- فلسطين -

الجدار والسياسات الأميركية الإسرائيلية

نعوم تشومسكي

(الإتحاد الإماراتية) 24/2/2004


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

يسهل على الحكومات دائما أن تدفع بحجة الأمن القومي ما أن تقدم على اتخاذ أي خطوة مثيرة للجدل.   وكثيرا ما يتخذ الأمن القومي ذريعة لتمرير ممارسات وأفعال أخرى.   ليس أدل على هذه الحقيقة من الجدار الأمني الإسرائيلي العازل الذي انعقدت أولى جلسات سماعه في محكمة العدل الدولية في لاهاي، أمس الاثنين. 

 فالمعروف مسبقا عن هذه المحاكمة أنها ستقرر مدى شرعية الجدار أو عدمها.   وعلى أية حال، قلة هم أولئك الذين يسائلون إسرائيل في اتخاذ ما تراه من إجراءات وتدابير أمنية تستهدف حياة مواطنيها ضد الهجمات الإرهابية التي يتكرر تعرضهم لها.   أقرب وآخر هذه الهجمات كانت قد وقعت يوم أمس الأول، كما رأينا عبر شاشات التلفزيون والفضائيات.   لا غضاضة من حيث المبدأ على أي إجراء وقائي يستهدف تأمين حياة المواطنين، بما في ذلك الجدران الأمنية، إن كانت هي الوسيلة المناسبة لتحقيق ذلك الهدف.   غير أنه يكون واضحا منذ البداية المكان الذي سيبنى فيه جدار كهذا، فيما لو كان الأمن هو الهاجس الحقيقي والوحيد.   بالنسبة لإسرائيل، فإن من الواجب أن يقام جدارها الأمني داخل حدودها السياسية والجغرافية المعترف بها دولياً، والمعنى هنا" الخط الأخضر" الذي تم ترسيمه بعد حرب عام 48-1949.   وفي هذه الحالة، يمكن أن يكون هذا الجدار محرما، كما أرادت له السلطات الإسرائيلية.   كما يمكن حمايته وحراسته من قبل الجيش الإسرائيلي من كلا الجانبين.   ويمكن زرع منطقته بالألغام الكثيفة، إضافة إلى تحصينه وجعله غير قابل للاختراق تماما.   عندها، لن تكون هناك أدنى غضاضة على جدار كهذا، ولن يثير احتجاجات أحد، ولن تقام التظاهرات ضده، كما لن تكون إسرائيل قد انتهكت بأي درجة من الدرجات، القانون الدولي.   
ليست هذه الملاحظة لي أنا وحدي، بل هي مفهومة على نطاق عام وواسع.   فحتى بريطانيا التي تؤازر الولايات المتحدة الأميركية في رفضها واحتجاجها على مساءلة إسرائيل قانونيا أمام محكمة العدل الدولية حول مدى مشروعية الجدار العازل الذي تقيمه حاليا، نجد أن وزير خارجيتها جاك سترو، يكتب معربا عن موقفه الشخصي، واصفا الجدار بـ" عدم الشرعية"! إلى ذلك عبر وزير بريطاني آخر عن رأي مشابه بقوله: أعتقد أن الواجب كان أن يشيد الجدار داخل حدود الخط الأخضر، باعتباره الحدود الإسرائيلية المعترف بها دوليا، وليس على أراضي الفلسطينيين.   يذكر أن هذا الوزير البريطاني، كان قد حقق بنفسه في مسألة الجدار الأمني هذا.   ليس ذلك فحسب، بل طالبت لجنة تحقيقات برلمانية بريطانية بأن يبنى الجدار داخل الحدود الإسرائيلية، وليس على أراضي الغير.   النص المحدد الذي ورد على لسان هذه اللجنة هو أن يبنى الجدار على الأقل في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر.   واستنكرت اللجنة المذكورة خطوة إقامة الجدار الحالي، واصفة إياها بأنها خطوة متعمدة، قصدت بها إسرائيل زحزحة السكان من تلك المناطق التي كانوا يقيمون فيها، وإرغامهم على الفرار منها.   
والواقع فإن الناتج النهائي لهذا الجدار، أنه يسلب الفلسطينيين جزءا من أراضيهم.   هذا علاوة على كونه امتدادا لما أسماه الباحث السوسيولوجي الإسرائيلي البارز باروخ كيمرلينج بحرب "التطهير السياسي" للفلسطينيين.   فالجدار يسعى لتحويل حياة الفلسطينيين إلى زنزانة صغيرة خانقة، تبدو إلى جانبها أراضي البانتو في جنوب إفريقيا السابقة، قلاعا للحرية والديمقراطية، وصرحا للسيادة الوطنية والتمتع بحق تقرير المصير! فقد كانت تلك الأراضي الخاصة بقبائل البانتو السوداء، تتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي في ظل نظام الفصل العنصري السابق.   وحتى قبل البدء فعليا في بناء الجدار العازل، كانت الأمم المتحدة قد قدرت أن مجموع الحواجز الإسرائيلية القائمة أصلا، مضافة إليها مشروعات بنيتها التحتية الأخرى ومستوطناتها، أدت لنشوء خمسين جيبا من جيوب الأراضي الفلسطينية المنفصلة والمعزولة عن بعضها البعض في الضفة الغربية.   
وما أن بدأ العمل في إنشاء الجدار، حتى ذهبت تقديرات البنك الدولي للتنمية والتعمير، إلى أن المتوقع أن تسفر هذه الخطوة عن عزل ما يتراوح بين 250 إلى 300 ألف من الفلسطينيين عن بعضهم البعض.   وللعلم فإن هذه النسبة تربو على 10 في المئة من إجمالي عدد السكان الفلسطينيين.   مقابل هذا، ذهبت تقديرات البنك الدولي نفسها إلى القول إن من المحتمل أن يسفر الجدار عن ضم 10 في المئة من أراضي الضفة الغربية لإسرائيل.   وبالفعل فقد اتضح بمجرد نشر حكومة رئيس الوزراء الحالي إرييل شارون خريطتها المقترحة، أن الجدار سيوزع أراضي الضفة الغربية إلى 16 جيبا صغيرا، كل منها معزول عن بعضه البعض.   والأهم من ذلك أن هذه الجيوب سيقتصر توزيعها على مساحة لا تتعدى 42 في المئة فحسب، من أراضي الضفة الغربية.   الغريب والمثير للدهشة والسخرية في آن، أن هذه هي الضفة الغربية التي وعد شارون بإمكانية التنازل عنها، وإخلاء المستوطنات الإسرائيلية المقامة فيها، كي تسترد كأرض خاصة بالفلسطينيين، وتكون تابعة للدولة الفلسطينية! أي سخرية هذه.  وأي ذر للرماد في العيون!!!
أما الواقع فهو أن الجدار العازل قد التهم سلفا الأجزاء الأكثر خصوبة من أراضي وأطيان الضفة الغربية.   كما أنه وسع من مدى ودائرة سيطرة إسرائيل على موارد ومصادر المياه الأكثر أهمية وحيوية.   وفي هذه الحالة فإنه سوف يكون متاحا لإسرائيل ومستوطنيها أن يستغلوا هذه المصادر المائية كيفما شاءوا، في الوقت الذي يتعطش فيه المواطنون الفلسطينيون أصحاب الأرض الحقيقيون، لقطرة ماء واحدة تبلل حلوقهم اليابسة. 
وفي ظل انحباسهم ما بين سندان الجدار العازل ومطرقة الخط الأخضر، سوف يتاح للفلسطينيين حق الإقامة والبقاء في منازلهم.   أما لإسرائيل فسوف يكفل لها حق آلي في استخدام كافة الأراضي كيفما شاءت.   عن ذلك كتبت الصحفية الإسرائيلية أميرة هاس في صحيفة " هأرتس" تقول واصفة هذه الاستراتيجية: "في الاختباء والتستر وراء ذرائع الأمن القومي ومفردات لغة الأوامر العسكرية البيروقراطية المحايدة، يكمن المخرج للتعبير عن نوايا طرد الفلسطينيين من ديارهم وإرغامهم على الفرار منها".   وأضافت هذه الصحفية قائلة: على أن ذلك سوف يمضي بانتظام، وقطرة فقطرة، ودون أن يثير حفيظة الرأي العام العالمي ولا تذمره، أو حتى يلفت نظره! وفي المنحى ذاته، تمضي العمليات الوحشية اليومية، ومسيرة إذلال مستمرة بلغ مداها 35 عاما من الاحتلال الوحشي، سرقت خلالها موارد الحياة نهارا جهارا أمام عيون أهلها. 
وفيما يبدو، فإن المرجح أن تعمل إسرائيل على ترحيل حوالي 7500 فرد من مستوطنيها لأراضي الضفة الغربية المحتلة، من أولئك المقيمين في مستوطنات قطاع غزة التي أعلنت الحكومة عزمها على إخلائها خلال الشهر الحالي.   وهؤلاء الإسرائيليون يتمتعون اليوم بموارد أراض ومياه عذبة وفيرة، في الوقت الذي يعيش فيه مليون فلسطيني بالكاد، وتكاد الموارد المائية المتاحة لهم تكون غير صالحة للاستخدام.   الصورة المأساوية الماثلة الآن- والتي لا سبيل لمغالطتها بلغة الأوامر البيروقراطية الأمنية- هي أن غزة عبارة عن قفص ضيق خانق.   وبما أنه يجري على نحو منتظم تدمير وتخريب مدينة رفح الواقعة جنوبا، فإنه ليس مستبعدا أن يتم حرمان الفلسطينيين من الدخول إلى مصر، ومن الوصول إلى المنافذ البحرية الساحلية في الوقت ذاته.   
المهم الذي يجب أن يقال هنا، هو أنه من الضلال أن تسمى هذه السياسات بأنها سياسات إسرائيلية خالصة.   بل هي في الواقع سياسات أميركية- إسرائيلية، قيض لها أن تتواصل وتستمر، بفضل الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الأميركي الذي لا ينقطع لإسرائيل.   وهذه هي الحقيقة التي ظلت كما هي منذ عام 1971.   ففي ذلك العام، كانت إسرائيل هي من رفض عرض سلام سخي تقدمت به مصر، مفضلة بذلك الرفض سياسة التوسع على الأمن.   التعويل إذا، لن يكون على القرار الذي ستصدره محكمة العدل الدولية حول مصير الجدار.   فذلك لن يقدم أو يؤخر شيئا في هذا الواقع.   ولا يزال القرار الحاسم الذي يحدد المصير، بيد الولايات المتحدة قبل أي جهة أخرى.


أستاذ اللغويات في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ومفكر أميركي يهودي بارز

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية