحدة. وحدث
العكس تماماً، حيث بلغت كلفة المكوكات عشرة أضعاف المركبات السابقة، ونجمت
عنها كوارث مفجعة أقعدتها أخيراً عن العمل. وانتهز المرشح الديموقراطي
للرئاسة هوارد دين الفرصة للحديث عن عقدة نفسية يعانيها بوش الإبن مع بوش
الأب في المريخ والعراق!
بوش الابن يتابع خطا
أبيه، الذي أعلن بمناسبة الذكرى العشرين للهبوط على سطح القمر في عام 1989 عن
مشروع مماثل لبناء قاعدة على سطح القمر وإرسال بعثة استكشافية إلى المريخ
وبناء مستوطنة دائمة فيه. وحدد بوش الأب العام 2019 للهبوط على سطح المريخ،
وسرعان ما همد المشروع عندما ظهر أن كلفته تبلغ 400 مليار دولار. بوش الابن
يحاول تعمية الموضوع بالإعلان عن زيادة طفيفة تبلغ مليار دولار في موازنة
"ناسا" التي عليها أن تتدّبر في رأيه استقطاع 11 مليار إضافية من مشاريعها
القائمة، بما في ذلك نفقات المكوكات التي ستوقف عن العمل عام 2010.
حتى مشاعر الابتهاج
بالمشروع بدت مختلطة. جون باهكال عالم الفيزياء في معهد الدراسات المتقدمة في
برنستن، ومستشار وكالة "ناسا" عبّر عن ابتهاجه بوجود هدف للولايات المتحدة
تسعى نحوه بدلاً من أن تطلق النار عليه. وفي مقالة مفارقة تحت عنوان "الحياة
والموت على سطح المريخ" توقع عالم الفيزياء والكاتب العلمي المعروف بول ديفز
رحلة باتجاه واحد. فالمريخ يقع على بعد نحو 57 مليون كيلومتر عن الأرض
والرحلة إليه تستغرق شهور عدّة، والمرجح، في تقديره إرسال علماء متقدمين في
السن لم يبق من عمرهم شئ يذكر!
وفي عنوان ملتبس حول
"رؤية بوش الفضائية" تحدثت افتتاحية صحيفة "نيويورك تايمس" عن الحماقة
المالية وراء اقتراح خطة عظيمة للاستكشافات الفضائية في وقت تواجه أميركا
عجزاً مالياً مدمراً وشحة في الأموال لسد الالتزامات المكلفة على سطح الكوكب
الأرضي. وحذرت الصحيفة الأميركية من أن استقطاع مبالغ من موازنة "ناسا"
لتغطية نفقات البرنامج الجديد قد يلحق ضرراً خطيراً ببرامج علمية مهمة
للاستكشافات الفضائية الآلية والدراسات الخاصة بالمناخ.
غريك كليركس، مؤلف كتاب
"ضاعوا في الفضاء: سقوط ناسا والحلم بعصر فضائي جديد" تحدث عن فقدان مواطني
الولايات المتحدة الحافز المعنوي والحماس لمشاريع الفضاء. وقد لاحظ ذلك قبل
سنوات الكاتب الأميركي نورمان ميلر، الذي ذكر في كتابه "من النار على القمر"
أن الصحافيين الذين كانوا يغطّون هبوط مركبة "أبولو-11" شعروا بالضجر بعد
ساعة ونصف من مشي روّاد الفضاء على سطح القمر، وأخذوا بالتسلل من مركز
المراقبة الأرضية.
وكما يبين تاريخ
الاستكشافات الفضائية في القرن الماضي، سيقع العبء في نهاية المطاف على عاتق
"العتّالين" الذين يواصلون الليل بالنهار. و"العتّالون" هو الاسم الذي يطلق
على علماء من أصل أجنبي يشكلون أكثر من ثلث مطوري التكنولوجيات المتقدمة في
الولايات المتحدة. وستروي كتب تاريخ الفضاء في المستقبل كيف تحققت منجزات
فضائية تاريخية خلال فترة تولي عالم الفضاء العربي مصطفى شاهين منصب رئيس
العلماء في مختبر "الدفع النفاث" JPL
للفترة ما بين 1984 و2000. ففي تلك السنوات، التي شهدت تقطيع أوصال الموازنات
الفضائية تمّت في مختبر الدفع النفاث المسئول عن جميع المركبات الفضائية
الآلية الأميركية بناء وإطلاق المسبار الفضائي "ماجلان". قام "ماجلان" برحلة
خارقة قطع خلالها مسافة 1300 مليون كيلومتر ودار حول الشمس حتى بلغ كوكب
الزُهرة، وبعد أن التف حوله اخترق جوّها المغطى بغيوم كثيفة، والتقط لأول مرة
في تاريخ علم الفلك صوراً لكوكب الزُهرة الساحر، الذي يسطع في سماء الأرض مع
الفجر. وأنجزت خلال الفترة نفسها عملية بناء وإطلاق المركبة الفريدة "غاليليو"،
التي استكشفت أكبر كواكب المنظومة الشمسية. أطلقت مركبة غاليليو عام 1989 في
رحلة استغرقت 6 سنوات قامت أثناءها بعمليات التفاف فذة حول الكواكب مستفيدة
من قوة الجذب والدفع، حتى بلغت كوكب المشتري عام 1996. الصور التي التقطتها
غاليليو للمشتري أعادت النظر كلية بهذا الكوكب، الذي يعادل 40 مرة حجم الأرض،
وكان من الممكن أن يصبح نجماً بذاته. وأمكن خلال تلك الفترة الصعبة نفسها
إطلاق المرصد الفضائي "هابل" و"مرصد أشعة غاما" اللذين جعلا سكان الأرض
يسمعون لأول مرة أصوات كونية قادمة من ملايين المجّرات في العوالم القصية،
ويشاهدون أحداث النشأة الأولى للكون قبل مليارات السنين.
في لقاء به عام 1994 أصرّ
شاهين على أن يوصل كاتب هذه السطور بسيارته من مقر مختبر الدفع النفاث في
مدينة باسادينا إلى مقر إقامتي في لوس أنجليس. في مدخل الشارع، حيث أقيم أوقف
شاهين السيارة وتصورتُ أنه يدعوني إلى مغادرة السيارة ليلحق بموعد مهم. كنت
على وشك أن أفتح الباب عندما لاحظته يسحب نفساً عميقاً من بخاخة مرض الربو،
واستأنف قيادة السيارة حتى مدخل المنزل الذي أقيم فيه. قلت له بالإنجليزية
وأنا أغادر السيارة: نهارك سعيد بروفيسور مصطفى شاهين. أجابني بالعربية:
نهارك سعيد مُحمد.
|