|
عزيزي هاوزين:
كما كتبت إليك موضحا،
إنني مضطر لإرجاء المقابلات لعدة أشهر، ولكن طلبك يرتدي أهمية شخصية بالنسبة
لي، وهذا بدوره حتى يعود لأسباب
شخصية: لعدة عقود من السنين كنت وثيق الصلة بالنضال من أجل حقوق وحرية
الأكراد، وذلك بقدر استطاعتي، ولذلك لا أرغب بالتأجيل، وأنا أدرك بأنني إذا
لم أستجب فورا فمن الممكن أن يؤجل الأمر لفترة طويلة، ولذا اقتطعت وقتا لكي
أجيبك على الفور، ولو أن إجاباتي سوف تكون أشد اقتضابا مما أرغب، غير أن هذا
أقصى ما أستطيع فعله، وأرجو أن يكون فيه بعض النفع لك.
ناعوم
الساعة 3,06 صباحا –
29/11/2003
1 - بصفتك
مناهضا لسياسات الولايات المتحدة، إلى أي جناح سياسي تنتمي؟
إذا كنت تقصد الجناح الديمقراطي أو الجمهوري
فالجواب هو: لا هذا ولا ذاك. كثيرا ما أوضح علماء السياسة بأن الولايات
المتحدة هي أساسا دولة يحكها حزب واحد... وهو حزب رجال الأعمال المؤلف من
جناحين، الديمقراطيون والجمهوريون، ويبدو أن معظم المواطنين يوافقون على ذلك.
ثمة نسبة عالية، تفوق الـ 80 % أحيانا، تعتقد بأن الحكومة تخدم "مصالح
الأقلية وذوي المصالح الخاصة"، وليس مصالح الشعب، وقد اعتبر 75 % بأن التنافس
خلال انتخابات عام 2000 كان على العموم مهزلة لا علاقة لها بهم، ومجرد لعبة
يمارسها الأغنياء والمساهمون بالتبرعات الانتخابية لزعماء الحزبين وشركات
الدعاية والعلاقات العامة التي تدرب المرشحين على التفوه بأشياء لا معنى لها
غالبا، والتي يمكن لها أن تتلقف بعض الأصوات.هذا تم
قبل أن تتم الانتخابات فعلا، هذه
الانتخابات التي تخللتها اتهامات بالتزوير واختيار بوش دون أن يحوز على
أغلبية أصوات الناخبين.
إنني أميل إلى الموافقة مع رأي أغلبية
المواطنين بهذه المسائل، وأعتقد أن أمامنا مهمة جسيمة ألا وهي خلق مجتمع ذي
ثقافة أكثر ديمقراطية تكون الانتخابات فيه ذات معنى أسمى بكثير وتكون فيه
مشاركة سياسية دائمة أكثر عمقا من قبل عامة الشعب. هنالك علماء سياسة أكثر
جدية في صفوف الاتجاه السائد لا يصفون الولايات المتحدة بأنها "ديمقراطية"
بل" نظام حكم الطغمة المتعددة الأقطاب": أي نظام تتخذ فيه القرارات من قبل
النخبة، وتتم المصادقة شعبيا على هذا النظام من وقت لآخر. بالتأكيد ثمة قدر
كبير من الصحة في استنتاج جون ديوي – وهو أهم فيلسوف اجتماعي أميركي في القرن
العشرين، وكانت الديمقراطية تشكل الموضوع الرئيسي لكتاباته – بأنه إلى أن
تتحقق سيطرة ديمقراطية على القطاعات الاقتصادية الرئيسية، سوف تظل السياسة
"ظلا تلقيه الشركات الكبرى على المجتمع."
2 - ما هي
الأهداف من الوجود الأميركي في العراق والشرق الأوسط؟
لا أحد يجادل في أن الهدف الرئيسي هو السيطرة
على الاحتياطي الهائل للطاقة النفطية في منطقة الخليج الفارسي، بما فيها
العراق، وهذا كان من الهموم الأساسية للقوى العظمى الصناعية منذ الفترة التي
أقيمت فيها دولة العراق من قبل البريطانيين، وذلك لكي يضمنوا بأن تكون
مخزونات النفط في أيد بريطانية وبأن تمنع دولة العراق الوليدة من التمتع
بمنفذ مباشر إلى الخليج. في ذلك الوقت لم تكن الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا
في الشؤون الدولية. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية أضحت الولايات المتحدة
القوة العالمية المسيطرة بامتياز وأضحت السيطرة على مخزونات الطاقة في الشرق
الأوسط أحد الأهداف الرئيسية لسياستها الخارجية، كما كان هدفا للقوى المهيمنة
قبلها. وفي الأربعينات من هذا القرن أدرك المخططون الأميركيون بأن موارد
الطاقة في منطقة الخليج "هي مصدر هائل للتفوق الاستراتيجي،" على حد تعبيرهم،
كما أنها " واحدة من أعظم الغنائم المادية في تاريخ العالم.” ومن الطبيعي أن
تتجه نواياهم للسيطرة عليها... رغم أنهم لم يستخدموها كثيرا بأنفسهم لسنوات
طويلة، وكانت الولايات المتحدة نفسها، بحسب تقديرات الاستخبارات الأميركية،
تنوي الاعتماد على المصادر الأكثر استقرارا في حوض الأطلسي (في غرب إفريقية
وفي البلدان الغربية.) ورغم ذلك تبقى السيطرة على الموارد الخليجية أولوية
بالغة الأهمية، هذه الموارد التي يقدر بأنها سوف تؤمن ثلثي احتياجات الطاقة
العالمية لأجل طويل. وبمعزل عن تحقيق "أرباح تفوق أحلام الجشع، “ كما عبرت
عنها دراسة بارزة عن تاريخ صناعة النفط، تبقى المنطقة "مصدرا مذهلا للتفوق
الاستراتيجي" وأداة للسيطرة على العالم. إن التحكم في مصادر الطاقة في
الخليج يمنح "قوة الفيتو" على نشاطات المنافسين، كما أشار قبل نصف قرن جورج
كينان، وهو أحد المخططين السياسيين الرئيسيين، هذا وتتفهم أوروبة وآسيا
الوضع تماما ولطالما سعت كل منهما للوصول إلى مصادر الطاقة بشكل مستقل، وكان
جزء كبير من الصراع للسيطرة في الشرق الأوسط يتعلق بهذه القضايا. أما شعوب
المنطقة فينظر إليها على أنها عامل عرضي طالما أنها خانعة ومطيعة والقليل
يدرك هذا الأمر بالقدر الذي يدركه الأكراد، على الأقل إذا كانوا يتذكرون
تاريخهم.
بالتأكيد إن مخططي السياسة الأميركية ينوون
إقامة دولة تابعة في العراق، وذات مظاهر ديمقراطية إذا أمكن ذلك، على الأقل
لاعتبارات دعائية. ولكن إذا كان العراق يبغي استقلالا زائدا عن اللزوم، فلن
يكون أكثر من "واجهة عربية،" على حد تعبير البريطانيين عندما كانوا مهيمنين
على المنطقة وسلطتهم تقبع خلف هذه الواجهة بعيدا عن الواجهة. وهذا جزء مألوف
من تاريخ المنطقة خلال القرن المنصرم، وذلك هو الأسلوب الذي استخدمته
الولايات المتحدة على امتداد قرن كامل لتسيير شؤون مناطق سيطرتها في الغرب
ذاته، ولا يوجد أي مؤشر على حصول معجزة تغيير من أي نوع. لقد فرضت قوات
الاحتلال الأميركية على العراق برنامجا اقتصادي لا يقبل به أبدا أي بلد ذي
سيادة: إنه يضمن عمليا استيلاء الشركات المتعددة الجنسية (وأغلبها أميركي)
والبنوك على الاقتصاد العراقي. “ وحتى
هذه السياسة كانت كارثية في البلدان
التي فرضت فيها، وفي الواقع فإن هذه السياسة كانت السبب الرئيسي للفارق الحاد
القائم في عالمنا اليوم ما بين البلدان الغنية ومستعمراتها السابقة. وبالطبع
يوجد دوما قطاع محلي يثري نفسه من جراء تعاونه في إدارة هذه "الواجهة." وحتى
الآن تم استثناء صناعة النفط من الاستيلاء الأجنبي لأن هذا أمر فاضح إلى درجة
زائدة، ولكن هذا الاستيلاء سوف يتم لاحقا حين يتحول الانتباه عن العراق إلى
مكان آخر. بالإضافة إلى ذلك، لقد سبق أن أعلنت واشنطون بأنها تنوي فرض
"اتفاقية لتسوية وضع القوات" وهي سوف تمنح الولايات المتحدة حق الاحتفاظ
بقوات عسكرية في العراق وأيضا - وهذا أمر ذو أهمية حاسمة – بقواعد عسكرية،
وهي أول قواعد عسكرية ثابتة في قلب المنطقة، التي تشكل مخزون الطاقة الرئيسي
في العالم.
3 -
بصفتك
خبيرا بالتاريخ والسياسة الأميركيين، هل ترى من المناسب أن يضع الأكراد كامل
ثقتهم وآمالهم في المشروع الأميركي في العراق؟
أنت تعرف أكثر مني المثل الكردي بشأن إيلاء
الثقة بأي كان، وهذا ينطبق على غير الأكراد أيضا، غير أن الأكراد المطلعين
على تاريخهم لا يحتاجون إلى من يذكرهم كيف باعتهم أميركا في عام 1975، حين
تركتهم
الولايات المتحدة ودولة إيران العميلة
ليذبحوا على أيدي
النظام في العراق، وليذكرهم
بأن الأشخاص الحاكمين في واشنطون منحوا دعمهم الكامل لصدام حسين طيلة الوقت
الذي ارتكب خلاله الفظائع وبعد انتهاء الحرب مع إيران بكثير وذلك لأسباب صرحت
بها إدارة بوش الأول بلا مواربة: مسؤوليتهم في دعم الشركات الأميركية
التصديرية، رغم أنهم أضافوا ديباجتهم المعتادة كيف أن دعمهم لصديقهم صدام سوف
يساهم في خدمة حقوق الإنسان وفي تحقيق "الاستقرار.” هؤلاء الأشخاص أنفسهم -
الذين عادوا إلى السلطة في واشنطون – دعموا صدام أيضا عندما سحق انتفاضة عام
1991 التي كان يكن لها أن تطيح بالطاغية، ومرة أخرى شرحوا أسبابهم. وبإمكان
المرء
أن يقرأ في "نيويورك تايمز" بأن "أفضل شيء في العالم" بالنسبة للولايات
المتحدة هو وجود "طغمة عسكرية ذات قبضة حديدية" تحكم العراق تماما على طريقة
صدام، وبأن صدام يمنح أملا أكبر في "استقرار" العراق ممن يمنحه أولئك الذين
يعملون لإسقاطه. إنهم الآن يتظاهرون بالغضب بسبب المقابر الجماعية في الجنوب
والفظائع في حلبجة، ولكن من الواضح أن هذا محض خداع كما نرى بجلاء حين ننظر
إلى رد فعلهم وقت حدوث هذه الفظائع. بالطبع لقد كانوا على علم تام بها
ولكنهم لم يهتموا، وبعد كل التمثيل لاحقا بشأن حلبجة، ما هو حجم المساعدات
الطبية التي قدموها للضحايا على امتداد العقد الأخير؟ أضف إلى ذلك إن هذا
الأسلوب لا تختص به الولايات المتحدة وحدها، فلسوء الحظ إنها الطريقة
التقليدية التي تعمل من خلالها أنظمة القوة، وهي مطمئنة لعلمها بأن الطبقات
المثقفة في بلدانها سوف توفر غطاء مناسبا من المثل العليا، وهذا دائما يصح في
حالات من مارسوا القتل الجماعي من أمثال هتلر والفاشيين اليابانيين، وفي هذا
الصدد صدام حسين أيضا.
حين يضع الضعفاء ثقتهم في أنظمة القوة فهم
ببساطة يبحثون عن الكوارث. قد يشاءون أن يتعاونوا مع دولة قوية، ولكن إذا
حدث ذلك فيجب ألا يكون لديهم أية أوهام. وللتكرار، لا أحد يعلم بهذا الأمر
خيرا من الأكراد، ليس فقط في العراق بل وفي تركيا وأماكن أخرى.
4 - لم
تجد الولايات المتحدة أسلحة دمار شامل في العراق، وهي الآن تتحدث عن تحقيق
الديمقراطية في الشرق الأوسط. هل سينجح هذا المشروع؟ وهل ستكون هذه
الديمقراطية حقيقية؟
بعد أن فشلت واشنطون في العثور على أسلحة
الدمار الشامل تحولت بدعايتها إلى "إقامة الديمقراطية، “ وهذا يفند بشكل مطلق
زعمهم الأول بأن "المسألة الوحيدة" كانت تدور حول إمكانية حمل صدام على
التخلص من أسلحته، ولكن بوجود طبقة مثقفة مطيعة إلى حد كاف وبوجود إعلام يدين
بالولاء فإن المهزلة تستمر بدون أي عائق. ولتقويم الادعاء الجديد لابد لأي
شخص عقلاني إن يسأل كيف تصرف في السابق أولئك الذين يدعون بأنهم "تواقون إلى
الديمقراطية" وكيف يتصرفون اليوم حين يتعلق الأمر بمصالحهم. لا أبغي الخوض
في هذا السجل، ولكن أولئك الذين يرغبون في تقويم هذه الادعاءات يتوجب عليهم
أن يفعلوا ذلك بكل تأكيد، وسوف يكتشفون أنه يتم السماح "بالديمقراطية" عندما
تكون "مفروضة من الأعلى" حيث تحتفظ بالسلطة تلك النخب السياسية التي تتعاون
مع الشركات الأميركية وتؤمن مصالح الدولة الأمريكية. وبالمناسبة أنا أستشهد
بقول أحد كبار المختصين بالديمقراطية في أميركا اللاتينية، والذي يكتب كشاهد
عيان من داخل المؤسسة، حيث أنه قام بتقديم خدماته في سياق برامج إدارة ريغان
"لتعزيز الديمقراطية،" هذه البرامج التي دمرت أميركا الوسطى وخلفت وراءها
الكثير من الرعب في الشرق الأوسط وجنوب القارة الإفريقية أيضا. وعلاوة على
ذلك فإن هذه السياسات ما تزال متبعة اليوم بدون أي تغيير. هل تجلب الولايات
المتحدة الديمقراطية إلى أوزبكستان؟ أو إلى غينيا الاستوائية، والتي هي أيضا
يحكمها وحش يمكن مقارنته بصدام حسين؟ ولكن البيت الأبيض برئاسة بوش يستقبله
بحرارة لأنه يتربع على حوض نفط بالغ الضخامة. خذ مثلا بول وولفوويتز، الذي
تصفه منظومة الإعلام بأنه الشخصية الرئيسية ذات المثل الديمقراطية والذي
"يقطر قلبه" حزنا لآلام المسلمين المساكين، وهذا يفترض فيه أن يفسر لماذا كان
من المدافعين الرئيسيين عن الجنرال سوهارتو حاكم إندونيسيا، والذي هو أحد
أبرز المجرمين الذين مارسوا القتل الجماعي والتعذيب في العصر الحديث، وقد
واصل في مدحه حتى وقت متأخر من عام 1997 قبل الإطاحة به بثورة داخلية. ومن
السهل جدا أن نسهب في ذلك. وبالنسبة للأغنياء وذوي النفوذ، فإن الأوهام
الذاتية هي مصدر رضا وراحة، وهناك الكثير ممن يستمتعون بكيل الإطراء لأنفسهم،
وذلك هو دور رئيسي اضطلعت به الفئة المثقفة عبر التاريخ. أما بالنسبة
للضعفاء والذين لا حول لهم ولا قوة فإن الإيمان بالأوهام لا يشكل منهجا
حكيما، كما ينبغي أن يفهم ضحايا الممارسات الإمبريالية عبر القرون.
5 - هل الحروب
التي تشنها الولايات المتحدة لحماية أمنها القومي مشروعة؟ كيف تنظر إلى
الأمن القومي الأميركي؟
إن الأمن القومي للولايات المتحدة مهددا فقط من
قبل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل (أ.د.ش.) واللذين سوف يجتمعان معا إن عاجلا
أم آجلا، وربما يؤدي ذلك إلى نتائج مروعة. إن وكالات الاستخبارات الأميركية
وغيرها من الوكالات، وأيضا محللي السياسة الخارجية المستقلين تنبأوا بأن غزو
العراق سوف يؤدي إلى ازدياد الإرهاب وانتشار أ.د.ش.، ولقد ثبتت صحة توقعاتهم،
والأسباب واضحة. لقد أعلنت القوة العالمية المسيطرة عن نيتها بمهاجمة أية
جهة ترغب، بدون ذريعة مقبولة أو تفويض دولي، وذلك وفق استراتيجية الأمن
القومي الموضوعة في عام 2002، ثم باشرت على الفور بالقيام " بعمل نموذجي" لكي
تظهر للعالم أنها تعني تماما ما تقول، وغزت بلدا مهما كانت تدرك بالطبع بأنه
عمليا عاجز عن الدفاع عن نفسه. وعندما تشاهد ذلك أهداف محتملة فإنها لا
تقول: "شكرا! اذبحني من فضلك" بل إنها تلجأ إلى وسائل الردع أو الانتقام
أحيانا. لا أحد يستطيع بالقوة العسكرية منافسة الولايات المتحدة، التي يبلغ
حجم نفقاتها العسكرية حوالي ما ينفقه بقية العالم بأسره. هذا هو سبب
التوقعات شبه الإجماعية من قبل الخبراء بأن الإعلان عن "استراتيجية الأمن
القومي" وغزو العراق سوف يؤججان الإرهاب والسعي لحيازة أ.د.ش. وإدارة بوش
تدرك ذلك، كما تدركه أجهزة الاستخبارات ويدركه المحللون المستقلون. إنهم لا
يفضلون أن يلحقوا الأذى بالأمن القومي للولايات المتحدة ويعرضوا السكان
لتهديدات خطيرة. غير أن هذا لا يشكل أولوية بالنسبة لهم بالمقارنة مع
أولويات أخرى: السيطرة على العالم وإتباع برنامج داخلي رجعي جذري يهدف إلى
إزالة التشريعات التقدمية التي أقرت في القرن المنصرم والتي كان الغرض منها
حماية عامة المواطنين من ويلات نظام السوق. وهم يبغون دولة قوية جدا، وحالما
أمسكوا بزمام السلطة رفعوا نفقات الدولة (قياسا إلى الاقتصاد) إلى أعلى مستوى
منذ أن صعدوا إلى السلطة لأول مرة قبل 20 عاما إبان إدارة ريغان. ولكن
الدولة القوية التي يودون إحياءها هي لخدمة مصالح الأقوياء وذوي الامتيازات،
وليس عامة الشعب، وفي نظرهم فإن أهدافهم العالمية والمحلية أهم بكثير من
الأمن، أو حتى البقاء. ولا جديد في ذلك فأولئك الذين لديهم بعض الإلمام
بالتاريخ يدركون بأن القادة السياسيين غالبا ما يختارون أن يجازفوا ويتسببوا
في الكوارث خلال سعيهم للسيطرة والنفوذ والثروة.
6 – إلى أي حد
تسعى الولايات المتحدة وراء الشرعية والقبول الدوليين؟
لطالما أظهرت الولايات المتحدة الازدراء تجاه
مجلس الأمن والمحكمة الدولية والهيئات الدولية عموما، وهذا ليس موضع جدل على
الإطلاق. ولكن هذه الإدارة شديدة التطرف في احتقار القانون الدولي والهيئات
الدولية، لدرجة أنها كانت موضع إدانة لم يسبق لها مثيل من قبل أرباب السياسة
الخارجية، وفوق كل ذلك فهناك قدر كبير من الوقاحة والمجاهرة بعدم وجود حاجة
حتى لمناقشة هذا الموضوع.
7- هل نجحت
الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في حماية استقلالها؟
من الواضح أنها لم تفعل. منذ سنة أبلغت إدارة
بوش الأمم المتحدة بأنها قد تغدو "ذات نفع" إذا اتبعت أوامر الولايات
المتحدة، وإلا ستكون مجرد جمعية يمارس فيها الجدل (على حد تعبير كولن باول.)
هذا الوضع استمر في
الماضي وهو مستمر اليوم، والأمر ليس
مقصورا على المسألة العراقية وحدها. وإذا ركزنا اهتمامنا فقط على الشرق
الأوسط فإن الولايات المتحدة تابعت على مدى ثلاثين عاما نهجها بحماية دولتها
التابعة إسرائيل بنقض قرارات مجلس الأمن ومنع إصدار قرارات في الجمعية
العمومية، وبالطبع بمنح المساعدات العسكرية والاقتصادية لدولتها التابعة
لتستمر ببرنامج ضم الأجزاء المهمة في الضفة الغربية إلى إسرائيل، وهذا هو أحد
الأسباب الذي جعل الولايات المتحدة متفوقة بشكل واضح في مجال استخدام الفيتو
لنقض قرارات مجلس الأمن (تتبعها بريطانيا، ولا يقترب أحد مجرد اقتراب من هذا
المستوى) منذ الستينات، عندما بدأت الأمم المتحدة بالاستقلال نوعا ما عن
سيطرة الولايات المتحدة نتيجة لتصفية الاستعمار ولتعافي الدول الصناعية من
الحرب. وهذا بالطبع ليس السبب الوحيد، فالولايات المتحدة تستخدم الفيتو لنفض
قرارات مجلس الأمن في طائفة من القضايا، بما فيها حتى الدعوة إلى احترام
القانون الدولي... والتي لا تذكر الولايات المتحدة بالاسم، مع أن الجميع يدرك
لمن توجه هذه الدعوة.
8 –
اعتبرت،
أنت، الولايات
المتحدة زعيمة الإرهابيين، لماذا؟ وإلى أي حد باستطاعتها حماية القيم
الإنسانية؟
أطلق على الولايات المتحدة اسم "زعيمة
الإرهابيين" ولكنني أجريت دراسات موثقة ومفصلة عن السجل الطويل والرهيب
لأعمال الولايات المتحدة وعن دعمها الحاسم للإرهاب الذي تمارسه جهات تابعة
لها، وعندما أستعرض هذا السجل فأنا أستخدم التعريف الرسمي للحكومة الأميركية
لكلمة "الإرهاب." ولكن ثمة أقلية فقط تود استخدام التعريف الرسمي، لأن هذه
هي النتيجة الفورية، وإذا لم تكن مقتنعا راجع التوثيق المستفيض ... بما فبه
تاريخ الأكراد وحتى الوقت الحاضر، رغم أن التأييد الأميركي الحاسم لإرهاب
الدولة ضد الأكراد كان موجودا بالدرجة الأولى في تركيا في التسعينات، عندما
أصبحت تركيا تحتل الصدارة بين الدول التي تتلقى المساعدات العسكرية الأميركية
(إذا وضعنا جانبا إسرائيل ومصر) بينما كانت تطرد ملايين الأكراد من ريفهم عقب
تدميره، وتقتل عشرات الآلاف وتمارس كل الأعمال البربرية التي يمكن تخيلها،
وهي من أسوأ جرائم التسعينات، وهي ماثلة بقربك. وأنا شخصيا شاهدت بعض
النتائج في مدن الصفيح في استانبول التي سيق إليها المهجرون، وفي أسوار مدينة
ديار بكر حيث حاولوا البقاء على قيد الحياة، وفي أماكن أخرى أيضا. وهذا جزء
صغير جدا من القصة، ولا يتطرق إلى الفظائع الإرهابية التي تم ارتكابها، وفي
هذا الصدد ثمة سجل طويل شنيع. وفي الحقيقة تنفرد الولايات المتحدة بأنها
الوحيدة التي أدانتها المحكمة الدولية وذلك بسبب هجومها على نيكاراغوا
وارتكاب أعمال تتساوى مع الإرهاب الدولي، ولقد أمرت المحكمة إدارة ريغان –
والتي عادت إلى السلطة الآن – بأن تنهي حربها الإرهابية على نيكاراغوا.
وبالطبع لم تقم الولايات المتحدة وزنا لأمر المحكمة، وسارعت إلى تصعيد حربها
الإرهابية، كما أنها نقضت قرارات مجلس الأمن المؤيدة لحكم المحكمة. وهذه
الممارسات ليست بأي حال من الأحوال حكرا على الولايات المتحدة. وعلى العموم
فإن ممارسات كهذه تتوازى نوعا مع درجة القوة والقدرة على ارتكاب الجرائم.
وأكرر بأن هذا شيء مألوف – أو ينبغي أن يكون كذلك – بالنسبة للضحايا عبر
القرون. هل تستطيع الأنظمة التي تتمتع بالقوة أن تصون القيم الإنسانية؟
بالتأكيد إنها تستطيع، وأحيانا تقوم بذلك بالفعل، وهذا ينطبق أيضا على
الولايات المتحدة. هذا يحدث عندما تشكل حماية القيم الإنسانية خدمة لمصالح
القوى العظمى أو عندما تطالب بذلك جماهير المواطنين المستثارة. وكلا
العاملان مسئول عن قيام الولايات المتحدة بحماية الأكراد في التسعينات، بينما
كانت الولايات المتحدة تؤمن الدعم العسكري والدبلوماسي الحيويين لأعمال القمع
الوحشية بحق الأكراد في الجهة الأخرى من الحدود، مع أن المواطنين في الولايات
المتحدة ما يزالون غير عالمين بهذه الجرائم، حيث يقوم الإعلام والفئات
المثقفة بالتكتم على البراهين العديدة عليها، كما هو الحال بوجه عام.
9 –
قلت في بعض
أعمالك بأنه لا يوجد أمل في مستقبل أفضل طالما أن القوة الأميركية آخذة في
الازدياد، لماذا أنت رجل متشائم؟ هل يعني هذا بأن النموذج الأميركي لن ينجح؟
أنا لا أقول ذلك بتاتا. ثمة أمل كبير في
مستقبل أفضل، وبناء مستقبل كهذا يجب أن يكون مهمة رئيسية للشعب في أميركا
وللشعوب في الغرب عموما وفي بقية أنحاء العالم، وهنالك علائم مشرقة أؤكد
عليها باستمرار. أما بالنسبة "للنموذج الأميركي، “ فالأمر يعتمد على ما
تقصده أنت. الشعب في الولايات المتحدة لديه إنجازات رائعة يشهد له بها:
حرية التعبير مثلا، هي شيء فريد في التاريخ، على حد علمي، كما أنه تم اكتساب
المزيد من الحقوق، وهي لم تكن هبات من فوق، بل نتيجة نضال شعبي دءوب. إذا
كان هذا هو النموذج الذي بذهنك، فأنا آمل أن يكون أكثر نجاحا في الولايات
المتحدة وفي أماكن أخرى، وإذا كنت تقصد بالنموذج الأميركي ما يتضمنه الإعلان
عن "استراتيجية الأمن القومي" وتطبيقاتها العملية، أو النموذج الليبرالي
الجديد الذي يبتغي نقل السيطرة على معظم أنحاء العالم إلى أيدي الشركات
المتعددة الجنسية المرتبطة ببعضها البعض وإلى بضعة دول قوية – وهي ما تطلق
عليها وسائل الإعلام التجارية اسم "الحكومة العالمية الفعلية" – فأنا
بالتأكيد آمل، كما ينبغي أن نأمل جميعا، ألا ينجح.
10 -
إلى أي حد تنجح الدعاية ووسائل الإعلام في جعل المواطنين الأميركيين مؤيدين
لسياسة حكومتهم؟ وهل يستطيع معارضو هذه السياسة أن يوصلوا صوتهم إلى
الآخرين؟
الأمر يتفاوت. خذ مثلا غزو العراق. من
الناحية العملية لقد تم الإعلان عن هذا الغزو في أيلول 2002 مع الإعلان عن
"استراتيجية الأمن القومي، “ وقد أعقب ذلك حملة دعائية حكومية/إعلامية واسعة
حولت قطاعات كبيرة من الرأي العام الأميركي بعيدا تماما عن نطاق الرأي العام
العالمي، والغالبية باتت تعتقد أن صدام حسين كان خطرا وشيكا على الولايات
المتحدة وأنه كان مسئولا عن جرائم 11 أيلول 2001 وبأنه كان يخطط لفظائع جديدة
بالتعاون مع القاعدة، الخ. هذه الاعتقادات كانت متلازمة مع تأييد الغزو،
وهذا لا يشكل مفاجأة. كان من المعروف أن هذه الاعتقادات خاطئة تماما، ولكن
هذا لم يهم: الأكاذيب التي تذاع بشكل مدو وعلى نحو لا ينقطع أضحت هي الحقيقة
العليا. ورغم ذلك فإن الحملة الدعائية نجحت فقط بشكل جزئي. لقد بلغت
الاحتجاجات على الغزو مستويات لا يضاهيها أي شيء في تاريخ أوروبا أو الولايات
المتحدة. عندما هاجمت الولايات المتحدة فيتنام عام 1962 – ولا جدل في أنها
فعلت ذلك- لم يكن هناك أي احتجاج على الإطلاق، ولم يبلغ الاحتجاج أي مستوى
جدي قبل 4 أو 5 سنوات، وفي غضون ذلك كانت فيتنام الجنوبية، والتي شكلت الهدف
الرئيسي للهجوم، قد دمرت عمليا، وكان العدوان قد امتد إلى معظم الهند
الصينية. لأول مرة في تاريخ الغرب، كان هناك احتجاج هائل ضد غزو العراق حتى
قبل أن يعلن الغزو رسميا، وهذا مثال واحد فقط من ضمن أمثلة عديدة تدل على أن
أنظمة القوة قد فقدت السيطرة على قطاعات مهمة من الشعب، وهناك مثال آخر يتمثل
في الحركات المطالبة بالعدل في العالم والتي انتشرت في أرجاء المعمورة، هذه
الحركات لم يسبق لها مثيل.
11 –
البعض
ينتقدك لكونك أكثر الأميركيين تطرفا في معاداة إسرائيل، والبعض يقول إنك،
كيهودي، تكره ذاتك، كيف يمكن أن تنتقد إسرائيل بهذا الشكل؟
هذه التهم ظريفة. أولئك الذين يعرفون الكتاب
المقدس يعرفون أصلهم. هذه التهم تعود إلى أيام الملك آهاب، الذي كان يجسد
الشر في الكتاب المقدس. لقد أدان الملك آهاب النبي إيليا بوصفه كارها
لإسرائيل، وقد وافق على ذلك المتملقون في قصر الملك آهاب. كان إيليا "يهوديا
كارها لذاته،" لو شئنا الاستعارة من قاموس المتملقين في ذلك القصر، لأنه كان
ينتقد سياسات الملك ويدعو إلى العدل واحترام حقوق الإنسان. وكانت هناك تهم
مماثلة في الاتحاد السوفييتي فيما مضى: كان يحكم على المنشقين بأنهم يكرهون
روسيا، وثمة أمثلة أخرى من الأنظمة الدكتاتورية والمتسلطة. وهذه التهم تعكس
قيم استبدادية متأصلة، فبالنسبة للحاكم المستبد الموغل في الاستبداد فإن
سلطات الحكم يجب أن تتطابق مع الشعب والثقافة والمجتمع. إسرائيل
هي
الملك آهاب وروسيا
هي
الكرملين، وبالنسبة للحكام المستبدين فإن انتقاد سياسة الدولة هو انتقاد
للبلاد ولشعبها، أما بالنسبة لأولئك الذين لديهم أي اهتمام بالديمقراطية
والحرية فإن هذه التهم مضحكة تماما. إذا أدين شخص إيطالي ناقد لبرلسكوني
بأنه "معاد لإيطاليا" أو بأنه "إيطالي كاره لذاته" فهذا سوف يثير السخرية في
روما وميلانو، ولو أن ذلك كان ممكنا في أيام نظام موسوليني الفاشي. إن الأمر
مثير للاهتمام بشكل خاص حين تبدر هذه المواقف في مجتمعات حرة، كما هو الحال
مع أولئك الذين تستشهد بأقوالهم.
“أنا لا أنتقد إسرائيل على وجه التخصيص، ولكني
أنتقد بقوة الدور الحاسم للولايات المتحدة – وهي بلادي على كل حال – في
تأييدها للجرائم البربرية للدولة التابعة لها وفي منع تسوية سياسية سلمية وفق
الخطوط التي يؤيدها عمليا العالم قاطبة منذ السبعينات، وبالنسبة للعقلية
الاستبدادية فهذا يمثل "كرها لإسرائيل" أو "كرها للولايات المتحدة." الملك
آهاب والمتملقون في قصره، الكرملين ومفوضوه، والآخرون الذين يدعون للخضوع
الذليل للسلطة سوف يوافقون بدون شك، أما أولئك الذين يثمنون عاليا الحرية
والعدل وحقوق الإنسان فسوف ينحون نحوا مختلفا، كما جرت عليه الأمور عبر
التاريخ.
|