كثيرون يعيشون أزمة، فإدارة الرئيس بوش تعيش أزمة
افتعال أسباب التورط في احتلال العراق والاستنزاف اليومي
المترتب عليه. وحكومة شارون تعيش أزمة الإغراق
في تدمير بنية المجتمع الفلسطيني وبناء سور الفصل العنصري في الأراضي
الفلسطينية، إضافة لتهم الرشاوى والفساد. والسلطة الوطنية تعيش أزمة
انغلاق الأفق السياسي للمشروع الوطني، إضافة للضعف وفقدان الاتجاه.
الأقوياء قد ينجحون في تصدير أزماتهم أو الالتفاف
حولها وتجاوزها. وإذا لم يفلحوا في الإفلات, فإنهم يسقطون لمصلحة
معارضيهم، وربما يعود ذلك بالفائدة على بلدانهم والشعوب المعتدى عليها.
أما سقوط الضعفاء، "نحن"، فقد يؤدي إلى نتائج وخيمة تعود مضارها على
الجميع، سلطة ومعارضة وشعبا، وذلك في شروط الصراع مع احتلال يطرح تقويض
المجتمع والسلطة والحركة السياسية على حد سواء.
لا أحد ينكر الأزمة التي تعصف بالوضع الفلسطيني، ولكن
تباين التشخيص، وتعدد سبل الخروج والإفلات من بين براثنها هو محط الخلاف
المزمن. بادئ ذي بدء يمكن القول أن الأزمة بدأت، بأفول نجم الحل السياسي
الموعود، الذي كان الخيار الوحيد للسلطة والمنظمة من موقع التبني
والالتزام. وكان على ما يبدو الخيار الوحيد أيضا للمعارضة والمعارضين على
اختلاف ألوانهم، ولكن من موقع الرفض والمعارضة. ربما يبدو هذا الطرح
غريبا، وهو نادر الحدوث فعلا، لكنه حدث معنا، فقد انفجرت الانتفاضة بعد
فشل التفاوض في إيجاد حل سياسي. والانتفاضة جاءت هنا بصيغة الاعتراض
الشعبي، ولم تكن خيارا آخرا جرى الإعداد له ضمن استراتيجية بديلة، لا من
قبل السلطة، ولا من قبل المعارضة. وبقيت استراتيجية التفاوض والحل
السياسي على حالها و كما كانت قبل الانتفاضة. وبقيت استراتيجية رفض الحل
السياسي الذي تطرحه السلطة من قبل المعارضة، ولم تتقدم المعارضة بمشروع
حل سياسي بديل كهدف للانتفاضة.
وتعاملت السلطة مع الانتفاضة لتحسين شروط التفاوض
والحل ضمن حدود ضيقة، كما تعاملت المعارضة مع الانتفاضة لقطع الطريق على
الحل السياسي الذي تتبناه السلطة فقط لا غير.
وثمة علاقة بين ترك الانتفاضة دون أهداف ومشاريع
سياسية قابلة للتحقيق وبين العسكرة وتراجع الطابع الجماهيري للانتفاضة،
لان تحقيق أي هدف سياسي يحتاج لزخم جماهيري منظم. وعندما لا تتقدم القوى
السياسية بأهداف وحلول مدعومة جماهيريا وبزخم الانتفاضة، فان الأطراف
الأخرى تسارع بملء الفراغ عبر المشاريع والمبادرات، وتصبح الانتفاضة تحت
رحمة تلك المشاريع. وهذا ما حدث، حيث جرى تقديم مشاريع " تينت وميتشل
ورؤية بوش وخارطة الطريق وخطة شارون للفصل من جانب واحد" وجدار الفصل
العنصري، وقد قدمت تلك المشاريع على نار حامية، ومن خلال التدمير المنهجي
لبنية المجتمع ووحدة الأرض واستخدام أبشع أشكال العقوبات الجماعية. ومنذ
البدء بتقديم المشاريع انتزع من
الانتفاضة أحد أهم عناصر قوتها وهو زمام
المبادرة
السياسية، وشيئا فشيئا أغلق المسار والأفق السياسي
إلا في
وجهة واحدة فقط هي الوجهة الإسرائيلية ومشاريعها
التصفوية المدمرة والمرفوضة.
عندما تخلو جعبتنا من المشاريع والمواقف والمناورات
السياسية فان مقاومتنا وصمودنا يضعفان ونخلد للدفاع والانتظار، والانتظار
هو موت كل هبة أو انتفاضة جماهيرية. نحن الآن ننتظر، ننتظر نتائج
الانتخابات الأمريكية، وننتظر سقوط أو فشل شارون، وكنا قبل ذلك ننتظر
نتائج الحرب العراقية ووعودها الوردية! وفي رحم الانتظار تتفاقم الأزمة
وتنتشر أعراضها في كل مجال وناحية لتصيب منا مقتلا. إن هذا المآل ربما
يبدو منطقيا في ظل استنكاف الاتجاهات والمجموعات التي تملك إمكانية مد
الجسور والتوحد في إطار مصلحة مشتركة مع أكثرية الشعب، فإذا لم يبادر
الوطنيون الحقيقيون إلى وقف التداعيات فان المبادرة ستكون من نصيب من
تنتعش مصالحهم الأنانية الضيقة وتكبر في الأزمات. وقد أصبحنا في سباق مع
الزمن، ونحن نشاهد نمو وانتعاش الظواهر الخطيرة، كنمو مراكز القوى من
داخل أجهزة السلطة، ومراكز قوى من خارج السلطة كالمليشيات العسكرية التي
تفرض سيطرتها في العديد من المدن والمخيمات والمواقع، والأخطر من ذلك أن
هذه المراكز بدأت تأخذ القانون بيديها فتعاقب وتثيب بما يتماشى مع
مصالحها الفردية الضيقة، والنتيجة المنطقية لاتساع نفوذ مراكز القوى هذه
هي تفكك السلطة المركزية لمصلحة سلطات محلية هي النموذج المطلوب
إسرائيليا، نموذج
الكانتونات المنفصلة عن بعضها البعض، المتحاربة
داخلها
وفيما بينها على النفوذ والصلاحيات ومجال السيطرة
الجغرافية. إن تحول الصراع مع الاحتلال إلى
صراع داخلي
(فلسطيني-فلسطيني) يعد أكبر انتصار للاحتلال وأسوأ
هزيمة للشعب الفلسطيني. فهل يمكن السماح بذلك؟ سواء من خلال الانتظار
الذي يقود إلى تلك النتيجة المأساوية، أو من خلال المساهمة في تفكيك
الوضع الفلسطيني عبر مواصلة الفساد المالي والإداري في مؤسسات السلطة،
ذلك الفساد الذي شكل أنوية فعلية لمراكز القوى.
البعض يختصر الأزمة بالسلطة، فهي تتحمل مسؤولية كل
المشاكل والأخطاء بما في ذلك استنكاف بعض القوى والاتجاهات من خارج
السلطة عن المبادرة، ووفقا لهذا التقدير، فان الحل الأمثل هو اختفاء
السلطة أو انهيارها، وبعد ذلك لكل حادث حديث. لكن هؤلاء يقفزون عن ضرورة
تبلور بديل للسلطة، بديل يملك مشروعا وطنيا توحيديا، ويقدم أداء خلاقا،
وينطلق من الإنجازات التاريخية ويضيف إليها إنجازات جديدة. ويبدو أن
القوى المرشحة نظريا لتبادل السلطة هي القوى الإسلامية، لكن هذه القوى لا
تملك مشروعا سياسيا واقعيا وتوحيديا. فقد راوح مشروعها السياسي بين
التفجير والعسكرة وتحرير كامل التراب الفلسطيني التاريخي الذي ثبت انه
يقود إلى التصفية
والعزلة ودمج النضال الوطني بالإرهاب الدولي. وبين
الاستعداد الخجول لقبول خيار التسوية الذي تتبناه السلطة ومنظمة التحرير.
أما القوى اليسارية فقد تراجع أداؤها وتأثيرها في صنع القرار، فضلا أنها
لم تنافس على السلطة لا سابقا ولا الآن، وباتت تعيش في شروط من التضييق
قلصت من حرية حركتها في الخارج، ودفعتها نحو المزيد من التفاهم مع السلطة
والمنظمة. ولم تعزز الطبقة الوسطى والانتلجينسيا الفلسطينية مبادرات
جديدة كما جرت العادة قادرة على تجديد بنية الحركة الوطنية، وذلك بعد أن
آثر عدد كبير ومتزايد من متنوريها للعمل في منظمات أهلية غير حكومية
وممارسة المعارضة المريحة، من خلال نمط معين من الأنشطة المنعزلة عن
الجماهير ومعاناتها في معظم الأحيان.
عندما ينغلق الأفق السياسي ويترافق مع ذلك ضعف تبلور
البديل، تكون الأزمة أكثر تعقيدا. لكن الانهيار في ظل الشروط القائمة هو
أسوأ الاحتمالات، لأنه يصب بالتمام والكمال لمصلحة الاحتلال ومشروع
كنتوناته. ويبقى أن هناك مصلحة مشتركة لمجموع المأزومين في منع الانهيار،
فالمعارضة الإسلامية واليسارية والمستقلون يحتاجون فرصة اخرى لبلورة
قوتهم وجعلها قادرة ومؤهلة لتبادل السلطة.
والسلطة لها مصلحة في الاستمرار. لكن تجديد التعاقد السياسي يتطلب مبادرة
سياسية نشطة وفاعلة ومتصاعدة تفتح الانسداد وتعيد زمام المبادرة للنضال
الوطني، ويتطلب العودة المدروسة والمنظمة للنضال الجماهيري الواسع، الذي
يشكل صمام الأمان في مواجهة مراكز القوى والفساد داخليا وفي مواجهة
مشاريع الاحتلال خارجيا. إن العودة للنضال الجماهيري تبدأ بمقاومة جدار
الفصل العنصري الذي يلتهم الأرض الفلسطينية ويفتت بنية المجتمع الفلسطيني
بلا رحمة، وهو الخطر الداهم الذي لا يمكن السكوت عليه.
*كاتب فلسطيني يقيم في رام
الله. |