- قضايا التجارة والتنمية -

السكان؟!

مايكل ألبرت

1998

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

ما هى المسألة مع مؤتمر القاهرة، تطفو قضية السكان على السطح مرة أخرى كموضوع ساخن ومحل جدل.  هل زاد الناس أكثر من اللازم حقا، أم سوف يصبحون كذلك قريبا؟  ولو الأمر هكذا، كيف نتصرف حيال هذا الأمر؟  تتباين الإجابات بشكل واسع.  ربما نستطيع توضيح الأمور عند تحديد سياق النقاش، مع تلخيص المواقف المتنازعة، مقدمين الدليل على كل موقف حتى نحكم فيما بينهم.  ها هى القضايا والمواقف المتعارضة، فى كبسولة.

القضية رقم 1: الكل يتفق انه مع عدد كبير جدا من البشر داخل تنظيم اجتماعي معين، تعانى الطاقة الإنتاجية والأساليب التقنية والبنية التحتية والبيئة مما يستتبع هبوطا فى قيمة الحياة المعاشة.  فى ظل هذه الظروف تجد مخرجات غير كافية, وتلوث زائد جدا..الخ.  ولكن ما هو الرقم الذي نقول عنده هنا زيادة سكانية؟ هذه هى القضية المتنازع عليها.

الموقف رقم 1: هناك زيادة سكانية فى العالم الآن، وفعلا كان لدينا هذه الزيادة بعض الأحيان.  مستوى المعيشة فى مناطق كثيرة من العالم، والفقر، والتدهور البيئى، نتيجة من نتائج الزيادة السكانية.  الحالة تأخذ أبعاد الأزمة.  خصوصا أفريقيا وآسيا، عدد السكان أعلى من اللازم بطريقة غير متناسبة.  يجب خفض المستويات السكانية وكذلك خفض معدلات النمو السكاني بطريقة كسر عنق الزجاجة حتى نتفادى الكارثة.

الموقف رقم 2: لا تزال مستويات السكان ابعد من أن تكون مرتفعة زيادة عن اللازم.  الكثافة السكانية فى أماكن كثيرة مرتفعة للغاية، ولكن هذا الوضع راجع للعلاقات الاجتماعية وليس قضية سكانية فى حد ذاتها.  لم يتعد عدد السكان حدود الطاقات الإنتاجية الكامنة بأي معنى من المعاني، وكذلك بالنسبة لوفرة الطعام و..الخ.  مستويات المعيشة المتدنية، والفقر، والانحطاط البيئى يكاد يكون تقريبا، عند هذه اللحظة من التاريخ، ناتج للمؤسسات الظالمة، وليس بسبب الزيادة السكانية.  لا توجد أزمة سكانية مباشرة.  بل يوجد حاليا أزمة اجتماعية حادة ومشكلة سكانية على المدى الأبعد.

القضية رقم 2: ثم، يتفق الكل لو كان معدل الزيادة عاليا، واستمر عاليا، فسوف يكون هنالك فعليا سكان أكثر من اللازم.  لذلك يجب أن تستقر مؤشرات النمو السكاني على وضع "لا نمو"، على الأقل من عدة نقاط.  ولكن متى؟  وكيف؟   يتفق الكل، على الأقل لمدى معين، أن مستويات المعيشة المرتفعة، والمستويات التعليمية، ومستويات حرية المرأة وتمكنها، كل ذلك يخفض من معدل المواليد، كما تفعل البرامج التى تمنح حوافز مالية مقابل المحافظة على أسرة صغيرة الحجم, أو التى تفرض وسائل منع الحمل أو العقم الإجبارية، أو التى تشدد على تنظيم الأسرة، أو التى تضع حدودا قانونية لعدد الأبناء، الخ.  ولكن، وهذه هى القضية، أى الطريقتين فى التناول أكثر فاعلية وأكثر إنسانية وهى لهذا فى حاجة لتأكيدها والتشديد عليها، آخذين فى الحسبان ليس فقط الأثر المباشر على الكيانات المختلفة للسياسات التشريعية الخاصة بخفض معدل المواليد نفسها، ولكن أيضا التأثير غير الإنساني لخطاب الزيادة السكانية الذى لا فاعلية له؟  باختصار، ما الذى يسبب ارتفاع معدلات النمو، وما هى السياسات والإجراءات التى يجب إقرارها لخفض هذه المعدلات؟

(الموقف 1) مهما كانت أسباب ارتفاع معدلات النمو، فأفضل وسيلة لتخفيضها وبشكل سريع هو منح حوافز قوية، قانونية ومادية، للحد من الإنجاب.  الأزمة السكانية الحالية اكبر من أن تبرر حجم أسرة محدود قانونيا واقتصاديا.  البرامج الاجتماعية لإعادة تخصيص الدخول والتعليم التى تستهدف منح السكان فرصة الاختيار بأنفسهم لا تؤتى نتائجها بسرعة كافية، ومن الصعب نجاحها فى الوقت المتاح أمامنا.  وأكثر من ذلك، قد ترفع هذه البرامج من معدلات الزيادة بشكل مؤقت، (عن طريق خفضها لمعدلات الوفيات) قبل أن تؤدى إلى الانخفاض المنتظر.  يجب أن يكون التركيز على سياسات سكانية ارغامية أكثر، وحيثما يتواجد موارد للإصلاح، يجب أن يكون لإيقاف النمو السكاني أسبقية.

(الموقف 2) يسبب الفقر، وعدم الأمان، والجهل معدلات نمو سكاني مرتفعة.  الطريقة الإنسانية الوحيدة لخفض هذه المعدلات هى التغيير الاجتماعي الذى يحسن شروط الحياة، ومستويات التعليم، والأمان الاقتصادي، وحرية الاختيار أمام المرأة.  بينما التدابير التعسفية هى أيضا ذات اثر ما، سوف تضيف مثل هذه التدابير لمظاهر الإجحاف الحالية، وتزيد السلبية بين الجمهور والنزعة التسلطية لدى النخبة، ولا يمكن تبريرها بأي حال بآثار معدلات النمو الحالية، ومن غير المتوقع أن تأتى بثمار أسرع من نتائج البرامج الاجتماعية فى أى حالة من الحالات.

بغض النظر عن من يتخذ أى من الموقفين المتصارعين وبغض النظر عن كيف يتهم كل منهما بالجهل والغش أو بالتمثيل السيئ المستهتر للموقف، أو بالعنصرية، أو بكراهية المرأة، الخ، تصبح المهمة الاولى هى النظر فى الأدلة المتاحة وفهمنا للعوامل المشتركة، وان نحاول أن نصل إلى استنتاج مبنى على معلومات.

أى مشكلة سكانية؟

بالتأكيد يوجد كثير من الناس على الكوكب.  وتتزايد الأعداد طول الوقت.  وكما أورد "امارتيا سن" مؤخرا فى مقالته الصادرة فى "نيويورك تايمز بوك ريفيو"، "السكان: الوهم والحقيقة"، "اخذ سكان العالم ملايين السنين ليصلوا بعددهم إلى البليون الأول، ثم قضوا 123 سنة ليبلغوا البليون الثاني، وهكذا 33 سنة للثالث، 14 سنة للرابع، 13 للخامس، ويأتي البليون السادس، طبقا لواحد من إعلانات الأمم المتحدة، بعد 11 سنة أخرى."  (بداية من هنا سوف تكون كل الاقتباسات من مقالة "سن" المذكورة)

ولكن هل هذا كثير؟  يدعى احدهم، ممن يعتقدون انه كذلك، أن سكان آسيا وأفريقيا قد تعدوا نصيبهم بشكل غير متناسب.  وهذا نستطيع ميزانه بسهولة.  لان الحقيقة هى، "فى عام 1650 كان نصيب آسيا وأفريقيا من سكان العالم كان يقدر بحوالي 78.4%، واستمر حول ذلك حتى عام 1750.  مع الثورة الصناعية، تقلص نصيب آسيا وأفريقيا بسبب الارتفاع السريع للسكان فى أوروبا وأمريكا الشمالية؛ على سبيل المثال، أثناء القرن التاسع عشر كان سكان آسيا وأفريقيا ينمون بمعدل 4% كل عقد من الزمان أو اقل، كان سكان مناطق المستوطنات الأوربية [فى أمريكا الشمالية] يزيدون حوالي 10% كل عقد." (العامل المحوري وراء هذه الزيادة هى زيادة معدل البقاء على قيد الحياة)   فى الواقع، نصيب آسيا وأفريقيا معا (حاليا 71.2%) عاد إلى ما يمكن أن نسميه المستوى المناسب.  ومزيدا فى نفس الموضوع، حتى لو تنبؤات الأمم المتحدة عن مستقبل النمو كانت صحيحة، ولم يفترضوا تقدم اجتماعي ذا مغزى خلال المنطقة، سوف يرتفع نصيب آسيا/أفريقيا إلى 78.5%، أو تقريبا إلى حصتهما قبل الثورة الصناعية الأوروبية، وفى عام 2050، تفكير آسيا/أفريقيا الآن هو الاستمتاع بالدخول إلى صفوف العالم المتقدم.  وهكذا، لا يوجد عدم تناسب.

" ولكن ذلك، معدل النمو السكاني فى العالم يتدنى الآن، أكثر من كونه مشكلة تتفاقم بلا توقف، "ويهبط المعدل خلال العقدين الأخيرين من 2.2% بين 1970 و 1980، إلى 1.7% بين عام 1980 وعام 1992."  ولكن، من حقنا أن نسأل، وهل هذا الانحسار مرضيا؟  هل النمو السكاني، بالرغم من الانخفاض البطيء لمعدلات الزيادة، يتعدى حدود نمو الإنتاجية، مما يجعل مستويات المعيشة تتردى؟  ربما ندهش، فالإجابة هى "لا".  "بدلا من ذلك، لا يتمتع متوسط السكان فى "البلاد فقيرة الدخل" (كما يحددهم البنك الدولى) فقط بزيادة فى الناتج القومي العام (GNP) للفرد، ولكن أيضا بمعدل نمو فى هذا الناتج للفرد (3.9% فى السنة للعوام من 1980 – 1992) وهو أكثر سرعة من مثيله فى البلاد "عالية الدخل" (2.4%) وأسرع من البلاد "متوسطة الدخل (صفر %).

وسوف تكون هذه الصورة حتى أكثر وردية ما دامت ليست لبعض البلاد فى أفريقيا جنوب الصحراء التى تعانى ولا زالت تعانى لبعض الوقت من حروب مدمرة اقتصاديا ومن الجفاف الذى يحدث ليس بسبب السكان، ولكن يحدث بواسطة الهياكل الاجتماعية والمشاكل مما ينتج عنهم تغييرات سلبية فى الناتج القومي العام.

ولكن ماذا عن الطعام، قد نجد إجابة عاقلة من خبير البيئة/السكان؟  من المؤكد أن النمو السكاني يتعدى زيادة إنتاج الطعام.  حسنا، لا، فى الواقع انه لا يتعداها.  "ليس فقط خلال قرنين منذ عصر "مالتوس"، ولكن أيضا خلال العقدين الأخيرين، ارتفاع إنتاج الطعام يتخطى بمقدار ملموس ومعدل مستمر الزيادة فى سكان العالم."  ولكن هل هذا فقط بسبب فائض الإنتاج فى أوروبا والولايات المتحدة التى تسكنها إعداد اقل كثافة؟  لا، الأمر عكس ذلك بالضبط.  "اكبر زيادات فى إنتاج الطعام -- ليست مجرد الزيادات الكلية المجمعة بل وأيضا المنسوبة لكل فرد من السكان – تحدث فعليا فى العالم الثالث، خصوصا فى المنطقة التى نجد فيها اكبر زيادة عددية مطلقة من سكان العالم، إلا وهى- آسيا."

" لاحظ أن إنتاج الطعام بالنسبة للفرد فى العالم زاد إلى أعلى بنسبة 3%، فى متوسطات الفترة الثلاثية 1979-1981 والفترة الثلاثية 1991-1993، بينما كان الارتفاع فقط 2% فى أوروبا وانخفض نحو 5% تقريبا فى أمريكا الشمالية.  وعلى العكس، قفز إنتاج الطعام/نسمة حوالي 22% فى آسيا عموما، متضمنا 23% فى الهند و 39% فى الصين."  لاحظ أن ذلك يكذب فكرة أن الجوع هو ناتج تعدى الزيادة السكانية حدود طاقة إنتاج الطعام.  حيث يفيض إنتاج الطعام بصورة هائلة النمو السكاني، تجد الجوع، وذلك طبعا، بسبب المؤسسات الاجتماعية المسئولة عن خلل التوزيع الذي يفضل مصلحة النخبة، بغض النظر عن الفقر والجوع المنتشر بين الآخرين نتيجة لذلك.

ولكن هل يلاحق، أو حتى يتخطى،  إنتاج الطعام النمو السكاني بسبب أننا نغتصب الطبيعة لاستخراج كل هذا الطعام؟  ولو كان ذلك صحيحا، بأسعار السوق الغير ملائمة بشكل كافي، سوف تنضب العوائد ولسوف ترتفع الأسعار بالتالي كلما تطورت صعوبة الحصول عليها وزادت كلفتها لإنتاج الطعام منها، وأصبحت التربة الخصيبة نادرة، الخ.  على سبيل المثال، يسجل تقرير للأمم المتحدة "انخفاض بنسبة 38% لأسعار "الأطعمة الأساسية" النسبية خلال العقد المنصرم.  وبمقارنة الفترة من 1953-1955 إلى الفترة من 1983-1985، نرى هبوطا فى الأسعار المعدلة لأسعار، على سبيل المثال، الأرز (42%)، والقمح (57%)، والذرة السكرية (39%)، والذرة (37%)."

فى الختام، وحتى نمسك برأس الموضوع، إنتاج الطعام الذى هو ابعد ما يكون بلوغا لمستويات مرتفعة مبالغ فيها نتيجة ضغط طلب الزيادة السكانية، يتم تخفيضه بدلا من ذلك وبشكل واسع بسبب صعوبة تحقيق الربحية من بيعه فى ظروف الأسواق الحالية، دون ذكر الدعم المالي المباشر لتخفيض الإنتاج.

وهكذا، لا تبدو هنا أزمة سكانية مستحكمة ومباشرة يجب علينا مخاطبتها.  لا يتخطى النمو السكاني النمو فى الناتج أو النمو فى إنتاج الطعام.  الصعوبات التى تعانيها البشرية حاليا مثل التلوث البيئي، وما هو أسوأ، كالمجاعات، والأمراض المتفشية التى يمكن علاجها، والفقر، ونقص التعليم والرعاية الصحية، الخ، كلها وظائف الأنظمة الاجتماعية التى تبحث عن الربح من اجل حفنة قليلة العدد بغض النظر عن التدمير الذى يلحق برفاهية العديد. 

ويبقى، انه من غير الممكن إنكار حقيقة أن السكان لا يمكنهم الاستمرار فى التكاثر دون أن يتركوا آثارا ايكولوجية خطيرة، لذلك سوف يكون خفض معدلات النمو السكاني لمستوى الحالة المستقرة بندا هاما فى إي أجندة تقدمية، حتى ولو لم تكن ذات أولوية مقدسة كالتي يقترحها بعض الناس.

السياسات السكانية القسرية فى مواجهة السياسات الاجتماعية

ماذا نعلم عن تخفيض النمو السكاني؟  يوافق كل فرد على انه "قد نشك فى أن التطور الاقتصادي والاجتماعي، عموما، يقترن بانخفاض كلى فى معدل المواليد، وظهور العائلات صغيرة العدد كعرف شائع.  هذا هو النمط الذى كان ملحوظا بوضوح، طبعا، فى أوروبا وأمريكا الشمالية عندما مروا بمرحلة التصنيع، ولكن هذه التجربة تكررت فى أجزاء كثيرة من العالم.  أكثر من ذلك، حتى الفحص الأولي يكشف أن "المناطق التى تتلكأ فى التنمية الاجتماعية، والتعليم، وحقوق المرأة، الخ، لديها أعلى معدلات مواليد."   وبالتالي، حيث توجد زيادات فى مستوى المعيشة، وفى حقوق المرأة، وفى التعليم والصحة، تنخفض معدلات المواليد بدورها.  والتفسير واضح.  الناس أكثر إحساسا بالأمان ولا ينجبون كنوع من التأمين ضد الشيخوخة، وزيادة الأيدي العاملة المتاحة فى الأسرة، وكاحتياطي يحمى ضد احتمال موت احد الأطفال، لأي سبب، صغيرا.  لماذا لا يضع هذا نهاية للنقاش؟  "فى بلد تلو الأخر، هبطت معدلات المواليد عن طريق تعليم إناث أكثر، خفض معدل الوفيات، التوسع فى الوسائل الاقتصادية والأمان، ومناقشة اكبر من الجمهور لطرق المعيشة.  "لماذا لا يقود هذا الإدراك إلى خلاصة انه بينما تهذب التنمية الاجتماعية فى النهاية من النمو السكاني، وبينما هى من ناحية أخرى أفضل من القسر حيث أن التنمية الاجتماعية فى ذاتها صحيحة ايجابيا، وحيث القسر والإرغام سلبي، فإن اقتفاء اثر التنمية الاجتماعية هو الطريقة لتهذيب معدلات النمو السكاني!؟

حسنا، المنطق هو، لأن "حتى برغم ربما تعمل التنمية بشكل يعتمد عليه على استقرار السكان لو أعطيت قدرا كافيا من الوقت، قد لا يتاح، هذا هو منطقهم، هذا الوقت الكافي".  بكلمات أخرى، هؤلاء المهتمون بالنمو السكاني يمكنهم وهذا ما يفعلونه التحجج بأنه بينما من الألطف الانتظار حتى تخفض التنمية من معدلات النمو السكاني، فإننا لا نملك رفاهية الانتظار.  الاحتياج للخفض ملح جدا.  "أيضا، معدل الوفيات يقل غالبا بسرعة مع انتشار الرعاية الصحية المتوافرة، والصرف الصحي الأفضل، وتحسن التغذية، بينما تقل معدلات النمو بشكل أكثر بطئا.  زيادة اكبر فى السكان قد تحدث في هذه الأثناء"، قبل أن يصبح هبوط المواليد هو السائد، وقبل أن تصبح كذلك معدلات النمو السكاني، كما تؤكد لنا كل الشواهد التاريخية.

لقد قدمنا توا شهادة، وهناك المزيد مما هو متاح، على أن الحالة السكانية ليست بالمرة في الواقع هي الأزمة التي يدعيها البعض.  ولكن، على الرغم من ذلك، دعنا نتدبر هل، حتى لو كانت الحالة هكذا، منطق الخفض التعسفي لمعدل النمو هو أمر اضطراري.  حجتهم في النقاش تشير بشكل ثابت إلى الصين كقصة نجاح للوسائل القسرية في خفض معدل النمو، مما يستدعي نقل تطبيقها إلى أماكن أخرى.  وبما أن الصرخات التي تدعو لعمل أي شيء غير وضع وتنفيذ خطة تنموية لا تملك محتوى بدون أهداف برنامجية واقعية، وان النموذج الصيني لتنظيم حجم الأسرة بالقانون بالإضافة إلى منح حوافز اقتصادية لعدم الإنجاب وعقوبات على الإنجاب كل ذلك أمر يشير إلى الطريقة البرنامجية.

وحقا، "الآن يقف المعدل العام للخصوبة في الصين (الذي يعكس عدد الأطفال المولودين لكل امرأة) عند "مستوى الإحلال" بالغا 2.0، مقارنة بالهند 3.6 والمتوسط شديد الوطأة للدول منخفضة الدخل 4.9 من غير الهند والصين."   وهذا يظهر، كما يقول نفس المنطق، انه بالرغم من أن الطريقة الصينية باستخدام القانون لقصر حجم الأسرة فى طفل واحد فقط قد سببت خسارة كبيرة لحرية المرأة الإنجابية، فإنها حفزت سلطة الدولة على حساب حرية الفرد بشكل أكثر عمومية، وأدت إلى ارتفاع كبير في وفيات الأطفال الرضع حيث يقترف الآباء جريمة وأد الإناث لمحاولة إنجاب الولد فى مرة أخرى، وبكل الآثار المصاحبة بدون شك لهذا النوع من السلوك، على الضحية والجناة، على الأقل قد انخفض معدل النمو السكاني، بفوائده الايجابية التى تفوق الخسائر التى تحدث من جراء هذه الأساليب الشرسة المختارة لتقليم الولادات.

حسنا، لنتوقف ثانية واحدة فقط.  فالجانب الديموغرافي فى المناظرة لا يظهر حتى متماسكا كما يبدو لأول وهلة، بغض النظر عما يشعره المرء إزاء تقديرها للتكاليف والمكاسب النسبية.  مع الوضع فى الاعتبار أن الصين لديها مستويات عالية من الرعاية الصحية الجيدة، والتعليم الأساسي، ومشاركة المرأة في العمل، الخ، قبل القفز على نتائج حول أسباب المعدلات المتناقصة للنمو السكاني فيها، نحتاج أن نسأل عن بالضبط مقدار الانخفاض في هذه المعدلات بسبب الإجبار، في مواجهة ما حدث بشكل ما، بسبب هذه المكاسب الاجتماعية الأخرى.

طبعا، لا نستطيع معرفة إجابة هذا السؤال على نحو أكيد، ولكننا نستطيع النظر في بعض البيانات ذات الصلة.  على سبيل المثال، هل الدول التي تقترب كثيرا من معدلات الصين فى توقع الحياة بعد الميلاد، ومحو امية المرأة، ونسبة المرأة في قوة العمل، ليها معدل خصوبة أعلى من الصين؟  يتضح أن الثلاث بلاد التي تتخذ هذه الصورة قريبة جدا من المعدل الصيني [للخصوبة]: جامايكا (207)، وتايلاند (202)، والسويد (2.1).

ولكنه يتضح أن هناك مقارنة يمكن إجراؤها لتوضيح الأمور أكثر من ذلك.  تعداد السكان في ولاية "كيرالا" في الهند يبلغ 29 مليون نسمة، أكثر من تعدادهم في بلاد كثيرة جدا، بما فيها كندا.  في هذه الولاية، مثل الصين وعلى العكس من باقي الهند، مستويات عالية من التعليم الأساسي، والرعاية الصحية، ونسبة الإناث في قوة العمل، وغيره.  معدل الخصوبة في كيرالا هو 1.8 (دون أي سياسات تعسفية) مقارنة بالمعدل الصيني 2.0 (بأعنف سياسات قسرية اتخذت حتى الآن فى أي مكان في العالم).  تعليم الإناث فى كيرالا باغ معدلا قدره 86%، حيث بلغ نفس المعدل في الصين 68%.   وعلى نفس المنوال معدل توقع البقاء على قيد الحياة عند الميلاد أطول في كيرالا منه في الصين - - 71 عاما للرجال وفي الصين 67 عام، وللنساء 74 عاما وفي الصين 71.  يبدو أن كيرالا بالنسبة للصين بتنظيم الأسرة الإجباري فيها هي الصين الافتراضية بدون ممارسات تعسفية ولكن يبقى مع تقدم اجتماعي اكبر للصين الحالية بسياساتها التعسفية.  بغض النظر عن النسبة التي ساهمت بها القوانين ضد الإنجاب في الصين لخفض معدل النمو السكاني، فضلا عن المكاسب الاجتماعية الحقيقية في الصين، كانت المكاسب الاجتماعية الأكبر لحد ما في كيرالا ذات فعالية مساوية، وواقعيا، أكثر فعالية في خفض معدلات النمو السكاني.

ولكن هل الوقت المطلوب لخفض معدلات المواليد اقصر في النموذج الصيني منه في ظروف ما قد نسميه نموذج كيرالا؟  حسنا، معدل الخصوبة في كيرالا هبط من 3.5 عام 1979 إلى 1.8 في عام 1991، بينما انخفض في الصين من 2.8 إلى 2.0 خلال نفس الفترة.  الأرقام، للمرة الثانية، تشير بعيدا عن أي مسوغ مهما كان لصالح السيطرة الإجبارية على النمو السكاني بدلا من، أو لإلحاق الضرر، بالبرامج التي تستهدف التنمية الاجتماعية.

في الختام، من المهم أيضا أن ملاحظة أن نجاح كيرالا هو نجاح اجتماعي، أكثر منه نتيجة لاكتشاف ثروات طبيعية أو أرصدة قد لا تكون متاحة لاماكن أخرى.  كيرالا فعليا من ضمن الولايات الهندية الأفقر.  دخلها الناتج محليا عمليا اقل من المتوسط الهندي.  ولكن الظروف الاجتماعية فيها تفوق بشكل عريض المتوسط الهندي، ولقد كانت المكاسب نتيجة للإصلاحات المؤسسية مقرونة بالبرامج العمالية المكثفة لتوفير الرعاية الصحية والتعليم.

الخلاصة

وهكذا ما هي زبدة الموضوع؟  (1) بالطبع، من الممكن أن يبلغ السكان نقطة، تعني الزيادة السكانية فيها، وعند مستوى معين من المعرفة الفنية، ومع بنيان اجتماعي معين، تعني تلك الزيادة مزيد من انحطاط البيئة ومستويات معيشة أدنى للغالبية.  ولكن (2) لا يوجد دليل على أننا نقترب من هذا المستوى في الزيادة السكانية.  إلى جانب (3) انه لا يوجد دليل على أن الفقر، والجوع، الانحطاط البيئي الحاليون، الخ، يعودوا بجذورهم ولب وجودهم إلى المشكلة السكانية بأي درجة لها مغزاها، ولكن، على العكس من ذلك، الشواهد كثيرة على أن هذه الجرائم ضد الإنسانية تضرب بجذورها فى الهياكل المؤسسية الظالمة وسوء التوزيع الكريه للإنتاج الذى يخلقه السكان.  (4) على أي حال الحلول غير الإرغامية الموجهة نحو خفض النمو السكاني التي تشدد على تحسين مستوى المعيشة، والأمان الاقتصادي، والتعليم، وحقوق المرأة، والرعاية الصحية عموما، لا يتعهد بتخفيض النمو السكاني إلى مستوى الخصوبة 2.0 الذي يعني عدم وجود نمو، ولكنه يتعهد أيضا بتحقيق ذلك في فترة زمنية مماثلة أو أفضل من مما يمكن تحقيقه بالإرغام، بافتراض أن الوسائل الأخيرة واقعيا بدون تقدم اجتماعي مواز على الإطلاق.  وختاما، حيث تتناغم المنهجية التنموية نحو تثبيت النمو السكاني مع الاهتمام بالعدالة، والأنصبة العادلة، ومع إنهاء السلطة الاستبدادية الأبوية الطابع، الخ، تقريبا تؤدى المنهجية القسرية في الممارسة العملية لا محالة إلى العداء للمرأة، والعنصرية، وصيغ وممارسات استعمارية، حتى ضد احتجاجات أنصارها الأكثر إنسانية وحكمة.

بعد ذلك، هل هناك حقا أي شك في كيف يجب أن يكون موقف اليساريين، مهما كان ما يزال لدينا من ظلال أخرى للموقف مفتوحة للنقاش العاقل؟  فكرة أن نترك جانبا التنمية من اجل تنظيم الأسرة لأي نوع آخ من السياسات، خصوصا السياسات الإرغامية، مهما كانت دوافع أنصارها، هي فكرة رجعية.  إلى أين يقودنا مثل هذا النوع من التفكير، بطريقة الاستنتاج، لا يمكننا صنع أفضل مما فعل "اليكس كوكبيرن" (مجلة ذى نيشن [الأمة]، عدد 25 يوليو)، وان نقتبس من أفكار النجم الجديد لمدرسة الأزمة-السكانية، كاريت هاردن، من مرجعه 1949، البيولوجي: تبعاته الإنسانية.  بينما ليس كل الدارسين للتوازن البيئي والدارسين للسكان الذين يلحون على استخدام سياسات سكانية متطرفة فاسدي الذمة مثل هاردن، أنا اعتقد أن أفكاره تمثل طراز من التوجه الطبيعي لمثل هذا الخطاب.  كتب ذات مرة، ككل النصوص التي كتبها وتمثل وجه النظر هذه: "تشير الدراسات انه طالما استمر شكل تنظيمنا الاجتماعي الحالي [الديموقراطية]، سوف ينشأ ميل هابط تدريجيا، حقا ببطء ولكنه مستمر، في متوسط الذكاء العام - - [بينما] لا يلوح هناك خطر كبير على المجتمع لحرمانه من شيء ذى قيمة عند تعقيم كل الأفراد المعاقين ذهنيا - - ويمكن الحصول على نتائج باهرة اكثر عند منع تناسل عديد من أفراد الطبقات مستواهم اقل من الطبيعي وقواهم العقلية أعلى قليلا من هؤلاء المعاقين."  أما السؤال الذي يثير استغرابي هو، بمقاييس هاردن هذه، هل يجب أن يسمح له بإنجاب أولاد؟

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية