|
تاريخ فكرة الطليعة
خلع النظرية الاجتماعية عن العادات التي نشأت عليها
الطليعة قد تبدو مهمة صعبة لان النظرية الاجتماعية الحديثة وفكرة الطليعة
قد ولدتا لحد ما معا. من ناحية أخرى، الأمر كذلك مع فكرة حراس المقدمة (avant
garde) الفنية، وقد تطرح العلاقة نفسها بين
ثلاثتهم احتمالات غير متوقعة.
صك هنري دو سان سيمون مصطلح ’حراس المقدمة‘ في سلسلة
من مؤلفاته كتبها في أخريات أيام حياته. وحذا حذوه هذا الذي كان في احد
الأوقات سكرتيره واحد حوارييه (وفيما بعد، أنكى منافسيه، أوجست كونت)؛
سان سيمون كان يكتب في ظل الثورة الفرنسية، وكان يسأل بالأساس ما هو
الخطأ الذي وقع: انتقال مجتمع العصور الوسطى الإقطاعي الكاثوليكي إلى
مجتمع ديموقراطي صناعي عصري لماذا يؤدي هذا الانتقال إلى إنتاج كل هذا
العنف الهائل والانخلاع الاجتماعي؟ المشكلة كما استنتجها سان سيمون، هي
أن هذا المجتمع الحديث يفتقد لأي قوة تماسك إيديولوجي تستطيع أن تلعب نفس
الدور الذي كانت تلعبه الكنيسة مع المجتمع السابق، الدور الذي كان يعطي
لكل فرد شعورا بأنه يشغل مكانا له معنى داخل النظام الاجتماعي الكلي.
عند دنو أجلهما، انتهى سان سيمون وأوجست كونت إلى خلق دين خاص بكل منهما:
أطلق سان سيمون على دينه اسم ’المسيحية الجديدة‘، واسماه كونت،
’الكاثوليكية الجديدة‘. مع الدين الأول، كان مقدرا للفنانين لعب دور
القيادة الروحية الأعلى؛ ففي حوار تخيلي مع احد العلماء، كان لدى سان
سيمون فنانا يشرح أن دورهم هو وضع تصورات عن صور المستقبل المحتملة
وإلهام الجمهور بها، فهم بذلك يلعبون دور حرس المقدمة، وهي ’وظيفة
كهنوتية بشكل حقيقي‘، كما يطرح سان سيمون. في المستقبل المثال، سوف
يحتضن الفنانون الأفكار حتى يكتمل نموها وتخرج من حضاناتهم إلى أيدي
العلماء ورجال الصناعة لتنفيذها. ربما كان سان سيمون هو أول من وضع
مفهوما عن فكرة ذبول واضمحلال الدولة: فور ما يصبح واضحا أن السلطات تعمل
من اجل الخير العام للجمهور، فلن يحتاج المرء بعد الآن إلى قوة لإرغام
الجمهور على احترام النصح أكثر من احتياجه إلى قوة لإرغام المريض على
قبول نصيحة أطبائه المعالجين.
سوف تمر الحكومة بتحولات تنتهي على الأغلب إلى وظيفة
ما محدودة للشرطة. كونت هو، بالطبع، الأكثر شهرة كمؤسس لعلم الاجتماع؛
واخترع المصطلح ليصف ما كان يراه كـ "النسق السيد
master-discipline"، الذي هو
قادر على كلا من فهم وإدارة المجتمع. وقد انتهي إلى اتخاذ مقاربة أكثر
سلطوية بكثير، تقترح في نهاية الأمر صياغة أحكام وتفرض سيطرة على كافة
جوانب الحياة الإنسانية طبقا لمبادئ علمية، مع دور الكهانة العليا في
كاثوليكيته الجديدة يلعبه رجال علم الاجتماع أنفسهم.
إنها معارضة تثير الخيال على نحو خاص، لأنه في بواكير
القرن العشرين، انعكست المواقف على نحو فعال. فبدلا من السان سيمونيين
اليساريين الذين يصبون إلى الفنانين من اجل القيادة، بينما الكونتيين من
الجناح اليميني يتوهمون أنفسهم علماء، أصبح لدينا زعماء فاشيين مثل هتلر
وموسيليني يتخيلون أنفسهم فنانين عظام يلهمون الجماهير، وينحتون المجتمع
طبقا لرؤاهم المجيدة، وأصبحت لدينا الطليعة الماركسية التي ادعت دور
العلماء.
على أية حال، سعى السان سيمونيون إلى ضم الفنانين إلى
صفوفهم من اجل مشاريعهم، وصالوناتهم، وتجمعاتهم الطوباوية؛ برغم انهم
سرعان ما تعرضوا لصعوبات لأن الكثيرين داخل دوائر حراس المقدمة الفنية
فضلوا إتباع فورييه الأكثر أناركية. فعليا، عدد فناني القرن التاسع عشر
ذوي الميول الأناركية هو عدد متعاظم، يمتد من بيسارو لتولستوي أو اوسكار
وايلد، دون ذكر لفناني أوائل القرن العشرين الذين أصبحوا فيما بعد
شيوعيين، من ماليفيتش إلى بيكاسو. يكاد غالب الفنانين الراديكاليين،
يرون أنفسهم كمكتشفين يسبرون أنماط جديدة واقل اغترابا من الحياة، أكثر
من رؤيتهم لأنفسهم كطليعة سياسية تقود الطريق إلى مجتمع المستقبل.
التطور الذي له مغزى حقيقي في القرن التاسع عشر كانت هي فكرة بوهيميا
أكثر منها فكرة الطليعة السياسية (بوهيميا مصطلح صاغه بلزاك في 1838):
مجتمعات هامشية تعيش في فقر طوعي بشكل ليس أكثر ولا اقل، ينذر البوهيميون
أنفسهم للسعي وراء تجربة أشكال إبداعية غير مغتربة، توحدهم كراهية عميقة
للحياة البرجوازية وضد أى شيئ يدافع عنها. كانوا أيديولوجيا وبشكل
تقريبا متساوي من أنصار ’الفن من اجل الفن‘ أو ثوريين اجتماعيين.
استخدمت فكرة الطليعة السياسية بشكل واسع وبشكل رحب
جدا في القرن التاسع عشر لوصف أي فرد يعتبر من وجه نظر ما ساعيا لسبر
أغوار طريق يؤدي إلى مجتمع مستقبلي حر. غالبا ما كانت الصحف
الراديكالية، على سبيل المثال، تطلق على نفسها ’حراس المقدمة‘. لقد كان
ماركس على الرغم من ذلك، هو الذي بدأ في إحداث تغيير له وزنه للمعنى عن
طريق تقديم فكرته القائلة بأن البروليتاريا هي الطبقة الثورية حقا – هو
لم يستخدم حرفيا مصطلح "الطليعة" في كتاباته – لأن الطبقة العاملة تكون
الأكثر وقوعا تحت الاضطهاد، أو كما طرحها "لانتفائهم" بواسطة الرأسمالية،
ولذلك ليس لديهم ما يخسرونه عند إلغائها [الرأسمالية - المترجم].
باعتماده ذلك، نفى ماركس احتمالات أن الجيوب الأقل اغترابا، سواء كانوا
من الفنانين أو أنواع من الحرفيين والمنتجين الصغار المستقلين الذين
كانوا العمود الفقري للأناركية، أن هؤلاء ليس لديهم شيئا له ثقلا
يستطيعون تقديمه. والنتيجة نعرفها جميعا. فكرة حزب الطليعة الذي ينذر
نفسه لكلا من تنظيم هذه الطبقة الأكثر اضطهادا المختارة كوسيط لحركة
التاريخ ومن اجل منحها مشروعا فكريا، ولكن أيضا، ينذر نفسه لإشعال شرارة
الثورة من خلال استعدادهم لاستخدام العنف، هذه الفكرة أوضحها لأول مرة
لينين في 1902 في كتابه ’ما العمل؟‘ وتردد صداها إلى ما لا نهاية منذ ذلك
الحين.
كل ذلك ترك تأثيرا عجيبا على حراس المقدمة الفنانين
الذين بدأوا بشكل متزايد في تنظيم أنفسهم على شاكلة الأحزاب الطليعية،
بداية من الدادائيين والفيوتشريين، يطبعون المانيفستو الخاص بهم،
والمنشورات، ويقومون بعمليات التطهير داخل صفوفهم، بشكل آخر (وفي بعض
الأحيان بشكل قصدي) يجعلون من أنفسهم صورة هزلية للنحل الثورية. الانصهار
النهائي جاء مع السيريالية وفي الختام مع الأممية الحالاتية (Situationist
International)، التي كانت من ناحية أكثر
جماعة منهجية في محاولة تطوير نظرية للحركة الثورية طبقا للروح البوهيمية،
تفكر فيما يعنيه حقا تدمير الحدود بين ما هو واقعي وما هو فن؛ إلا انه من
ناحية اخرى، وفي نفس الوقت، أظهرت في تنظيمها الداخلي الخاص نوعا من
الروح الحلقية المجنونة المليئة بالعديد من الانقسامات، وحملات التطهير،
والكراهية المرة التي علق عليها جي ديبور في النهاية بان الاستنتاج
المنطقي الوحيد للأممية كان هو أن تقتصر فقط على عضوين، سيقوم واحد منهم
بتطهير الآخر ثم ينتحر. (وهو القول الذي لم يكن يبعد كثيرا عما حدث
فعلا.)
الإنتاج غير المغترب
لماذا كان غالبا ما ينجر الفنانون إلى العمل السياسي
الثوري؟ يبدو لي أن الإجابة يجب أن يكون لها علاقة ما بالاغتراب. سوف
يظهر أن هناك علاقة مباشرة بين خبرة التخيل الأولى للأشياء ثم خلقها في
الحقيقة، هذا من ناحية – (وذلك يعني، خبرة أشكال معينة من الإنتاج غير
المغترب) – وبين القدرة على تصور بدائل اجتماعية، على الناحية الأخرى،
وبالأخص احتمال قيام مجتمع على أشكال إبداع اقل اغترابا. قد يسمح ذلك
لنا بأن تدرك مشاعرنا ضوءا جديدا للتحول التاريخي بين رؤية الطليعة
كفنانين غير مغتربين نسبيا (أو ربما مثقفين) وبين رؤيتهم كممثلين "للأكثر
تعرضا للاضطهاد". في الواقع، كما قد افترض، تميل التحالفات الثورية
دائما لان تتشكل من تحالف بين الأقل اغترابا في المجتمع وبين أكثرهم
اضطهادا. وهي صيغة اقل نخبوية كما قد تبدو لأن من الظاهر أن الثورة
الفعلية تميل للحدوث عندما تتطابق هاتان الشريحتان. وقد يفسر هذا على
أية حال لماذا يكاد الفلاحون والحرفيون أن يكونوا دائما– أو كبديل، الناس
الذين تحولوا إلى عمال صناعيين حديثا من الفلاحين أو الحرفيين – هؤلاء هم
الذين ينتفضون ويطيحون بالأنظمة الرأسمالية، وليس أولئك الذين طحنتهم
أجيال من عبودية العمل المأجور.
في النهاية، اشك في أن هذا أيضا قد يساعد على توضيح
الأهمية الفائقة لنضالات السكان الأصليين في هذه الهبة الكوكبية التي
يشار إليها عادة باسم حركة "مناهضة العولمة": مثل هؤلاء الناس يميلون إلى
أن يكونوا الأقل اغترابا والأكثر تعرضا للاضطهاد على الأرض، وفور ما يصبح
من الناحية الفنية في الإمكان تضمنهم في التحالفات الثورية، سيكون
اتخاذهم لدور قيادي أمرا لا يمكن تفاديه.
يقودنا دور السكان الأصليين، بدوره، إلى العودة إلى
دور الإثنوغرافية كنموذج محتمل للمثقف الثوري الذي لا يتلبس دور الطليعة
– بالإضافة إلى بعض السقطات المحتملة. ما اقترحه بشكل واضح سوف يكون
صحيحا فقط إذا ما كان، في نهاية المطاف، شكلا من الإثنوغرافية الذاتية،
ربما متحدا مع نزعة استكشاف طوباوية نوعا ما: قضية إشباع رغبة الخروج
بالمنطق الضمني أو المبادئ التي تحدد أشكال معينة للممارسة الراديكالية،
ومن ثم، لا تزود هذه المجتمعات وفقط بالتحليل مرة اخرى، ولكنها تستخدم
هذا التحليل أيضا لصياغة رؤى جديدة ("لو طبق المرء نفس المبادئ كما تطبق
أنت التنظيمات السياسية على الاقتصاد، هل لا يبدو الأمر شيئا من هذا
القبيل؟") هنا أيضا، توجد نماذج موازية وموحية في التاريخ للحركة
الراديكالية الفنية، والتي أصبحت حركات بالضبط كما أصبحت نقادها أنفسهم؛
وأيضا هناك من المثقفين من يحاول فعلا أن يقوم بالضبط بهذا النوع من
الإثنوغرافية الذاتية. ولكني أقول أن كل ذلك لن يزودنا كثيرا بالنماذج
قدر انه يفتح مجال النقاش، أولا وقبل كل شيئ، بالتأكيد على انه حتى فكرة
الطليعية نفسها هي أكثر ثراء في تاريخها، وتمتلئ بالاحتمالات البديلة
أكثر مما نضمره من توقعات.
-
نص محرر من مقالة نشرها
مركز الإعلام المستقل لمنطقة خليج سان فرانسيسكو في:
-
http://sf.indymedia.org/news/2003/06/1615559.php
-
نقاط رئيسية لخطاب في
مؤتمر ’موضوعات تاريخية: الحركات الاجتماعية الماضي، الحاضر، المستقبل‘
في المدرسة الحديثة للبحث الاجتماعي بنيويورك. لمزيد من المعلومات:
-
http://www.newschool.edu/gf/historymatters
ديفيد جريبر هو عالم
انثروبولوجى بجامعة ييل، بالولايات المتحدة. يعمل مع: شبكة العمل
المباشر، والعمل الكوكبي للشعوب، وشبكة عمل البدائل الكوكبية. يكتب
حاليا اثنوغرافية العمل المباشر، وهو مؤلف نحو نظرية انثروبولوجية
للقيمة: العملة المزيفة لأحلامنا (دار نشر بالجريف 2001). الآتي القريب
هو الكارثة: السحر والتاريخ في ريف مدغشقر، ونشرة شائكة لإطار تسمى أجزاء
انثروبولوجية أناركية (تخرج في ابريل 2004)، وأيضا كتاب يسمى إعادة
اختراع الثورة والعمل المباشر: اثنوغرافية. |