- الحركة الاجتماعية -

ما الذى جرى لليسار؟

بابلو اورتيلادو

8 أغسطس، 2003.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

لهؤلاء الذين عملوا لمدة أربعين عاما من اجل بناء ما يعتبر اكبر حزب يساري فى العالم، حكومة "لولا" الجديدة في البرازيل تخيب ببساطة الآمال.

بينما تكمل الحكومة البرازيلية ستة اشهر، يشعر كثير من الناخبين بالخيانة من قبل الـ PT حزب العمال.  من ناحية اخرى، أعلن الحزب بوضوح بعض السياسات المحافظة التى تثير الدهشة إبان الحملة الانتخابية رغم أن الناخبين اليساريين لم يلقوا إليها بالا، ربما للعشم فى أن تلك الروح المحافظة هى مجرد خطابة فارغة وان التقاليد اليسارية للحزب سوف تنتصر على الاتجاه البراجماتي النيوليبرالى الجديد.  لسوء الحظ لم يكن هذا ما حدث.

أكثر محافظة من المحافظين

حزب العمال حزب يساري يجمع اتجاهات عديدة ومتنوعة تنوعا شديدا داخله، من الاشتراكيين الديموقراطيين حتى التروتسكيين.  الاتجاه الغالب اليوم هو التيار الأكثر اعتدالا ولديه مفهوم بأنه الآن فى البرازيل لا يملك اليسار ولا العمال القوة لإحداث تغييرات جوهرية، ولهذا فاستراتيجيتهم هى عمل إصلاحات قليلة تهدف لتحسين وتماسك الحالة الاقتصادية والسياسية للعمال حتى يمكن اتخاذ إصلاحات أجرأ فى المستقبل.  أنهم يفهمون أن البرازيل تعتمد بشدة على الاستثمار الأجنبي (معظمه من النوع المضارب) وان هذا الوضع يفرض حدودا حتى على الإصلاحات المعتدلة.  كانت المهمة الأولى وما سبق فى الحسبان هى طمأنة السوق وكسب ثقة المستثمرين الأجانب.  ولذلك، كان على حزب العمال أن يقر برنامجا شديد المحافظة ليبرهن للمستثمر الأجنبي أنهم "جادون".

فى الواقع، ضغط السوق بدأ منذ عام مضى.  أثناء الحملة الانتخابية، سببت التوقعات بانتصار حزب العمال الاضطراب فى السوق وكان ضروريا ترتيب قرضا جديدا من صندوق النقد الدولى لتقليل الاعتماد على رأس المال المضارب وتخفيف حدة الأزمة.  وهكذا اتفقت الحكومة والصندوق على قرض هائل قيمته 30,4 بليون دولار (الأكبر الذى يمنحه الصندوق حتى الآن)، على أن يوقع ليس فقط من فبل الحكومة التى أوشكت ولايتها على الانتهاء بل وأيضا توقيع كل المرشحين الرئيسيين ومن بينهم لولا.  وهكذا، حتى قبل الظفر بالانتخابات فعلا، التزم "لولا" أمام صندوق النقد الدولى وسياسته الاقتصادية العامة اليمينية المتطرفة.

الإصلاحات والسياسات التى فرضها صندوق النقد

يفرض صندوق النقد الدولى سياسات يمينية على البلاد الفقيرة بوضع أطار من الشروط بجب تحقيقها حتى يمنح قروضا.  قبلت الحكومة السابقة و"لولا" كأحد المرشحين على رأس حملته الانتخابية بالعديد من الشروط من اجل قرض الـ 30 بليون دولار، تضمنت الالتزام بالمحافظة على فوائض أولية عالية (لسداد الدين العام) والالتزام بإصلاحات ضريبية وأخرى تخص المعاشات لتقليل إنفاق الدولة و"زيادة مرونة ميزانية الحكومة المركزية".

وللرغبة الشديدة فى اكتساب ثقة الأسواق تتطوع "لولا" برفع الفائض الأولى فوق القيمة التى حددها السوق من 3,75% إلى 4,25% من الناتج القومى العام.  أنها 0,5% إضافية من ناتج الدخل القومى للبلاد كان من المفترض أن تنفق فى القضايا الاجتماعية ودفعت للبنوك للتأكد من ثقة الأسواق!

بجانب ذلك، فى خطابات النوايا الموجهة للصندوق، التزم "لولا" بإجراء إصلاحات فى الضرائب والمعاشات.  إصلاح المعاشات على وشك الاقتراع عليه فى البرلمان وقد تسبب فى إضراب ما يزيد على 400 ألف عامل من القطاع العام.  الإصلاح يسلب حقوق العمال، يرفع سن التقاعد ويرفع الضريبة ويقلل الرواتب المدفوعة لهم عند بلوغ السن.  وبينما يحارب العمال قانون المعاشات الجديد، يتسلل إصلاح الضرائب إلى البرلمان يشكل لا يلاحظه احد تماما.  يغير القانون من الهيكل الضريبي كثيرا ويهدف بالانسجام مع أهداف الصندوق إلى زيادة مرونات الميزانية حتى يقل التمويل المخصص للإنفاق الاجتماعى.

الحركات الاجتماعية

بينما تلتزم الحكومة بالأجندة النيوليبرالية، تحاول الحركات الاجتماعية مقاومتها.  دخل حوالى 60% من عمال القطاع العام فى إضراب بالرغم من البروباجاندا الحكومية التي تتحدث عن حقوقهم "كإمتيازات".  إلى جانب عمال القطاع العام، يكافح أيضا العمال بدون ارض والذين بلا مأوى.  الوضع فى الأرياف شديد التوتر وشركات الإعلام الضخمة تصنع كثير من الضجة حول عمليات وضع اليد التى تنفذها الحركات الاجتماعية خصوصا حركة الفلاحين بلا ارض - MST.

منظمة الـ MST، حركة العمال بلا ارض، حركة تناضل من اجل الإصلاح الزراعى بوسائل العمل المباشر.  الحركة تعين أماكن الأرض غير المستغلة وتحتلها وتضغط على الحكومة من جل نزع ملكيتها لصالح الإصلاح الزراعى.  إنها الكابوس الذى يخيم على ملاك الأراضي الذين يحتفظون بأراضيهم من اجل المضاربة.  وحيث أن حالات الاحتلال زادت كثيرا فى الشهرين الماضيين، شكل ملاك الأراضي ميليشيات ليحاربوا الحركة (قتل 43 فردا من الناس فى الصدامات الريفية العام المنصرم) وتقوم الصحف السيارة الأساسية بشن حملة مكثفة لتجريم الحركة قائلين أن تصرفاتها تنتهك القانون وتضر الدولة الديموقراطية.  التحقت الدولة بشكل يتصنع الرزانة بهذا الخطاب قائلة أنها لن تدعم الجماعات التى تنتهك القانون.

فى المدينة، قامت مجموعات عدة استخدمت ذات أسلوب الاحتلال للضغط على الحكومة لتسليم شقق سكنية لمن لا مأوى لهم.  أغار 300 عامل على أراض مساحتها 42 فدان تمتلكها شركة فولكس فاجن للسيارات.  بعدها بأسبوع، التحق بهم 7 آلاف عامل بلا مأوى.  هذه الأرض كانت سابقا أراض عامة وهبتها الحكومة الفيدرالية للشركات الضخمة لخلق وظائف فى الخمسينات.  فى الأربع سنين الماضية، الأرض التى تملكها الآن فولكس فاجن غير مستغلة، وليست تنتج أى وظائف وفقط، بل أن شركة فولكس فاجن نفسها تواجه إضرابا عمالية لأنها خفضت الوظائف فى مصنعها.

مسئولية من؟

حولت وسائل الإعلام أفعال العمال بلا ارض والذين بلا مأوى إلى أزمة اجتماعية خطيرة.  وهذا ما اجبر الحكومة على إصدار تصريحات متكررة تقول فيها أن الحركات يجب إلا تستخدم تكتيكات تنتهك القانون وان راديكاليتهم تمنعهم من تنفيذ أجندتهم اليسارية.  طبقا لحكومة "لولا"، كل ما يجب أن تفعله كل الحركات هو الانتظار.

عندما تواجه الحكومة بضغوط الأغنياء والأقوياء والحركات الاجتماعية، تأخذ الحكومة دائما جانب الوضع القائم.  هذا لا يحدث فقط مع عمال القطاع العام، والذين بلا ارض، والذين بلا مأوى، ولكن أيضا مع جماعات المستهلكين المحتجين على الارتفاع المتعسف لفواتير شركات الطاقة والتليفون؛ جماعات وسائل الإعلام البديلة تحتج على إغلاق 2000 محطة راديو حرة ومحلية بتأييد من شركات الإعلام الضخمة وتحتج جماعات المستهلكين والبيئة على تقنين المحاصيل المعدلة وراثيا بتأييد من مونسانتو والمزارعين الكبار.  كل هذا يتم تحت زعم تحقيق الاستقرار السياسى وثقة الأسواق.

هذه الصراعات تعلم الحركات الاجتماعية أنهم يجب أن يفعلوا ما يفعله الأغنياء وأصحاب النفوذ دائما للاحتفاظ بالسلطة: الضغط المباشر.  أنهم يتعلمون، ببطء شديد، أن مجرد بناء حزب سياسي ووضعه فى السلطة ليس بحل مضمون لمشاكلنا، وانه بدون تعبئة قوية للمجتمع المدني لن نحقق أبدا التغيير الراديكالي الذى نطمح إليه.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية