- الديموقراطية -

عام الزور

نعومي كلاين

16 يناير 2004.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

لا تفكر وانطلق بسيارتك.
كانت هذه هى الرسالة التى بعثت بها الـ  FBI إلى ما يقرب من 18 ألف وكالة لتنفيذ الأحكام عشية الكريسماس.  التنبيه شدد على أن يضغط البوليس على السائقين من اجل انتهاكات المرور، وإجراء التحريات الروتينية، وان يحتفظوا بعيونهم مفتوحة على الناس التي تحمل معها دفتر اليومية.  لماذا دفاتر اليومية؟  لأنها تمتلئ بالحقائق – أعداد السكان، تنبؤات الطقس، رسوم تخطيطية للمباني، وخرائط.  وطبقا لنشرة الـ FBI الاستخباراتية، الحقائق سلاح خطير في أياد الإرهابيين، يستطيعون استخدامها من اجل "مساعدتهم في اختيار الهدف والتخطيط لما قبل العملية."

ولكن في عالم تملؤه الحقائق والأرقام القاتلة ضمنا، فلا يبدو منصفا انتقاء قراء دفاتر اليومية بمفردهم هدفا لتحرشات البوليس.  فكما يشير بصدق محرر دفتر اليوميات العالمي وكتاب الحقائق، "الحكومة هي المصدر الأكبر الوحيد للمعلومات."   ولا نذكر المكتبات المحلية: مخبأ لترسانة أسلحة المعلومات الفتاكة ضمنا تكاد تستقر في وسط كل مدينة أمريكية.  تضع الـ FBI بالكامل تهديد المكتبات، طبعا، تحت السيطرة، بالقبض على سجلات الاستعارة وقتما تريد في ظل قانون الدفاع عن الوطن.  

كان وضع دفاتر اليومية في القائمة السوداء ختاما مناسبا لعام 2003، فهو العام الذي شن الحرب على الصدق والحقائق وأقام الاحتفالات للزور والتزييف من كل الألوان.  كان ذلك عام حكم خلاله الزور: أسباب مزورة للحرب، رئيس مزور ارتدى زي مزور لجندي وأعلن نهاية مزورة للصراع ثم امسك بطبق عليه ديك رومي مزور.  نجم أفلام أكشن يصبح حاكما على ولاية والحكومة بدأت إنتاج أفلام الأكشن لنفسها، تختار لاعبي ادوار من الجنود الحقيقيين مثل جيسيكا لينش لتمثل دور أبطال معارك وهمية، ويلبس الصحفيون المزروعين كجنود مزورين.  حتى صدام حسين يلعب دورا في استعراض عظيم: لعب دور الأسير الذي وقع في قبضة القوات الأمريكية.  هذا هو التزوير الأكبر في السنة، لو صدقنا الصنداي هيرالد الاسكتلندية، بالإضافة إلى وكالات الإنباء الأخرى، التي صرحت في تقاريرها انه وقع في قبضة وحدة من القوات الكردية الخاصة.

إلا أنها بريطانيا التي ارتفعت بمذاق التزوير إلى مستويات جديدة.  "هدف جلالتها هو لقاء اكبر عدد ممكن من النيجريين على قدر استطاعتها"، هذا ما صرحت به السكرتيرة الصحفية للملكة عن زيارة جلالتها لنيجيريا خلال شهر ديسمبر.  ولكن كما لم يفعله بوش أبدا وهو يخرج من مخبأ الطائرات في بغداد، قرر الناس حول الملكة الخطورة الشديدة لاختلاطها بنيجيريين فعليين.  وهكذا بدلا من زيارة مخطط لها إلى قرية افريقية، قامت الملكة بجولة في ديكورات أوبرا الصابون التي ترعاها الـ BBC في مدينة نيوكارو بنيجيريا، التي تم بناؤها على شاكلة سوق إفريقي اصلي.  إثناء "الجولة التفقدية" المزورة، كما أطلقت عليها الصنداى تيليجراف، تبادلت الملكة عبارات مع ممثلين مستأجرين ليؤدوا دور أهالي القرية المعتادين، بينما الريفيين الفعليين يشاهدون الحدث من خلال شاشة تليفزيونية عملاقة خارج نطاق الطوق الأمني.

ولكن 2003 كان أكثر من كونه عام حفل بالتلفيق والتزوير – فهو حفل أيضا بالعقوبات التي نزلت بمن يقول الصدق.  ديفيد كيللي كان هو من دفع الثمن الأغلى، بوصفه خبير الأسلحة الحكومي البريطاني الذي قتل نفسه بعد تحديد انه كان المصدر الذي اعتمد عليه فيلم الـ BBC عن التقارير الأمنية "الملفقة".  كاترين جن، موظفة الاستخبارات البريطانية، تواجه عقوبة قد تصل إلى عامين في السجن لكشفها خطط الولايات المتحدة للتجسس على الدبلوماسيين في الأمم المتحدة من اجل الضغط على مجلس الأمن في التصويت على العراق.  وفي الولايات المتحدة، جوزيف ويلسون، الذي قال الصدق بشأن عدم وجود دليل على رحلة صدام المزعومة في أفريقيا لشراء اليورانيوم، نزلت عليه العقوبة بالإنابة: صنَفت زوجته، فاليري بلام، بصورة غير قانونية على أنها عميلة للـ CIA.

بينما لم يكن الصدق مجديا في 2003، أفاد الكذب فيها بالتأكيد.  فقط اسألوا روبرت ميردوخ.  فطبقا لدراسة في شهر أكتوبر أجراها برنامج اتجاهات السياسة الدولية، فيما يخص العراق، كان المشاهدون المنتظمون لمحطة تلفزيون فوكس الإخبارية التي يمتلكها ميردوخ، هم أكثر الناس تضليلا في الولايات المتحدة الأمريكية.  ثمانون بالمائة من مشاهدي محطة فوكس الإخبارية يؤمنون بان أسلحة الدمار الشامل قد اكتشفت في العراق، أو انه يوجد دليل على علاقات بين العراق والقاعدة أو أن الرأي العام العالمي يقف مع الحرب – أو يصدقون تلك الحقائق الثلاثة الكاذبة كلها.

في 19 ديسمبر أعطت  لجنة الاتصالات الفيدرالية لميردوخ حق شراء اكبر محطة إرسال فضائية في الولايات المتحدة، ديرك تي في- DirecTV.  جاء اقتراع لجنة الاتصالات الفيدرالية هذا قبل خمسة أيام فقط من نشرة الـ FBI عن دفاتر اليومية، وكلا الحدثين يمكن فهمهما فى نسق مرادف: لو الدفاتر التي تملأ مخك بالحقائق تجعل منك إرهابيا محتملا، إذا فأباطرة الإعلام الذين يملأون مخك بالهراء يجب أن يكونوا أبطالا، يستحقون الجوائز السخية.

عند وصول بوش إلى الحكم، اعتقد الكثيرون أن جهله قد يكون سبب سقوطه. 

في نهاية الأمر سوف يدرك الأمريكان أن الرئيس الذي أشار إلى أفريقيا كـ "امة" لا يصلح للقيادة.  الآن نحدث أنفسنا انه لو كان الأمريكان يعرفون انهم قد خدعوا وفقط، من المؤكد انهم كانوا سوف يثورون.  لكن مع عظيم احترامي لكتب الكاذبين (أكاذيب والكذابون الذين كذبوا بهم، أكاذيب كبيرة، أكاذيب جورج دبليو بوش، الأكاذيب الخمسة الأكبر التي قالها بوش لنا عن العراق وآخرون)، لم اعد مقتنعة بعد بان الحقائق وحدها يمكنها تحرير الأمريكان.

في حالات كثيرة، الطبعة المزورة للأحداث هي التي سادت، حتى في الوقت الذى توافرت فيه الحقائق.  جيسيكا لاينش - - التي أخبرت ديان سواير أن "لا احد ضربني، لا احد لطمني، لا احد، لا شيء" – أثبتت أنها لم تكن هي شبيهة جيسيكا التي بثها جهاز الـ doppelgänger للإعلام- العسكري، التي صورها على أنها مضروبة على وجهها بواسطة جلادها القاسي فى فيلم محطة NBC بعنوان إنقاذ حياة جيسيكا لاينش.

فضلا عن إسقاطه بسبب علاقته المناوئة لكلا من اكثر الروايات صدقا وأكثر الحقائق أساسية، يعيد بوش بهمة صياغة أمريكا في صورة جهله وازدواجيته.  ليس فقط أن توافق على أن يجعلوك جاهلا، ولكن كما تحذر نشرة دفاتر اليومية: معرفتك بأرقام اليومية سيصبح جريمة.

ان ذلك يجلب للخاطر رواية لماذا ينطق أسبان قشتالة كلمة جراتسيا [شكرا] هكذا: "جراسياس".  فى القرن السابع عشر، حكم البلاد ملك يعاني من إعاقة شديدة في النطق وشخصية هشة مغرورة.  نفاقا للحاكم، صدر مرسوم يفرض على كل فرد أن يقلد لثغة الملك وينطق الـ ’تسـ‘ كـ ’سـ‘.

طبقا لكل علماء اللغويات المرموقين، تلك الرواية ملفقة تماما.  ولكن في أمريكا في عصر بوش، هذا أمر بالكاد لا يجب أن يعنيهم.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية