- البدائل -

عصر الاتفاق

جورج مونبيوت

18 ديسمبر 2003

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

دون ديموقراطية كوكبية، من المستحيل قيام ديموقراطية قومية.  إذا لم تصدقني، الق بنظرة على ما حدث مع لويس ايناسيو دا سيلفا.  قبل أن يصبح رئيسا للبرازيل، وعد لولا أن يغير من الطريقة التي كانت تدار بها البرازيل.  سوف يدار الاقتصاد لصالح المجتمع، بدلا من إدارة المجتمع لمصلحة الاقتصاد.  حسنا، اعتقد انه من العدل أن نقول انه اجتهد بأحسن ما عنده.  ولكن البرازيل لا تزال تبدو كدولة باقتصاد نيوليبرالي.  والسبب واضح: القرارات الاقتصادية الكبرى لا يتخذها هو، وإنما يتخذها المضاربون الماليون وصندوق النقد الدولي.  حتى لو أراد نوابنا تغيير الطريقة التي تدار بها أممنا، فإنهم لن يستطيعوا.  إنهم يتحولون إلى تكنوقراط، ومدراء للظروف التي تهبط على رؤوسهم.

انتقال السلطة إلى المجال العولمي هو السبب الذي يفسر لنا، لماذا أصبح لدى كل حزب سياسي كبير على كوكبنا تقريبا نفس السياسات.  سياساتهم تتخذ مسبقا بواسطة البنوك والمضاربين الماليين، والشركات الاقتصادية الضخمة، والمؤسسات الدولية.  على المستوى القومي تجد ديموقراطية ولكن بلا فرصة اختيار.  على المستوى العولمي، توجد القدرة على الاختيار ولكن بلا ديموقراطية.  السؤال الأعظم لعصرنا هذا، هو ماذا ننوى بحق الجحيم أن نفعله في هذا الوضع.

استجاب كثيرون داخل حركتنا لهذه المشكلة بطريقتين ذات وشائج مشتركة.  الطريقة الأولى هي السعي لاستعادة السيطرة على السياسة بردها إلى المستوى الوحيد الذي تعمل من خلاله الديموقراطية الحقيقية فعلا: المجتمع المحلي.  الطريقة الثانية هي الاعتراف بان السياسة التمثيلية قد فشلت، والتخلص منها لصالح الديموقراطية "المباشرة" أو ديموقراطية "المشاركة".  أنا أتفهم كلا الموقفين وأتعاطف معهما.  ولكني اشعر أنهما استجابتان لا تكفي للرد على التحديات التي نواجهها.

كل القضايا التي تثير انتباهنا بالدرجة الأعظم – التغييرات المناخية، الدين الدولي، التهديد النووي، الحرب، الميزان التجاري بين الأمم – لا يمكن حلها إلا على المستوى العولمي أو على المستوى الدولي.  دون معايير عولمية، من المستحيل أن نرى طريقة نستطيع بها توزيع الثروة من الأمم الغنية إلى الأمم الفقيرة، ولا طريقة لفرض ضرائب على الأغنياء المتجولين وأموالهم التي هي أكثر تجوالا، ولا طريقة للسيطرة على حركة شحن النفايات السامة، ولا استدامة تحريم زرع الألغام الأرضية، ولا منع استخدام السلاح النووي، ولا الوساطة بين الأمم من اجل السلام، ولا إيجاد طريقة لمنع الدول القوية من إجبار الدول الأضعف على التجارة وفق شروطها هي.  فإننا بالعمل على المستوى المحلي فقط، نترك هذه القضايا الأكثر حسما لرجال عينوا أنفسهم لإدارة العالم.

أكثر من ذلك، كل شيء نحاول تنفيذه على المستوى المحلي، يمكن تدميره على المستوى العولمي أو على المستوى القاري.  انظر لما فعلته اتفاقية التجارة الحرة بين الأمريكتين للحماية البيئية المحلية.  انظر لما سوف تفعله الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات[TRIPS] بالتعليم العام والرعاية الصحية.  انظر لما فعله الدعم المالي الأوروبي بصغار الفلاحين في العالم النامي.  إغفال الحاكمية العولمية لا يلغيها.  إنها تحدث الآن.  إنها سوف تستمر، بنا أو دوننا.  وهي – وهذه أسوأ حقيقة مزعجة يجب أن نشتبك معها – يجب أن تحدث، لو لم يقدر ببساطة للقضايا التي تهمنا أن تجد حلا بواسطة سلطة القوة الغاشمة.

في كلمات أخرى، ما يبدو لي هاما على نفس المستوى، انه من غير الكافي أن تفكر عولميا وتتصرف محليا.  يجب أن نتصرف عولميا بنفس الدرجة.  مهمتنا ليست الإطاحة بالعولمة، ولكن إيقاعها في الأسر، واستخدامها كناقلة لثورة الإنسانية العولمية الديموقراطية الأولى.

الآن سوف يرد علي كثيرون بقولهم، "ولكن، نحن نعمل فعلا على المستوى العولمي.  ألم تدري بالاحتجاجات في سياتل، وكانكون، وجنوا، ومائة مدينة أخرى؟  الم تدري بالمنتدى الاجتماعي العالمي والاجتماعات التمهيدية له؟  ألا نفعل ما بوسعنا ليصبح لنا نفوذا على السياسات العولمية؟"

ردي هو أن هذه الأشياء هي أكثر التطورات إثارة منذ عقود مضت، وأننا قد ابتدأنا حركة تمتلك فعلا طاقات كامنة لتغيير العالم.

ولكن أمامنا مشكلتان رئيستان، يجب أن نشتبك معهما لو كنا جادين في قضية العدالة العولمية.  الأولى هي أن حركاتنا، برغم اتساعها وبرغم الطموحات التي تلهمنا بها، لم تهز بعد أركان عرش السلطة، ولم تظهر بعد أي علامات تدل على أنها قادرة على ذلك.  لقد قمنا عن حق، مثلا، بفضح مطالب الأمم الغنية المدمرة في مجال التجارة، وساعدنا بعض الأمم الأضعف على أن تجد الشجاعة للتصدي لهم، مساهمين بذلك في انهيار منظمة التجارة العالمية الملعونة.  ولكن هل منع ذلك العمل غياب العدالة؟  ولا حتى مثقال ذرة.  لقد اكتشف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنهما في الواقع أفضل دونها [منظمة التجارة العالمية].  لقد ابرما صفقات ثنائية الأطراف مع معظم الدول الأضعف، وهي اتفاقيات أكثر ظلما من التي كانا يودا فرضها من خلال منظمة التجارة هذه.  الأمر الذي اكتشفناه، في كلمات أخرى، إن منظمة التجارة العالمية لم تكن سلطة، ببساطة المنظمة كانت مكانا يتم من خلاله عمليات السمسرة لصالح السلطة.  ساعدنا على تحطيم رمزا للسلطة.  لم نفعل شيئا لمنع ممارسة السلطة.

المشكلة الثانية هي انه، بالرغم من أننا نمتلك ادعاءا أفضل من أي تجمع عولمي آخر يتحدث تعبيرا عن مصالحه، فنحن لسنا العالم.  معظمنا، ممن يحضرون المنتديات الاجتماعية العولمية والقومية، ممن يسافرون إلى عواصمنا وعواصم الشعوب الأخرى من اجل الاحتجاج، ممن يملأون فضاء الانترنت والصفحات المطبوعة بآرائنا وحواراتنا، معظمنا أعضاء في أقلية مميزة.  لدينا الوقت، والمال، وجوازات السفر، والثقافة، وإمكانيات الوصول إلى التكنولوجيا.

أدهشني، في المنتدى الاجتماعي الأوروبي في نوفمبر الماضي، كم كان هذا اللقاء ابيضا.  انه لأمر مدهش أن يتجمع الشباب الأبيض في أعداد غفيرة لمناقشة القضايا التي تهملها القوى السياسية الرئيسية.  ولكننا تحدثنا هناك وتناقشنا كما لو كنا نتحدث ونتحاور بالنيابة عن الكل.  سياسات المشاركة هامة وقيمة، ولكن على أي مستوى أعلى من المجتمع المحلى، تصبح سياسات تمثيلية، فقط مع اختلاف: وهو أننا ننتخب أنفسنا لتمثيل كل فرد آخر.

اشعر أن هاتين المشكلتين ترتبطان بعلاقة وثيقة.  سلطتنا محدودة جزئيا بسبب ان التفويض المخول لنا محدود.  في كل فترات التاريخ، امتلك الشعب الذي يسعى من اجل الديموقراطية تحت ظروف ديكتاتورية، مصدران للقوة.  المصدر الأول هو قوة السلاح.  توفر التكنولوجيا العسكرية المعاصرة ضمانا بأن الإطاحة بالقوى القائمة عن طريق التمرد المدني المسلح قد أصبح أمرا مستحيلا.  لو سعينا لاجتياح قلعة الباستيل في خليج جوانتانامو، سوف ننفجر إلى ذرات فبل أن يتأتى لنا بوقت طويل الدنو من أي جهة بالمكان.  طبعا، يظل الإرهاب سلاحا مؤثرا: مطلب بن لادن الأساسي بإزاحة القوات الأمريكية خارج العربية السعودية، انصاعت له القوى العظمى بهدوء شديد.  ولكن، ككل الوسائل الثورية العنيفة، هي وسائل بالطبيعة غير ديموقراطية.  إنها تتطلب السرية، بينما الديموقراطية تتطلب الشفافية والقابلية للحساب والمساءلة.  الإرهاب يمنح هؤلاء السلطة عن طريق تزويدهم بأدوات العنف، وهؤلاء على الأغلب، فور تحقيقهم لأهدافهم، ينقلبون على مواطنيهم الذين لا يتفقون معهم.

وهكذا لا يتبقى سوى مصدر شرعي واحد للقوة: السلطة المعنوية.  إنها القوة التي ساعدت على إسقاط ماركوس، وشاوشيسكو، وسوهارتو، وميلوسيفتش، ودى لوزادا، وشيفاردنادزه من الحكم.  إنها القوة التي نملكها الآن فعلا بدرجات معينة – لأي سبب آخر، إذا، تقدم جيمس وولفينسون، رئيس البنك الدولي، بطلب التحدث إلى المنتدى الاجتماعي العالمي العام الماضي؟  إنها القوة التي سنمتلكها بدرجات أعظم وأعظم لو استطعنا أن نمثل شعوب العالم، بدلا من تمثيلنا لأنفسنا.

في كلمات أخرى، جنبا إلى جنب منتدياتنا التشاركية، نحن في حاجة لبناء منتدى تمثيلي لنا.  إننا نريد برلمان للعالم.

يعتقد كثير من الناس أن تلك الفكرة هي فكرة مرعبة، وأستطيع فهم أسبابهم.  الديموقراطية التمثيلية على المستوى الوطني والإقليمي سيئة لحد كاف وظاهر.  (1) لماذا بحق السماء والأرض نرغب في تكرار ذلك النظام على المستوى العولمي؟  (2) وإذا كانت الديموقراطية الحقيقية تعمل بكفاءتها فقط على مستوى المجتمعات المحلية، فانه من المؤكد عندما يأتي أوان العمل على المستوى العولمي، ستكون تلك الديموقراطية نسخة رديئة من المثل الأعلى الأثيني أو الزاباتيستي.

الإجابة على السؤال الثاني هي نعم، سوف يكون.  ولكن دعني أسألك هذا السؤال.  إذا لم يكن بهذه الوسائل، فبماذا يتحقق إذا؟  عدم امتلاكنا لبرلمان للعالم هو قرار أيضا.  انه قرار أن تسمح بإدارة العالم بواسطة مجموعة رجال من الأمم الغنية تعين أنفسها.  برلمان العالم ابعد من أن يكون حلا متكاملا لمشكلة الحاكمية العولمية.  ولكنه ليس معيبا لهذه الدرجة من البديل: السماح بديكتاتورية عولمية تحل المشاكل على حسابنا.

الإجابة على السؤال الأول أيضا تكون بنعم.  النموذج القائم للديموقراطية البرلمانية القومية أو لديموقراطية الكونجرس القومية في معظم أجزاء العالم هي قوالب مروعة لا تصلح لان تقيم على أساسها نظام جديد.  أفسدتها المصالح المالية، ونظم الاقتراع الغير منصفة، والسلطات التنفيذية، والسيطرة الإعلامية.  ولكن هناك كثير من الدروس نستطيع تعلمها من مثالب أنظمتنا الحالية، وأنا اقترح في "عصر القبول والاتفاق" هذا عدد من الإجراءات الوقائية التي تستطيع أن تجعل من برلمان العالم جذريا شيئ مختلف عن البرلمانات القومية.  أكثرها أهمية انه ينبغي أن ينتمي للشعوب من أول سلسلة عملياته المتعاقبة.  ولدينا شبكات عملنا الدولية الواسعة، نحن نملك وضعا جيدا لنبدأ بناء مجلس تمثيلي من الأسفل للأعلى.

في المرحلة الأولى، أرى أن مثل هذا البرلمان سوف يعمل بوسائل السلطة المعنوية الخالصة.  ستكون أهدافه هي استخلاص مبادئ الحاكمية العولمية السليمة، وتقييم أداء الهيئات الدولية على أساس من هذه المبادئ، ويطالبها البرلمان أن تشرح نفسها عندما تخرج عن جادة السبيل.  ذلك يوقع الكيانات الدولية الأخرى أمام اختيار غير مريح لها جميعا.  إما إهمال طلبات البرلمان، وهم في هذه الحالة يتخلون عن أي ادعاء بأنهم يعملون من اجل الصالح العام، أو أنهم يتراجعون ويصححون المسار، وهم في هذه الحالة يعترفون بسلطة البرلمان ويدعمونها.

ما يصبح لدينا هنا، بكلمات أخرى، هو وسائل تجعل أدوات الحاكمية العالمية تستجيب لمطالب الشعوب.  ولكن هذه الوسائل سوف تكون ضعيفة إذا ما استخدمت مع الأدوات القائمة حاليا، معظمها مجبرة مؤسسيا على تمثيل مصالح القوى العظمى فقط.  سوف تكون هذه الوسائل نافذة عند تطبيقها على نظام عادل مؤسسيا.  مهمتنا التالية هي خلق ذلك النظام.

النقطة التي ابدأ منها محاولة وضع تصور لما سوف يكون عليه مثل هذا النظام هي: إن الأسوأ من عالم تحكمه مؤسسات عولمية خاطئة هو عالم يخلو منها على الإطلاق.  لقد رأينا ما تبدو عليه هذه الصورة: 500 سنة من الاستعمار الأوروبي، والسرقة، والقرصنة، والقتل، والمذابح العرقية.  طبعا، النظام القائم للحاكمية العولمية، التي تسيطر عليها القوى العظمى، لم يمنع وقوع مثل هذه الأشياء في زماننا، ولكنها ليست حجة في مواجهة قيام حاكمية عالمية.  إنها حجة ومنطق لصالح نظام سياسي عولمي تمتلكه شعوب العالم. 

دعنا نتخيل في هذه اللحظة أن لدينا وسائل لوضع تصميم للنظام الذي يرضينا.  ماذا سوف يكون هذا النظام؟  يبدو لي انه يجب أن يكون ما تدعيه المؤسسات العولمية ولكنها تفشل في القيام به.  بكلمات أخرى، نريد كيانا تستطيع الأمم التفاوض من خلاله لتحقيق السلام.  نريد كيانا لتوزيع الثروة بين الأمم.  نريد كيانا يضع قواعد منصفة للتجارة بين الأمم، يدافع عن المواطنين والبيئة.  ان ترحل من هنا إلى هناك يعنى تغيير بعض مؤسسات العالم وتدمير الآخرين.

يجب أن اشدد على هذه النقطة، حيث أن إساءة فهم الفكرة شائع، حيث أني لا أتحدث عن مزيد من نقل السلطات من يد حكومات الأمم إلى المستوى العولمي ولا إلى الكيانات الدولية.  أنا أتحدث عن تحول ديموقراطي لهذه السلطات التي تخلت عتها الدول القومية إلى المستوى العولمي.  أنا لا اخترع حاكمية عولمية، ولكني فقط أحاول أن اجعلها تعمل لمصلحة الشعوب.

دعنا نبدأ بالأمم المتحدة.  من حيث المبدأ، إنها فكرة جيدة.  من حيث الممارسة، هي تعاون القوي على أكل الضعيف، لثلاثة أسباب.  السبب الأول هو أنها تخول لأعضاء مجلس الأمن الدائمي العضوية سلطة مطلقة.  السبب الثاني انها تحتوي على متاهة من الكيانات الصغيرة:  الأمم صغيرة الحجم لديها صوت مماثل للأمم الكبيرة جدا.  انه خطأ عظيم – فكل توفالي، على سبيل المثال، يقابله 100 ألف هندي – وذلك يعني أيضا أن الأمم القوية لديها حافز قوي لرفس الأمم الصغيرة.  السبب الثالث هو أن الديكتاتوريات لها نفس حقوق التصويت التي لدى الديموقراطيات، ولا يوجد التزام من الحكومات الحاضرة بالرجوع إلى شعوبها قبل التصويت.

أظن أن الإجابة هنا سوف لن تكون إهمال الأمم المتحدة، ولكن بجعلها مؤسسة ديموقراطية.  الخطوة الأولى هي بالتأكيد هجران مجلس الأمن ونعهد بسلطاته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.  الخطوة الثانية هي معايرة أوزان أصوات الدول الأعضاء في الاقتراع طبقا لحجم بلادها ودرجة الحياة الديموقراطية عندها.  تقوم جماعات بتطوير مستويات قياسية للديموقراطية في البلاد كعملية مراجعة ديموقراطية – Democratic Audit.  ولكن يجب علينا تطوير معاييرنا القياسية الخاصة بنا.  من بين المعايير التي يجب فحصها هي درجة الديموقراطية الاقتصادية للأمة (توزيع الثروة) ومدى الشورى العامة في الأمر قبل حدوث الاقتراع العولمي.

عملية قياس أوزان الأصوات هذه لها منفعة مزدوجة: مقرطة الحاكمية العالمية، وتشجيع المقرطة على المستوى القومي، بوصفها أسرع الطرق التي تستطيع بها الأمة أن تزيد من نفوذها على المستوى العولمي.  ويعني ذلك أيضا أن الأمم ذات الأصوات الأكبر – لأنها أكثر حجما وأكثر ديموقراطية – هي الأصعب في أكل حقوقها وخضوعها للابتزاز: شراء أصواتها، في كلمات أخرى، يصير أكثر صعوبة. 

يوجد مزيد من النواتج الممكنة لهذه العملية: مع الوقت، نستطيع رسم ملامح الجمعية العمومية وبرلمان العالم يبدأ في التشكل معا.  يحفز البرلمان شرعية الجمعية العامة عن طريق إخضاعها للحساب والمسائلة؛ ويعزز أعضاء الجمعية العامة قدراتهم على التصويت بتشجيع الانتخابات إلى البرلمان العالمي.  بمعنى آخر، نصنع مجلسين تشريعيين للكوكب.  نستطيع بعدئذ وضع ملامح لانتقال السلطات الحقيقية من مجلس منتخب بشكل غير مباشر إلى مجلس منتخب مباشرة.

بينما نجد الأمم المتحدة قابلة، نظريا، للإصلاح، فإن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي غير قابلان للإصلاح.  ذلك ليس لمجرد أنهما تحت سيطرة العالم الغني ولكن لان ميدان عملهما هو العالم الفقير.  إنهما مجبولان مؤسسيا على تحميل العبء الكامل لمعاملات العجز التجاري والدين العالمي على عجز الأمم المدينة، التي هي الأقل تحملا لصنع أي شيء بخصوص هذا العبء.  عند تأسيسهما في عام 1944، كانت قد اقترحت توا فكرة أفضل منهما كثيرا.

عكف جون ماينارد كينز على وضع اقتراح بإنشاء اتحاد مقاصة دولي لمدة 12 سنة.  وعندما كشف عنه عام 1943، ادرك الجميع على مستوى العالم بأكمله تقريبا على انه عمل من أعمال العبقرية.  فهو لم يحل مشكلة الدين والميزان التجاري فقط، ولكنه أيضا اكتشف صيغة لاستقرار الاقتصاد الكوكبي.  اتحاد المقاصة كان بنكا يعمل على المستوى الدولي، تحتفظ فيه الأمم بحساباتها التجارية.  لا تحتسب فيه الفوائد على عجزها التجاري وفقط ولكن أيضا تحتسب الفوائد على فوائضها التجارية.  لذلك، عندما يحين ميعاد سداد الفوائد، قبل نهاية كل سنة، سوف يكون لدى الأمم حافزا قويا لتصفية حساباتها – بكلمات أخرى، أن تقفل حساباتها دون عجز أو فوائض.  الطريقة الوحيدة أمام الدول ذات الفوائض لتصفية حسابها هو أن تغير من شروطها التجارية، حتى تستورد أكثر وتصدر اقل.  بمعنى آخر، بتخلص هذه الأمم من فوائضها التجارية تتخلص الدول الأخرى من عجزها التجاري.  وحيث ان تراكمات العجز التجاري هي المكون الأكبر للدين العالمي، منع تراكم العجز سوف يمنع أيضا تراكم الدين.

سدت حكومة الولايات المتحدة الطريق أمام فكرة كينز.  حذر عديد من الاقتصاديين ان النتيجة سوف تصبح تراكما هائلا للديون الغير مسددة من جانب الأمم الفقيرة، وتزايدا مناظرا لنفوذ وسلطات الأمم الغنية.  لقد برأوا ساحتهم.  آن الأوان للعودة بفكرة اتحاد المقاصة مرة أخرى للحياة.

إننا نحتاج أيضا لكيان كوكبي يخص التجارة، إذا ما كان للأمم الأضعف أن تحوز أي إمكانية للمساومة الجماعية.  أي نظام عادل للتجارة قد يبدو على هذا النحو:

يسمح للأمم التي هي فقيرة اليوم أن تسلك نفس دروب التنمية التي سلكتها الأمم التي هي غنية اليوم.  هذا يعني حماية صناعاتها الجديدة من المنافسة الأجنبية حتى تصبح كبيرة للدرجة التي تدافع بها عن مكانها، ويسمح لها باستخدام الملكية الفكرية للبلاد الأخرى، داخل حدودها الخاصة ومع الأمم الفقيرة مثلها.  وما اقترحه في كلمات أخرى، هو مقياس متدرج تنازلي للامتيازات التجارية: يسمح للأمم الفقيرة بحماية كاملة لصناعاتها الوليدة واستخدام مجاني للملكية الفكرية؛ وامتيازات اقل للأمم الأغنى قليلا، أما الأمم الأغنى فليس لها أي امتيازات على الإطلاق.

ولكن هذا فقط احد مكونات التجارة العادلة.  منظمة التجارة المنصفة (Fair Trade Organisation) سوف تصبح أيضا سلطة تصدر التراخيص للكيانات الاقتصادية الكبيرة.  الشركات التي تستطيع إقامة الدليل على أنها لا تستخدم عبيدا في عمالتها، وأنها لا تحظر النقابات داخلها، ولا تلقي بنفاياتها الملوثة في الأنهار، سوف يسمح لها فقط بالتجارة دوليا.  التجارة الكوكبية كلها سوف تدار هكذا طبقا لمبادئ حركة التجارة المنصفة اليوم.  الشركة الاقتصادية الضخمة التي ترغب في أن تتاجر دوليا يجب عليها أن تستخدم شركات متابعة وإشراف لفحص أداءها وترفع تقريرا عنه إلى منظمة التجارة المنصفة (FTO).  من بين المعايير التي تطبقها شركات الإشراف والمتابعة هذه يجب أن تكون هناك شرط بأن تدفع الشركات الاقتصادية بالكامل تكلفة الإنتاج بنفسها، بدلا من إغراق الشعوب الأخرى أو البيئة بهذه التكلفة.

وهكذا، كيف يمكن أن يحدث أي من ذلك؟  كل المعاهدات الدولية تقع والتهديد باستخدام القوة ورائها، وإذا ما كنا بصدد وضع أشكال جديدة لهم، يجب على من هم ضعفاء اليوم أن يكتشفوا وسائل يصبحون بها أقوياء.  اعتقد إن مثل هذه الوسائل قائمة الآن.  الأمم الفقيرة تمتلك سلاحا لم تدرك بعد انه كذلك.  هذا السلاح هو ديونهم.

 يقال غالبا انك لو كنت مدينا للبنك بألف دولار، إذا أنت في مشكلة، ولكنك لو كنت مدانا له بمليون دولار، إذا فالبنك هو الذي في مشكلة.  لذا، ماذا لو كنت مدانا للبنك بـ 2.2 تريليون دولار؟  ماذا لو كان النظام المالي الكوكبي مملوكا للأمم الفقيرة، فيما بينهم؟  لو هددوا بتوقف فجائي جماعي عن سداد الديون إذا لم يحصلوا على ما يريدونه، فإنهم بذلك سوف يحولون أعدائهم العظام – الأسواق المالية – إلى حلفاء لهم.  سوف تجبر البنوك على الذهاب إلى حكوماتها قائلة: إذا لم تعطونهم ما يريدون، سوف يحل بنا، وبكم، الخراب.  هذا هو دون غيره السلاح الذي يمتلكه العالم الفقير، ولكن هذا هو المقياس الذي يجب أن نفكر به إذا ما كنا جادين في عملية تحول كوكبي.

كما أن مواطني العالم الغني ليسوا مجردون من أسلحتهم أيضا.  حاليا، حليفنا الأعظم هو رئيس الولايات المتحدة.  منذ ثلاثة أعوام مضت، يهاجم [هذا الرئيس] نفس المؤسسات التي كان قد تم تصميمها لأجل أن تكون مصدر استمرار قوته: الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية، وحتى البنك والصندوق الدوليان.  بإقدامه على ذلك، هو يعرض الأمم القوية الأخرى لاختيار عار: إما أن يقبلوا من الآن فصاعدا أن يدار العالم مباشرة من واشنطن، دون اشتراكهم في ذلك بأي قدر، أو يبحثون عن بناء نظام متعدد الأطراف جديد.  ولقد فضلوا فعلا اختيار النظام الأخير، بإقامة المحكمة الجنائية الدولية، والسعي للتصديق على بروتوكول كيوتو للتغير المناخي.  ولكنهم لا يستطيعون الإقدام على قوة عظمى واحدة دون عون الآخرين، حرفيا الرأي العام الكوكبي.  ذلك يمنحنا الفرصة للتقدم والضغط بمطالبنا الخاصة.

ما قد حاولته هنا، في "عصر الاتفاق والقبول"، ليس وصف نهائي أو محدد لنظام جديد للعالم، ولكنه تحليل لأنماط القوة القائمة ونقاط ضعفها، وللأدوات التي قد نملكها لاستغلال نقاط الضعف هذه في محاولة قلب نظام غير عادل للعالم إلى أن يكون عادلا.  في نظر بعض الناس سيكون ذلك اقل من طموحهم، وفي نظر الآخرين هو تفاؤل أهوج.  ولكن أملي أن يساعد كلامي في إثارة الجدل وتركيز التفكير حول المسألة التي تحوم خلف كل القضايا التي نشتبك معها: ماذا نفعل مع السلطة الكوكبية؟  الوسائل التي اقترحتها ليس فيها ما هو سهل أو مؤكد النجاح.  ولكن ما يبدو لي هو انه إذا لم نسعى لتدبير وابتكار برنامج سياسي ذو بعد كوكبي، لن نكون على يقين إلا بالفشل.


كتاب جورج منبيوت "عصر القبول والاتفاق" صدر في بريطانيا عن دار نشر فلامينجو.  سوف يصدر في الولايات المتحدة العام القادم من دار "نيو برس"، تحت عنوان "مانيفستو لنظام عالمي جديد".  يوجد أرشيف من حوالي 500 مقالة في موقعه بالانترنت: www.monbiot.com.


عودة إلى المناظرة

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية