- الحركة الاجتماعية -

عشر سنوات في شياباس

جوستين بودر

2 يناير 2004.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

الأول من يناير 2004 سوف يكون الاحتفال السنوي العاشر لانتفاضة الزاباتيستا في شياباس، بالمكسيك.  في 2004، يمر عشرون عام على تأسيس الجيش الزاباتيستي للتحرر الوطني (1)، أو ما يعرف بالـ EZLN التمرد طوال العشر سنوات، بالنسبة للمهتمين بحقوق الإنسان، غني ببعض الدروس التي تثير الاهتمام. 

احد الأسئلة التي قد يسألها المدافعون عن حقوق الإنسان، ماذا كان تأثير انتفاضة الزاباتيستا على حقوق الإنسان في شياباس، أو في المكسيك؟  حيث أن وقت الحرب هو أسوأ الأوقات التي ترتكب فيها انتهاكات حقوق الإنسان، هل تصرفت الزاباتيستا بشكل غير مسئول في شنها التمرد المسلح من اجل حقوق السكان الأصليين وضد الإهمال وإساءة المعاملة التي عانوا منها طويلا؟

مقابلة مع مساعد القومندان ماركوس تعطينا إجابة الزاباتيستا الخاصة على هذا السؤال.  في 11 مارس 2001، عندما ارتحل الزاباتيستيون إلى ميكسكو سيتي العاصمة لتقديم مطالبهم بقانون جديد للسكان الأصليين إلى الهيئة التشريعية، أجرت واحدة من المجلات الأسبوعية الكبرى في المكسيك، ’بروسيسو‘، مقابلة مع ماركوس.  سأله المحاور: "ما هي صورتك عن الفقر؟"  كانت الإجابة:

"بنت ماتت بين ذراعي، عمرها اقل من خمس سنوات، ماتت من الحمى، في منطقة لاس تازاس المحلية، بسبب عدم وجود دواء خافض للحرارة، لذلك ماتت بين يدي.  حاولنا، والدها وأنا، تخفيض حرارتها بالماء، والخرق المبلولة، بل ووضعناها كاملا في مغطس الماء، وكل شيء.  ارتمت علينا فاقدة الحياة.  لم تكن تحتاج لجراحة، ولا لمستشفى.  لقد كانت في حاجة لحبة دواء، علاج قليل...

لقد كان أمرا سخيفا، لان البنت لم تكن حتى مولودة، فلم يكن لها شهادة ميلاد.  ماذا يكون أكثر بؤسا من أن تولد وتموت ولا احد يدري بك؟"

قال ماركوس انه شعر بـ "العجز، ونيران الغضب".  انهار العالم كله عليك، أن كل شيء آمنت به وكل شيء قمت به من قبل لا طائل من ورائه إذا لم تكن قادرا على منع مثل هذه الوفيات، الظالمة، العبثية، اللا عقلانية، الغبية..."  وحذر من أن "إذا لم تجد المرارة العامة صوتا اجتماعيا، فالانتقام هو الذي سيخلفها لازما... ولذلك نحن نقول من المفضل للغضب أن ينظم."

لا يوجد أعلاه ما يوجب منحه مبررا تلقائيا للتمرد، برغم انه بالتأكيد منطق بليغ من اجل التنظيم الاجتماعي.  كما أنها أيضا جملة قوية عن الدوافع وراء التمرد.  الجدل حول تأثير التمرد يأتي في عبارة ماركوس التالية في نفس المقابلة: "الآن، ومجتمعات السكان الأصليين المحلية قد اتخذت موقفا، هبطنا بمعدل الوفيات إلى ما بين 200 إلى 300 في العام.  اعتدنا أن يكون لدينا، قبل عام 1994، 15 ألف لكل عام، معظمهم اقل من 5 سنوات لم يكن لديهم أبدا شهادات ميلاد." (2)

الحرب التي تخوضها الزاباتيستا هي الحرب التي يصفونها باسم ’الحرب ضد النسيان‘، حرب ضد الموت الصامت من الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها ويعانيها السكان الأصليون من قرون.  لبدئهم هذه الحرب، عوقب الزاباتيستيون بكل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي وثقتها جماعات مثل منظمة العفو الدولية.  إلقاء نظرة على التقرير السنوي لمنظمة العفو الخاص بالمكسيك يخبرك بالحكاية كلها (3): حالات الاختفاء، تقارير التعذيب؛ جنود الشرطة السرية في الملابس المدنية؛ التهديد بالموت الموجه بشكل خاص إلى المدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والنشطاء؛ وما هو أسوأ، مذابح عديدة واغتيالات، وبشكل خاص مذبحة اكتيال في ديسمبر 1997.

هذا لا يجب أن يؤخذ على معنى أن الزاباتيستا تقايض العنف الذي صنعته بنوع آخر من العنف المصنوع ضدها، وفضلت العنف المفتوح ’لحرب من الوزن الخفيف‘ على عنف الجوع والفقر.

على عكس العرف المتبع عند الجماعات الثائرة المدفوعة بمشاعر ’العجز‘ و’نيران الغضب’ التي وصفها ماركوس، التزمت الزاباتيستا تماما باتفاقيات جنيف وقوانين الحرب.  هذا الالتزام بهذه الأحكام، بالإضافة إلى عدم التناسب في القوة العسكرية بينهم وبين خصومهم، الجيش المكسيكي والقوات شبه العسكرية (بدعم مالي وسياسي وعسكري من الولايات المتحدة) أسفر عن خسائر هائلة بما لا يقاس على جانب الزاباتيستا ومؤيديها من المدنيين في هذا الصراع.

من البداية، شددت الزاباتيستا على الجوانب السياسية في الصراع وأخضعت، في الحقيقة، العسكري للسياسي والاجتماعي.  حديثا جدا، في أغسطس 2003، أعلنوا أن المقاطعات المحلية المدارة ذاتيا في شياباس، مجتمعات الزاباتيستا المحلية، سوف تكون مستقلة ذاتيا عن جيش الزاباتيستا للتحرر الوطني EZLN نفسه، بالإضافة إلى تغييرات اخرى في التنظيم السياسي. (4)

ولكن التشديد على الجانب السياسي من الكفاح كان جزءا من الممارسة العملية للزاباتيستا من البداية.  حاولت الزاباتيستا باستمرار تقديم برنامجها السياسي ومواقفها السياسية للعالم، عن طريق دعوة مراقبي حقوق الإنسان الدوليين لزيارة مجتمعاتهم المحلية، وإقامة معرضا دوليا Intergalactica  لمؤيديهم من كل أنحاء العالم، وإقامة استفتاء غير رسمى أو Consulta  على مستقبل الـ EZLN، والارتحال إلى ميكسيكو سيتي بلا سلاح، معتمدين على حماية مؤيديهم السياسية أثناء قوافل 2001.

كما انهم أعلنوا صراحة رغبتهم في الحوار.  منذ عام 1994، كانت مطالبهم بسيطة: الإسكان، والأرض، والعمل، والخبز، والصحة، والتعليم، والاستقلال، والديموقراطية، والحرية، والعدالة، والسلام.  انتهت المفاوضات مع بعثة السلام الحكومية باقتراح بقانون لإصلاح أحوال السكان الأصليين، يسمى بقانون كوكوبا، الذي سوف يخول حكم ذاتي إقليمي لمجتمعاتهم المحلية.  نشر الزاباتاتيستا عام 2001، بمناسبة قافلتهم إلى العاصمة، ثلاثة شروط للحوار مع الحكومة:

أولا، أن ينسحب العسكريون من عدة عشرات من القواعد في إقليم شياباس؛ ثانيا، أن يطلق سراح المسجونين السياسيين للزاباتيستا من العديد من السجون عبر البلاد، ثالثا، تمرر الهيئة التشريعية قانون الكوكابا.

كنتيجة لذلك، جرى قليل من الحوار الجاد خلال العامين الماضيين، بالرغم من أن الصدامات المسلحة لم تكن بنفس الشدة التي كانت عليها طوال الأعوام العشرة الماضية للتمرد.

ميزت الزاباتيستا نفسها، بالتزامها التام باتفاقيات جنيف وتأكيدها على الجانب السياسي للكفاح، عن معظم دول وحكومات العالم، بما فيهم حكومات الغرب، بالإضافة إلى الجماعات السياسية أو الخاصة التي تستهدف المدنيين بنشاطها.

سوف يصنع خيرا هؤلاء الذين يقفون ضد الإرهاب، منذ أن أعلنت إدارة بوش ’الحرب على الإرهاب‘ دون حدود جغرافية أو زمنية، بالإصغاء إلى الزاباتيستا، وهم يشهدون بأم أعينهم الإرهاب الموجه ضدهم دون أن يردوا بمثله.

وبالفعل، بعد 9/11 عام 2001، بالضبط وصف الصحافي ادولفو جيللي ’التحذير‘ الذي رفعه الزاباتيستا: "منذ سبع سنين مضت، في المكسيك الجنوبية، رفع تمرد الزاباتيستا تحذيرا.  ولكنهم لم يريدوا الإصغاء له، وسدوا السبل أمامهم، وسخروا من مقدرتهم على صنع عمل سياسي ومن قوة إرادتهم في صيانة الحقوق والسلام والحياة.  اخبرهم كارلوس أكثر من مرة انه سوف يأتيهم، من أمامهم ومن خلفهم، هؤلاء القابعون في الدرك الأسفل من المجتمع، كعاصفة بلا ملامح ولا أسماء من المهانين المستذلين، هؤلاء الذين عوملوا دوما من الحكومات والموظفين الرسميين، ومن الأغنياء والسادة، كأنهم قاذورات." (5)

إذا ما أخذنا مثل الزاباتيستا في الاعتبار بجدية سوف نعطي لأنفسنا الفرصة، كما بكلمات جيللي، "لان نحرص على بلادنا، ونحتفظ بها على مسافة محترمة ومعقولة من هؤلاء الذين – سواء بدافع القوة أو بدافع الإرهاب – يريدون استبدال العقل بالهياج الأحمق واستبدال العدالة بالانتقام."


جوستين بودر يكتب من حين لآخر في زي نت ويترجم قضايا أمريكا اللاتينية عن الأسبانية والبرتغالية.

(1) كتاب جلوريا مينوز راميرز الجميل،  20 & 10, Fuego y Palabra، يحيي ذكرى هذا الحدث بشكل رائع (باللغة الأسبانية) صحفيا وتاريخيا وفوتوغرافيا ومختلف جوانب هذا التمرد التي لم تسلط عليها الأضواء من قبل.

(2) تجد المقابلة في الأرشيف: http://www.zmag.org/chiapas1/procint.htm

(3) ملخص تقرير العفو الدولية لعام 2003، http://web.amnesty.org/report2003/mex-summary-eng

(4) منشورات الـ EZLN عن الموضوع تجده في www.zmag.org/chiapas1/، وللمزيد حول إعادة التنظيم تجده في: http://www.zmag.org/sustainers/content/2003-09/12podur.cfm

(5) أدولفو جيللي، ’أعداء بلا وجوه‘، لا جورنادا، 13 سبتمبر 2002، تجدها في الأرشيف على:  http://www.zmag.org/chiapas1/faceless.htm

 

ZNet - من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - زى نت العربية