في عشية الاحتفال السنوي
العاشر بانتفاضة الزاباتيستا، يناير 1994، كان لدى المتمردين من السكان
الأصليين مفاجأة غير متوقعة لآلاف الأنصار الذين تجمعوا هنا في شياباس
ليعبروا عن احترامهم للمناسبة - - لم يقيموا احتفالا...
لم تكن هناك مظاهر احتفال باهرة، ولا مسيرات حاشدة
إلى سان كريستوبال، ولا مبادرات سياسية جسورة جديدة، وبالتأكيد لم تكن
هناك هبة مسلحة جديدة. حدث بدلا من ذلك سلسلة من الاحتفالات الهادئة في
كل مركز من مراكز الكاراكول الزاباتيستية الخمسة، حضرها عدد متواضع من
المقاتلين ولحد ما عدد اكبر من المؤيدين المكسيكيين والدوليين.
هنا في مركز قيادة وطن الزباتيستا الأم، اوفنتيك، رقص
بعض من 800 من الناس طوال الليل في الطين والجليد. تذكرت ليلة اخرى لرأس
السنة هنا في ذات نفس البقعة منذ عدة سنوات مضت، في هذه الليلة تواجد
آلاف من المقاتلين وقد خرجوا بسلاحهم.
الاحتفالات الرزينة هذه الليلة (مر منتصف الليل بدون
جلبة ولا صخب)، الرسالة الخالية من البريق التي قرأها احد المتمردين
المقنعين مجهول الهوية، والفراغ الواسع المحيط بالحشد، دفع بعض الصحفيين
الحاضرين للسؤال – إلى أين مضى الزباتيستا؟
الديالكتيك
يدعي الرئيس فوكس انه أنهى الصراع وجاء بالسلام إلى
شياباس، وينبأ التيار العام من المحللين السياسيين بنهاية الزاباتيستية.
1994 – 2004: الوهم الكبير، الإحباط الأعظم، هذا هو عنوان "البروسسو"
هذا الأسبوع، أكثر المجلات الأسبوعية السياسية تميزا في المكسيك. محتوى
المقالة، الذي يقول أن انتفاضة الزاباتيستا لم تحقق وعودها وجاءت بالقليل
ولكن بمزيد من البؤس على هذه المجتمعات الدنيا، يكتسب انتشارا.
الزاباتيستا قوة استهلكت، لا تملك إجابة على التحديات الجديدة للقرن
الواحد وعشرين، وتفقد أرضيتها عند المجتمعات المحلية وان ماركوس أصابه
الخبل: هذا ما تطحنه طاحونة الناقدين، ولكن انه أيضا ما يقوله
المتعاطفون.
"أن تظل موجودا هنا فهو نصر"، هذا ما يقوله احد
محاربي الزاباتيستا القدامى في اوفنتك.
وأضاف، "حسنا، نصر صغير."
يمكن اعتبار أن هذه الانتصارات الصغيرة، بينما هم
محصورون بالجيش المكسيكي ومهددون بقوات الشرطة السرية شبه العسكرية،
كإنجازات حقيقية. حين يتدبر المرء مصير حركات المقاومة عند جواتيمالا،
والسلفادور، ونيكاراجوا المجاورين في الثمانينات – خلفاء الـ EZLN
الأقدمون، عندئذ قد
يكون النصر ما زال باقيا هنا، ولم يذبح بعد.
تلا علينا شاب من الزاباتيستا رسالة نهاية العام في
اوفنتيك. لم تخاطب الرسالة الإنجازات التي حققتها مقاومة الزاباتيستا
طوال سنواتها العشر التي هي فعلا إنجازات تاريخية باهرة ولكنها بدلا من
ذلك ركزت على المكاسب الملموسة فى العام الماضي وجده – تماسك المقاطعات
ذات الحكم الذاتي، إنشاء مناطق
أنصاف الدوائر (Caracoles)
الخمسة واللجان السياسية (Juntas)
الجديدة للحكومة الصالحة.
تلا علينا الزباتيستا الشاب ذو القناع، "استطعنا
التقدم في كفاحنا، في مهماتنا المختلفة. أثناء 2003 احززنا مكاسب
هامة." وقال، "إننا نطلب من الرفاق (companeros)
والرفيقات (companeras)
في كل منطقة وفي كل مقاطعة، ببساطة أن يستمروا في العمل."
لم تصدر منشورات نشوانة بالحب والهياج، ولا نداءات
شاعرية من اجل التمرد الكوكبي، ولا توقيع
نبرة المساعد
ماركوس المميزة،
مجرد ما ينتج عن مقاومة محلية، عن عملية بناء لمجتمعات محلية راديكالية
وعملية تشغيل الحكم
الذاتي.
من التحرر الوطني إلى
الحكم الذاتي المحلي
"أنت في مقاطعة للزباتيستا. هنا يحكم الناس والحكومة
تطيع، “ هذا ما تقوله اللافتة خشنة الصنع التي تصادفك وأنت تدخل عاصمة
نصف دائرة ’المقاومة والتمرد من اجل الإنسانية‘ للزباتيستا، اوفينتك.
وهذه هي رسالة الاحتفال السنوي العاشر.
من اجل هذا مات الذين ماتوا. هؤلاء الذين سقطوا في
باحة سوق اوكوسينجو ورانشو نويفو عام 1994، أو في ضواحي البوسك عام 1998،
وبالطبع ضحايا مذبحة اكتيال. من اجل هذا كافح الآلاف من
السكان الأصليين
في الوديان والأراضي
العالية والأحراش في شياباس، ليحكموا أنفسهم، وليقاوموا محاولات الحكومة
الاعتداء على سيادة الشعب، وعلى أراضيهم، وعلى ثرواتهم الطبيعية.
ما بدأ منذ عشر سنوات تحت زعم المدرسة القديمة في
الكفاح من اجل التحرر الوطني ("أعطينا قواتنا المسلحة،الـ
EZLN، الأوامر
التالية: تقدموا إلى عاصمة البلاد، واهزموا الجيش المكسيكي الفيدرالي"
إعلان الحرب، 31 ديسمبر 1993) أصبح هو الآن
النضال الطويل من اجل الإدارة الذاتية المحلية، من اجل السيطرة بشكل
حقيقي على معيشتهم يوما بيوم.
يتحرك الزباتيستا قدما، في ظل ماركوس أو بدونه، خلسة
وبدهاء، أما الآن، فنهاية الزباتيستية التي يدعيها الناقدون قد تكون مجرد
نهاية ماركوس والمغامرون الزباتستيون الأكثر حبا في الظهور. أما السلام
الخرافي الذي يدعيه فوكس ربما يكون مجرد استهلال لتغيير ثوري غير عنيف
لهيكل السلطة في شياباس الذى قد يصبح قادرا
على ترديد صداه على المستوى القومي والدولي
وبالفعل على
المستوى الكوني.
ليلة تساقط نطف
الجليد في اوفنتك
اخترقت الألعاب النارية سماء الليل الغائمة ورقص
الحشد الذي كان غالبيته من الشباب طوال الليل. برغم الطين ورياح الجبل
الباردة، كان الجو العام مرحا وكان هناك ما يزال شيئا حميميا جدا في هذا
الاحتفال الرزين للمقاومة. في مثل هذا اليوم من العام الماضي هبط 20 ألف
من الزاباتيستا على سان كريستوبال وأشعلوا أكوام ضخمة من نيران الحطب
ليذكروا الناس انهم لم يرحلوا. هذا العام شعر الزاباتيستا بعدم الحاجة
لاستعراض كبير. أن تكون حيا، انتصار صغير، أن تكون قادرا على البهجة
والكفاح.
قال الشاب المقنع مذكرا إيانا، "فقط في وجود الثائر
المتمرد، نستطيع أن نستمر في بناء حكمنا الذاتي."
رامون رايان يعيش في
شياباس. |