- العسكرة والحرب -

من أجل "منتدى عالمي للسلام والديموقراطية"

بقلم: خالد الفيشاوى

23 نوفمبر 2003.


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

على الرغم من أن بعض الحكومات الأوربية والعربية كانت قد أعربت عن رفضها للاستعدادات الأمريكية لشن حرب ضد العراق ، إلا أنها فور نشوب الحرب ، عادت لتعرب عن أملها في انتهاء القوات الأمريكية من احتلال العراق " بسرعة " .. لكن المقاومة العراقية التي فاقت أية توقعات ، أعادت تنشيط الجبهة العالمية المناهضة للحرب ، وأعادت إليها الثقة ، وأحيت الأمل لدى بعض القوى الدولية والإقليمية في إمكانية خلق فيتنام أخرى لأمريكا في العراق ، أو على الأقل عرقلة مخططات الحرب الأمريكية الكوكبية التي تهيئ المسرح الدولي لشنها منذ تسعينات القرن الماضي .

اغتنمت الولايات المتحدة الأمريكية صدمة أحداث 11 سبتمبر ، للتعجيل بتنفيذ برنامج مسبق الإعداد ، يرجع لتسعينات القرن العشرين ، وشن الحرب كوكبية ، يقولون إنها " بلا نهاية " ، ويدعون أنها "ضد الإرهاب" .. حرب تتسع كل يوم ، ويتزايد نصيبنا مما تخلفه من دمار .. حرب عنصرية بربرية ترفع رايات العصور الوسطى ، وتبذر الصراعات على أساس ادعاءات دينية ، وتسعى لتقسيم شعوب الأرض إلى " طيبين " و " أشرار " ، لكنها لا تستهدف سوى إخضاع البشر واحتكار ثروات الأرض . وخدمة سياسات الشركات الاحتكارية الكبرى عابرة القوميات .

في زمن الحرب ، تتزايد النزعة العسكرية ، وتعصف تدريجيا وبسرعة بالحقوق الديموقراطية والمدنية في أمريكا و أوروبا ، ويتقدم اليمين بخطوات سريعة ليتولى الحكم في القارتين.

 قبل أيام من بداية الألفية الجديدة ، ودع العالم القرن العشرين بانفجار مظاهرات "سياتل" ضد اجتماعات المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية ، معلنا وجود قوة اجتماعية وسياسة جديدة على النطاق العالمي ، تتحدى النظام العالمي القائم ، الذي سعت الولايات المتحدة الأمريكية للانفراد بقيادته في التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، وتتحدى مشروع العولمة الذي تفرضه الشركات الكبرى العابرة للقوميات وتحالف احتكارات السلاح والنفط ومؤسسات العولمة الرأسمالية التي تقود عمليات توحيد السوق العالمية وتنميط الإنتاج (منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ) ، كل هؤلاء تحت القيادة السياسية لليمين الأمريكي – الأوربي .

كانت التسعينات تبشر بحتمية العولمة الرأسمالية ، وبأنها الطريق الوحيد الذي يجب على العالم أن يسلكه ، وأن السعي للفكاك منه ليس إلا محاولة للانتحار ، والقفز من التاريخ .  وبدت العولمة الرأسمالية كقدر محتوم ، ولكن "سياتل" فجرت من جديد الأمل في إمكانيات السعي من أجل عالم بديل أكثر عدلا ، عالم ينشد الحرية والمساواة بين كل البشر .

ولدت الحركة العالمية المناهضة للعولمة فى " سياتل " ، في وقت سلمت فيه حكومات العالم وقواه الكبرى بالانفراد الأمريكي بقيادة النظام العالمي ، وبأحقية النظام الرأسمالي في إدارة ثروات الأرض .

القطب العالمي الجديد

ومع " سياتل " بدأ البعض يتحدث عن الحركة العالمية المناهضة للعولمة باعتبارها قطبا دوليا جديدا ، يعيد التوازن للنظام الدولي ، بعد انهيار القطب السوفيتي . وانطلقت هذه الفكرة ، من مقولة أن العولمة لا تعنى فقط توحيد ودمج السوق العالمية ، لكنها تعنى أيضا توحيد ودمج العالم برمته ، بما في ذلك قواه المتطلعة إلى عالم أكثر عدلا ومساواة وتحررا ..

نحن إزاء عالم ، دمجه تطور قوى الإنتاج المتجلي فيما يسمى بثورة الاتصالات ، عالم يتجاوز الأطر القومية التي كان عليها تاريخ المجتمعات الرأسمالية السابق. انطلقت قوى الإنتاج لتدمج الكوكب و توحده ، بينما لازالت الأبنية القومية و أجهزة الدول ومؤسساتها والمؤسسات الدولية القائمة على أسس قومية ، باقية تتعثر ، ويدرك الجميع أنها لن تدوم.

والآن ، يدور الصراع على نطاق الكوكب من أجل السيطرة على قوى الإنتاج الجديدة ، والسير بها لمصلحة الشركات المتعدية الجنسيات المندمجة مع المؤسسات العسكرية الأمريكية ، وبين الحركات العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية ، والساعين من أجل بناء عولمة بديلة ، وتشكل القطب الآخر في الصراع الدائر على نطاق الكوكبي .

وفى أعقاب " سياتل " عقدت اجتماعات واشنطن لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، وخرج 30 ألف معارض إلى شوارع العاصمة الأمريكية في منتصف أبريل 2000، يحاصرهم 10 آلاف من قوات الشرطة ودارت المعارك على مدى أربعة أيام .   وترتفع حدة الموجهات عام 2001 ، لتبلغ ذروتها فى " جنوه " حيث سقط أول شهيد فى النضال ضد العولمة ، كما شهدت البرازيل أكبر حشد لأول منتدى مناهض للعولمة عقد فى" بورتو اليجيرى" فى بداية العام .

وقبل أيام من سبتمبر اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية ( ومعها إسرائيل ) إلى الانسحاب من مؤتمر دربان بجنوب أفريقيا أمام تنديد شعوب العالم بالسياسات العنصرية الأمريكية والإسرائيلية ليتأكد عجز السياسة الأمريكية عن مواجهة المعارضة الكوكبية بالأساليب السلمية.

وكان لابد من البحث عن سبيل آخر للمواجهة ..هذا في الوقت ، الذي كان اليمين الجمهوري الأمريكي ، قد دخل إلى البيت الأبيض في بداية العام بعد انتخابات مشكوك في صحة نتائجها .

" ابن لادن " أم " ابن العم سام " ؟

وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول أحداث 11 سبتمبر ، بعد أن تأكدت صحة المعلومات القائلة بأن واشنطن كان لديها علم مسبق بتفاصيل الهجمات ، قبل حدوثها بوقت كاف لتجنبها وإحباطها ، وأن الإدارة الأمريكية  تركتها تمر ، لتستغلها في تبرير " الحرب " ضد ما تسميها ببلدان " محور الشر " ، وشن هجوم على الحريات الديموقراطية والحقوق المدنية في الداخل ، وتمكين اليمين الأمريكي من حكم البلاد بأساليب غير ديموقراطية ، تجاوزت في اجراءتها الحملة " المكارثية " ، ومجابهة أزمة الركود الاقتصادي ، بتنشيط النفقات العسكرية اللازمة للحرب .

هذا الإجراء التآمرى من جانب اليمين الأمريكي الذي يمهد الطريق لزحف احد أشكال الفاشية التى لم تتحدد بعد ، هو امر ليس بجديد ، فقد عرفناه في " حريق القاهرة " ، وعرفته ألمانيا النازية فى حريق " الرايخستاغ " .

على أية حال ، اغتنمت الإدارة الأمريكية ، أحداث 11 سبتمبر لشن حرب كوكبية جديدة ، ولإقامة نظام رئاسي استبدادي في أمريكا ، وتمهيد السبيل لزحف اليمين في أوروبا . والحقيقة أن السير في هذا الطريق ، كان قد سبق أحداث 11 سبتمبر ، وإن كان آنذاك يمضى بخطى ثقيلة وبمعارضة واسعة ، لكنه انطلق بسرعة بعد " حريق نيويورك وواشنطن " .

عسكرة العولمة

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي ،  كان مهددا بتراجع مكانته ونفوذه وقوته الاقتصادية بعد انتهاء الحرب الباردة . فبادرت النخبة الأمريكية الحاكمة ذات الاتجاه اليميني المتشدد إلى الدفع في اتجاه إشعال حروب جديدة في الخليج (ضد العراق) وفى البلقان ( ضد يوغوسلافيا ) في أفغانستان ثم العراق مرة أخرى . وبذلك أنعشت المجمع الصناعي العسكري الأمريكي ، وخلقت طلبا متزايدا على الأسلحة الأمريكية . وانتعشت أسهم شركات السلاح والأمن في الوقت الذي تتهاوى فيه أسعار أسهم باقي الشركات ، ففي الأسبوع الأول من أحداث 11 سبتمبر ارتفعت أسعار أسهم شركة " إل . فور . كوميونيكيشن " بنسبة 38% ، و " ريثون " إلى 27% ، و " لوكهيد مارتن " 15% ، وهكذا ، ( انظر الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية ، القاهرة 2001 ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام).

وفى خضم الحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان ، أعلنت أمريكا عن تصنيع ستة آلاف طائرة "ستليث" المعروفة باسم " الشبح " بقيمة 400 مليار دولار حتى عام 2020 .

وعلى الفور ، شرعت الولايات المتحدة الأمريكية ، فى شن حرب ضد أفغانستان ، وإطلاق يد شارون في تصعيد حربه ضد الفلسطينيين ، ودخلت قواتها الفلبين ، وأقامت قواعد عسكرية ، ونشرت قوات لها في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق ، فضلا عن إعلان حالة العداء السافر ضد كل من: كوريا الشمالية ، والصومال ، وكوبا ، وتنشيط عمليات المخابرات المركزية الأمريكية في أمريكا الوسطى ، خاصة في كولومبيا وفنزويلا .

وبذلك فتحت الولايات المتحدة عدة جبهات في وقت واحد ، وقد يؤدى هذا التوسع لجبهات القتال إلى مصير أشبه بمصير " هتلر " عندما اتسعت خطوط قتاله في أوربا والشرق الأوسط ، أو مصير اليابان عندما وسعت جبهات القتال فى جنوب شرق آسيا خلال الحرب العالمية الثانية ، فانتهى بهما الأمر إلى الانهيار والهزيمة .

لم تسفر الحرب ضد أفغانستان عن انتصار أمريكي ، فلم يتم القضاء على قوات " طالبان" و " ابن لادن " ، وعادت الاشتباكات مرة أخرى بين القبائل الأفغانية المتناحرة ، وكثرت الاعتداءات على قوات التحالف الدولي ، خاصة بعد تصاعد المقاومة العراقية .

بالمثل ، لم يحقق شارون انتصارا على الفلسطينيين ، وأدت حربه ضدهم إلى تصاعد حدة الحرب وسقوط المزيد  من الإسرائيليين وتفاقم الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية .

وهو الأمر ، الذي يزيد من التوقعات بأن الحرب ضد العراق لن تسفر إلا عن فتح بؤرة جديدة لحرب ممتدة ، قد تتسع لتهدد العديد من الأنظمة المحيطة بالعراق ، وتزيد من عدم الاستقرار في المنطقة .

الدولة البوليسية

تواكبت الحرب الأمريكية الشاملة و غير المحدودة ، مع هجمة شرسة على الحريات والحقوق المدنية داخل المجتمع الأمريكي وفى أوربا ، وصعد اليمين ليتولى مقاليد الحكم في العديد من بلدان أوربا .

فرضت الإدارة الأمريكية السرية على المعلومات ، وأجبرت وسائل الإعلام على حظر المعلومات عن الهجوم العسكري ضد أفغانستان ، وقامت بحمالات اعتقال عشوائية ، وأصدرت قانونا في أكتوبر 2001 يمنح المباحث الفيدرالية سلطة التجسس على التليفونات والاتصالات عبر الإنترنت . وابتدعت ما يسمى بمكتب البيت الأبيض للأمن الوطني ، لا يخضع نشاطه لرقابة الكونجرس ، وتدخلت القوات المسلحة الأمريكية في شئون حماية الأمن الداخلي ، والمنشآت المدنية ، والطيران .

ولأول مرة شكل " بوش " وزارة جديدة للأمن الوطني ، بهدف توحيد 22 وكالة استخبارات ومؤسسة أمنية أمريكية ، وتركز نشاطها على مراقبة المجتمع الأمريكي . فضلا عن السماح للمباحث الفيدرالية بالتجسس على منظمات المجتمع المدني والجماعات الدينية ، وعلى الهيئات وجماعات الضغط . وتشكيل محاكم عسكرية للمدنيين غير الأمريكيين ، امتدت بعد ذلك للأمريكيين .

وحذت أوروبا حذو أمريكا ، وبدأت بقانون سنه الاتحاد الأوروبي يسمح لدول الاتحاد بالتجسس على الاتصالات التليفونية وأجهزة الكومبيوتر والاتصالات عبر الإنترنت . وشن حملات وسن قوانين ضد المهاجرين ، وممارسة التمييز العنصري ضد المسلمين والعرب والشرق أوسطيين .

هكذا ، دائما، تتخلى الرأسمالية الغربية عن الديموقراطية في الأزمات ، وترفع رايات الفاشية ، والإجراءات الاستثنائية ، وتلوح بالحرب ، وتدفع باليمين إلى مقاعد السلطة . لتؤكد مجددا أن الديموقراطية ليست شرطا ضروريا من شروط نموها وازدهارها ، و إنما أجبرتها على قبولها وفرضتها عليها نضالات الشعوب والطبقات المقهورة .

المجابهة على صعيد الكوكب

أدى تصعيد الحرب والهجوم الضاري على الحقوق الديموقراطية، والمدنية والتوسع في الإجراءات الاستثنائية ، إلى ترويع شعوب العالم ، وانحسرت إلى حد كبير أنشطة الحركة العالمية المناهضة للعولمة وتعثرت بعض منظماتها الكبرى . و جمدت منظمات أخرى نشاطها. واتسمت ردود أفعالها تجاه الحرب في أفغانستان ، والهجوم على الحريات الديموقراطية والحقوق المدنية بالضعف ، بشكل لا يتناسب على الإطلاق مع قوة النهوض الذي اتسمت به الحركة منذ سياتل في ديسمبر 1999 وحتى مظاهرات " جنوة " ومؤتمر "دربان" قبل أيام من أحداث 11 سبتمبر . واستمر هذا الانحسار عدة أشهر ، حتى كان الأسبوع الأول من شهر فبراير 2002 .

كان هذا الأسبوع علامة فاصلة في المواجهة بين المساعي الأمريكية الدءوبة للانفراد بإدارة شئون العالم وفقا لمصالح الشركات الكوكبية الكبرى ، وبين الحركات الاجتماعية العالمية المناهضة للعولمة والمعبرة عن مصالح الفقراء والمستضعفين سواء في جنوب العالم أو في شماله .

 فى الأسبوع الأول من شهر فبراير، استأنفت الحركات الاجتماعية المناضلة من أجل " عولمة بديلة " ، ومن أجل العدل الاجتماعي والسلام العالمي ، استأنفت نشاطها بعقد مؤتمر حاشد في " بورتو اليجيرى " في البرازيل ضد الحرب والفاشية ، والسعي من أجل " يوتوبيا " كوكبية جديدة ، عادت الحركة لتؤكد إمكانية بناء عالم آخر لا تهيمن عليه الشركات الكبرى المتعدية الجنسيات وشركات السلاح الكبرى واليمين الأمريكي المتعطش للدماء .

وفى الوقت نفسه ، عقد دعاة العولمة الرأسمالية ، وممثلو الشركات الكبرى " المنتدى الاقتصادي العالمي " – المسمى بمنتدى " دافوس " عقدوا اجتماعهم في " نيويورك" بعد أن رفضت السلطات السويسرية استضافته خوفا من مظاهرات مناهضي العولمة . فاستضافته "نيويورك" أملا في أن تتمكن الشرطة الأمريكية من قمع المعارضين ، الذين احتشدوا رغم الإجراءات الأمنية الاستثنائية ليتظاهروا ضد عولمة الحرب والفاشية . وتعثرت اجتماعات المنتدى بين المعارضة في داخله وخارجه .

وفى الأسبوع نفسه ، شهدت " ميونخ " المؤتمر الدولي للأمن ، وبينما تولت الشرطة الألمانية ملاحقة المتظاهرين المعارضين للعولمة الرأسمالية ، دبت الخلافات داخل أروقة المؤتمر، وانتقدت غالبية الوفود الرسمية السياسة الأمريكية الداعية لتوسيع " الحرب ضد الإرهاب " .

وفى مواجهة التحالف الأمريكي- الإسرائيلي ، وفى وسط المواقف الدولية الهشة وردود الفعل الضعيفة والمستسلمة للقوى الكبرى وللمؤسسات الدولية ، لم تجد الانتفاضة الفلسطينية نصيرا سوى الحركات العالمية لمناهضة العولمة ومنظماتها ، التي عمت مظاهراتها للتضامن مع الشعب الفلسطيني معظم العواصم والمدن العالمية الكبرى . وتمكن بعض من قياداتها من التسلل إلى الأراضي الفلسطينية واختراق الحصار الإسرائيلي المفروض على " رام الله " والرئيس " عرفات " .

وأيضا ، وسط صمت عواصم الدول الكبرى و " ميوعة " موقف المنظمات الدولية ، جرى الاستعداد لضرب العراق مجددا ، بدعوى الإطاحة بالرئيس العراقي . وأيضا لم يجد الشعب العراقي نصيرا سوى الحركة العالمية المناهضة للعولمة .

على الرغم من أن غزو أفغانستان لم يواجه بمعارضة دولية ذات وزن ، إلا أن الغزو الأمريكي للعراق سبقه وأعقبه حركة عالمية ضخمة ، يتعالى صوتها بمرور الوقت ، وتتسع لتشمل الحركات العالمية المناهضة للعولمة ، وللحرب ، والداعية للسلم والديموقراطية والعدالة ، فضلا عن بعض الحكومات الأوروبية والإقليمية التي ترى في المخططات الأمريكية لحرب العولمة خطرا  يهددها ، والأهم من هذا وذاك ، وجود مقاومة عراقية ، تتأكد قدرتها وفاعليتها يوما بعد يوم .

بينما في الحالة الأفغانية ، لم تكن هناك مقاومة ذات وزن ، وكانت الحركة العالمية المناهضة للعولمة قد أذهلتها وروعتها أحداث 11 سبتمبر ، وشلت حركتها لفترة ، هذا فضلا عن أن بعض الدول الكبرى ، رأت في " الحرب ضد الإرهاب " غطاء لتنشيط المواجهة ضد أعدائها ، فأغتنم اليمين الأوروبي الفرصة لفرض القيود على الهجرة من الجنوب ، خاصة من بلدان الشرق الأوسط ، وراحت روسيا تصعد قتالها في "الشيشان" ، مساهمة منها في "الحرب ضد الإرهاب" ، ومضت كل دولة تلاحق معارضيها بدعوى محاربة الإرهاب .

وبدت لهم المخططات الأمريكية ، وكأنها ستكتفي بابتلاع أفغانستان ، ونشر بضعة قواعد عسكرية فى شرق آسيا وبعض بلدان الاتحاد السوفيتي السابق ...

  بينما الاستعدادات الأمريكية لغزو العراق لم تكن بمثل هذا اليسر والسهولة على الإطلاق ..

كانت الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب قد استفاقت من "حريق نيويورك و واشنطن" ، وتكشفت أبعاد المخططات الأمريكية للحرب من أجل السيطرة على مصادر الطاقة في العالم ، النفطية منها والنووية ، وكثر الحديث عن " تواطؤ" الإدارة الأمريكية "وتكاسلها المتعمد" في تفادى تفجيرات 11 سبتمبر ، وتصديها الشرس للتحقيقات الجارية داخل أمريكا والكونجرس الأمريكي وإعاقتها لأية مساعي لكشف الحقائق ....

وكانت تظاهرات منتصف فبراير 2003 ، التي اندلعت في كل عواصم العالم ومدنه الكبرى ، وتجاوز المشاركون فيها عشرة ملايين ، كانت حدثا غير مسبوق في تاريخ البشرية ، يرفض الحرب ويدعو لسحب الحشود الأمريكية-البريطانية .

وهو الأمر الذي دفع بعض الحكومات الأوروبية والإقليمية لرفع صوتها ضد الحرب ، وظن الكثيرون أن هذه المعارضة كافية لمنع نشوب الحرب .

ونشبت الحرب ، وتم غزو العراق ، وأبدت المقاومة الشعبية العراقية بسالة غير متوقعة ، وتعثر تقدم القوات الأمريكية – البريطانية نحو بغداد ، ولكن بمجرد وصولها اختفى نظام بغداد وحراسه وجيوشه ، في مشهد ألفناه كثيرا في العالم الثالث عموما ، وفى العالم العربي على نحو خاص ، حيث كان يتعالى صوت الزعيم " إننا في انتظار الحرب على أحر من الجمر " ، وفور اندلاع المعركة يفر بجيوشه ، ويبدأ الحديث عن " الخيانة " .

كادت المقاومة العراقية والحركة العالمية المناهضة للحرب أن تنكسر بسقوط بغداد ، وبدت الثمار و كأنها قد سقطت في أيدي " بوش " و " رامسفيلد " ، ونال السقوط من معنويات المناهضين للعولمة ومن ثقتهم في القدرة على المواجهة ... وبالطبع اهتزت ثقة الحكومات الأوروبية والإقليمية التي كانت قد عارضت الإعلان الأمريكي البريطاني بالحرب على العراق ، وراحت تستجدى أحيانا السماح الأمريكي وتدعو لها بإنهاء العمليات العسكرية "بسرعة" .

برحيل صدام ، أو اختفاءه ، حاملا معه أوهام النصر والقوة والجبروت ...وبقدوم "بوش" وجيوشه ، محطما بدباباته أوهام الديموقراطية والرفاهية التي سيجنيها الشعب العراقي ، عادت المقاومة العراقية بكل أشكالها السلمية والمسلحة لتقلق مضاجع الأمريكيين ، وتعيد الثقة للمناهضين للعولمة ، وتعيد التماسك لبعض الحكومات الأوروبية والإقليمية .

وبعد صمت وتخبط أصاب المناهضون للعولمة والحرب ، لم يستمر طويلا ، ولم يتجاوز الأسابيع ، من منتصف مارس وحتى منتصف مايو 2003 ، وهى فترة الهدوء النسبي للمقاومة العراقية ، والتي راحت فيها إدارة " بوش " تزهو بانتصارها وتتوعد كوريا الشمالية وإيران وسوريا استعدادا لتهيئة المناخ الدولي لصيد جديد .....

ولكن مرة أخرى ، وبالتزامن مع تصاعد المقاومة العراقية ، شهد العالم فى مايو 2003 ميلادا جديدا للحركة العالمية المناهضة للحرب ، في اجتماع " جاكرتا " للسلام ، حشد كوكبي من كل قارات العالم لم يشارك فيه من العالم العربي سوى نشطاء عراقيون ، حددوا فيه برنامجا سياسيا للنضال الكوكبي من أجل تحرير العراق ، يلقى الكثير من الضوء على الكثير مما نشهده الآن من أحداث . حيث دعا "مؤتمر جاكرتا" لحجب الشرعية عن الاحتلال الأمريكي للعراق ، وعن أي حكومة عراقية يتم تشكيلها في ظل الاحتلال ، والتحرك لعقد مؤتمر وطني عراقي أو جمعية تأسيسية لبناء الدولة العراقية الجديدة ، ورفض إحلال الأمم المتحدة محل الولايات المتحدة في العراق ، وتنظيم محاكمة شعبية لمجرمي الحرب ولمرتكبي احتلال العراق ، وتنظيم حملة كوكبية لإسقاط " بوش " في الانتخابات القادمة .

وعلى الفور ، بدأ السعي لتنفيذ هذا البرنامج ، وكما تصاعدت حدة المقاومة العراقية السلمية والمسلحة ، اتسعت المواجهات في أمريكا ذاتها ، التي تشهد حملة واسعة لإسقاط "بوش" وعودة القوات الأمريكية لبلادها ، حملة يشارك فيها النساء والشباب والطلاب والعمال ، تتجاوز المؤسسات الشرعية التقليدية في أمريكا ، بعد أن فقد الحزب الديموقراطي الأمريكي شرعيته ، وبدا متواطئا وخانعا ومؤيدا لسياسات إدارة "بوش" ، وأصبح جزء من الأزمة الأمريكية الراهنة وليس أحد سبل حلها ....

أما بعض الحكومات الأوروبية والإقليمية ، التي يبدو أنها لا تدعم أطراف المقاومة العراقية ماديا ، وإن كانت تدعمها أدبيا وسياسيا ، فإنها تغتنم العداء الكوكبي الشعبي للسياسات الأمريكية لعرقلة آلة الحرب الأمريكية ، والأمل في الفوز ببعض الغنائم ، أو البحث عن دور للأمم المتحدة ومن خلالها .

في هذا الإطار ، تسعى أوروبا لاحتواء الحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية ، وترويضها ، والحفاظ على أن تبقى حركة مناهضة لما يطلق عليه " الهيمنة الأمريكية " ، وألا تكون حركة عالمية مناهضة للنظام الرأسمالي الكوكبي . واستثمار هذه الحركة في إطار المتناقضات الأورو-أمريكية .

على أية حال ، سيشهد عام 2004 ، معارك مصيرية ، سيتحدد فيه مصير " بوش " إن كان سيستمر فى البيت الأبيض أو يرحل ،وكذلك مصير الحزب الديموقراطي الأمريكي ، هل سيتمكن من الإطاحة ببوش ؟ أم أن الشارع الأمريكي سيجلبه إلى البيت الأبيض ليس تأييدا لسياساته غير الواضحة حتى الآن ، ولكن للتخلص من "بوش" و إدارته ..ولو حدث ذلك فأي سياسات ستتبع ؟ ...هل سيواصل " الحرب ضد الإرهاب " ، أم سيتخذ سياسات جديدة ، وهل يمكن التراجع بعد أن دارت آلة الحرب ؟ .. وهل ستخضع إدارة "بوش" ومن خلفها احتكارات السلاح والنفط لحكم صندوق الاقتراع إذا ما أتى بنتائج غير مرغوبة للجمهوريين ؟ ..أم أنه سيسعى لتفادى كل ذلك بمؤامرة جديدة لترويع العالم والناخب الأمريكي ؟ أو الظهور بمظهر المنقذ من مؤامرة كبرى تتهدد أمريكا ؟ ...  أو إجراء الانتخابات في ظل حالة حرب جديدة تخمد فيها أصوات المعارضة ؟ وربما الانقلاب على قواعد الديموقراطية الأمريكية برمتها ...

كل هذا وارد ... فالمعركة لا زالت في بداياتها ... ومهما كانت قدرة القوى المعارضة للاحتلال سواء في داخل العراق أو على النطاق الكوكبي .. فإنه من السذاجة ، والتبسيط ، والإغراق في التفاؤل ، أن نتوقع أن مصير النظام الأمريكي ، والنظام العالمي ، ومصير البشرية في الأزمة الراهنة سيتحدد في العراق ....

أمريكا ، تخوض حربا كوكبية ، ستتسع رقعتها في المستقبل ، وستتسع معها المواجهات ، وفى هذا الاتساع سيزداد العجز الأمريكي عن المجابهة ....بالضبط ، كما توسعت أية إمبراطورية اخرى فغرقت ، تحت وطأة اتساع جبهة الأعداء .

على أية حال، إذا كانت السياسات النيوليبرالية ، والحروب الأمريكية التي تشن من أجل فرضها، وما يواكب ذلك من تقييد وتقليص للحريات وللحقوق المدنية، إذا كان ذلك يستنفر قوى اجتماعية ضخمة على النطاق الكوكبي، تمتد إلى داخل أمريكا نفسها، فعلى الجانب الآخر ، استنفرت في العالم العربي والإسلامي قوى إسلامية وقومية ، كما أثارت نعرات عنصرية ودينية، كرد فعل عفوي وإدراك مشوه للحملات الأمريكية ـالصهيونية (العنصرية أيضا) ضد العرب والمسلمين، في وقت يجب فيه على الشعوب العربية والإسلامية أن توحد نضالاتها مع القوى الرافضة للعولمة الرأسمالية والحرب الإمبراطورية وانتهاك الحريات والحقوق الديموقراطية ، سعيا من أجل عالم يسوده العدل والسلام والديموقراطية . كما يجب على بعض الأطراف الأوروبية (الرسمية والشعبية) الكف عن عدم إثارة هذه النعرات باعتبارها ذات فائدة في عرقلة عجلة الحرب الأمريكية، فضلا عن استثمارها لصالح الاحتكارات الأوروبية في صراعها مع نظيرتها الأمريكية.

بل من الضروري التوكيد على الطبيعة الأممية لنضال شعوب العالم ضد العولمة الرأسمالية والحرب الإمبراطورية، ومن أجل السلام والعدالة والحرية. وفي هذا الإطار قد يكون تشكيل "منتدى عالمي من أجل السلام والديمقراطية " أهم وأكثر فائدة من تشكيل منتديات على أسس قومية أو إقليمية أو قارية.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية