- البدائل -

رسالة إلى صهيونى

بقلم: جوستين بودر

20 نوفمبر، 2003.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

 


لنفس المؤلف:

  •  

كان ذلك منذ ما يقرب من العام.  هل تتذكر؟  لقد كانت مناسبة لقاء للحوار مثل كل اللقاءات الأخرى ولكنها لا تزال تحيا فى مخيلتى كما لو أنها الآن.  كان احد الأصدقاء من حركة "التضامن الدولى" قد عاد إلى الوطن بعد زيارة للمناطق المحتلة وكان يعرض تقريرا عما شاهده هناك.  قدم الآخرون بعض التحليل عن الوضع.  كانت القاعة مليئة بالحاضرين.  وكنت أنا محكم اللقاء. 

كما فى كل اللقاءات التى تتعلق بإسرائيل/فلسطين، يتواجد البعض من متعهدى الغلو الفارغ أو ما هو أسوأ.  مثلا، أول المتحدثين أثناء فترة النقاش قص علينا رواية غريبة عن كيف ينزع الإسرائيليون أعضاء الفلسطينيين وعن كيف انه لم يكن هناك يهود فى برج "مركز التجارة العالمى".  وقد اعتبرت الروايتين محاولة تنظير (معادية للسامية) لفكرة المؤامرة.

كنت أنت من الناحية الأخرى الذى أبدى اهتماما جديا.  حينما جاء دورك، عرفت نفسك لنا كصهيونى، وأخذت تصرح بتعليقات ومواقف بدلا من أن تطرح أسئلة.  بعدئذ، اتجهت نحوى ودار بيننا نقاش لبعض الوقت.  ساعتئذ أنهيت الحوار، قائلا:"لا حيلة أمامنا، أننا لن نتفق حتى على أكثر الأشياء مبدأية."  وقلت أنت: "اعتقد أننا قد نتفق لو توفر لدينا بضع ساعات".

اعتقد أننى أتذكر الحدث بتفاصيله لأننى أتذكر صبرك المثير للإعجاب.  جئت وجلست خلال ساعتين من النقاش الذى لابد حتما انك لا توافق عليه البتة.

لقد فكرت فيما قلته أنت وما تحدثت أنا فيه معك.  كنت ارغب فى إيقاف الحوار ليس فقط لأننا لا نتفق على حقائق معينة أو تواريخ بعينها، ولكن لأننا أيضا لم نستطع حتى الاتفاق على أكثر القضايا الهامة عمومية.  أتمنى لو كنت على خطأ. 

بدأ "روبرت فيسك" كتابه عن حرب لبنان ببعض خطرات عن رحلته التى قام بها إلى "آوشفيتز".  كانت تبدو قليلا كنوع من الإسقاط، لهذا ربما اتركه يشرح نفسه:

"منذ أربعة أيام مضت، كنت فى بيروت، أمر فى سيارتى بمخيمى صابرا وشاتيلا الفلسطينيين فى طريقى إلى المطار لان شكوكى قد ذهبت إلى انه فى بولندا عند "آوشفيتز" تقع دلائل على ما شاهدته فى لبنان.  على أن هناك شوط بين مذابح الشرق الأوسط الملتهبة الفوضوية وهذا المكان البارد المتجمد الخاضع للمنهج، مسافة تقطعها سفينة فضاء عبر سنوات ضوئية.  لا تستطيع مقارنة مذبحة فى لبنان ولو من بعيد بمثل هذا الحجم وبمثل هذا الشر العلمى.  حجم الهولوكوست هنا – من الغجر والبولنديين غير اليهود بالإضافة إلى اليهود – كان اكبر من أى خيال حيث يبدو مقتل عشرات الآلاف فى لبنان إلى حد ما بسيط.

طبعا، هذا ما يجب ألا يعلمنا إياه التاريخ.  ولا هو الحقيقى.  لكن لو هذا ما أفكر فيه وأنا ما أنا عليه، كاجنبى، غير يهودى ولد بعد عام من موت "هتلر" -حتى ولو باختصار- كيف للمرء إذا أن يسأل حتى من بقوا على قيد الحياة أو أطفالهم؟  أو، وهو الأهم، كيف للمرء أن يتناول سلوك الدولة التى أقيمت – كما قد يخبرك العديد من مواطنيها – من خلال نيران "آوشفيتز"؟  منح كل ضحية يهودية من ضحايا الهولوكوست، كما يقول النصب التذكارى فى "ياد فاشيم" المقام خارج القدس، المواطنة الشرفية لدولة إسرائيل.  لو قبلنا بهذه المقدمة المنطقية، فلن تكون زيارة "آوشفيتز" بمثابة حج لأكبر مقبرة جماعية فى العالم وفقط، ولكنها ستكون اعترافا بالعلاقة الحميمة بين الشرق الأوسط، وفى الأخير، وبين هذه المأساة – غير ذات الدلالة المنطقية إذا ما كان حل معادلتها يعتمد فقط على الأرقام – التى يعيشها شعب آخر، هم فعلا شعوب متعددة كنت أنا وزملائى فى لبنان شهودا على معاناتها."  (فيسك، "ارحم الأمة"، دار نشر الأمة، 2002، صفحات 6- 7)

المذبحة التى يشير إليها فيسك فى لبنان كانت مذابح "صبرا" و "شاتيلا"، التى قتل فيها حوالى 1700.  حرب إسرائيل فى لبنان خلفت عشرة أضعاف مثل هذا العدد إجمالا.

ولكن "فيسك" كتب هذه الكلمات عن "الدلالة غير المنطقية إذا ما وضعنا حلا لمعادلتها بالاعتماد على الأرقام فقط" فى وقت سابق.  منذ ذلك الحين، أصدر المقرر الخاص للأمم المتحدة لشئون الغذاء تقريرا يوضح أن واقع الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة هو أن 8, 3 مليون فرد على حافة كارثة إنسانية:

"أكثر من 22% من الأطفال تحت 5 سنين يعانون من سوء التغذية ونسبة تصل إلى15،6% منهم تعانى من الأنيميا الحادة، وكثير منهم سوف يعانون بشكل دائم من آثارها السلبية على نموهم البدنى والعقلى كنتيجة لذلك.  أكثر من نصف العائلات الفلسطينية تأكل حاليا وجبة واحدة فقط فى اليوم.  أعلن البنك الدولى رسميا أن معدل استهلاك الطعام قد هبط بأكثر من 25% للفرد.  يعيش حوالى 60% من الفلسطينيين اليوم فى حالة فقر مدقع (75% منهم فى غزة وحوالى 50% فى الضفة الغربية).  حتى فى حالة توافر الطعام، لا يملك كثير من الفلسطينيين القدرة على شراءه، إذا ما أخذنا البطالة المتصاعدة فى الاعتبار.  يعتمد أكثر من 50% من الفلسطينيين، بشكل كامل، على المعونات الغذائية هذه الأيام، رغم أن مواد الإغاثة الإنسانية كثيرا ما يحظر دخولها." ("جين زيجلر"، ملحق: بعثة إلى المناطق الفلسطينية المحتلة، 31 أكتوبر، 2003. الأمم المتحدة.)

أنهى الصليب الأحمر برنامجه للطوارئ فى المناطق المحتلة قائلا، "الانهيار الاقتصادى نتيجة مباشرة للإقفال الاسرائيلى العسكرى لمنافذ العبور ويجب على إسرائيل أن تتحمل مسئوليتها كسلطة احتلال لتلبية احتياجات الفلسطينيين الاقتصادية."  وقد اتفقت الأمم المتحدة على أن الحالة على وشك الكارثة، بسبب أفعال إسرائيل فى الدرجة الأولى.

ولكنه ليس فقط الصليب الأحمر والأمم المتحدة.  هناك أناس أمثال "موشيه عيالون"، و"عامى عيالون"، و"يآكوف بيرى"، و"افرآم شالوم"، و"كارمى جيلون".  كان "عيالون" مديرا "للشين بيت" من 1996 حتى 2000.  يقول "عيالون": "لقد اتخذنا خطوت مؤكدة ومحسوبة للحد الذى لن تصبح عنده دولة إسرائيل ديموقراطية أو وطنا للشعب اليهودى بعدها.. فأكثر ما نفعله اليوم فى الضفة الغربية وغزة هو أمر غير اخلاقى، وبعض منه هو ماركة مسجلة باسمنا.  ولكنى اعتقد أن ما حدث لنا هو فقدان الأمل.  وأنا أعنى بذلك كلا الطرفين.  تقريبا كل ما نفعله فيهم وما يفعلونه فينا، يمكن لنا أن نضعه فى سياق الزمن وان نقول أنها مرحلة على الطريق لشيء أفضل، ويمكن احتمالها.  المشكلة هى أننا اليوم لا هم ولا نحن أصبحنا نرى أى مستقبل أفضل."

قد نقترب فعلا من اللحظة التى لا تصبح صحيحة عندها مقولة "فيسك" عن المأساة الفلسطينية، وكونها "دلالة غير منطقية إذا ما تم حل معادلتها على أساس الأرقام فقط".  السؤال هو، ما الذى يستطيع إيقاف هذه المأساة التى لم يرد ذكرها من قبل؟  ولكن رد على من توجهت إليهم بالسؤال بقولهم: "لن يسمح لها المجتمع الدولى بالاستمرار."  ولكن الذى يتمتع بحس تاريخى، مثل كلانا، يعرفون أن "المجتمع الدولى" يفشل دائما فى منع "الهولوكوست".

فشل فى منع الهولوكوست الذى تعرض له اليهود.  لم تكن الحكومات القوية فى العالم واثقة وقتئذ من كونها تريد إيقاف النازى من عدمه.  عنصرية النازى كانت، فوق كل ذلك، مجرد شكل متطرف من أشكال العنصرية ومعاداة السامية المزمنة فى أوروبا.  ولكن المجتمع الدولى فشل أيضا فى كل مكان آخر.

هل تعلم أن "هتلر" خطط لغزواته على النسق الذى دمرت به الولايات المتحدة السكان الأصليين فى الأمريكتين؟  انه لم ير سببا يمنع الألمان من أن يفعلوا بالأوروبيين الشرقيين ما فعلته الولايات المتحدة بسكانها الأصليين.  كان هذا هو التطهير العرقى الذى حدث هنا فى الأمريكتين (تجد وصفه فى كتاب "وارد تشرشل" المسمى "حقيقة بسيطة عن التطهير العرقى").  اليوم يعيش السكان الأصليين فى أماكن إيواء تحت ظروف بائسة، مجتمعاتهم مهشمة، ومحاولات إعادة استعمارهم لا تتوقف.  ولكنهم يقاومون.  كانوا فى حالة من تم مسحهم من على وجه هذه الأرض, ولكنهم فى النهاية لم ينتهوا، وما زالوا يكافحون من اجل العدل، ومن اجل الأرض، وضد استعمارهم المستمر، وضد تزييف تاريخهم. 

فى العقود التى أعقبت وصول "كريستوفر كولومبس" إلى الأمريكتين، تم إفناء السكان بنسبة بلغت 90%.  طرد عشرات الملايين، وتضوروا جوعا،  قضى عليهم فى مجازر، أو فريسة لأمراض جديدة فتاكة، أصبحوا أكثر عرضة للهلاك نتيجة تدمير مجتمعاتهم.  لم يمنع "المجتمع الدولى" ذلك من الحدوث.  "المجتمع الدولى" الوحيد الذى كان قائما حينئذ كان هو الإمبراطوريات، التى كانت تمتهن مهنة التطهير العرقى، وليس إيقافه.

كان الهولوكوست الافريقى يرتكب إثناء هذه الحقبة أيضا.  لا احد يعرف كم عدد الذين ماتوا خلال قرون العبودية، عندما كان الافريقيون يساقوا كقطعان إلى السفن، ويحشروا داخل الصناديق خلال رحلات عبر المحيط الاطلنطى ليعيشوا ويموتوا فى بناء الأمريكتين، يقهرون لاداء الأعمال التى لم يعد السكان الأصليين مجبرين على أداءها، لأنه قد تم ذبحهم.  من المؤكد أن ملايين الأفارقة ماتوا فى حروب العبيد هذه وفى سفن العبيد أيضا.  هشمت تجارة العبيد المجتمعات الأفريقية وأضعفتها، تاركة إياها فريسة سهلة إمام الاستعمار (بيزل دافيدسون، "تجارة العبيد الأفارقة").  أدى ذلك لوفيات أكثر بلغت الملايين: ربما عشرة ملايين تحت حكم الملك "ليوبولد" للكونغو البلجيكية فى القرن التاسع عشر ("آدم هوكشيلد"، "شبح الملك ليوبولد").  أدخلت هذه المذابح العرقية أفريقيا إلى "دائرة المجتمع الدولى"، كما فعلت بالضبط مع سكان الأمريكتين الأصليين.

عانت آسيا من الهولوكوست أيضا بدخولها إلى "الاقتصاد العالمى".  لقد كان خليطا معقدا من تعصب السوق الحرة الذى تتطلب أن يترك الناس يتضورون جوعا رغم وفرة الطعام الذى ينقذ أرواحهم لو كان يعاد توزيعه بشكل أفضل، متضافرا مع الطقس السيئ ومواسم الحصاد السيئة، وهو ما أدى إلى حدوث مجاعتين رهيبتين فى القرن التاسع عشر قتل من جراءهما 12 مليون فى الهند, وحوالى 20 مليون فى الصين، ومليونان فى البرازيل على الأقل. ("مايك ديفيز"، "الهولوكوست الفيكتورى الأخير").

ربما كانت محاولة فيتنام للتحرر من أغلال "الاقتصاد العالمى" هى التى أغضبت الولايات المتحدة للدرجة التى جعلتها ترتكب الهولوكوست فى حقها.  قتلت الحرب الكيماوية، والتجويع، والقصف الواسع بالقنابل، والمذابح ربما مليونان أو ربما أربعة ملايين من البشر هناك، فى اقل تقدير 40 فيتناميا مقابل كل أمريكى.

لقد أصبحت رسالة شنيعة هكذا، ولهذا اعتذر، ولكن الهولوكوست أمور شنيعة أيضا وكان يجب أن نتحدث عنهم.  علينا أن نتذكرهم.  علينا ألا ننساهم أبدا.  علينا أن نتذكر ضحايا تلك القوى الغاشمة لأننا نريد عدم وقوع مثل هذه الفظائع مرة أخرى.  ألا نرغب فى ذلك؟  ألا نتفق فى ذلك؟  أليست هذه واحدة من الأمور التى كنت تعتقد أننا سوف نتفق عليها لو أمهلنا أنفسنا ساعتين من الزمن لنناقش بعض الأمور؟

هذه الفظائع تحدث الآن.  فى تقديرات منظمة "اليونيسيف"، 13 مليون طفل يموتون كل سنة نتيجة لأمراض يمكن الوقاية منها ونتيجة للمجاعة.  قال عمدة "لندن" أن برامج الإصلاح الهيكلى الخاصة بصندوق النقد الدولى (مرة أخرى "الاقتصاد الدولى") قتلت عددا من الناس يفوق ما قتلته أسلحة الدمار الشامل التى استخدمت طول التاريخ.  خلال الأحد عشر عاما من العقوبات ضد العراق، والبنية التحتية المدمرة، وشرب المياة غير السليمة، وتهشم هذا المجتمع، أدى إلى عشرات الآلاف من حالات الوفاة.  تقود حرب الاحتلال التى تجرى حاليا هناك إلى مزيد من عشرات الآلاف من الوفيات ولم تؤد إلى رفع الهموم القاتلة عن الشعب العراقى.  وفلسطين، كما كتبت إليك فى بداية الرسالة، فلسطين على حافة الهاوية.

هناك المزيد الذى نستمده من التاريخ، هذا التاريخ حتى، أكثر من الهولوكوست.  الاستعمار، عندما لا يقتل، فانه يستطيع تشويه الضمائر والعقول.

بعض الناس الذين يفلتون من القتل يفقدون حسهم الاخلاقى، ويتخبطون فى الظلام بأشكال قد تؤذى، أكثر مما تساعد، شعوبهم نفسها وتعود عليهم بالضربات الانتقامية.  الناس الذين يركنون إلى الصيغ السهلة التى يطلقها الانتهازيون.  من المغرى أن تفعل هذا.  هل تعلم هؤلاء الناس الذين أتحدث عنهم؟

هناك أيضا، مجموعة أخرى من الناس صيغت ضمائرهم فى صف الاستعمار بقسوة.  أنهم العملاء المتعاونون.  فى بعض الأحيان يسمون أنداد "كيسلينج" على اسم الشخصية التى سلمت النرويج للنازى.  وقد يكون إجحافا أن نحكم عليهم كلهم بهذه القسوة، لأنهم ليسوا كلهم انتهازيون.  بعضهم قد يعتقد بشكل خاص أن ثمن المقاومة سوف يكون باهظا وان الاستسلام أفضل، وسوف يوفر مزيد من الضحايا.  بعضهم قد يختار أن ينقذوا أنفسهم وعائلاتهم على حساب شعوبهم – من السهل أن يقال أن هؤلاء الناس قد بذلوا التضحية.  ويظل الآخرون الذين عانوا ظلما خاصا ورعبا بين شعوبهم، وانقلبوا إلى صف مستعمريهم طلبا للنجدة.  من السهل أن نقرع هؤلاء باللوم بدلا من النظر فيما فعلته شعوبنا بهؤلاء حتى يهجروا صفوفنا.

بالرغم من ذلك، يوجد التاريخ النبيل.

ارتفعت دائما، خلال عصر الإمبراطوريات، أصوات للضمير.  كان "بارتولوميو ده لا كاساس" معاصرا "لكريستوفر كولومبس"، وقد كافح لمنع الإمبراطورية الأسبانية من تدمير السكان الأصليين.  أنتجت أمريكا البيضاء، حتى وهى تسترق الأفارقة، أناس وقفوا مع إلغاء الرق، مثل "جون براون".  قابلت أفعال الولايات المتحدة فى المكسيك، والفلبين، وكوبا، احتجاجات "مارك توين" وآخرون.  الإمبراطورية البريطانية كان لديها "برتراند راسل".  جاهد أولئك الناس لإيقاظ مجتمعاتهم لما يفعلونه بالآخرين.

كان هناك عرف آخر للبشر المستعمرة بلادهم، وهو أنهم يتعلمون من داخل الإمبراطوريات، ويستخدمون ما فهموه ليجاهدوا من اجل تحرير شعوبهم.  بعض من قادة حركة التحرير الهندية – جواهر لال نهرو، والمهاتما غاندى، وامبقدار – كلهم تلقوا تعليمهم فى انجلترا.

ولكن هذه الشخصيات كانت من النخبة.  على الأرض كان هناك ملايين من الناس الذين كافحوا ليعيشوا فى كرامة، الذين جاهدوا لحماية الأرواح، ولتأمين مستقبل لأطفالهم، أو حتى إجبار قاتليهم على دفع الثمن.  خاض السكان الأصليين الحرب ضد أسلحة أكثر تطورا مما لديهم بمئات السنين.  خلق السكان الأصليين والأفارقة معا مجتمعا يسمى "السيمينولزSeminoles " فى جنوب الولايات المتحدة، وحاربوا من اجل استقلالهم حتى النهاية، ولم تكن هزيمتهم يسيرة.  عاين الفيتناميون دمار بلدهم، ومقتل الملايين من شعبهم، ولم يستسلموا.  وفى كل مذبحة نظمت لليهود، فى كل "جيتو"، عندما اقتحمهم الغوغاء أو الجيوش لقتلهم، كان هناك أناس شجعان ماتوا دفاعا ضد الفرق الساحقة.

أنا أحس بعلاقة مع الهند ربما ليست شبيهة بالعلاقة التى تحسها أنت ناحية إسرائيل.  هل نندهش إذا ما كان اللاجئون الفلسطينيون وأطفالهم أيضا يشعرون بمثل هذه العلاقات (ناحية شعوب أخرى – مثلا)؟  أنا لم اولد فى الهند، ولم أشب هناك.  لدى عائلة هناك، وانشغل بأمورهم كثيرا.  اننى أتابع سير الأحداث هناك.  اشعر بدين فى رقبتى تجاه البشر هناك، فملايين عديدة منهم يحتاجون بشدة أن يكون لديهم الفرص التى لم اكتسبها بمجهودى.  عندما يقع حادثة رهيبة هناك، اشعر بأنها كما لو كانت قد حدثت لى.  أحيانا أفكر فى مجاعة "البنغال"، وفى الطريقة التى استخدم بها البريطانيون الفرق الهندية لقتل الشعوب المستعمرة الأخرى فى أجزاء أخرى من العالم، والطريقة التى مكنوا بها قوى المجتمع الرجعية والطريقة التى أعادوا بها تنظيم الاقتصاد والمجتمعات التى تكافح من اجل البقاء حتى تعمل من اجل فائدتهم هم.  أنا أفكر فى بعض النزاعات المريعة هناك، والتوتر النووى بين الهند والباكستان، وارى على الأقل جزئيا، المآزق المزمنة التى خلفها الاستعمار وراءه، مآزق لم يظهر بعد من استطاع أن يكتشف سبيلا للنجاة منها. على العكس، ما زال الاستعماريون يلعبون الأدوار الرئيسية على مسرح أحداثها.

وأهل المستعمرات، والمناهضون للإمبريالية؟  إلى من يتطلعون؟  ليس فقط إلى ضحاياهم، ولكن لأبطال التاريخ الماضى.  هؤلاء محاربو السكان الأصليين – هل تعرف قصة "هاتويى"؟  لقد حارب الغزاة الأسبان فى القرن السادس عشر، حوالى نفس الوقت الذى اجتثت فيه محاكم التفتيش وأحرقت اليهود والمسلمين الذين كانوا يمارسون شعائر دينهم سرا بعد أن أرغموا على التحول إلى المسيحية.  قبض على "هاتويى"، وقيدوه على عمود فوق كومة الحطب تمهيدا لإحراقه، وخيروه بين اعتناق المسيحية أو الحرق.  ادخل المسيحية واذهب إلى الجنة، أو فلتبق كافرا وتذهب إلى الجحيم.  وسأل إذا كان بالجنة مسيحيون، فأجابوه بنعم، عندها اختار الذهاب إلى الجحيم.  وهؤلاء العبيد الأفارقة، الذين حاربوا، والذين هربوا من الرق، والذين انضموا إلى "السيميونولز".  وهؤلاء الهنود الذين اتبعوا نصيحة "غاندى"، وواجهوا أسلحة البريطانيين بصدورهم العارية بلا سلاح فى أيديهم.  وهؤلاء الفيتناميون الذين استبسلوا فى الدفاع عن بلدهم بينما تنصب عليهم كل الأهوال التى يمكن تخيلها.

هؤلاء اليهود، الذين حاربوا النازى بزجاجات المولوتوف والشجاعة العابسة، الأنصار المحاربون الذين اكتشفوا الوسائل للضربات المرتدة.  هؤلاء اليهود من أمثال "روزا لكسمبورج" و"ايما جولدمان"، هؤلاء اليهود الذين كانوا جزءا من كل حركة من اجل التقدم والتغيير الانسانى فى أوروبا وأمريكا الشمالية.

ونعم، يا صديقى، الفلسطينيون أيضا.  أنهم يواجهون الدبابات، والـ "ف – 16"، عادة بالحجارة.  أنهم يرفضون ترك بيوتهم التى تدكها البلدوزرات.  أنهم يرفضون التوقف عن تعليم أطفالهم عندما تغلق المدارس.  أنهم يرفضون التوقف عن جمع ثمر أشجار الزيتون حتى عندما تقام الأسوار بين قراهم وبساتينهم.  أنهم يرفضون الامتناع عن السفر بالرغم من أن نقاط التفتيش تجعل من أى رحلة تجربة فى الاستفزاز والهياج وبالرغم من أن الأحكام العرفية والغارات تجعل من كل خطوة تخطوها فى الخارج مغامرة محفوفة بالمخاطر الفتاكة.  أنهم يرفضون الموت.  ولان يواجهون المجاعة.

هل تعلم أن إسرائيل فى حربها مع الفلسطينيين قد اتخذت نمطا على الجانب الخطأ من انتفاضة "جيتو وارسو"؟  هل قرأت حديث احد الضباط الكبار فى جيش الدفاع الاسرائيلى رفض ذكر اسمه فى صحيفة "هآرتز"، 25 يناير 2002، الذى قال فيه: "لو كانت المأمورية هى احتلال معسكر للاجئين كثيف السكان، أو أن تأخذ "الكسبة" فى "نابلس" -  يجب أن يحلل القائد أولا ويتخذ لنفسه عبرة من دروس المعارك السابقة، حتى، رغم ما قد يبعثه ذلك من صدمة – كيف حارب الجيش الألمانى فى "جيتو وارسو"."  الم يصدمك ذلك القول كما صدمنى؟  إلا تندهش لما اسماه "الجيش الألمانى" بدلا من "جيش النازى"؟  أنا أتعجب لذلك.

إلا تستطيع أن ترى الفلسطينيين كجزء من هذه التقاليد؟  لديهم "كيسلينج" الخاصين بهم، ولديهم انتهازيوهم، وهناك من بينهم من دفعوا إلى الكراهية العمياء، كما هم بيننا جميعا.  ولكنى أتساءل إذا كنت ترى أن ما يفعلونه وما يواجهونه هو جزء من التقاليد التى نشاركهم جميعا فيها ضد مستعمرينا فى تاريخنا الغابر أو الحديث.  هذا أن غالبيتهم لا تختلف عن أسلافك واسلافى هؤلاء الذين كافحوا.  هل تستطيع أن ترى الخوارج  عندك كأصوات للضمير؟  هل تستطيع سماعهم عندما يقولون أنهم يؤمنون أن أفضل وسيلة لحماية إسرائيل هى أن تخرج من المناطق المحتلة؟

إذا لم يقدر العالم أن يرى الفلسطينيون على هذا المنوال، سوف يدفع الفلسطينيون الثمن الذى كنا نتحدث عنه.  ولكنك أنت سوف تدفعه، بطريقة أو بأخرى.  لأنه سوف تكون مضطرا بان تتخلى عن هذا الجزء النبيل من تاريخك، تاريخ النضال ضد الظلم، الذى الهم ويستمر ملهما للعديد.  سوف تكون مضطرا لان ترد هذا التاريخ عنك ليصبح ملكا عاما للإنسانية، بلا أى أبطال إلا أولئك الذين برهنوا على بطولتهم فى معارك ضد الخصوم الضعفاء أو العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.  وهذا، أيضا، سوف كون مأساة فى حد ذاته.

هذا ما قد أخبرتك به خلال يلك الساعات التى ظننت أنها سوف تجعلنا نتفق.  هل كنت أنت على صواب؟  هل أنهيت الحديث قبل الأوان؟ أتعشم ذلك.

 

ZNet - من نحن - أنصم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - زى نت العربية