- الديموقراطية -

المنظمات غير الحكومية...!  مالها وما عليها؟

تيسا موريس ـ سوزوكي

2003

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:
  • العملية: "الحرية لإيران".  طارق على

  • القمع: النظام الجديد فى الداخل الامريكى.   كلارك كيسينجر


  • لنفس المؤلف:

     

    في 1998، أصدر مركز "راند أرويو " ، جماعة بحث تنتمي للقوات المسلحة الأمريكية ، أصدر تقريرا جديرا بالملاحظة بعنوان " الزاباتستية ، شبكة اجتماعية للحرب في المكسيك".

    سياسات العالم المعاش

     صدر التقرير تحت رعاية نائب رئيس المخابرات الأمريكية، وحللت الوثيقة النجاحات التي حققتها الحركة الزاباتستية في إنشاء وتطوير شكلاً جديداً للتعبئة الاجتماعية  تميز بأنه "شبكة للحرب" : ’ظهور أسلوب للصراع (والجريمة), مبني على أساس صيغة شبكات عمل للتنظيم ، والعقيدة ، والاستراتيجية ، والتوافق التكنولوجي مع عصر المعلومات ’. نحن نعلم أن "شبكة الحرب" ليست مخصصة فقط لاستخدام وسائل الاتصالات الحديثة مثل الانترنت ،ولكنها أيضاً مخصصة لتعبئة الشبكات الممتدة أفقياً للمنظمات غير الحكومية ، التي تحل محل البنى الممتدة أفقياً للحركات الثورية القديمة . على حد قول الكولونيل "ريتشارد زافرانسكي" ، المشرف على الدراسة، أن التحدي الذي تمثله هذه الشبكات غالباً ما يكون بمثابة "نظرية للمعرفة" : "قد تستهدف شبكة الحرب تفنيد العقائد الأصولية لدى جماعة من الناس حول طبيعة ثقافتهم ، ومجتمعهم ، وحكومتهم ، وإلى حد ما قد تستهدف تهدئة المخاوف الناجمة عن شئ محدد ، ولكنها تستهدف أساساً إرباك الناس وتشويش مفاهيمهم"(1)

    حملات شبكات الحركات الاجتماعية  العابرة للقوميات ليست بالضرورة تشكل تهديداً ؛ ففي بعض الأماكن،بما فيها المكسيك،’قد يكون لها بعض النتائج الايجابية ، خصوصاً في دعم الإصلاحات الاجتماعية  والسياسية ‘. لكنها في مناطق أخرى تشكل تهديداً محتملاً للمصالح الأمريكية ، ولذلك يجب على القوات المسلحة الأمريكية أن تسلح نفسها لهذه النظرية الجديدة للمعرفة وللمعركة الفعلية على المشاعر والعقول ، ’ولنفس الاسباب قد ترغب الولايات المتحدة في إثارة (حرب الشبكات)، أو على الأقل تكون في موضع يسمح لها بالاستفادة من تأثيراتها ‘.في هذا الإطار ، خلص التقرير إلى أن ’ قد يكون من الملائم ومن المستحسن أن تستفيد الولايات المتحدة بشكل متزايد من الجمع بين مهارات الاتصالات والتنسيق مع المنظمات غير الحكومية التى يمكن أن تؤثر في مسلك وإدارة حرب الشبكات.(2)

            تقدم وثيقة ’راند أرويو‘ صورة واضحة تثير الاهتمام بالمأزق الهام للنظرية الاجتماعية  المعاصرة . فمن ناحية ، تلقي الضوء بشدة على الموافقة الواسعة النطاق ـ حتى فيما بين بعض الاتجاهات التى لا يتوقع موافقتها ـ على تصور أن الحركات الاجتماعية  العابرة للقوميات ، والمرنة ، والتى تعمل كشبكات، تعتبر أدوات أساسية للتغيير في ’عصر المعلومات‘ . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ،تطرح الوثيقة الشك في التصور الواسع الانتشار الخاص بأن المنظمات غير الحكومية أو شبكات الحركات الاجتماعية  منابع للمقاومة التقدمية ضد القوى الرأسمالية العالمية .  في الوقت الذى لا تزال فيه القوات المسلحة الأمريكية تأمل في فتح المجال لعمل ’شبكة حرب‘ بالتنسيق مع المنظمات غير الحكومية ، ما هي الثقة التى يمكن أن نضعها في التحرر والانطلاق المحتمل لشبكات الحركات الاجتماعية العابرة للقوميات؟

    العولمة والاستخدام

            في اللغة المنمقة عن  العولمة ، تتكرر العبارة نفسها عن المخاطر والوعود ، الأساسية والثانوية . تتمثل التهديدات في قدرة رأس المال ، والسلع ، والأفراد، والأفكار، غير المسبوقة والتاريخية على التحرك والانتقال بشكل يجعل السيادة الوطنية أمراً  فارغا ، وتسلب المنابر الوطنية القدرة على العمل الجماعى الحاسم . وفي الوقت الذى تتزايد فيه أعداد البلدان الصغيرة والضعيفة ، تقضى العولمة على الأسس العسكرية ، والاقتصادية ، والثقافية للسيادة الوطنية .وطبقاًت لما كتبه ’زيجمونت باومان ‘: ’أن الأرجل الثلاثة لمرجل السيادة الوطنية تحطمت الآن‘(3). في هذه المرثية للقومية المفقودة ، فان سحب الاعتراف بسيادة الدولة يرتبط بتخلى الدولة الشامل عن تشغيل مواطنيها ، بينما بقيت المؤسسات الديمقراطية في وضعها اللائق على المستوى القومي ، والقرارات الحقيقية تصنع الآن في أى مكان  . تجربة عدم التشغيل التى نجمت عن هذا التجاهل للدولة القومية امتدت سياسياً بشكل محدود إلى العالم الاعمق للعمل والحياة الخاصة .حرية التحرك والانتقال العالمية لرأس المال تقوض أساس وظيفة  الأمن ؛ كما تخفض التغيرات التكنولوجية من قيمة المعارف المكتنزة ؛ويطمس التنوع الغني للتقاليد المحلية من خلال الفيض المنتشر لاستعمار الكوكايين . ويبرز الضعف السياسي باعتباره افتقارا لعقيدة اجتماعية ، وفقد الهوية الثقافية ، وانتشار الخوف .

              حتى الآن ، يحدث تغير طفيف في الخوف من التحولات الأساسية التى تشكل نفس الأفكار المهيمنة المتكررة ـ ’السيولة‘ ، و’عدم اليقين‘، و’تآكل الحدود الوطنية‘ ـ فتتحول من مصادر للخوف إلى دواع للأمل في أشكال جديدة لتفويض السلطة الاجتماعية  والسياسية . الوعود التى يروجها المتحدثون عن العولمة بأن تجاوز الحدود الثقافية يقوض القومية ، فهم يتحدثون أيضاَ عن تنشيط عدد وافر من الهويات الأخرى ،والدخول في هويات أخرى ، من المحتمل أن تكون أكثر مرونة ، بدلاً من  الأشكال الموروثة للمواطنة . وبينما أصبحت الحدود بين ما هو وطني وما هو اجنبي أكثر سيولة ، وأصبحت حالة التشتت الناجمة عن التهميش حالة عامة ، فضلاً عن تشجيع أشكال الانتماء للبنى ’الكوكبية العامة‘مثل ’الائتلافات العابرة للقوميات ، وأنظمة التسويق التى تتجاوز حدود الدولة ‘(4) . يلاحظ ’ساكاموتو يوشيكازو‘ أن قيام الأسواق التي تزيدها العولمة قوة ، جعل المجتمع المدني المعاصر يتجاوز الحدود القومية ‘ .كما يتنبأ بأن تلعب المنظمات غير الحكومية في غرب أوروبا دوراً حيوياً متزايداً في الحد من الأخطار الاجتماعية  والبيئية الناجمة عن الرأسمالية الكوكبية . عن أمريكا اللاتينية ، وعن أجزاء أخرى، تكتب ’إليزابيث جلين‘ عن النمو المذهل في ’شبكات التضامن الدولية ،التى تبدي فعالية في التدخل في حالات الاستبعاد الاقتصادي ، والاضطهاد السياسي‘(5) ، فهل تؤدي مثل هذه الشبكات إلى ’ثورة حفاه‘ ، وأن تلعب دوراً محتملاً في حل الكثير من المشكلات الناجمة عن الأشكال التقليدية للتطور السياسي؟(6) .

            حتى أولئك الذين يحذرون من الاحتمالات الثورية للحركات الاجتماعية  العابرة للقوميات ، غالباً ما يرون دوراً هاماً للمنظمات غير الحكومية في مقاومة قوى العولمة . على سبيل المثال ، يقول ’ليسلي إسكلير‘ المفكر الاجتماعي  البريطاني ، أن ’الحركات الاجتماعية  العابرة للقوميات بينما تواجه فشلاً ذريعاً في نشاطها ضد الرأسمالية الكوكبية‘ ،إلا أن الجماعات البيئية ، وجماعات المستهلكين ، والجماعات الأخرى تلعب دوراً مؤثراً على المستوى المحلي في إعاقة اندفاع النظام ، وأن هذا التعطيل على المستوى المحلي ، إذا ما تكرر وارتبط بسلسلة واسعة من المواقع المحلية ، يمكن في الواقع أن يؤدي إلى نتائج هامة على المستوى الدولي . تقوم القوى المحلية المحتملة على أساس حركات اجتماعية منظمة على نطاق عابر للقوميات ، وأبدت حيوية شديدة بالمظاهرات الواسعة النطاق للمنظمات غير الحكومية التى صاحبت اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل في نوفمبرـ ديسمبر 1999 ، وأثرت في نتائجها (7).

    من الحركات الاجتماعية  الجديدة إلى المنظمات غير الحكومية

            حتى الآن ، أستخدم كلمات مثل ’الحركات الاجتماعية ‘ ، ’المنظمات غير الحكومية‘ ، و’المجتمع المدني‘، دون أية محاولة لتعريف وتحديد معانيها ، لكن ، من الهام قول شئ عن معنى هذه الكلمات ، وخصوصاً ، لجذب الانتباه للاختلافات غير العملية بين تعبيرات ’الحركة الاجتماعية ‘ و ’المنظمة غير الحكومية‘ . الأفكار والآراء الراهنة عن المجتمع المدني العابر للقوميات تدين بالفضل لكل من ’آلين تورين‘ ، و ’البرتو ميلوسي‘ ، و ’آلريتش بيك‘ ، و ’أنتوني جيدنس‘ ، والتي برزت في كتاباتهم عن ’الحركات الاجتماعية  الجديدة‘ الصادرة في السبعينيات . ومع ذلك ، يصعب وجود تعريف مقنع ، جامع وشامل ،ويمكن للمرء أن يقول أن ’الحركات الاجتماعية  الجديدة‘ هي القوى التى تتحدى النظام القائم ، سواء بأعمال الاحتجاج المباشر أو بانتهاج أساليب حياه بديلة لأعضائها . ومن خلال أشكال كثيرة تشمل الحركات النسائية و حركات السلام ، أصبحت لها جذور تعود على الأقل للعقود الأولى من القرن العشرين، وإن كانت هذه الحركات ’جديدة‘ بمعنى أنها تمثل ما هو سياسى في مجتمعات ’مابعد الحداثة‘ الرأسمالية، و’المعلومات‘ ، و’ما بعد المجتمعات الرأسمالية المنظمة‘.

    ما تسعى كل هذه التعبيرات للامساك به هو(لا مادية) الاقتصاد ـ نشأة المعرفة ، والتصميم ، والترميز على رأس هيراركية القيمة المضافة : ’مايتم إنتاجه بشكل متزايد ليس الاشياء المادية ، لكنها الاغانى‘(8) ـ على نحو مشابه ، تعكس الحركات الاجتماعية  الجديدة تغير في الاهمية من الصراعات على مصادر الثروة المادية والأمن المادى إلى صراعات الثقافات ، والأهداف والهويات. بالنسبة لـ’ألبرتو ميلوس‘ ، فإن نشوء الحركات الاجتماعية  الجديدة يعكس التغير الأساسي في طبيعة الحياة السياسية . وفي نهاية القرن العشرين ، قال’ألبرتو ميلوس‘: ’ تضمحل الدولة باعتبارها أداة فريدة في العمل والتدخل . ويتم تجاوزها بواسطة إقامة علاقات متبادلة عابرة للقوميات ، كما تجزأت على عدد وافر من الحكومات (وسائل السيطرة)الجزئية ، لها أنظمتها النيابية ، ونظمها الخاصة في صناعة القرار‘(9) . وبشكل متزايد ، يتماسك هذا النظام ويترابط ، وتضبطه مجموعة من قواعد السلوك ، وتنغمس معارفه في الحياة اليومية . بناء على ذلك ، تلقى الاضواء أكثر فأكثر على نضالات الحركات الاجتماعية  من أجل حرية الوصول للمعرفة ونقلها وتأويلها . وبشكل متزايد ، أصبحت المعارضة السياسية ذات طبيعة ثقافية .

              كذلك ، أكد ’أنتوني جيدنس‘ على الطبيعة الثقافية للعمل الاجتماعي  المعاصر ، وقارن بين ’سياسات الحياة‘ وبين ’السياسات التحرر‘ لغالبية حركات الإصلاح التقليدية .’سياسات الحياة‘ طبقاً لحسابات ’جيدنس‘ ’لاتهتم في المقام الأول بالظروف التي تحررنا كى نتمكن من صنع خياراتنا :إنها سياسات الاختيار . وبينما سياسات التحرر هي سياسات لفرص الحياة ، فان سياسات الحياة هي سياسات لأسلوب الحياة‘ . من هنا ، فان ’اسلوب الحياة‘ يعني ما هو أكثر من شكل للموضة أو للاستهلاك . إنه يشمل قضايا أخلاقية ووجودية أعمق ’للهوية الشخصية ‘ـ مشكلات مثل ’كيف نعيش حياتنا في ظروف اجتماعية متحررة‘(10) . وحرص ’جيدنس‘ على تأكيد أن سياسات الحياة لم تحل برمتها محل سياسات التحرر ، في الواقع ، أن سياسات الحياة وسياسات التحرر بينهما علاقة متبادلة إلى حد بعيد . لكن تحليلاته توحي بتنامي الاهمية النسبية للثقافة ولأنماط سياسات المعرفة في ’عصر ما بعد الحداثة‘ .شارك آخرون في دفع الموضوع إلى مدى أبعد . فيستشهد ’توني سبايبي‘ بـ’جيدنس‘ ليثبت أن السعى من أجل الإنجاز الفردي هو نتاج سلسلة من الصراعات من أجل التحرر الاجتماعي  الذي بدأ في القرن التاسع عشر وامتد حتى نهاية العقود الوسيطة من القرن العشرين .(11)

            وهكذا ، تكون الحركات الاجتماعية  الجديدة ثمرة ’الفعل الانعكاسي‘ في المجال السياسي : تعتمد في قوتها على مناقشات أعضاءها أكثر مما تعتمد على الاستراتيجية الموجهة من جانب حفنة ضئيلة من القيادات . لتقنين وتقديم أوراق الاعتماد التقدمية لهذه الحركات ، غالباً ما يدعي المراقبون المؤيدون لها أنهم لا يسعون لتأكيد روابط الدم البدائية ، أو الانتماء لجماعات ضيقة ، أو الروابط الدينية ، لكنهم على العكس يسعون لتأكيد الانتماء ’للجماعات المبتكرة‘ ، حيث يختار الأعضاء هويتهم بأنفسهم كإنتماء مؤقت ومشروط . يلاحظ ’سكوت لاش‘ و’جون يوري‘ أننا ’لاننتمي لهذه الجماعات بشكل جزافي ، لكن نقرر إلى أي من هذه الجماعات ـ من جماعة الشباب الاقل ثقافة إلى الحركات الاجتماعية  الجديدة ـ سوف ننتمي‘(12).بينما ازدهر العمل في الحركات الاجتماعية  الجديدة في السبعينيات وبدايات الثمانينيات ، إلا أنه بدءاً من أواخر الثمانينيات ، إتجهت معظم الكتابات قدماً للرهان بشكل أكبر على المنظمات غير الحكومية ، التي كان لها صدى واسعاً في المقالات المبكرة . هذا الحضور للمنظمات غير الحكومية كورثة أكثر مرونة ولامركزية للمؤسسات السياسية والاجتماعية  القديمة ، وأكدت إمكانياتها المحتملة كشريك في الأشكال الجديدة للمجتمع المدني المتجاوز للحدود الوطنية . كتبت الكثير من الأدبيات عن المنظمات غير الحكومية ، وتكتب بأسلوب مبتذل ومثير للضجر على طريقة المطبوعات الإعلانية . وفشل الأكاديميون في اكتشاف الأشكال الراديكالية الجديدة للوجود الاجتماعي  ، التي عبرت عن نفسها في كل شئ ، بدءاً من الجمعيات التعاونية للأغذية الصحية وحتى اتفاقيات المساعدة على العيش . بالمثل ، غالباً ما يجد منظرو الحركات الاجتماعية  الجديدة ، والمؤيدون للمنظمات غير الحكومية ، غالباً ما يجدوا صعوبة في تحديد هدفاً واضحاً لأبحاثهم . ولازال تعبير ’منظمة غير حكومية‘ يطلق أيضاً على الحركات الاجتماعية  الجديدة.

    منظمات غير حكومية تستهدف الربح ومنظمات حكومية غير حكومية

            عادة ما تتخذ الحركات الاجتماعية  كأدوات للتغيير الاجتماعي  التقدمي ، باعتبارها قادرة على تغيير السياسات الحكومية أو تغيير أساليب حياة أعضاءها ، لكن الحروف الأولى المركبة من عبارة المنظمات غير الحكومية (م.غ.ح.)نادراً ما تستعمل في موضعها الصحيح . فقد تسعى المنظمات غير الحكومية للتغيير ، لكنها قد تعمل أيضاً من أجل الحفاظ على النظم الاجتماعية  والسياسية القائمة . علاوة على ذلك ، بينما قد تكون الحركات الاجتماعية  قابلة للتطور وفوضوية التشكيل ، سنجد المنظمات غير الحكوميةـ المتعارف عليها عموماً ـ لها بنية مؤسسية ذات شكل محدد. ومع ذلك ، ليس من المثير للدهشة ، أن غالبية تعريفات المنظمات غير الحكومية ، تؤكد صفتها التطوعية وغير الحكومية ، غير أن عدداً من المنتقدين لاحظوا صعوبة وضع خط حاد يفصل بين الصفة ’الحكومية‘ و’غير الحكومية‘ . رغم كل شئ  ليس من غير الشائع للجماعات ’غير الحكومية‘ أن تعتمد بشكل جوهري على التمويل الرسمي. فعلى سبيل المثال ، تشكل وزارة الخارجية ووزارة الاتصالات البريدية والتليفونية ، تشكلان مصدراً هاماً لتمويل الأنشطة الدولية لبعض المنظمات اليابانية غير الحكومية(13) . عدم وجود شكل محدد للحدود الفاصلة بين ’الدولة‘ و’المجتمع المدني‘ تحدث هجيناً ممسوخاً مثل المنظمات غير الحكومية التى تستهدف الربح (كمنظمة غير حكومية تعمل في المشروعات المربحة) والمنظمات الحكومية غير الحكومية (وهي المنظمات غير الحكومية التى أنشئت بمبادرة من الحكومة وتدور في فلكها).(14)

            التحول في الاهتمام من الحركات الاجتماعية  الجديدة إلى المنظمات غير الحكومية يسمح بالكثير من اللغة المتحررة التي ارتبطت بالأولى لان تكون مرتبطة بالثانية . نمو الاهتمام بالدور السياسي والاجتماعي  للمنظمات غير الحكومية قد يعكس حيوية المجتمع المدني في المجتمعات التي شهدت تحولات ديموقراطية حديثاً في شرق أوروبا وفي مناطق أخرى .ولازالت المنظمات غير الحكومية تلعب دوراً في نشر سياسات الليبرالية الجديدة ، بينما نقلت الدول مسئولياتها إزاء بعض وظائفها الاجتماعية  وإزاء رفاهية مواطنيها لتضعها على كاهل بعض الجماعات الخاصة و التطوعية . لذلك ، يكون من المفهوم لماذا تبدي الحكومات ومؤسسات مثل البنك الدولي ، لماذا يبدون عادة ولعاً بكلمات طنانة متحررة مثل : ’المنظمات غير الحكومية يمكن أن تكون أدوات للـ’حكم الجيد‘.

              بينما يميل مفهوم الحركات الاجتماعية  الجديدة إلى الاعتماد على التجارب الثرية للأنظمة الديموقراطية ، خاصة في غرب أوروبا ، فإن نظرية ’المنظمة غير الحكومية ‘ على العكس من ذلك ، تنسحب بشكل واسع على خبرة البلدان الفقيرة . وبهذا المعنى قد تكون الجماهيرية الراهنة لعبارة ’منظمةغير حكومية‘ انعكاسا للصعوبات في نقل نظريات الحركات الاجتماعية  الجديدة برمتها من الشمال إلى الجنوب . تصبح الفكرة المجردة الخاصة بـ ’سياسات الحياة‘ أو الطبيعة الثقافية للسياسات ، تصبح مشكلة صعبة حينما تعبر هذا التقسيم الجيوـإقتصادي . يرى ’ألبرتو ميلوسي‘ أن الحركات الاجتماعية  الجديدة نشأت في ’مجتمع ما بعد المادية‘ ، حيث الاحتياجات الأساسية للسكان مشبعة إلى أوسع مدى‘(15).هذاـ مثل معضلة ’جيدنس‘الخاصة بـ’كيف نعيش حياتنا في ظروف متحررة‘ ـ تلك المعضلة التي تبدو صعبة المنال بالنسبة لواقع حياة غالبية سكان أفريقيا ، وآسيا ، وأمريكا اللاتينية ، أو حتى بالنسبة لمجتمعات السكان الاصليين والاقليات المهمشة الاخرى في البلدان الغنية نفسها . بناء على ذلك ، يصعب توضيح المفاهيم و المصطلحات . في المناقشة التالية ، سوف أستخدم بشكل عام مفهوم ’الحركات الاجتماعية ‘ بدون صفة ’الجديدة‘ ، وذلك لان اهتمامي الرئيسي سوف ينصب على الجماعات التي تناضل من أجل السلطة ، سواء كانت غير حكومية تماماً أو لم تكن. على الرغم من أن كثير من الحركات الاجتماعية  تندرج في الواقع أيضاً تحت المنظمات غير الحكومية ، إلا أن بعض منها لا يتناسب مع التعريفات القياسية للمنظمة غير الحكومية . استخدام ’المنظمة غير الحكومية‘ كمقولة تحليلية ، علاوة على المخاطر الناجمة عن الحدود النظرية الفاصلة بين ’الحكومي‘ و ’الغيرحكومي‘ ، التي قد تشكل حائلاً دون فهم التغيير الاجتماعي  المعاصر . حتى الآن ، أريد أن أتابع الطريق وراء منظرو المنظمة غير الحكومية بتوسيع النقاش حول الحركات المدنية فيما وراء منطقة ديموقراطيات شمال الاطلنطي .  

    العالم المعاش والصفة الحكومية

            كشفت نظريات الحركات الاجتماعية  التى تطورت في السبعينيات عن أشكال تنظيمية جديدة لممارسة السلطة ـ اللامركزية ، بناء شبكات للنشاط تتجاوز الحدود الوطنية ـليس هذا فحسب، ولكن أيضاَ كشفت ساحات جديدة للمنافسة ، والمعرفة ، والهوية، واستهدفت إلقاء الضوء على المناطق الأساسية للصراع السياسي في العالم المعاصر. لكن، هل تنتسب هذه التغيرات في الحقيقة لـ’مجتمع مابعد المادية؟ بلا شك، يتضح أن تصورات ما بعد المادية أو’سياسات الحياة‘ تقول أقل القليل عن أولئك الذين هم أبعد ما يكونوا عن إشباع احتياجاتهم المادية الأساسية . في الحقيقة، هم يكرروا الفصل المفاهيمي بين العالم المادي وبين مجالات المعرفة غير المادية ، والرمزية، والهوية، التي عانت في السابق من النقل المخل لمناقشات الماركسية حول البناء التحتي والبناء الفوقي. والآن يتناقشون بعناد حول حدود ما بعد الحداثة . لكن العالم المعاصر للرأسمالية الكوكبية ليس كونياً ، حيث اللامادية تتغلب على المادية أو تجعلها ثانوية : إنها المرة الأولى التى يتداخل فيها الموضوع والرمز ، ويختلطان ببعضها بشكل متزايد. ولذلك ، يجب علينا اكتشاف طرق وأساليب للنظر للاداه السياسية التي وحدت الأبعاد المادية والرمزية للحياة أكثر مما وازنت بينهم . أحد هذه الأساليب تكمن في فكرة التمكن من هذا النشاط الذي يعزز قدرة الناس على ’التدخل المؤثر في عمليات التغيير في عالمهم المعاش‘.

            هنا، أنا أطوع عبارة ’العالم المعاش‘ المستعارة من الانثربولوجي’براد ويز‘ ، الذي صاغها لوصف أسلوب حياة شعب ’الهايا‘ الذي يقطن شمال شرق تنزانيا ويختبر البيئة التي يحيا فيها(16). سوف يركز إستعمالي لهذه العبارة على أهمية مشاعرنا الإجمالية في الحياة المادية ، وفي المعاني الضمنية التي نمنحها للأشياء المادية. العالم المعاش هو العالم المادي الملموس لتجاربنا وخبراتنا، به نفسر وندرك الغرف، والشوارع، والمحلات، والاتصالات التليفونية، ومحطات السكك الحديدية، والطائرات، والقيود المألوفة على أسعار الغذاء ومظاريف الأجور، والعمل المنزلي والاوقات المحددة للطعام. كل هذه الامور تحدد إمكاناتنا في الفعل الاجتماعي  والسياسي . لكنها أيضاً تربط البشر بشبكة من المعاني ، تشكل وتعرف وتحدد الموضوعات ، والأشخاص، والأماكن، التي نقابلها، وتسمح لنا بتحديد الأعمال إذا ما كانت ’إجتماعية‘أو ’سياسية‘. هذا الشئ المادي ، هو في الوقت نفسه، يدل على وجود العالم قبلنا، أو على ضغوطه علينا، بينما نحن نكتشف خبرات أو نجتاز تجارب سابقة.(17)

            أحد أكثر الخصائص الأساسية والمقلقة في هذا العالم المعاصر المعاش، هو سرعة التغيرات التي تشكل الان جزءاً من بنيته الواقعية. حتى بالنسبة للمجتمع الريفي المتمتع نسبياً بالاكتفاء الذاتي مثل مجتمع’الهايا‘، فإن حدود العالم المعاش ليست مقيدة داخل منطقة جغرافية محددة. حيث أن حركة الهجرة بحثاُ عن العمل ، وتدفق السلع والمعلومات، وسرعة إنتشار أمراض مثل الايدز ـ كل ذلك يتجاوز الحدود ليدخل ضمن تجاربهم وخبراتهم . بعض من هذه الابعاد الاقليمية أو الدولية لخبراتهم تكون واضحة ومفهومة ، لكن بعضها الآخر يبقى غير واضح إلى حد كبير . بشكل أساسي، العالم المعاش، هو الزمان والمكان الذي يترجم بكل سلاسل المفاهيم الذاتية مثل’قرية‘، ’جوار‘، ’أمة‘، ’حديث‘،’الاتجاه المعاكس‘، وهكذا. وقد يمتد هذا إلى الاماكن التى لم نزورها على الاطلاق. في نظام عالمي تترابط فيه كل أشكال الحياة بشكل متزايد ، وتتزايد الاتصالات بين الاحياء وبعضهم البعض، سوف يقيم البعض روابط مرنة على نحو نموذجي ، بينما يحجم  آخرون عن مثل هذه الاتصالات . في دراسة حديثة عن ’المواطنة فيما بين الفلبينيين‘ ، تشير’ماريا كانيزودورونيلا‘ إلى إختلافات منطقية هامة في العوالم المعاشة للمجتمعات الفلبينية المختلفة. بالنسبةللـ’ساما‘، شعب الصيادين الرحل من الـ’بوهيه يوموس‘، يشتمل عالمهم المعاش على إتصالاتهم المياشرة مع الشبكات التجارية الضخمة للتجار الصينيين. ورغم أنهم ينتمون ’للقوميات الفلبينية‘ بالمعنى الرسمي، إلا أن مفهوم الدولة القومية ليس له مدلولاً واقعياً في خبرتهم مع العالم. على العكس من ذلك ، نجد غالبية المجتمعات الريفية في البلاد الواطئة المسيحية لديهم إدراك واضح لعالمهم بإعتبار أن هناك ’قومية‘ تشملهم ، فضلاً عن مشاركتهم إلىمدى محدود في طقوسها السياسية. حتى وإن كان الفلاحون لايرحلون إلى ماهو أبعد من أقاليمهم المباشرة ، إلا أن ’مانيلا‘ تشكل جزءاً من عالمهم بإعتبارها مدينة الاحداث التى تؤثر في حياتهم. لكن ، بالنسبة لكثير من السكان الريفيين في البلاد الواطئة، تمثل ’العربية السعودية‘ بالنسبة لهم أكثر من مجرد مكان على الخريطة ، فقد يرحلون إليها بحثاً عن عمل، أو يتلقون رسائل أو تحويلات نقدية من ذويهم الذين يعملون بها(18). من ناحية أخرى، فإن حياة الكثير من الفلاحين ، خاصة أولئك الذين يجمعون المحاصيل النقدية ، يمكن أن يتأثروا بشدة بالتقلبات التي تحدث في أماكن بعيدة ، وفي أسواق السلع في الولايات المتحدة ، دون أي إدراك لتدخل بورصة ’شيكاغو‘ أو ’وول ستريت‘ في حياتهم.

            نحن لانحتاج فقط إلى ’خريطة‘ العالم الذي ينتمي إليه البشر ، لكننا أيضاً نحتاج إلى ما يقصدونه ويستهدفونه بـ’الانتماء‘. في إطار مناقشة المفاهيم المختلفة للهوية القومية، يقارن الناقد الاجتماعي  الاسترالي ’غسان هيج‘ بين ’الانتماء السلبي‘ـ الإحساس بـ’الحميمية‘ أو ’المواطنة‘ في تجاه الإقليم الذي ينتسب إليه الفرد ـ وبين ’الانتماء الحكومي‘، الذي يعرفه باعتباره ’الاعتقاد بأن للمرء الحق على الدولة...والحق في المشاركة في إدارتها، حتى وإن كانت هذه المشاركة قاصرة فقط على تقديم الرأي فيما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية للدولة‘(19). في المجتمعات الريفية الفلبينية ، الإحساس بـ’الانتماء الحكومي‘تجاه الدولة ـ أو حتى تجاه الإقليم المحلي ـ إحساس مضمحل، ليس فقط نتيجة للاختلافات الاجتماعية  والاقتصادية الواسعة بين الحكام والمحكومين ، ولكن أيضاً نتيجة للتباينات المعرفية بين النخبة المدينية والجماهير الريفية. هذه الانقسامات الاجتماعية  تشجع موقف الاستبعاد المدني، وتؤدي بغالبية المواطنين ’للتعايش والتكيف مع الظلم والفساد الذي تمارسه الأنظمة المركزية ، وإلى نمو اللامبالاة والشعور بالغربة‘.  الآن، تكافح الحركات الاجتماعية  الريفية في الفلبين كي تحول شعور’الانتماء السلبي‘ للعالم المعاش إلى شعور’الانتماء الحكومي‘ـ من خلال تشجيع الأفراد على ’أخذ زمام أمور حياتهم والمشاركة في أعمال منظمة ومحل اتفاق بينهم ‘، تتم بداية على مستوى المجتمع المحلي، لتصل في النهاية إلى المستوى الاشمل للبلاد برمتها.(20)

            هذه الصراعات السياسية تلقي الضوء على التغيرات الدائمة في المقاصد التى نتمكن من خلالها من التحكم في المجال المادي الذي نحيا فيه. إن إدراك العالم المعاش لاينجم ببساطة من تعليمنا وتنشئتنا. إنه إدراك يتولد بشكل مستمر، وغير مقصود في الغالب، ومن خلال الممارسة. حيث تتشكل المعاني ويعاد تشكلها من خلال الفعل ورد الفعل، ومن خلال الصراع والاتصال. إن الذين نشأوا في قري الفلبين ، وجدوا أنفسهم بعدما بلغوا سن الرشد، يعملون في ’الرياض‘ أو ’طوكيو‘، ويشاهدون عروضاً تليفزيونية من ’تكساس‘، وعادة ماتكون أسرهم موزعة في الأرض من أمريكا الشمالية إلى جنوب شرق آسيا والبلدان الأوروبية المطلة على البحر المتوسط. بينما أصبحت هذه الصورة المكانية أكثر تعقيداً وديناميكية، لابد وأن العالم المعاش للفرد سوف يتوافق تماماً مع أبعاد العالم المعاش لجيرانه وشركائه في العمل . في الوقت نفسه ،تتقاطع ـ لتشترك في العناصر المحددة ـ مع العالم الممتد بشكل دائم للأفراد الآخرين ، وسلسلة الأماكن المتنامية بلا حدود.

    المعرفة والقيمة

            من هنا، يأتي الانتقال من العمل السياسي القائم على الروابط الدائمة لجماعة ثابتة ومستقرة، إلى تحالفات مؤقتة وعارضة تقوم على روابط خاصة بين عوالم معاشة مختلفة. في أي نظام إجتماعي، تتوافق العوالم المعاشة للافراد وتتداخل، لكنها لاتندمج أو تتوحد، حينذاك ليس من المفترض أن تكون هناك أرضية مشتركة للعمل السياسي. فالمعرفة والتجربة المشتركة ضروريتان لخلق الحدث الجماعي الذي يجعل الحركة الاجتماعية  ممكنة. علاوة على ذلك ، فإن تفويض السلطة ليس فقط موضوع الانتماء لجماعة إجتماعية خاصة، لكنه أيضاً يستلزم الانتماء لقوة إجتماعية وسياسية مناسبة، هذا، بينما أصبحت ’قوانين‘ النظام الاجتماعي  أكثر تعقيداً، وإبهاماً ، وإستعصاءاً على السيطرة الادارية. فعلى سبيل المثال، لم يعد التراكم نفسه يعتمد على إستغلال القوة العاملةالمتجانسة. واليوم تميل الصراعات الاقتصادية إلى أن تصبح متصلة بالصراعات من أجل الاعتراف بالمنافسة على أشكال المعرفة وتثمينها. بالتالي، لم تعد القوة تبدو وكأنها ذات الاولوية الاولى في الصورة التى تجبر الضعفاء على تعزيز قوتهم لتأمين مصالحهم؛ بل على العكس ، أصبحت ذات فعالية راسخة في قواعد العالم المعاش ومبادئه. ولعل سريان الظلم من الاعمال العلنية ’للنخب القوية‘،أقل من التباين في حرية الوصول للاشكال الأساسية للمعرفة و’رأس المال الثقافي‘.

            أصبحت حرية الوصول للمعرفة قضية إقتصادية حاسمة، لكن ذلك لايعني أننا نعيش في ’عالم مابعد المادية‘، عالم الاحتياجات المشبعة وظروف التحرر. إنها تلقي الضوء ببساطة على التداخل الذي لايمكن تجاهله أو إلغاؤه لكل من المادة والرمز. في الاقتصاد العالمي المعاصر، لم يصل رأس المال إلى الجزر النائية والقرى الجبلية فحسب؛ لكنه أيضاً إستولى على كل المجالات الروحية للعالم المعاش ـ وقت الفراغ، الطبيعة، الجسد. هذا التوسع المزدوج ـ المادي والروحي ـ لرأس المال، ولد عدداً ضخماً من الاساليب المتباينة لسد الاحتياجات المادية والروحية، وجعلها تشكل تحدياً مباشراً . فلم تعد التنمية المشتركة والمتفاوتة مجرد قضية أساليب إنتاج، بل أصبحت معركة بين أشكال للحياة تتجسد في نماذج مختلفة للتغذية، والملبس، واللغة، والموسيقى، والرقص. هذه الصراعات على القيمة تحدد أكثر فأكثر السلع، والممارسات ، والمؤسسات التي يمكنها ان تكون مندمجة في نظام التراكم، وبأية شروط. فهل يعتمد السوق العالمى على قدرة ’الساما‘ على التنبؤ بالعواصف، وهل يعتمد على علاج الفلاحين الصينيين للروماتيزم، أو على لعب الاطفال التي يصنعها السكان الاصليون في استراليا؟ . إن إستعمار رأس المال للعالم أوضح بشدة مدى إحلال القيمة الاقتصادية محل القيم الاخلاقية والاجتماعية .

            في الحقيقة، أن تغير القيمة ليس موضوع فائدة معنوية، أو ندرة نسبية، أو تكاليف إنتاج. إنه إعادة الانتاج المستمرة للـ’ذاكرة الاجتماعية ‘، التى تعكس أحكامها حصيلة الصراعات التاريخية لتحديد القيمة النسبية للتبادل السلعي. هذه الصراعات تحدد أيضاً كيف تقيم الجماعات المهارة وقوة العمل البشرية التى أنتجت تلك السلع ـ في حين أن أنواع النشاط مصنفة كـ’قوة عمل‘ في المقام الاول. الذاكرة الاجتماعية  أو الذاكرة الجمعية عند ’موريس هالبوتس‘ـ والتىيسميها ’ذاكرة نظرية القيمة‘(21)ـ ويتشابه في هذا الشأن إلى حد كبير مع مفهوم ’بيير بوردييه‘ـ ’التاريخ المجسد، التاريخ المغلف بالصفة الذاتية بإعتبارها الطبيعة الثانية والمنسية للتاريخ‘: المفهوم الذي يركز على أسلوب التوزيع غير العادل للثروة والسلطة، ويفسره بشكل جدلي من خلال التنافس على نظم القيمة. رأس المال الثقافي ليس معرفة غير مجسدة ؛ إنه قوة مجهرية مجسدة في هيئة مادية ، إيماءة ولفظة وملبس، ويتم إدراكه من خلال شبكة من الانحيازات ، والانطباعات والمخاوف غير الواعية. في حسابات ’بوردييه‘، يبدأ الاطفال منذ الميلاد في إكتساب الرموز والنماذج الخاصة للمعرفة، وأشكال الكلام والسلوك التي تشكل في النهاية’رأس المال الثقافي‘، وتعززبالتعليم الرسمي، تلك هي الاصول التي تسمح للنخب الاجتماعية  للاعتراف بقيمة ’بيكاسو‘ أو بقيمة الخمرالارجوانية المعتقة. لكن رأس المال الثقافي يتورط فيما هو أكثر من لعبة الاستهلاك الواضحة. فهويتمتع بحرية الوصول لاماكن القوة الاجتماعية ، وفي بعض الظروف يتحول إلى رأس مال إقتصادي ـ يحقق دخلاً كبيراً لايمكن الاستغناء عنه. علاوة على ذلك ، فإن ملاك رأس المال الثقافي قد يكونوا أولئك الذين يستطيعون قراءة وكتابة القواعد البالغة الغموض للعبة الاقتصادية.(22)

            في هذا الاطار ، يلفت ’بوردييه‘ الانتباه عادة للاختلافات الحادة الواضحة بين ’الاقتصاد الثقافي‘والاقتصاد المادي للمجتمع الرأسمالي الحديث . لكن ’لاس‘ يلاحظ أن ’الاقتصاد المادي الحقيقي...اصبح كثير الشبه بإقتصاد بوردييه الثقافي‘(23). فكما أصبحت شركات الانتاج والاستهلاك أكثر عالمية من أي وقت مضى، أصبحت المعرفة والتصميم أكثر العناصر أهمية في العملية الانتاجية ، وأصبحت ’الاحكام القيمية‘ لمسوقي ’رأس المال الثقافي‘ أكثر مركزية في تحديد السعر الذي تعرض به السلع في السوق. التوسع المعاصر للرأسمالية في كل المجالات السابقة للعالم المعاش، هذا التوسع يكثف الصراعات غير المتكافئة من أجل الحصول على التقدير والاهتمام والتثمين. بينما يتداخل العالم المعاش بشكل متزايد، دونما إندماج أو إلتحام ، أصبحت الصراعات بين نظم القيم أكثر وضوحاً وحسماً سياسياً. فأية أنظمة للملكية ولقواعد القانون سوف تكون متناغمة مع أحكام القانون الوطني أو الدولي، ومع إتفاقيات منظمات دولية مثل ’النافتا‘ أو منظمة التجارة العالمية‘؟ وأية منتجات سوف تباع في منافذ بيع الوجبات السريعة أوتقدم في مطاعم ’كوردون بلو‘؟ أية لغة وأية إصطلاحات سيتحدثها المشاركون ،أو أية مخلص عادل سوف يعمل بشكل يعتمد عليه مقابل أجر جيد ووظائف ذات سلطات ونفوذ؟.

            في عالم يتداخل فيه الرمز مع المادة، تكون فيه الصراعات حول المعاني والاهداف والقيم ، غير منفصلة عن الصراعات حول الثروة والسلطة. فضلاً عن كونها موضوعاً لـ’سياسات الحياة‘،حيث تكون هذه القضايا والمشكلات ’سياسات حياة أو موت‘(24)ـ على حد قول ’أولريك بيك‘. في مجتمع الصيادين الفلبينيين المهمشين،نجد الحركات الاجتماعية  التي تشجع أعضاءها علىتغيير أفكارهم الخاصة بالممارسات التقليدية لصيد الاسماك ، لاتبحث عن مجرد تحقيق الذات أو خلق إحساس بالهوية. ولكنها أيضاً تسعى للعمل علىالوصول إلى علاج عملي للتغلب على الفقر وسوء التغذية، وتفضح البنى الخفية للسلطة المحلية والقومية والدولية كأهداف للعمل السياسي المستقبلي.المنظمات الاهلية التي تتحدىالملكية وإستهلاك مصادر الثروة، لاتدافع فقط عن الرمزية الاثنية. فبلاشك ، أن الصراعات الدائرة على حقوق المعرفة غير منفصلة عن الصراعات ضد التهميش، والتمييز، والبطالة، وعلى نتائجهم على الصحة المعنوية والجسدية ـ وكما يشير’بيتر يو‘ أحد السكان الاصليين النشطاء، أن الاصرار على المطالبة بالارض والاستقلال الذاتي الثقافي في غرب إستراليا شرط لتحقيق الحقوق الأساسية في المسكن، والماء النقي، والصرف الصحي، والرعاية الصحية.(25)

            هذا ليس عالم تفسح فيه’سياسات التحرر‘ الطريق لـ’سياسات الحياة‘، أو تتوقف فيه الصراعات على الثروة والسلطة لصالح الصراعات علىالهوية وتحقيق الذات . تماماً مثل الرمز والمادة المجدولان في عالم الانتاج والاستهلاك، وكذلك ، تنغمس الصراعات الدائرة في الساحة السياسية حول الثروة والسلطة بشكل متزايد في صراعات حول المعاني والمقاصد، والعكس بالعكس. رغم أن هذه الصراعات ليست جديدة في حد ذاتها، غير أنها تحتل أهمية كبيرة في عالم يتنامى فيه تدفق البضائع والافراد عبر الحدود، بينما المعاني والاهداف خاضعة لعدم المساواه في السلطة.

    السياسات الجديدة للحركات الاجتماعية  القديمة

            أحياناً يشار إلى أن كثير ممن يطلق عليها ’الحركات الاجتماعية  الجديدة‘ تحتفظ بجذور تاريخية عميقة. خلال أواخر الثمانينيات، عادة ما كانت حركة السلام العالمي تبدو كنموذج أساسي لسياسات مابعد الحداثة.لكن فعالية حركة السلام العالمي كانت أصولها تمتد إلى النصف الاول من القرن العشرين، وإزدهرت مع ظهور جماعات مثل ، حملة نزع السلاح النووي في الخمسينيات، وضعفت في التسعينيات، نتيجة لاعتقاد خاطئ بأن خطر الحرب النووية يتراجع. إلى حد ما، قد يكون ذلك دافعاً للتركيز، ليس على ’الحركات الاجتماعية  الجديدة‘بالمعنى الحرفي للعبارة، ولكن بالاحرى للتركيز على الحركات الاجتماعية  الاقدم التي تغير طبيعة نشاطها وفعالياتها مع الزمن. ويشأن تحول هذه القوى يمكننا أن نلاحظ بعض أطر السياسات الطارئة والملحة للعالم المعاش. ولذلك تصبح الحركات ـ على حد تعبير الفيلسوف الياباني’هانازاكي كوهي‘ـ’متعددةالعوالم‘(26)بشكل متزايد. فقد وجدت هذه الحركات ضرورة للعمل على المستويات المحلية والوطنية والدولية في وقت واحد ـ لتربط بين التجارب العملية لاشكال المعرفة المحلية وبين لغة الخطاب والاهتمامات العالمية الشائعة.

            أفضل مثال لنشأة إستراتيجيات تفويض السلطة متعددة العوالم، يمكن إكتشافها من تاريخ حركة إعادة بناء الريف الفلبيني،التي ترجع بداياتها إلى أوائل القرن العشرين، والتي قدمت مثالاً واضحاً لتدفق الأفكار المتحررة عبر الحدود.(27) بدأ مفهوم إعادة بناء الريف خلال الحرب العالمية الاولى بجهود ’الدكتور واى. سي. جيمس ين‘ لتقديم التعليم الاساسي للعمال الصينيين المهاجرين في أوروبا. خلال سنوات الحرب، نشطت جزئياً بواسطة حركة القرية اليابانية الجديدة ـ التي تعتبر التجسيد المحلي للافكار الاجتماعية  لـ’تولستوي‘ـ وتطور برنامج ’ين‘إلي برنامج أكثر طموحاً لتنمية الريف في الصين. بعد حرب الاطلنطي، تحولت هذه المشاريع لتصبح نموذجاً للحركة الدولية، تمركزت هذه المشروعات في المعهد الدولي الذي أسسه الفلبينيون من أجل إعادة بناء الريف. وكانت أنشطة المعهد تمول من الوكالات الأمريكية وبعض حكومات جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، الذين رأوا فيها إستراتيجيات للتنمية المتدرجة وترياق محتمل يصلح لمواجهة شعبية الماركسية. إزدهر الفرع الفلبيني للحركة خلال الخمسينيات والستينيات، وضعف وتراجع في أواخر السبعينيات، وبعد عام 1968 عاد للحياة تحت قيادة الزعيم ’هوراسيو بوي موريلس‘. وعلى الرغم من إيمانها بمبدأ ’التعلم من الشعب‘ ، إلا أنه في الايام الاولى للحركة ، كان لديها بنية أبوية واضحةلعمال الزراعة، وفرقة الرؤساء ، والمساعدين والمديرين. وعلى الرغم من أن كتابات الحركة تؤكد على إستخدام التكنولوجيا المناسبة للاحتياجات المحلية، وعلى أهمية تحرير ’الطاقات الكامنة‘ للفلاحين أنفسهم، إلا أنها في الممارسة العملية رأت أن التكنولوجيا المناسبة تقوم بشكل واسع على تخفيض الاعتماد على المعارف العلمية الموجودة في ’العالم الاول‘ لاشباع الاحتياجات المحلية. وفي الوقت نفسه، إنفصلت الوعود بالنهوض الاجتماعي  والاعتماد على الذات بشكل دائم عن أية تحديات مباشرة لمؤسسات السلطة السياسية. علاوة على ذلك ، منذ 1968 ، أصبحت المنظمة ذات توجه لامركزي راديكالي، وتأكد إعتمادها بشكل متزايد على تعبئة الجماعات الريفية.

            هذه التوجهات الجديدة جعلت الحركة الفلبينية لاعادة بناء الريف ذات روابط قوية من جمهرة الحركات الاجتماعية  الاخرى التي إزدهرت في الفلبين منذ سقوط ’ماركوس‘.غير أن الحركات الاجتماعية  الفلبينية تمزقت على نحو نموذجي نتيجة للانشقاقات، كما عانت كلها من التحول بعيداً عن البنية الهيراركية الطاغية لتنظيماتها، على نحو ما عانت منه الحركة الفلبينية لاعادة بناء الريف في الخمسينيات ، ونتيجة لذلك أصبحت مجموعات محلية أصغر، غالباً ما تشترك في تحالفات أفقية. وعادة ما كانت إستراتيجياتها تبدأ بتنظيم الاجتماعات ، وجماعات المناقشة أو جلسات قص الحكايات ، التي من خلالها تبادل الناس المعلومات والخبرات ، وفي إطارها تطورت أفكارأكثر وضوحاً عن المشكلات الاجتماعية  التي تثقل حياتهم سواء الشخصية أو الجماعية(28). ومع الوقت، أصبح الاجتماع محفزاً للعمل السياسي ضد الحكومتين المحلية والوطنية، أو كان يخطط للضغط على المؤسسات الدولية أو الشركات متعددة الجنسيات. كما إستطاعوا قيادة الحملات للتأثير على نتائج الانتخابات ، أو يقيموا الدعاوى القضائية بحثاً عن التعويضات مقابل الاضرار الاجتماعية  التي لحقت بهم . في الحقيقة، أصبحت المحاكم أكثر أهمية كساحات للنزاع ، حيث تمكنت الحركات الاجتماعية  من إنتزاع المبادرة ، هذا بجانب المنتديات السياسية التقليدية.

            أفصحت التغيرات المشابهة في تضاريس الصراع عن تطورات على النطاق العالمي في حركات الدفاع عن حقوق السكان الاصليين. في حالة أخرى وثيقة الصلة، وهي حالة إتحاد جماعة الـ’إينو‘بجزيرة ’هوكاديو‘ في اليابان.(29) الذي تأسس عام 1930 ، وتعثر وعانى من التراخي في الفترة الواقعة من 1937 إلى 1946 ، لكنه عاد للنشاط وللازدهار في أعقاب الحرب العالمية، وإستمر حتى اليوم يلعب الدور القيادي في الحركة من أجل حقوق السكان الاصليين. حاول في سنواته الاولى كسب تأييد الحكومة لتحسين شروط الرفاهية والتخلي عن ’التشريعات الحمائية‘القمعية حول شئون الـ’إينو‘. كما شن حملات في كل أنحاء البلاد لتحسين التعليم، والصحة، والاسكان. وفي فترة ما بعد الحرب ، بدأت الحركة في الاهتمام المتزايد في حماية التقاليد الثقافية لل’آينو‘. خلال أواخر الستينيات، كان الجيل الاصغر متأثراً بشدة بحركة الحقوق المدنية الأمريكية، وبحركة الطلبة الراديكاليين في كل من اليابان وفي الخارج. وفي الثمانينيات، حدث تغير آخر في توجهات الاتحاد، نتيجة لانتشار الجماعات المناضلة على النطاق العالمي من أجل حقوق السكان الاصليين، التىفتحت فرصاً جديدة للاتصالات الدولية ولتغيير الأفكار. في 1987 ، بدأ الاتحاد يلعب دوراً نشيطاً في ’مجموعة العمل الخاصة بالسكان الاصليين‘ في الامم المتحدة. وعلى الرغم من إعتراف ’الاينو‘بأوجه الشبه بين أوضاعهم وأوضاع السكان الاصليين في الامريكتين، إلا أن هذه الروابط الممتدة أفقياً أضافت بعداً جديداُ لعالم ’الاينو‘ المعاش، وهو:الوعي بالانتماء لمجتمع السكان الاصليين الممتد على النطاق العالمي.

            هذا التغير في وجهات النظر، ركز بشكل أشد على السمات الخاصة والظروف التاريخية الخاصة للـ’آينو‘.وإن كان لم يتحول إلى سياسات هوية. فحركة ’الاينو‘ لم تسعى فقط للحفاظ على أساليب الحياة التقليدية، لكنها أيضاً تحدت المفاهيم السائدة حول الملكية، والسيادة، والقومية، وقدمت رؤية بديلة لحقوق الانتفاع بالارض ومصادر الثروة. وهكذا، رفض البيان المقدم من الاتحاد إلى مجموعة عمل الامم المتحدة، رفض الاسس القانونية والاخلاقية لضم مناطق ’الاينو‘، المعروفة بإسم ’الهوكاديو‘، وجزر’شيشيما‘، وجنوب شرق ,كارافوتو‘ـ التى ترجع للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كذلك، طالبت الحركة بوضع تعريف وتحديد رسمي لشعب الـ’مينزوكو‘ الذي إعتاد إنكار ,الاينو‘ ، وكذلك تحديد وضعه، وبعد هذا ، إقرار حقه في تقرير مصيره(30). وكانت هذه المقترحات هي الاولى من نوعها، وذات أهمية كبيرة بالنسبة للحركات الاجتماعية  المرتبطة بالدفاع عن الهوية، وتنمية روابط متعددة العوالم. هذا، بينما شكل البعض جماعة ضغط في داخل المنتديات السياسية المحلية ، والوطنية، والدولية، وعادة ما تنشط جماعة الضغط في أكثر من منتدى في نفس الوقت، وشاركوا بدأب في كل مجالات العالم المعاش لاعضائهم، وشجعوهم على إدراك حياتهم اليومية بوعي جديد، لوصل خبراتهم بالانظمة المعقدة للعوالم الاخرى، وإجلاء طموحاتهم لاوسع الجماهير. هذا الدرس الذي تعلموه على نطاق واسع، يوضح أن المعرفة، والرفاهية، والسلطة ، لاغنى عن المشاركة الاجتماعية  فيهم.

            لكن ، السياسات ’المتعددة العوالم‘ للعالم المعاش، ليست مجرد موضوعاً لاختلاق وقائع مشتركة، وشعارات إستراتيجية للعمل الجماعي، وإكتشاف مواضع للضغط الفعال على النظام العالمي. من ناحية أخرى، لم تنشأ الحركات الاجتماعية  لتكون كاملة التشكل منذ البداية، لكنها تتلمس طريقها في عالم غامض مبهم ، لتكتشف وتبتدع القواعد وهي تتقدم. كثير من تلك الحركات إنتهت بعد فترة قصيرة، وكثير منها فقد قوة الدفع وفقد الاتجاه، وكثير منها فشل. بينما تتضاعف الجماعات التي تلتزم بالدفاع عن حقوق الانسان، وحق تقرير المصير للسكان الاصليين، أو الداعية للتنمية المستدامة، والتي يعجز المرءعن تسجيل المشكلات التى تتصدى لها. أما بالنسبة لتكاثر ’الحركات الاجتماعية  الجديدة‘ فإن هذا التكاثر مجرد جانب واحد من القصة. فالجانب الاخر يكمن في طبيعة إرتباطاتها مع المؤسسات السياسية القديمة، سواء مع الحكومات الوطنية أو المحلية، أو مع (ماهو أحدث) البيروقراطيات عابرة القوميات. بالطبع، القضية التي نناقشها هنا بإستفاضة، هي: كيف تتعاون المنظمات غير الحكومية إلى مدى بعيد مع الحكومات؟. أثيرت مناقشات حول هذا الموضوع، خصوصاً في بلدان مثل الفلبين، حيث فتحت الاصلاحات الديموقراطية منذ أواخر الثمانينيات، فتحت مجالات جديدة للتعاون بين الدولة والمجتمع المدني.خاصة، وأن الدستور الفلبيني لعام 1987 يفرض على الدولة’تشجيع المنظمات غير الحكومية، والجماعات القائمة ، التي تعمل على رفاهية البلاد‘(31). وجدير بالملاحظة، أن عدداً من الحكومات المحلية، وخاصة السلطات في مدينة (ناجا) ، إتخذت أيضاً مبادرة لجذب الحركات المدنية لبرامج الاصلاح الاجتماعي  المديني، ومنحتهم الفرصة للتأثير الحقيقي في تشكيل السياسات(32) . ولكن في الوقت نفسه، فجرت مشاركة المنظمات غير الحكومية في الهيئات الرسمية مثل اللجنة القومية برئاسة الرئيس’إسترادا‘ـ فجرت مناقشة حادة بين الحركات الاجتماعية  حول إمكانيات التعهد بالقيام بـ’مشاركة إنتقادية‘ مع الدولة دونما الاشتراك العضوي في اللجنة. نفس المأزق نشأ أيضاً على المستوى الدولى، حيث دخلت هيئات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في حوار غير حقيقي مع المنظمات غير الحكومية حول إتجاهات سياساتهم. على أية حال، حتى حينما لاينظر النظام السياسي للحركات الاجتماعية  بحماسة وإهتمام كبيرين، فإن مبادئ الليبرالية الجديدة تشجع الحكومات على نقل بعض وظائفها التقليدية للهيئات التطوعية، بإتباع أساليب جديدة للتعاون بين الحكومات والجماعات غير الحكومية. من هنا ، فإن التوتر بين تفويض السلطة والمشاركة في الاختيار ليس حاداً بشكل عام. حيث نجد الان في اليابان حماسة وتشجيعاً دائماً للمشاركة في العمل الاجتماعي  التطوعي من جانب الموظفين الرسميين. في حالات كثيرةـ كما في أعقاب زلزال’كوب‘ـ’إزدهر النشاط التطوعي‘ نتيجة لرغبة صادقة من جانب من لايملكون قوة سياسية لابتكار برنامجهم الاجتماعي  في ظل الفراغ البيروقراطي المطلق والسلبية. لكن جهود الدولة ـ الراعية لتحسين الرفاهية المجتمعية، عجزت عن إطلاق هذه ’الروح التطوعية‘، بل وأثارت أصداءاً غير مريحة لسياسات التعبئة المدنية الشبيهة بسياسات أوقات الحرب،حيث إعتادت الجماعات غير الحكومية على تنظيم المدنيين وتعبئتهم لتكريس أنفسهم لخدمة المصالح الامبراطورية العليا. في هذا الاطار،يلاحظ ’ناكانو توشيو‘ حقيقة أن المشاركة في أنشطة المنظمات غير الحكومية تلقائية وممتعة، لكن المشاركين لايحمون أنفسهم بالضرورة من الوقوع في فخ تقديم الدعم للقوى القائمة. ليست القضية الأساسية ماإذا كانت المنظمات الاجتماعية  ’غير حكومية‘، لكن القضية الأساسية هي: ماإذا كانت تشجع التفكير النقدي لاعضائها، والرؤية النقدية لاوضاعهم داخل تركيبات القوى الوطنية والعابرة للقوميات.(33)

    الحركات الاجتماعية  والصراع الايديولوجي

            نحن نحتاج للنظر بدقة, للاشكال المحددة ـ غير السلبية عادة ـ للـ’حركة الاجتماعية  الجديدة، التي تحمل برامجها الاجتماعية  تصورات بعيدة تماماً عن تصورات المجتمع المدني العابر للقوميات، أو عن الاسس الديموقراطية. علاوة على ذلك، فإن الرغبة في السيطرة على العالم المعاش للفرد، لاتقتصر على الجماعات المظلومة والمهمشة. بل يمكن أن تكون بالغة القوة فيما بين الجماعات التي تقبض على السلطةـ وحتى تلك التي تمتلك اليسير من القوة ـ تحت وطأة التهديد من القوى المحركة للرأسمالية العالمية. تفويض السلطة هنا ، يعني بالضبط، تعزيز الحدود المعرضة للخطر للانتماءات والاستثناءات العرقية، والطبقية، والدينية. يؤكد كل من ’لاش‘ و ’يوري‘ على أن الحركات الاجتماعية  الجديدة في الثمانينات والتسعينيات، تشتمل على ’تعصبات قبلية رجعية جديدة‘، وأيضاً تشتمل علىقوى أكثر ’تقدمية‘ ممثلة في جماعات الخضر والجمعيات النسائية. رغم أنهما يقدمان في تحليلاتهما إعادة تأكيد للحدود الواقعية الفاصلة بين الاثنين. هذا فضلاً  عن ان ’الرأسمالية غيرالمنظمة‘،   كما يصفونها، تقسم العالم إلى ’مناطق وديعة‘مزودة بشبكات إعلام وإتصال كثيفة، و,مناطق همجية‘ مزودة بشبكات ضئيلة، حيث ’مصادر الثروة الجمالية(وغيرها) واهية في الواقع‘. وينجم عن ذلك أن ’إغراءات المنافسة القبلية الجديدة‘ من المحتمل جداً أن تنشأ في ’المناطق الهمجية‘، مثل شرق ألمانيا، بينما ’الجماعات المبتكرة‘ التقدميةسوف تظهر بشكل نموذجي في ’المناطق الوديعة‘.(34)

              مع ذلك، فإن ’الرجعية القبلية الجديدة‘، لاتمثل في الواقع شكلاً منفصلاً ، ومستقل جغرافياً ، عن الأشكال الاخرى للحركة الاجتماعية . وقد تشترك كل أنواع الحركات في نفس المجال، وتستخدم تقنيات متشابهة لتعبئة الجماهير، بل وتكافح من أجل قضايا نفس الجماعات من الناس. في النسيج المعقد لتشابكات وتداخلات العوالم المعاشة، هناك الكثيرون الذين لايقفون بشكل واضح في جانب أي من ’الظالمين‘ أو’المظلومين‘، بل وينكرون كلاهما: ليكونوا في الوقت نفسه مع ’المرأة‘، و’المهنيون من الطبقة الوسطى‘، و’المهاجرون‘، و’المغامرون‘، و’السكان الاصليون‘، و’القوة المدنية العالمية‘. بينما تحاول بعض الحركات صياغة هويات وإنتماءات جديدة، وأن تكسب الاعتراف ببعض الأشكال المحظورة من المعرفة، كما يبحث آخرون عن وسيلة لدعم الحدود القومية أو الاثنية الموجودة وتأكيد الحقائق القائمة. من المثير للانتباه أن التغيرات في تضاريس الحركات الاجتماعية  التي أعيد تشكيلها مرة أخرى، غالباً ما تعكس نمواً في القوى العرقية أو المعادية للاجانب. فضلاً عن أن الجماعات المغالية في اليمينية ، ببنيتها التنظيمية الهيراركية المنغلقة، تحل محلها في الغالب شبكات واسعة الانتشار للقومية الشعبية. أحدث الامثلة، هو النهوض المفاجئ لحركة ’بولين هانسون‘ لدعم حقوق السكان الاصليين في أستراليا.    ورغم أنها الحزب القومي الوحيد الذي إختاربناء منظمة سياسية تحيي التقاليد الارثوذكسية، إلا أنها إستخدمت تقنيات متميزة عن ’الحركة الاجتماعية  الجديدة‘، فاعتمدت على جماعات صغيرة في كل أنحاء البلاد من المؤيدين الذين تشجعوا على إستعادة خبراتهم ، من أجل نشر إحساس عام بالهوية المحصنة. في هذا الاطار، يلاحظ المؤرخ’هنري رينولدز‘ أن المشاركين في هذه الجماعات لم يكونوا يريدون إلا تأكيد ’المشروعية‘ والثقة في أفكارهم وقيمهم. في الواقع، أنهم كانوا يأملون في تثبيت الوضع القانوني لتاريخهم المترابط بإعتباره ’رأسمال ثقافي‘ في عالم (يعتقدون) فيه أنهم أصبحوا بلا قيمة. الرطانة الخطابية لـ’هانسون‘، والاستجابة لنداءاتها، مكنت الجماهير المؤلفة بشكل واسع من كبار السن من الطبقة العاملة، أو أصحاب مهن حرة من المدن الريفية الصغيرة ، مكنتهم من أن يشعروا بأنهم ’عادوا إلى قلب النظام السياسي؛ وأنهم تحرروا من جديد؛ وإستردوا نفوذهم.(35)

            يمكن أيضاً رؤية شكلا مشابهاً في اليابان ، حيث عملت الحركات القومية الاخيرة مثل ’جمعية إصلاح كتب التاريخ المدرسية‘ التي تشكلت في 1996 ،عملت في أشكال شديدة الاختلاف عن الجماعات القومية الجديدة السابقة. فعلى الرغم من أن هدفها الظاهري هو تشكيل جماعة ضغط لاعادة كتابة الكتب المدرسية عن التاريخ الياباني، حيث تقدم الكتب الراهنة رؤية ’ماسوشية‘ للتاريخ الياباني، إلا أن الجمعية تعمل بشكل أوسع على تعزيز الحمية العرقيةـ الوطنية فيما بين أعضائها، وتأكيد سمو ’التقاليد اليابانية‘ في وجه تهديدات العولمة والاضطرابات الاجتماعية  المحلية. من ناحية أخرى، تشتمل تقنياتها في التعبئة على عقد إجتماعات جماهيرية، وحملات بالبطاقات البريدية، تشجيع مؤيديها على تقديم مقترحاتهم والمشاركة بخبراتهم ضد ’الرقابة‘ أو ’غسيل المخ‘ الذي تمارسه’النخبة الكوزموبوليتانية‘(36) الخائنة بطبعها. كما حققت الحركة دعاية كبيرة من الكتب الكوميدية لاحد أعضائها القياديين الكاتب ’كوباياشي يوشينوري‘، ومن الاستخدام المكثف للانترنت، سواء من خلال صفحتها الخاصة على الانترنت أو من نشاط مؤيديها من خلاله. ويؤكد ’كانج سانج جونج‘و’يوشيمي شونيا‘ أن نشوء وتطور القومية الجديدة في اليابان المعاصرة، مثله مثل إتجاه غالبية الشباب للثقافة الكوزموبوليتانية، تتقدم ’أكثر بسبب الانفعالات اليومية’للناس العادية‘والاستهلاك الجماهيري للمفاهيم والتصورات ، أكثر مما تتقدم بفعل كلمات النخبة ونشاطها أو بتأثير جرائد الرأي القليلة‘.(37)

    الحركات الاجتماعية  تعيد التفكير

            لا يمكن تفسير التطور المعاصر للحركات الاجتماعية  باعتباره تغير في اتجاه السياسات غير المادية ’لتحقيق الذات‘، ولا باعتباره تجاوزاً صحياً للانقسامات الإيديولوجية القديمة. في عالم الرأسمالية العالمية، تنشب الصراعات بواسطة الحركات التي تعمل في اتجاهات سياسية متعددة في نفس الوقت ـ عادة ما تربط ب التقليدية من التأثير السياسي مع أنواع أخرى من الأنشطة، التي تتضمن الضغط على المنظمات الدولية واللجوء لرفع الدعاوى القضائية في المحاكم. والرهان هنا ، يتزايد على معاني القواعد المعولمة للسلوك. فالآن، قد يستلزم الصراع على هذه المعاني كل قوة الصراعات من أجل الوجود، بالنسبة لمن يشنوا حرباً ضد اللامساواة الحادة والواضحة للعالم المعاش. لكن هذه ليست بالضرورة سياسات تفتح الطرق لمزيد من العدل أو المساواه أو التحرر. الحقيقة أن الحركات الاجتماعية  سواء كانت ’غير حكومية ‘أوأنها تعمل في ’عوالم متعددة‘ ، فإنها لاتضمن أنها سوف تعمل لصالح المهمشين والمحرومين. وقد يكون دافعهم هو الدفاع عن القوى المحافظة وعن الامتيازات القائمة من أولئك الذين يطالبون بنصيبهم؛ وقد تكون طاقاتهم معبأة بواسطة الحكومات أو وكالات الدولة ـ مثل القوات المسلحة الأمريكيةـ لدعم القوى القائمة.

            عادة ماتجسد هذه الحركات بشكل رائع، الدوافع ـ المزدوجة والمتوازنة في الوقت نفسه ـ لتوسيع مجالات العدل الاجتماعي ، تلك الدوافع المقموعة والمقهورة بواسطة الميل للتراجع والتقهقر إلى مبررات ذاتية ضيقة. يعتمد الطريق إلى قلب التوازن،على التداخل المبهم والمتناقض بين العوالم’الحكومية‘ و’غير الحكومية‘ـيعتمد على فرص التفاعل التي لاتضعف من إستقلالية الحركات الاجتماعية . الخطير أيضاً ، إسلوب أعضاء الحركات في تحديد هويتهم :: كيفية رسمهم حدود الانتماء والاستبعاد، وكيفية تحديد أهدافهم من المعارضة. أما فيما يتعلق باستراليا، يتنافس الحزب القومي الوحيد مع الحركات الاجتماعية  البديلة التي تبحث عن تحديد لمشكلة الانحطاط الريفي، وبينما لايتنافسون على الهوية الانجلوـ إسترالية’التقليدية‘ المحصنة، نجدهم يتبارون حول التوزيع غير المتساوي للثروة بين المدينة والريف، وهي القضية التي تؤثرعلي السكان الاصليين الريفيين ، والمجتمعات المشابهة من غير السكان الاصليين. هذه الصراعات حول الهويات وحدود الحركات  الاجتماعية  التي تبدو  قوية بشكل ملموس ومتزايد. إن الايديولوجييا لم تنتهي ، لكنها تمتد إلي كل دقائق العالم المعاش ، في مجالات اللغة الشعبية والثقافة الجماهيرية، والاسكان وأماكن العمل، والسوق والمركز التجاري. هذه هي الساحات التي تتحدى الان مقولات النظرية الاجتماعية    والممارسة السياسية في الحياة اليومية.

    زى نت - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - الترجمات