- فلسطين -

دولة واحدة

دانييل لازار

صدرت المقالة في: 3 نوفمبر 2003.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

 

هل الصهيونية أيديولوجية فاشلة؟  سوف يصدم هذا السؤال كثير من الناس كحماقة تصفع الوجوه. فإسرائيل، على كل، امة ذات مستوى معيشة متقدم، واقتصاد هاي-تك (تكنولوجيا متقدمة)، وواحدة من أكثر القوى العسكرية رهبة على الأرض.  فى اقل من نصف قرن، لملمت إسرائيل ملايين الناس من شتى أطراف الكوكب، وعلمتهم لغة جديدة ودمجتهم فى ثقافة سياسية ليست شيئا إذا لم تكن مليئة بالحيوية.  لو هذا هو الفشل، فكثير من البلاد تتمنى نصيبا منه.

ولكن لنأخذ فى اعتبارنا الأشياء التى لم تتممها إسرائيل.  فى مانيفستو الدولة اليهودية، وثيقة تأسيس الصهيونية، الذى وضع فى 1896، تنبأ الصحفي النمساوي "تيودور هيرتزل" أن مثل هذا البلد سوف يكون على سلام مع جيرانه ولن يكون فى حاجة إلا إلى جيش صغير من المحترفين.  فى الواقع، اصطدم المستوطنون الصهاينة مرارا بالعرب، تقريبا من اللحظة التى بدأوا فيها الوصول بأعداد ذات مغزى فى بواكير القرن العشرين، ونشبت حرب لمائة عام يشتد سعيرها بمعدل شهري.  كانت رؤيا هرتزل هي رؤية لدولة عادية لا تختلف عن فرنسا أو ألمانيا.  حتى الآن وبمزيج غريب من الاثنولوجية والدين تتشكل سياسات ترفع مجموعة فوق كل الآخرين، لتصبح إسرائيل أكثر فأكثر دولة غير طبيعية، فى الوقت الذى ترمي كل الديموقراطيات السياسية تقريبا مثل هذا التمييز وراء ظهرها.  صنع هرتزل رؤيا لدولة تجعل من اليهود قطبا جاذبا، إلا انه بعد نصف قرن من ميلاد إسرائيل، يدلي اليهود بأصواتهم في صناديق الاقتراع وأقدامهم تتشبث بالدياسبورا، وتفضل أعداد متزايدة من الإسرائيليين العيش فى الخارج.  كان من المفترض أن تكون إسرائيل ملجأ آمنا، وحتى الآن هى فى الواقع واحدة من اخطر الأماكن على الأرض التى تكون فيها يهوديا.

كان من المفترض أن تكون إسرائيل الحل النهائي "للمسألة اليهودية"، تلك القضية القديمة - تحددت هكذا افتراضا - قدم الحداثة نفسها.  أكد هرتزل مرارا وتكرارا أن الكراهية والتنافس سوف يذوبان فور إزالة اليهود لأنفسهم من البلاد المضيفة التى يزداد ترددها نحوهم، عائدين إلى بلاد آبائهم القديمة يأخذون مكانهم كأعضاء منفصلين ولكن متساويين فى المجتمع الدولي.  حتى الآن تزدهر معاداة السامية بشكل بري فى العالم الإسلامي، وربما تمر بمرحلة إعادة انبثاق، مؤسسة على شواهد قصصية، فى أوروبا والولايات المتحدة.  هل يحدث هذا لأن العالم مجبول على معاداة السامية وهو لذلك يبحث دائما عن مبرر لسحق اليهود؟  أو هل تتحمل الصهيونية المسئولية بأي شكل من الأشكال عن هذا الغلو؟

لا شك أن تناول المسألة بهذا الشكل، خصوصا فى الولايات المتحدة، قد وصل إلى نقطة تحول.  انهيار "خطة طريق" بوش الهزلية، وحائط برلين الذى تبنيه إسرائيل داخل المناطق الفلسطينية، والتهديد بنفي وحتى اغتيال ياسر عرفات وامتداد العدوان حاليا إلى سوريا - يتحطم الإجماع القديم تحت تأثير مثل هذه التطورات، ومن الممكن اليوم أن تبوح علنا بأشياء كانت تخضع للحظر منذ شهور قليلة.  فى إسرائيل، "افراهام بورج"، المتحدث السابق باسم الكنيست، حذر مؤخرا، لو ترغب إسرائيل في المحافظة على ما يزال لديها من ديموقراطية قليلة، يجب عليها إما أن تنسحب إلى حدود ما قبل 1967 أو منح المواطنة الكاملة لما يقرب من 3.5 مليون فلسطيني فى المناطق المحتلة، وهى خطوة سوف تحكم بالنهاية الافتراضية لدولة إسرائيل.  "ميرون بنفينستى"، نائب عمدة اورشاليم السابق، أعلن أن توجه الحل بدولتين "غير قابل للتطبيق" لمشاكل في كلا من إسرائيل وفلسطين، ويدعو إلى دولة واحدة ثنائية القومية تقوم على المساواة بين اليهود والفلسطينيين.  المؤرخ الامريكى تونى جوت، فى رسالته إعلان وفاة عملية السلام فى الشرق الأوسط المنشورة فى "نيويورك تايمز بوك ريفيو"، يقول أن ذات فكرة الدولة اليهودية قد أصبحت "مفارقة تاريخية" فى عالم متعدد الثقافات يزداد فيه انفصال المواطنة عن الجنس، والدين، والعرقية.  ويضيف، "فى ’صراع الحضارات‘ اليوم بين الديموقراطيات التعددية المفتوحة والدول الإثنية "التى تقودها العقيدة وفكرة الجهاد غير المتسامحة"، تغامر إسرائيل بالوقوع فى المعسكر الخاطيء."

التابو الذى ظل قائما لفترة طويلة بدأ السقوط.  كلما ازداد تورط الولايات المتحدة فى مستنقع العراق، كلما قفزت إدارة بوش قفزة إلى ناحية مزاد شارون، كلما ازداد احتمال نمو الوحشية واتسع مدى الجدال.  كيف سينتهي الأمر، لا احد يعرف.  ولكن حيث كان شبه مستحيل أن تجرى حوارا شريفا حول الصهيونية قبل حدوث كل ذلك، الآن أصبح من المستحيل أن تستطيع فعل ذلك.  طبعا، هذا التابو صناعة أمريكية بشكل واسع.  فى بلاد اخرى، لا يزال الميدان مفتوحا - بما فيه، مسخرة المساخر، إسرائيل.  كما وصفها توم سيجيف فى بحثه الايديولوجي النابض بالحياة، ’الفيس فى اورشاليم‘، منذ البدء تقع الصهيونية افتراضيا تحت هجوم إيديولوجي وسياسي فى الدولة اليهودية.  تقريبا كل شخص لديه سببا يكتشف به خلل ما فيها.  فى بواكير أيامها اشتكى الحاخامات الأصولويون (فى كلمات عديدة) من أنها محاولة لوضع نهاية من وراء ظهر الرب بالعودة من المنفى دون إذن الهي.  فى الخمسينات، فند صحفي شاب اسمه يوري افنيري هذا التابو بقوله أن الدياسابورا المفترض معارضتها والدعوة إلى قومية عبرانية أكثر أصالة قد تم صباغتها بدلا من ذلك بالصهيونية الغير قابلة للإزالة.  يرى اليهود السفارديم من شمال أفريقيا والشرق الأوسط فى الصهيونية أداة فى يد النخبة الاشكينازية، بينما مفكرو ما بعد الصهيونية مثل المؤرخ ايلان بابيه يجادل بأن الصهيونية غير ديموقراطية بشكل أصيل ولسوف تنزوي جانبا إذا ما تطورت إسرائيل كدولة جماعية طبيعية.

حتى علماء التنقيب عن الآثار أفاقوا من سكرتهم الرديئة.  فى البدء، افترض علماء الآثار الإسرائيليون أن روايات التوراة عن الآباء، والخروج، وغزو يهوه للأراضي المقدسة، روايات دقيقة بشكل عام، وأنهم كلما حفروا كلما تأكدت المعالم الأساسية.  لكن، فى الواقع، ما حدث كان العكس.  لم يكن فقط نقص الدليل، ولكن علماء التنقيب اكتشفوا كم هائل من البيانات المغلوطة أيضا.  وكما كتب احد علماء آثار جامعة تل أبيب اسمه زئيف هيرتسوج فى صحيفة هآرتز عام 1999، "لم يعيش بنو إسرائيل أبدا فى مصر، ولم يضلوا فى الصحراء، ولم يغزوا ارض الميعاد فى حملة عسكرية، ولم يعبروها إلى الإثني عشر قبيلة التي هي بنى إسرائيل.  أكثر من ذلك، مملكة داود وسليمان المتحدة، التى وصفتها التوراة كقوة إقليمية، كانت على الأكثر مملكة قبائلية صغيرة".  بنو إسرائيل كانوا مجرد حضارة سكان أصليين من بين عديدين.  واقعيا، فكرة أنهم يمتلكون نوعا من أنواع الحقوق السامية فى الأراض المقدسة لا أساس تاريخي لها.  وهكذا ينقلب علم التنقيب الصهيوني عن الآثار إلى معول لهدم الصهيونية.

كتاب, "الفيس فى اورشاليم"، كتاب قيم لعدد من الأسباب، من بينها تلك البصيرة التى يمدنا بها الكتاب عن طبيعة السياسة الإسرائيلية.  إسرائيل دولة عرقية مدججة بالسلاح الكثيف، باستخدام مصطلح "جوت"، ولكنها أيضا ديموقراطية، دولة يمكن مقارنتها بشكل مريح فى عدة أوجه بجمهورية انقضت من القرن الثامن عشر مثل الولايات المتحدة.  السياسة الإسرائيلية سياسة جادة، ذات بعد إيديولوجي، وتثير المشاكل بمرارة.  بينما يبذل الزعماء اليهود فى الولايات المتحدة قصارى جهدهم لقمع الحوار، يفسح الإسرائيليون المجال أمام النقاش ليفور.  التطهير العرقي للفلسطينيين، اليهود وعدم تسامحهم دينيا، الصهيونية وجهودها المتعددة حتى تخلق قضية عامة من معاداة السامية - - كما أوضحها سيجيف، المواضيع المحظورة لسنوات فى الولايات المتحدة هى نوع من المباريات المعتادة فى الدولة اليهودية.  يجب أن يتعلم الأمريكيون الدرس، خصوصا اليهود الأمريكيون.

لن يقدم كل منهم على ذلك.  كتاب ألان ليفاين الجديد، ’متفرقون بين الشعوب: الدياسابورا اليهودية فى اثني عشر لوحة‘، هو اثر باق لزمان تقل فيه الروح النقدية.  القصة التى يرويها الكتاب هى غالبا قصة مأساوية، إلا أن النبرة هادئة ومشبعة بالتفاؤل.  برغم كل هذا التاريخ الملقى على عاتقهم، شيء ما "غامض، وغير محدد المعالم، وربما محير" سمح لهم بالتقدم تحت وطأة كل ذلك.  لقد استمروا، كما يرى ليفاين، "فى مواجهة كل الفظائع، [واظهروا] قدرة خارقة لعمل كل ما هو ضروري حتى يضمنوا أن الأجيال المتعاقبة سوف تتحمل هى الأخرى ما قد تحملوه هم".  حتى بالرغم من أن إنشاء دولة إسرائيل فى عام 1948 قد أدى إلى قيام مأوى له صعوباته الجديدة، وجد ليفاين بعض الايجابيات هنا أيضا.  فهو يتساءل، "من الذى سوف يتوقع أمرا آخر من هذا الشعب المثقف، المبدع، المصنع، العنيد؟"

يكاد مثل هذا الاحترام للذات يطبع أثره فى النفس.  إلا أن ليفاين وقع فى خطأ جوهرى عند تقديره لغريزة القدرة على البقاء اليهودية: فبعيدا عن الخوارق، كانت قدرتهم معيبة شأنها شأن قدرة كل فرد آخر.  اضطهاد العصور الوسطى لم يكن، بشكل واضح، خطأهم، ولكن تبقى حقيقة أنهم قامروا بمصائرهم فى وسط وشرق أوروبا إبان القرن الثامن عشر حتى أصبح الخروج من كبوتها أمرا شبه مستحيل.  وبدا حالهم أمام الناس، بكتبهم العتيقة وجدلهم الفقهي العقيم، كشعب ضائع، وهو ما كان دافعا لاستماتة العديد من اليهود الألمان للتحول عن الديانة اليهودية.  سمح اليهود الأصوليون لأنفسهم، إبان الحرب العالمية الثانية، بالغرق فى نشوة الفكرة القائلة بأن "فى كل جيل يظهر أولئك الذين يدمروننا"، كدول الهاجاداه الفصحيين.  وهذا أملى عليهم أن هتلر مجرد واحد آخر فى صف طويل من المعادين للسامية، سوف يبقى اليهود من بعده كما بقوا من بعد كل الآخرين.  كانوا على خطأ فى حسابهم فى المرتين.

إيمان ليفاين بفضائل القذيفة الصامتة جعلته يحتفل بيهود البلاط الأغنياء الذين يشهرون الصيام طبقا للتقاليد بينما يتصنعون فى غيبوبتهم عدم الاهتمام "باليهود الغير يهود" المتمردين ثقافيا، الذين يصفهم اسحق دويتشر بعبارته الشهيرة، والذين كانوا المجد الحقيقي لليهودية الأوروبية.  انه يتعاطف مع اليهود البرتغاليين الأغنياء فى أمستردام الذين دفعوا المفكر الحر آريئل دا كوستا للانتحار فى 1656"وليس لديه أي خيار" سوى قطع اتصاله باسبينوزا فى1640.  انه يبدي إعجابه بآل روتشيلد حتى برغم استخدامهم ثروتهم لتمويل التحالف المضاد لنابليون فى وقت كانت القوات الفرنسية تحرر اليهود عبر القارة.  ولأنه يرى فى ذلك تمثيلا لاستمرارية اليهود، يتخذ موقف ليفاين من إسرائيل نفس اللون الوردي.  فهو يقول، إسرائيل جعلت أعضاء من الدياسابورا "يفخرون بأنهم يهود مرة اخرى"، دون أن يقدم الدليل على أن يهود الدياسابورا قد شعروا أبدا بالعكس.  برغم أن الأحداث الأخيرة جعلت بعض اليهود يتساءلون عن رد فعلهم ذي الانعكاس الشرطي الداعم لإسرائيل، إلا انه يثق فى أن "التراث النازي" سوف يحتفظ بهم داخل معسكر الداعمين.  هذا تاريخ كما قد يراه مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى: ترضى عنه النفس، وحافل بالانتصار، ومكرس للاتحاد كفضيلة أسمى.  كتاب آرثر هيرتزبرج أكثر غضبا، وأكثر عدم رضا، وأكثر محاجة - - وهو لذلك، بمعنى ما، أكثر يهودية أيضا.  انه يستهدف تلقائيا، اليمين الصهيونى واليسار المعادي للصهيونية، برغم انه بطريقة ما، لسوء الحظ، نجح أساسا فى شرح تهافت موقف هؤلاء الذين يقفون ما بين بين، أمثال هيرتزبرج نفسه.

في أكثر عناصره الأولية، كتاب مصير الصهيونية يدور حول التاريخ كما ينبغي أن يكون.  هيرتزبرج، حاخام، ورئيس سابق لمؤتمر اليهود الأمريكيين ومؤلف لعديد من الدراسات المشهورة مثل عصر التنوير الفرنسي واليهود، يفتتح كتابه بوصف لمؤتمر حزب العمال الإسرائيلي عقد بعد فترة وجيزة من حرب عام 1967.  كان الجو العام في المؤتمر ابتهاجي.  كانت إسرائيل قد أحرزت توا واحدا من الانتصارات المذهلة في التاريخ العسكري، ونتيجة لهذا الانتصار، يستطيع اليهود الآن "الطيران إلى جبل سيناء أو قيادة سياراتهم في طريق مختصر من اورشاليم إلى بحر الجليل عبر ما كان، منذ مجرد أيام قليلة مضت، الضفة الغربية للأردن."  للمرة الأولى في عشرين عام، يستطيعون الصلاة عند حائط المبكى فى المدينة القديمة باورشاليم، القطعة الوحيدة من المعبد الثاني التي تركها الرومان قائمة عام 70 ق.م. 

كتب هيرتزبرج، ولكن حينئذ، وصل ضيف الشرف، ديفيد بن جوريون، وتولى إلقاء الماء البارد على مظاهر الاحتفال.  في أعوامه الأولى من ثمانينات العمر، وهو يقضى حياة التقاعد في كيبوتز صحراوي، طلب بن جوريون من الخطيب المتحدث (وتصادف انه كان هيرتزبرج نفسه) أن ينهي ملاحظاته سريعا حتى يستطيع أن يعتلي المنصة.  وعندما اعتلى بن جوريون المنصة، اخبر المخلصين في حزبه عابسا أن إسرائيل قد تمددت أكثر من اللازم، وأنها قد انتزعت قضمة لن تستطيع مضغها، وان عليها أن تعيد تقريبا كل المناطق التى استولت عليها فورا.  كتب هيرتزبرج، وهو يستنتج مغزى كلام رئيس الوزراء السابق، "الغزوات الأخيرة كانت تثير أحلام العظمة التي لا تتحقق إلا إذا كان المسيح على وشك الظهور".   ولكن حيث أن المسيح لم يزعج نفسه بأمر الظهور أثناء الهولوكست، "لم يكن بن جوريون مؤمنا بظهوره الآن ليدافع عن استيلاء اليهود على شبه جزيرة سيناء، أو ليدافع حتى عن الضفة الغربية، التي هي يهودا وسامريا التوراتية".  نتيجة لذلك، على إسرائيل أن تنسحب لحدود أكثر أمنا بينما لا يزال لديها الوقت.

تمنى هيرتزبرج لو أن إسرائيل استمعت لنصيحة بن جوريون التحذيرية وقتها.  كتب هيرتزوج انه بعد ستة وثلاثين عام، إسرائيل لا تجد نفسها محاصرة بسكان في وضع الأسرى ولا تستطيع السيطرة عليهم وفقط، ولكن الغزوات العسكرية قد بدلت بشكل جوهري من توازنها الايديولوجي.  أصبحت المشكلة تتعلق الآن بالأرض في حد ذاتها.  فلا سيناء ولا قطاع غزة نسبيا بذات أهمية، حيث أنهما، وطبقا للتوراة، لم يكونا أبدا جزءا من الأرض المقدسة بشكل حقيقي.  ولكن يهودا وسامريا، حتى بأكثر من إسرائيل نفسها، هما الموطن الإسرائيلي الحقيقي.  لقد كانا موقع مملكة اسرائيل الشمالية، التي حطمها الاشوريين عام 722 قبل الميلاد، ومملكة يهودا الجنوبية، التي حطمها البابليون في عام 586 قبل الميلاد.  وهكذا، لم يكن من المفترض ان توفر ثمار الغزو قطع أراض تستخدمها الدولة اليهودية في المساومة عند عقد الصفقات مع جيرانها ولكن، بالأحرى، تستخدم كوقود لأكثر الخرافات المذهبية تطرفا.  بدأت طوائف صغيرة ومهووسة، مثل عتريت كوهانيم، تتحدث عن نسف قبة الصخرة كخطوة أولى نحو استعادة هيكل سليمان القديم حتى يستطيع الكهنة اليهود مرة اخرى تقديم الثيران والكباش قربانا لمجد يهوه.  يضيف هيرتزوج، واقع أن، "حربا دينية مرارتها تفوق الخيال" سوف تنشأ، لا يثير أدنى قلق لدى هؤلاء "المسيحيون الجدد-messianists": "انهم لا يشعرون بأي قيود تمنعهم من التورط في أكثر الاستفزازات خطورة لأنهم متأكدون أن ذلك سوف يضطر الرب إلى النزول على الأرض ويمنحهم النصر."

انه الجنون، نعم، وهذا ما يجعل هيرتزوج يؤمن بان الانسحاب إلى حدود ما قبل 67 هو الشيء الأول الذي يجب أن تفعله إسرائيل حتى تسترد درجة من المعقولية.  والأكثر، هو يؤمن انه الطريق الوحيد لحل ما بات يعرف باسم "المعضلة السكانية"، حيث أن اليهود الآن يمثلون 54% من العشرة ملايين ساكن تحت السيادة الإسرائيلية في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر المتوسط، بهامش أغلبية ضئيل يبدوا انه سوف يختفي أثناء السنوات القليلة القادمة، حيث أن معدل مواليد الفلسطينيين، في كلا من: داخل إسرائيل وداخل المناطق المحتلة، يستمر في تجاوز معدله عند اليهود الإسرائيليين.  من المفترض أن كل لاعب أساسي في الشرق الأوسط لديه فكرة جيدة عن الطريقة التي سوف يستجيب بها على هذا الأمر.  الأصوليون المسلمون سوف يحلونها بإلقاء اليهود في البحر، والقوميون المتطرفون اليهود سوف يلقون بالفلسطينيين عبر نهر الأردن، بينما يود العلمانيون من الجناح اليساري أن يقوم الفريقان بتسوية الأمر بينهم عن طريق ديموقراطية غير عرقية وغير دينية، بينما يؤمن القوميون الليبراليون أن طريق الحل الواقعي هو دولتان منفصلتان يعيشان جنبا إلى جنب، بضمانات مناسبة؛ وهي أن الآخر لن ينتهز فرصة غفلة الطرف الثاني ليهاجمه بغتة.

ولكن هيرتسبرج لا يؤمن بأي حل من الحلول السابقة.  فهو يعتقد أن ما يطرحه اليهود القوميون المتطرفون أمر غير قابل لمجرد التفكير فيه، ولكنه أيضا يرى في أنصار الحل عن طريق دولتين، انهم سذج يفشلون في إدراك عمق العداء الفلسطيني.  وهو يعتقد أنه حتى المدافعين عن دولة ثنائية القومية من أمثال نعوم شومسكي والمرحوم ادوارد سعيد هم أسوأ.  فبينما تلقى أفكارهم التشجيع في دوائر مثقفي نيويورك، ولندن، وأكسفورد، فهم "غير واقعيين بوحشية لحقائق الوضع على الأرض"، وهم على أي حال، "تعبير راقي" عن تحقيق الحلم الفلسطيني القديم في اجتثاث الوطن اليهودي الأم.  يحذرنا هيرتسبرج، "لا ترتكبوا الأخطاء، حتى الحمائم والليبراليون في المجتمع اليهودي، حتى اليهود من أمثالي الذين عارضوا الضم البطيء للضفة الغربية منذ أواخر الستينات، لن يكون لهم قضية مشتركة مع هؤلاء الذين يرغبون في وضع نهاية للدولة الصهيونية".

هذا يقرر ذاك.  الخطة التي يطرحها هيرتسبرج ربما توصف بأنها "دولة واحدة زائد صفر".  بشكل أكثر تفصيلا، هو يفضل دولة اصغر لإسرائيل بأغلبية يهودية كبيرة، ولكن بدون دولة للفلسطينيين حتى يحين الوقت الذي يتعلمون فيه كيف يديرون شئونهم بأنفسهم، وتلك عملية، كما يخبرنا منشرحا، قد تأخذ "جيل أو اثنين".  في تلك الأثناء، يقترح أن تستمر إسرائيل في الإشراف الأمني على المناطق المحتلة لتؤمن بقاء أسوأ أنواع أسلحة الدمار الشامل بعيدة عن أيدي الفلسطينيين، بينما تركز الولايات المتحدة جهودها على الاختراق الاستخباراتى لمصادر التمويل، من أماكن كإيران والعربية السعودية، الذين منحوا الفلسطينيين القدرة في المقام الأول على شراء البنادق والمتفجرات.  ومن ثم تستطيع الولايات المتحدة أن تستخدم إجراءاتها لتوفير مدارس "لصغار الفلسطينيين يتعلمون فيها من اجل السعي لحياة مفيدة تخلو مناهجها التعليمية من تمجيد عمليات التفجيرات الانتحارية [الاستشهادية]".

وهو يعتقد، لبعض الأسباب، أن مثل هذا البرنامج سوف يؤدي إلى عمليات تفجيرات اقل وليس أكثر.  هذا البرنامج يكاد لا يحمل أي إشارة إلى أن الفلسطينيون لن يستسلموا خمسة وعشرين إلى خمسين سنة اخرى من العبودية، وان اليمين الإسرائيلي لن يتخلى عن أعمال الإرهاب التي ستتوالى بلا محالة.  حتى الصهاينة الليبراليون موقفهم في الحل خاسر، وذلك هو السبب في انهيار المعارضة جوهريا أمام شارون.

إلا أن الرأى العام الإسرائيلي ليس متصلبا بهذه الدرجة في دعمه لدولة يهودية كالتي يفكر فيها هيرتسبرج، هذا لو كان كتاب مارك إيليس الجديد دلالة على ذلك.  إيليس، الذي يرأس مركز أبحاث الدراسات اليهودية الأمريكية بجامعة بايلور في واكو بتكساس، يجادل في كتابه المعنون ’في إسرائيل وفلسطين: ما يخرج من الرماد‘، أن اليهود ممزقون بين قطبين: اهتمام اليهودية التقليدي بالأخلاقيات، والدولة اليهودية التي تلحق الإهانة بهذه المفاهيم نفسها.  بينما لم ينجح النازي أبدا في تدمير"الجوهر اللصيق بما يعني أن تكون يهوديا"، فقد حققت إسرائيل ذلك "على مستوى أصيل" من خلال اعتداءاتها التي لا تكل على حقوق الفلسطينيين.  وهو يقول، نتيجة لذلك يسري خط الانشقاق في السياسة اليهودية الدولية بين القبائليين المؤمنين بتوجيه الصدمات لشعب فلستين [الاسم التوراتي القديم] بضربات تزداد قساوة، والكونيين الذين يعتقدون انه الأفضل لمصلحة اليهود دعم حقوق لليهود وغير اليهود على قدم المساواة.  "بدلا من الانشقاق حول قضايا الجغرافية والثقافة، بدأت حرب الضمير الأهلية"، كان هذا ما كتبه إيليس- هذا ما قد يصبح القضية، إذا ما حكمنا على الجدل الأثيم المتفجر هذه الأيام في سيدرز وبار ميتزفاح.

يلوي إيليس عنق التقاليد القديمة للنبوة اليهودية في اتجاه غير طائفي، التي يكون فيها من واجبات صوت الأخلاقيات الذي يعزف منفردا أن يلقن الناس دروسا ويوبخهم لأنهم انحرفوا بعيدا عن العهد القديم.  حقا، تستخدم إسرائيل وفلسطين نفس المواعظ لإبراز قضيتهم في بعض الاتجاهات الراديكالية.  أينما يتوجه إيليس، يرى بعينيه مجتمعا يهوديا يتراضى بشكل سيء فيما بينه على تقديم دعم غير مبدأي لدولة يهودية طائشة.  فهو يقول أن ثقافة الهولوكوست المنغلقة، وهي شيء يحدد الحياة اليهودية في الولايات المتحدة، قد تحولت إلى تمارين في الذاكرة الانتقائية يتذكر فيها اليهود الأهوال الفظيعة التي لحقت بهم بينما لا يتذكرون، أو بالأحرى ينكرون، الفظائع والأهوال التي يلحقونها بالآخرين.  وبدلا من البكاء على نهاية اتفاقية اوسلو، يعتقد إيليس أنها ماتت ميتة تستحقها.  وقد ذكر ملاحظة، انه في ظل اوسلو، كان على الفلسطينيين أن يمروا من خلال نقاط تفتيش إسرائيلية حتى وهم يتحركون عبر أراض تعتبر ظاهريا أراضي بلادهم، ولهذا فهو يتساءل، وان لم يكن بلا معقولية، ما هي النقطة التي في صالح مثل هذه الدولة إن كان أفضل ما تستطيع تقديمه لشعبها هو المهانة التي لا تتوقف على أيدي قوة أجنبية.

 تقف عواطف إيليس مع نوع من الحلول التي يزدريها هيرتسبرج: دولة واحدة ثنائية القومية لكلا من العرب واليهود.  فالأفضل بدلا من الكفاح لمجرد إيجاد الصيغة الصحيحة للتراضي بين أمتين تدعيان أحقيتهم لنفس قطعة الأرض – وهو الأمر الذى لا يمكن إلا أن يكون مستحيلا في أحسن الأحوال—فهو يؤمن بطرح هذه المطالب جانبا.  فليس الهدف هو ترتيبات معقدة، لتوزيع الأنصبة في السلطة، على شاكلة الصيغة اللبنانية، بين لوردات الحرب المتنافسين، ولكن ديموقراطية معاصرة يقوم هيكلها على أساس أن المواطنين لا يروا أنفسهم بشكل مبدأي كيهود أو مسلمين أو مسيحيين ولكن يرون أنفسهم كعمال وفلاحين وأصحاب محلات وهكذا.  يستطيع الأفراد من خلال طاقاتهم الدينية أن يستمروا في النظر إلى إسرائيل/فلسطين على أنها مقدسة.  ولكن كمواطنين في ديمقراطية علمانية، فهم يتوقعون من دولتهم خدمة مصالح السكان جميعهم بلا تحيز لدين أو عرقية – وأنهم سوف يتشكون بمرارة إذا لم تفعل ذلك.

المشكلة،بالطبع، هى كيف تصل إلى هناك من هنا [الوضع الحالي]، وهو ما تتعثر فيه خطى إيليس.  تقوم حجته في الحوار على قاعدة التقاليد الأخلاقية العريقة لليهودية، يفشل إيليس في إدراك كم هي غامضة فعلا تلك التقاليد.  بينما يتحدث العهد القديم في بعض الأمور الإنسانية عن حماية الأرامل واليتامى، فإنه يحتوي على قدر كاف من الروايات عن المذابح والانتقام ليغذي خرافات مستوطني الضفة الغربية الانتحاريين.  التوراة، ناقلين نص المؤرخ كريستوفر هيل، حوض نخالة كبير يمكنك استخراج أي شيء منه—تقع فيه الكراهية مرات ليست بأقل من التسامح، والحرب ليست بأقل من السلام، والتسلط الديني ليس بأقل من الديموقراطية.  إذا كانت العلمانية الديموقراطية هي هدف إيليس، فمن ثم تكون السياسة العلمانية هي الطريق الوحيد لإحرازها.  فبدلا من الغوص في أشتات تقاليد دينية، يجب أن ينضم اليهود والفلسطينيون المسلمون والمسيحيون إلى تقاليد مشتركة تقوم على الأممية، والعلمانية والديموقراطية.  بدلا من دفن أنفسهم في نصوص عتيقة، يجب أن يصلوا إلى فهم أن تلك النصوص لا علاقة لها بالسياسة المعاصرة.

مزيد من الدين، مهما كان تأويله تقدميا، هو الشيء الأخير الذي تحتاجه مساحة الأرض هذه المنقوعة بفكرة الرب.  قانون الأسرة في إسرائيل، كما يعي القارئ المدقق لصحيفة النيويورك تايمز، يقع في أيدي آيات الله اليهود الأرثوذكس، وشركائهم – اعني بهم الحاخامات.  حتى نضع ذلك في سياق أمريكي، تخيل انك تسعى للزواج أو للطلاق، أو لتتبنى طفلا، أو لعملية إجهاض، أو أن تدفن احد والديك في مدفن البلدة، وحتى تفعل ذلك يجب أن تحصل أولا على إذن من القس المعمدان الجنوبي في المنطقة.  حتى القس المعمدان سوف يصيبه الانزعاج الشديد.  إلا انه، وكما أوضح نوح ايفرون في كتابه الجديد المدهش، اليهود الحقيقيون: العلمانيون في مواجهة الأرثوذكس المتطرفون والكفاح من اجل شخصية يهودية في إسرائيل، هذا وأكثر منه هو ما يواجهه اليهود الإسرائيليون على أساس يومي.  خذ الكاشروت مثلا، قوانين الغذاء اليهودي الغاية في التعقيد التي تحكم في ما هو الطعام المحرم، وأي طعام يمكن خلطه بآخر، وأيها كاللحم مثلا ومنتجات الألبان يجب أن يظل بعيدا عن الآخر بشكل حازم تماما.  كما يخبرنا ايفرون، الإسرائيلي، أمريكي المولد الذي بعمل مدرسا في جامعة بار ايلان بالقرب من تل أبيب، الكاشروت لا يؤثر فقط على ما يأكله الإسرائيليون، ولكنه نتيجة للتعريف المتسع أبدا الذي يقف خلفه الحاخامات الأرثوذكس، يمتد بتأثيره على ما يفكرون فيه وما يقولونه.

هذا ما اكتشفته رونيت بنسو، رئيسة طهاة في هيلتون اورشاليم وتبلغ من العمر 40 سنة، بعد لجاجتها مع الماشجياه، المفتش الحاخامي،  في عام 1999.  المشكلة بدأت، كما ترويها بنسو، عندما طلب الماشجياه منها أن تسكب وعاءا ضخما من الخرشوف كانت قد فرغت من غسله توا على أساس ان الخضروات قد تحتوي على حشرات دقيقة لا تراها العين البشرية.  وحيث أن الحشرات ’ترييف‘، أي نجسة، يجب التخلص من الخضروات، لعذاب بنسو.  وتتابع المزيد من المشاكل عندما اعترض الماشجياه على الطريقة التي تقطع بها بنسو البقدونس والخس.  اخبرها أنها في سائر الأيام تقطعها بطريقة ما، ولكن يوم السبت يجب أن تقطعها بطريقة عكسية.  وعندما احتجت، طالبها المفتش أن تهدأ وتطيع.  ولما ارتكبت خطيئة الرد – قالت له "وظيفتك هي تزويدي بمعلومات عن الكاشروت، وليس إغلاق فمي" – وصفوها بالكذابة وبأنها "ليليث"، إشارة إلى زوجة ادم المفترض أنها كانت الزوجة الأولى التى، طبقا لمأثورات الحاخامات، وقع عليها العقاب الخالد لمطالبتها بالمساواة مع زوجها.  تتذكر بنسو، "واقع أن تصل امرأة علمانية إلى مثل هذا المنصب المهم، وفي مطبخ بهذه الشهرة، جعل الدم يغلي في عروقها".  على الرغم من ذلك، وحرصا من الفندق على الا يفقد ترخيص الكوشير، فقد تقرر طرد بنسو من منصبها، ولم تصادف أي نجاح قضية التمييز بسبب الجنس التي رفعتها مجموعة تسمى هيئة الحقوق المدنية لصالح بنسو.

تزكم أنوف اليهود الحقيقيون تماما روايات تعتبر في أمريكا، رغم كل خطاياها، أمورا لا تصدق.  هناك ادواردو كامبوس، مهاجر من أوروجواي عمره 62 عاما تزوج من إسرائيلية، حاولت طائفتها من اليهود الأرثوذكس المتطرفين طرده من وظيفته في شركة ’فيتا‘ للأطعمة لمجرد انه عضو في جماعة شهود يهوه.  هناك شركة الدعاية الإسرائيلية التي انتزعت بوستر لفيلم طرزان من إنتاج شركة ديزني من لوحات الإعلانات لان جماعة من المراقبين الأرثوذكس المتطرفين وجدت في صورة البطل الكارتوني مستعرضا عضلات جسده العاري ملفوفا في جلد النمر عملا فاضحا.  هناك أيضا شركة منتجات ألبان إسرائيلية أوقفت خط إنتاجها من زبادي الأطفال لان الإباء اليهود الأرثوذكس المتطرفين قد يجدون مشكلة في شرح كارتون الديناصورات على علبة الزبادي التي تتعارض مع قصة التوراة للخلق التي وقعت افتراضا من 6000 عام مضت.  وهناك مجلة للصحة واللياقة البدنية حذفت إعلانا يظهر شابا وفتاة على درجة عالية من الجاذبية يمسك كل منهم بيد الآخر وهم يرتدون ’اوفرول‘ العمل، لان جماعات الضغط من الأرثوذكس المتطرفين قالت أن من غير اللائق أن نستعرض التلامس البدني بين الرجل والمرأة.

في دولة يهودية مصابة بداء السؤال الأبدي من هو وما هو اليهودي، تتجه السلطة نحو "اليهود الحقيقيون" الذين تبدو هويتهم محل تساؤل اقل.  فبدلا من أن تتجه نحو المثقفون الذين يبدو تناقضهم وغموضهم هما ذخيرتهم في الحياة، تتدفق السلطة نحو المحاربين اليهود من أمثال شارون ونحو المهووسين الدينيين مثل المتطرفين الأرثوذكس، فهم ذوي بعد واحد كاريكاتيري ينفي كل الشكوك.  يمنح هيكل الدولة اليهودية ذاته مساراته الداخلية لمثل هذه العناصر.  يوضح ايفرون كيف بدأ العلمانيون في تقديم تنازلات تبدو ضئيلة للأرثوذكس المتطرفين، فقط لنراها وقد أصبحت طوفانا في السنوات التالية.  في 1947، وحتى قبل أن تولد إسرائيل، وعد بن جوريون الحاخامية الأرثوذكسية بان السبت اليهودي سوف يكون اليوم الرسمي للراحة الأسبوعية للأمة الجديدة؛ وان مطابخ المدارس، والمتاحف، والمباني العامة الأخرى سوف تخضع للكوشير، وان قوانين الزواج اليهودية التقليدية سوف تكون ملزمة؛ وان الأرثوذكس المتطرفين سوف يكون لهم استقلالا ذاتيا في تعليم أطفالهم (والدولة تدفع الحساب).  في 1948، وفي خضم حرب مستميتة من اجل البقاء، اعفي [بن جوريون] طلبة القسم الداخلي اليشيفاه من الخدمة العسكرية.  وكما قال يوري افنيري، شعر بن جوريون انه يستطيع تقديم تنازلات لان اليهودية الأرثوذكسية هي اثر من العصور الوسطى وفى طريقها للاندثار بشكل واضح.  إلا انه بعدها بثلاثين عاما عندما رفع مناحم بيجين حد الإعفاء من الخدمة العسكرية ، تضخمت الأعداد توا.  اليوم، يقرر ايفرون، أن أكثر من 30 الف من طلبة التوراة، 10% من الاحتياطي العسكري المتاح، يتم إعفاؤهم سنويا.  طلبة التوراة المقيمون لكل الوقت هم الآن أكثر عددا من أي وقت مضى في التاريخ اليهودي، بل انهم على الأرجح أكثر عددا منهم في التاريخ اليهودي مجتمعا.  بينما اغلب اليهود الأرثوذكس المتطرفين في الولايات المتحدة يعملون بوظائف شتى، فان اغلبهم في إسرائيل لا يعملون، ويرجع الفضل في ذلك إلى الرواتب السخية التي تدفعها الحكومة لهم.  انهم عالة اقتصادية على المجتمع الذي يرفضون الدفاع عنه.

إلا أن السؤال يظل: لماذا يجب أن يهتم العلمانيون الإسرائيليون؟  عبوات الزبادي، بوسترات الأفلام السينمائية، المرأة ذات الكبرياء بالمصادفة التي طردت من عملها – من السهل التغاضي عن مثل هذه الأشياء في طاحونة الحياة اليومية.  إذا كان جهازا حكوميا متضخما للرفاه الاجتماعي يتسبب في انفجار صفوف اليشيفاه بوخير، لماذا إذا نلعن كتائب البيريهات السوداء [النازية]، كما يفعل العديد من العلمانيين الإسرائيليين، على حد قول ايفرون؟  لماذا لا نهاجم مثل هذه الحوافز المنحازة عبر القنوات التشريعية العادية، ونمضي في طريقنا؟  الرد هو أن الأمور ليست بهذه السهولة.  الجانبان الديموقراطي والديني في المجتمع الإسرائيلي على طرفي نقيض وكلاهما لا يطيق تبعات التراجع أمام الآخر.  كتاب مارك إيليس "حرب الضمير الأهلية" يعزف مع نفسه بمهارة على أوتار الحياة اليومية حول قضايا كبرى وأخرى صغيرة.  من وجهة النظر العلمانية، لا تجعل الديموقراطية في إسرائيل من التدخلات الدينية اقل من إهانات تلحق بالطرف الآخر.  بل إنها تجعلها أضخم، وهذا هو السبب في أن العواطف في قمة الغليان وعلى وشك الانفجار.

في الظروف الطبيعية، لن يبني العلمانيون الإسرائيليون تحالفا مع الفلسطينيين أصحاب نفس التفكير وفقط، ولكن أيضا مع الآخرين في مواقع ابعد.  ولكن الصهيونية تتدخل ليس فقط بإغراق المجتمع في حالة دائمة من الحرب ولكن أيضا بفرض نوع من السجن الفكري.  إذا لم يكن محظورا، فالاتصال عبر الأديان المختلفة يصبح أكثر فأكثر أمرا معقدا داخل "دولة إثنية توجهها العقيدة الدينية".  "إنكم لا تفهمون"، هذا ما يقوله الإسرائيليون العلمانيون المتعلمون عندما ينتقدهم أصدقاء أوروبيون وأمريكان على الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة.  "إنكم لا تعرفون ما هو أن تعيشوا في مجتمع يمكن أن تنفجر فيك قنبلة في أي وقت.  إنكم لا تعرفون ذلك"   ولكن هذه هي النقطة بالضبط.  غرض الصهيونية، والقومية عموما، هي فرض حواجز بين جماعة وأخرى، تقليص الاتصالات وعرقلة التفاهم.  بالتشديد على احد أوجه التجربة الإنسانية، العرقية-الدينية في حالة إسرائيل، على حساب كل الآخرين، تعوق كل أنواع الاتصال بمن هم خارج القطيع.  تتعرض الشخصية للبتر، وتتقلص الخيارات السياسية.  بدلا من تقرير ما يجب عمله بحرية، يجبر الناس على إتباع المنطق الذي تفرضه الدولة عليهم.  هربا من نباح الحاخامات، وإرهاب التفجيرات الانتحارية [الاستشهادية]، وتهميش القومية لهم، لا يرى الإسرائيليون بديلا أمامهم سوى أن يلقوا بحظوظهم على رجل قوي مثل شارون.  المنطق لا يقاوم، ولكنه انتحاري – إلا إذا استطاع شخص ما إيجاد مخرجا ما من هذا القفص الايديولوجي.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية