|
فى 15 فبراير
2003، تظاهر أكثر من 8 ملايين من البشر فى خمسة من قارات العالم ضد الحرب
التى لم تكن قد بدأت بعد.
كان هذا أول تحرك كوكبى حقيقى –
غير مسبوق فى حجمه، أو فى هدفه، أو وزنه –
بلغت الذروة فى مواجهة الرأس المدبر لمؤامرة احتلال العراق الموجود داخل
البنتاجون. وقلبت كل التوقعات فى أوروبا رأساً على عقب: حيث تظاهر 3 ملايين
فى روما، و 2 مليون فى أسبانيا، و 1.5 مليون فى لندن، ونصف مليون فى برلين،
وأكثر من مائة ألف فى
باريس ، ومثلهم فى بروكسيل ، وفى أثينا. وفى اسطنبول، حيث منعت السلطات
المحلية مسيرة احتجاج بدعوى "الأمن
القومى" دعت حركة السلام لمؤتمر صحفى لإدانة الحظر على المسيرة الاحتجاجية
– أعلن عنها عشرة آلاف
صحفى. وفى الولايات المتحدة الأمريكية،
اندلعت مظاهرات ضخمة فى نيويورك، وسان فرانسيسكو، وشيكاغو، وغيرها،
كما عقدت اجتماعات أصغر عدداً فى كل عواصم الولايات، شارك فيها أكثر من مليون
شخص. كما تظاهر نصف مليون آخرين فى كندا.
وفى الجانب الآخر من العالم، احتشد نصف مليون فى "سيدنى" وربع مليون فى
"ملبورن".
وفى 21 مارس،
بينما كانت القوات البريطانية والأمريكية تخترقان الحدود العراقية، دبت
الحياة فى الشوارع العربية الساكنة، نتيجة لهذه المعارضة الكوكبية، واندلعت
مظاهرات عفوية ضخمة فى القاهرة، وصنعاء، وعمان. فى مصر، أشاع النظام الذعر,
واعتقل أكثر من 800 شخص، عومل بعض منهم بوحشية
داخل السجون. وفى
اليمن، تظاهر أكثر من 30 ألف ضد الحرب، فى أكثر المظاهرات التى كادت
أن تهاجم السفارة الأمريكية ولم يوقفها إلا إطلاق
النيران عليها, واغتيل
اثنان من المشاركين فيها وأصيبت
أعداد لا حصر لها. وفى الأردن، المحمية الإسرائيلية
– الأمريكية، سحقت الحكومة الملكية عصيانا فى
مدينة حدودية وتعاملت بوحشية غير مسبوقة مع المتظاهرين فى العاصمة الأردنية.
فى العالم
العربى, كانت أصوات
الشوارع قومية بشكل زاعق، فعلى سبيل المثال، هتف المتظاهرين: " الجيش العربى
فين؟"
وفى باكستان،
انتهزت الأحزاب الدينية تضامننا مع العالم الإسلامى
لتهيمن تماماً على التحركات
المناهضة للحرب فى "بيشاور",
و "كراتشى".
وفعل الإسلاميون فى كينيا
ونيجيريا نفس الشيء، وأن كان لهما تأثيراً وفاعلية أكبر: حيث اضطرت
سفارتى أمريكا فى البلدين إلى
إجلاء العاملين فيهما. وفى
اندونيسيا، تظاهر أكثر من 200 ألف من كل الاتجاهات السياسية فى أنحاء العاصمة
"جاكرتا".
منذ أقل من
قرن، احتشد أكثر من ثمانية ملايين من البشر استجابة لدعوة الأحزاب الاشتراكية
الديمقراطية الأوروبية,
الأعضاء فى الأممية الثانية، فى المحاولة الوحيدة السابقة لعمل مشترك لمنع
حرب. فى نوفمبر 1912،
عقد مؤتمر طارئ للأممية تحت العقود القوطية للكاتدرائية القديمة فى " بازل "،
فى محاولة لتجنب الكارثة الوشيكة باندلاع الحرب العالمية الأولى.
ودخلت الوفود إلى مكان الاجتماع على نغمات قداس "
باخ " فى سلم B، فى إشارة
إلى قوة تجمعهم.
وتعهد القادة الاشتراكيون فى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا بمقاومة السياسات
العدوانية لحكوماتهم. كان
من المتفق عليه، أنه حينما يحين الأوان، فإن
نوابهم فى البرلمانات سوف يصوتون ضد ميزانيات الحرب.
كما دعا "كير هاردى" إلى "إضراب ثورى عالمى ضد
الحرب"، ولاقت دعوته الاستحسان، إلا أنها لم تطرح للتصويت. وصاح "جين جور"
بصوت عال عندما أشار إلى "أن الثورة تحتاج لتضحيات
بالغة المحدودية والصغر إذا ما قورنت بالخسائر التى ستنجم عن الحرب التى
يستعدون لها".
وحينذاك قرأ "فيكتور أدلر" القرار، الذى تمت الموافقة عليه بالإجماع. والذى
تضمن مايلى: "لندع البروليتاريا تواجه عالم الاستغلال الرأسمالى والقتل
المعتمد للجماهير، بعالم السلم والأخوة الأممية ".
وبحلول أغسطس
1914 انهارت هذه الآراء النبيلة قبل أن يدوى بوق
القومية بصوت عالى، وتلاشت الموسيقى التصويرية التى كانت عالية بوضوح فى
بازل، بينما ارتفع ناقوس الخطر ليدفع المواطنين لدخول حالة الحرب. لم ترفض
البرلمانات ميزانيات الحرب، ولم يحدث أن نودى
لإضراب، ولا اندلعت ثورة.
وفى وسط العاصفة المتنامية للهستيريا الشوفينية،
تم اغتيال "جين جوريس"
على يد المتطرفين المؤيدين للحرب. بينما
احتشدت أقلية شجاعة وإن كانت غير ملفتة للنظر فى مدينة "زيمر والد"
السويسرية، تنادى بتحويل الحرب الإمبريالية إلى "حرب أهلية ضد الرجعية التى
تحكم البلاد ". ووقف غالبية القادة الاشتراكيون الديمقراطيون بثبات بينما
مؤيدوهم يرتدون ملابس ذات ألوان خاصة وبدأوا فى قتل بعضهم بعضاً.
مات أكثر من عشرة ملايين فى المعارك الأوروبية
دفاعاً عن مصالح الرأسماليات التى تحكمهم، فى الصراع الذى أدى إلى ظهور قوة
كبرى جديدة على المسرح العالمى. وبدت أمريكا فى القرن الماضى لكل المتنافسين
الفعليين أنها أصبحت القيادة الفعلية ( والوحيدة على الأغلب ) على المستوى
الدولى.
الملايين
الثمانية ( أو أكثر ) الذين شاركوا هذا العام فى المسيرات، لم تحركهم أى
دولية، ولم يشتركوا فى رؤية برنامجية موحدة، لكنهم جاءوا من انتماءات سياسية
واجتماعية مختلفة، ليتوحدوا فقط بالرغبة فى منع الغزو الإمبريالي لواحدة من
البلدان العربية الغنية
بالنفط، فى منطقة
تمزقها حرب استعمارية فى فلسطين. معظم المشاركون فى هذه المسيرات، تظاهروا
بدافع غريزى بسبب رفضهم للمبررات الرسمية المتعطشة لإراقة الدماء.
يصعب على أولئك,
الذين يرون أن تلك
المبررات "معقولة", إدراك
عمق المقاومة التى تفجرت,
وعمق مشاعر الغضب المتصاعدة لدى الكثير من الشباب، (يعتقد
كثيرون خارج الولايات المتحدة الأمريكية أن "حزب البعث" العراقى
العلمانى ليس لديه أية علاقات
مع "القاعدة". أما
بالنسبة لما يقال عن "أسلحة
الدمار الشامل"، فإن
المخزون النووى الوحيد فى المنطقة يوجد لدى إسرائيل، وعلى نحو ما أشارت "كوندا
ليزا رايس" نفسها فى العام الأخير من رئاسة "كلينتون"،
فإن "صدام حسين" حتى ولو كان يملك مثل هذه الترسانة من الأسلحة، فلن يكون
قادراً على استخدامها، وقالت: "إذا
كانت لدى العراق أسلحة للدمار الشامل، فإنهم لن يستطيعوا استخدامها، وأن أى
محاولة لاستخدامها ستؤدى إلى القضاء التام على بلادهم "
( فورين أفيرز، يناير /
فبراير 2000 ).
هكذا، على حد
قول "كوندا ليزا"،
لن يستطيعوا استخدامها عام 2000، ولكن بعد ثلاثة أعوام، يتم إرسال قوات أنجلو
أمريكية ضخمة إلى العراق للإطاحة بصدام حسين، وقذف المدن العراقية بالقنابل
العنقودية، قبل أن يخرج "صدام" أسلحة الدمار الشامل؟ هذه الحجة ليست عاجزة
عن الإقناع فحسب، لكنها أيضاً أثارت معارضة واسعة من الملايين التى ترى أن
التهديد الراهن والأكبر للسلام، لا يأتى من الأسلحة غير التقليدية والنووية
للأنظمة المستبدة، لكنه
يأتى من قلب الإمبراطورية الأمريكية والحكومات الفاسدة التابعة لها فى
إسرائيل وبريطانيا. هذا الإدراك لتلك الحقائق يخلق جيلا راديكاليا جديداً.
الهجوم الامبريالى:
استغلت إدارة
الجمهوريين فى أمريكا الصدمة القومية لأحداث 11 سبتمبر، لتواصل أجندتها
الإمبريالية المتطرفة، والتى يشكل احتلال العراق مجرد خطوة أولى فيها.
هذه الأجندة التى
أعلنت لأول مرة عن سعيها لتنفيذها عام 1997,
فى وثيقة بعنوان "مشروع للقرن الأمريكى الجديد".
ضمن الموقعين
عليها كل من، " ديك تشينى "، و " رونالد رامسفيلد "، و "بول
ولفوويتز"، وحيب بوش "، و "
زالماى خليلذار "، و"أيليوت
آبرامز"، و "دان كوايل "، بالإضافة إلى بعض المثقفين مثل " فرانسيس فوكوياما
"، و "ميدج ديكتر "، و " لويس ليبى "، و "نورمان بودهورتيز".
لم يكن
باستطاعة الإمبراطورية الأمريكية أن ترضى عن نفسها إلا بانتهاء الحرب
الباردة، حيث قال عتاة الجمهوريين، "يبدو أننا نسينا العناصر الأساسية لنجاح
الإدارة الريجانية: قوات عسكرية قوية ومستعدة لمواجهة التحديات الراهنة
والمستقبلية، سياسة خارجية ترفع رايات المبادئ الأمريكية فى الخارج بشكل واضح
وحازم، وقيادة قومية تدرك " المسئولية الكوكبية " للولايات المتحدة، تعتبر
لغة هذه الزمرة من الجمهوريين، إذا ما قورنت باللغة ذات التعبيرات اللطيفة
المستخدمة فى عصر كلينتون، تعتبر لغة مباشرة جديرة بالثناء:
سوف تستخدم
القوة لحماية الهيمنة الأمريكية فى أى مكان وحتى دعت الضرورة لذلك. ولى
ذراع أوروبا حتى تعجز عن الحركة.
كان الهجوم
على مركز التجارة العالمى والبنتاجون عام 2001 بمثابة هبة من السماء هبطت على
الإدارة الأمريكية. فى اليوم التالى للهجوم، أجتمع مجلس الأمن القومى
لمناقشة الهجوم على العراق أو أفغانستان، وتم اختيار الأخيرة بعد مناقشة
مستفيضة. بعد عام واحد، تحولت الأهداف المحددة فى المشروع بهدوء إلى
"إستراتيجية أمن قومى للولايات المتحدة الأمريكية،
أعلنها "بوش" فى سبتمبر 2002، كانت الحملة على بغداد هى أول خطة مرنة فى
الموقف الجديد. قال "ديفيد فروم"، اليمينى والكاتب السابق لخطاب الرئيس
"بوش":
"إن
المساعى التى تقودها أمريكا للإطاحة بصدام حسين واستبدال القيادة الراديكالية
لحزب البعث بحكومة أكثر انحيازاً للولايات المتحدة –
سوف يجعل أمريكا أكبر قوة مسئولة عن المنظمة من أى قوة أخرى منذ العثمانيين،
أو ربما منذ الدولة الرومانية ".
لم يسفر
الحصار الذى استمر 12
عاما، ولم يسفر القصف
الأنجلو – أمريكى عن تدمير
نظام البعث أو إزاحة صدام حسين. ولا
يمكن أن يكون هناك دليلاً على التغيير
فى الإستراتيجية الدفاعية الإمبريالية أكثر من
التغير فى الموقف من العراق. ليس هذا هوا
السبب الوحيد الذى يفسر الاستهداف الأمريكى للعراق، فهناك تقديرات محددة
لدوافع هذا الاستهداف، فمن الناحية الاقتصادية، يمتلك العراق ثانى أكبر
احتياطيات للنفط الرخيص فى العالم، فضلاً عن أن بغداد اتخذت قراراً عام 2000
لتسديد فواتير صادراتها بالعملة الأوروبية (اليورو) بدلاً من الدولار تقليداً
لموقف "شافيز" فى فنزويلا، والفقهاء الإيرانيين. هذا فضلاً عن أن خصخصة
آبار النفط العراقية الواقعة تحت السيطرة الأمريكية سوف تساعد على إضعاف
منظمة "الأوبك" للدول المصدرة للنفط. وإستراتيجيا،
إن وجود نظام عربى مستقل فى
بغداد يثير غضب العسكرية الإسرائيلية –
حتى عندما كان صدام حليفاً للغرب، كما قامت إسرائيل
بتزويد إيران بقطع غيار لمعدات
عسكرية خلال الحرب الإيرانية –
العراقية. مع تولى المتطرفون
الجمهوريون المرتبطين
بالليكود الإسرائيلى المناصب الأساسية فى واشنطن، أصبح التخلص من الخصوم
التقليدين هدفا مباشراً وحيوياً لتل أبيب. فى النهاية، إذا كان استخدام
الأسلحة النووية فى هيروشيما وناجازاكى يحمل رسالة أمريكية واضحة للاتحاد
السوفيتي، فإن الحملة السريعة والكاسحة ضد العراق، تحمل اليوم رسالة للعالم
برمته، وبشكل خاص لدول شرق آسيا –
الصين، وكوريا الشمالية، وحتى اليابان
– فحواها أن الولايات
المتحدة لن تتردد فى استخدام
السلام النووى، إذا ما اضطرت لذلك.
كانت الذريعة
الرسمية للحرب، ضرورة التخلص من أسلحة الدمار الشامل العراقية المخيفة، كانت
حجة رديئة وهشة لأن العراق قد تخلص بالفعل من تلك الأسلحة، حتى أن المفتشين
التابعين للأمم المتحدة –
المخترقين تماماً من المخابرات المركزية الأمريكية –
لم يتمكنوا من العثور على أى أثر لتلك الأسلحة، وتراجع الدفاع عن هذا الاتهام
لوقت طويل. لكن ذلك لن يمنعهم من " اكتشاف " هذه الذريعة بعد أحداث 11
سبتمبر، وإن كان القلائل هم الذين علقوا أهمية كبيرة على هذه الفزاعة
البالية، الآن، تغيرت الذريعة لغزو العراق لتصبح الحاجة
الملحة هى إقامة الديمقراطية
فى البلاد، وإظهار العدوان بمظهر التحرير، تم تضليل وخداع القليل من حكومات
الشرق، سواء منها أصدقاء الإدارة الأمريكية أو خصومها. بينما ترى الشعوب
العربية أن عملية تحرير العراق ليست إلا لغز مروع، وغطاء للاحتلال الإستعمارى
على النموذج الأوروبى القديم، القائمة على نفس الأسس الشديدة الوهن التى
أتبعها أسلافهم – من
أكاذيب لأتعد ولا تحصى، وأطماع وأوهام إمبريالية. تعود الادعاءات الأمريكية
الراهنة، البالغة السخف الخاصة بجلب الديمقراطية للعراق، تعود لملاحظات "كولن
باول" التى أدلى بها للصحافة عام 1992، حينما كان رئيساً للأركان القوات
المتحدة فى ظل رئاسة "بوش الأب".
وفيما يلى ما
قاله عن المشروع الذى يمضى قدماً وبشكل علنى فى
الوقت الراهن:
صدام حسين "
شخص كريه وبغيض، يمثل تهديداً لشعبه. أعتقد أن شعبه سيكون أفضل فى ظل
قيادة مختلفة، لكن هناك نوعاً من النظرة المثالية التى ترى
أن " صدام حسين " إذا ضربه
أتوبيس فى الغد، فأن الديمقراطيين الجفرسونيين
سوف ينحازون إلى جانب عقد انتخابات شعبية
(ضحك). يمكنك أن تخمن أن هذه الانتخابات لن تسفر إلا عن "صدام حسين"
آخر. ولن يحتاج الأمر
إلا إلى وقت قصير
لتغيير صور الرئيس من على
كل الجدران (ضحك) –
لكن، يجب ألا تكون هناك أية أوهام حول طبيعة هذا البلد
أو طبيعة مجتمعه. وهناك أيضا الشعب الأمريكى والشعوب التى لها توقع آخر،
وهو أن علينا أن نهاجم العراق، وأن نستولى على بغداد ونجد أنفسنا نقوم
بحراسة شوارعها لمدة عامين آخرين بحثاً عن جفرسون".
(ضحك)
يعتبر توماس جفرسون، الرئيس الأمريكى
الثالث ( 1801 –
1809), هو الذى وضع
وثيقة إعلان الاستقلال.
الآن سوف
يتأكد " باول " من أن الديمقراطيين الجفرسونيين تبددوا بالهواء المكيف وغيره
من وسائل الراحة. ويدرك أن جماعات الحمقى التى يستأجرها الأمريكيون، مثل
"كرازاى" كابول،
يحرسونهم ليلاً ونهاراً.
كلاب الحراسة القدامى التابعون الجدد:
تقف حركة
شعبية واسعة عالية الصوت ضد غزو العراق، فى جانب. وفى الجانب الآخر، تقف
الإدارة الأمريكية مصممة على الغزو بشكل صفيق وواضح منذ البداية، وبينهما
وقفت بقية الحكومات فى العالم، فكيف قررت موقفها إزاء الغزو؟ لندن كما هو
متوقع، كمساعد متحمس إلى جانب واشنطن على طول الخط. حيث للإمبريالية
العمالية تقاليد عريقة فى هذا الشأن، وحيث كان "بلير" قد أظهر فى حرب البلقان
أنه يستطيع أن يتصرف بحقارة أكثر من أى كلب حراسة تافه، ليس أكثر من كلب موثق
بكمامة، طالما حزب العمال فى الحكم، ستواصل بريطانيا قذف العراق بالقنابل،
جنبا إلى جنب مع أمريكا.
لم يندهش سوى السذج من إرسال ثلث القوات المسلحة
البريطانية إلى بلد، كان فى الماضى أكبر مستعمرة فى الشرق الأوسط، واندهشوا
كذلك من مساومات المعارضين فى مجلس العموم فى
التوقيع على تفويض الحكومة بشن حرب، آسفين
للعنف وداعين الله أن
يعجل بإتمام الجريمة.
ويشارك كل من
"بيرلسكونى" فى إيطاليا، و"أزنار" فى أسبانيا –
وهى أكثر الحكومات يمينية فى أوروبا –
يشاركان "بلير" فى السباق، ويلحقهم وإن بدرجة أقل
كل من البرتغال والدنمرك، بينما تقدم اليونان
التسهيلات لطائرات التجسس الأمريكية.
أما دول شرق
أوروبا، فتعطى معنى جديد لمفهوم " التبعية "، فبعد أن استمتعت بوقت طيب فى
السابق، تشعر أن عليها أن تصطف خلف "بوش",
وتتبارى الأحزاب الشيوعية السابقة التى حكمت فى بولندا، والمجر وألبانيا،
تتبارى فى تمييز نفسها بإبداء الحماس لإبراز ولاءاتها الجديدة
– فى هذا الإطار، أرسلت "وارسو"
فرقة عسكرية للقتال فى العراق، وتقدم "بودبست"
معسكرات لتدريب المنفيين العراقيين، حتى " تيرانا " تطوعت بإرسال أشخاص غير
مقاتلين إلى المعركة.
من ناحية أخرى
أعلنت كل من فرنسا وألمانيا معارضتهما التامة لأى هجوم عسكرى أمريكى ضد
العراق. واغتنم "شرودر"
الانتخابات ليتعهد بعدم دعم أى حرب ضد بغداد، حتى ولو تمت بتفويض من الأمم
المتحدة.
أما " شيراك
"، المسلح بحق الفيتو فى مجلس الأمن، كان أكثر بلاغة بإعلانه أن أى هجوم على
نظام البعث بدون تفويض لن يحظى بموافقة فرنسا. واستمالت موسكو كل من باريس
وبرلين، لتعبر أيضاً عن رفضها للمخططات الأمريكية. حتى بكين عبرت عن
اعتراضها بحذر محدود. أثارت المبادرات الفرنسية –
الألمانية ردود أفعال ضخمة ورعباً كبيراً فى صفوف المعلقين الدبلوماسيين.
من هنا، كان التصدع المؤكد وغير المسبوق فى حلف الأطلنطى. ماذا كان يمكن
أن تنتهى إليه الوحدة الأوروبية، والناتو، والمجتمع الدولى برمته، إذا أما
أستمر هذا الانقسام الخطير؟ وماذا سيكون مصير المفهوم الحقيقى الذى يستمد منه
الغرب القدرة على البقاء؟ لكن سرعان ما هدأت هذه المخاوف. بمجرد أن أضاءت
صواريخ "توماهوك" سماء
بغداد، وسقط أول ضحايا من المدنيين العراقيين على يد المارينز، اندفع "شيراك"
ليبرر سماح فرنسا بمرور القاذفات الأمريكية فى المجال الجوى الفرنسى فى
طريقها لقصف العراق (وهو ما لم يسمح به فى ظل رئاسة شيراك السابقة للوزارة،
حينما قام ريجان بشن هجوم عسكرى ضد ليبيا )، وأعرب شيراك عن أمله فى إحراز
القوات الأمريكية " نجاحاً سريعاً " ضد العراق. كما أعلن الجيفة الألمانية
"جوشكا فيشر"
وزير الخارجية الذى ينتمى لحزب الخضر، أعلن أن حكومته تأمل ببالغ الصدق
والإخلاص فى "الانهيار السريع" للمقاومة العراقية ضد الهجوم الأنجلو
– أمريكى. أما " بوتن “، الذى
يكره أن يتفوقوا عليه، قال لأبناء بلده " أن روسيا، لأسباب اقتصادية وسياسية
“، تأمل فى أن تحقق الولايات المتحدة انتصارا حاسماً فى العراق. وهو تصرف
لم تكن أحزاب الأممية الثانية نفسها تسلك أفضل منه.
فى مكان آخر،
كان المشهد شبيه تماماً. ففى اليابان ، كان رئيس الوزراء " كويزومى " أسرع
من نظرائه الأوروبيين فى الإعلان عن دعمه للعدوان الأنجلو
– أمريكى ، والالتزام بتقديم دعم
سخى على حساب دافعى الضرائب اليابانيين للمساعدة فى تمويل الاحتلال. أما
الرئيس رومو – هيون، رئيس
كوريا الجنوبية، المنتخب حديثاً على أساس الآمال العريضة لشباب بلاده فى أن
ينتهج سياسات راديكالية مستقلة، فقد الحق العار والخزى بنفسه حينما وافق على
الفور على الحرب الأمريكية فى الشرق الأوسط، فضلاً عن انه أبدى استعداده على
المشاركة فيها بقواته إلى جانب القوات الأمريكية، على نحو ما فعل الديكتاتور
" تشانج هى" السيئ السمعة خلال حرب فيتنام. إذا كان ذلك موقف الرئيس الجديد
فى سيول، فإن " بيونج يانج " تبذل ما فى وسعها لتعد قواتها العسكرية لتكون
جاهزة ضد أى مغامرة، شبيهة بعملية غزو العراق، فى شبه الجزيرة الكورية.
وفى أمريكا
اللاتينية، حصر نظام حكم حزب العمال فى البرازيل نفسه فى القمة بمعدل الكلام
لتملق الرجعية، بينما أبرق الرئيس الإشتراكى التشيلى " ريكاردو لاجوس "
– الرئيس الضعيف واللزج
حتى بمقاييس الاشتراكية الديمقراطية فى البلدان الواقعة جنوب خط الاستواء فى
أمريكا اللاتينية – أبرق
إلى سفيره فى الأمم المتحدة، ليعلن عدم مسئوليته وإنكاره لكلمات " الإدانة "
التى صرح بها بعض الصحفيين، وأصدر تصحيح رسمى مباشر بأن: أن شيلى لم تشجب ولم
تدين، لكنها فقط " تأسف " للغزو لأنجلو - أمريكى للعراق.
أما فى الشرق
الأوسط، فإن الرياء والنفاق والتواطؤ هو المشهد الأكثر ألفة. ولكن، رغم
المعارضة الكاسحة للرأى العام العربى ضد غزو العراق، لم تعجز
الانظمة العميلة والتابعة
عن أداء المطلوب منها حتى تتمكن
من صرف رواتب العاملين. ففى مصر، أعطيت حرية المرور للأسطول البحرى
الأمريكى فى قناة السويس، وحق الطيران العسكرى فى اختراق المجال الجوى، بينما
قام البوليس بضرب المعارضين للحرب واعتقال المئات منهم.
ودعت المملكة
السعودية صواريخ كروز إلى منطقتها، كما دعت القيادة المركزية الأمريكية للعمل
انطلاقا من الأراضى السعودية بشكل دائم. كما أصبحت الإمارات العربية ملحقة
عسكرية بواشنطن. أما الأردن، التى كانت قد اتخذت موقفاً محايداً، بهذا
القدر أو ذاك، خلال حرب الخليج الأولى، قدمت هذه
المرة الإمدادات للقوات الأمريكية الخاصة عبر الحدود الأردنية العراقية.
ومثلما يستبد الملالى الإيرانيون بشعبهم، يمارسون
الغباء والحمق خارج بلادهم، ويشاركون فى عمليات المخابرات المركزية الأمريكية
على غرار النموذج الأفغانى. وتفوقت جامعة الدول العربية على نفسها
باعتبارها تعبيراً جماعياً عن الاستخذاء، معلنة معارضتها للحرب بينما غالبية
الدول الأعضاء فيها يشاركون فى الحرب.
لم يتكشف "
المجتمع الدولى " بوضوح مثلما ظهر فى هذا المظهر الكئيب والموحش
– اقرأ: الهيمنة الكوكبية
الأمريكية. على العكس من هذه الخلفية العامة من التستر على الجريمة
والتضليل والخداع، برزت مقاومة حقيقية، وأن كانت محدودة، بل وشديدة
المحدودية.
فكان البرلمان
التركى هو الهيئة المنتخبة الوحيدة التى سعت فعلاً لوقف الحرب إلا أن نظام
حزب العدالة المنتخب حديثاً لم يكن أفضل حالاً من نظرائه فى أى مكان آخر،
وساوم "بيجين" من أجل الحصول على أكبر رشوة مقابل استخدام تركيا كنقطة انطلاق
للهجوم البرى الأمريكى على شمال العراق. لكن الضغوط الجماهيرية الواسعة،
واستنفاد الكبرياء القومى، والإحساس بوخز الضمير، أيقظ الكثير من أعضاء الحزب
الحاكم ودفعهم للتصدى لهذه الصفقة، وإرباك خطط البنتاجون. وإذا كانت حكومة
أنقرة قد أسرعت بفتح مجالها الجوى للصواريخ الأمريكية ولإسقاط قوات مظلية
أمريكية، فإن البرلمان التركى تحدى حكومته ودعاها لعدم الاستجابة للطلبات
الأمريكية، وغير سير الحرب، على عكس الإيماءات الأوروبية التى كانت بلا قيمة،
وتفجرت فى الهواء فور اندلاع المعارك. وفى أاندونيسيا، جذبت ميجاواتى
الانتباه بشده بدعوتها لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لإدانة الحملة الأنجلو
– أمريكية، وبالطبع، كانت
هذه الدعوة بعد أشهر من التهديدات الجوفاء من جانب باريس، وبرلين، وعواصم
أخرى، حول حرمة وقدسية سلطات الأمم المتحدة، ولذلك كانت الإجابة هى الصمت
المطبق. وفى ماليزيا، لم تكن المرة الأولى التى يحطم فيها " مهاتير "
المحاذير الدبلوماسية، ويطالب بإقالة " كوفى عنان " من منصبه لأنه يلعب دور
الخادم المطيع للعدوانية الأمريكية، يدرك هؤلاء السياسيون أكثر من غيرهم فى
العالم الثالث أن الإمبراطورية الأمريكية كانت تستخدم ترسانتها العسكرية
الضخمة لتلقين الجنوب درساً لإرهابه والسيطرة عليه.
أعراض الخيانة الوطنية:
كان التخطيط
للحرب على العراق قد بدأ فى الوقت الذى تم فيه التخطيط للحرب ضد يوغوسلافيا
وأفغانستان. فمن الواضح أن السياسيين والجنرالات العسكريين فى واشنطن ولندن
كانوا يأملون فى أن يكون نموذج كوسوفو –
كابول نموذجاً لأبد من تكراره: قذف جوى مكثف يجبر الخصم على الركوع بدون
اللجوء إلى معارك على الأرض قد تكون أشد خطورة. ( نيويورك تايمز، 2 مارس
2003 ) فى كل هذه الحالات لم تكن هناك مقاومة حقيقية، يمكن إنجاز المهمة
فقط باستخدام قاذفات القنابل والسفن الحربية. ولكن، لضمان نتيجة حقيقية كان
لأبد أيضاً من " حلفاء " لا غنى عنهم من داخل الأنظمة المستهدفة. ففى
البلقان، كان هناك بوليس "يلتسين" السرى، الذى دعا ميلوسيفيك لوضع رأسه فى
المشنقة الأمريكية وذلك بسحب قواته، سليمة لم تمس، من حصونها فى كوسوفو.
وفى أفغانستان، كان هناك " مشرف " الذى تكفل بضمان أن تختفى القوات الأساسية
لطالبان ومستشاريهم من الباكستانيين، فور بدء عملية التحرير. لكن، من
البلدين، كان هناك أنصار خارجيين تعتمد عليهم النظم المحلية، لكنهم بدلاً من
أن يحموها سحبوا البساط من تحت أقدامها.
لكن ،
ديكتاتورية البعث فى العراق كانت دائما أكثر قسوة وأكثر مرونة فى بنيتها.
وحصلت على دعماً دبلوماسياً وعسكرياً متنوعاً من الخارج، فى مراحل مختلفة من
تطورها ( شملت بالطبع، دعماً من الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا من روسيا
)، لكنها لم تعد تعتمد عليها. ومع ذلك، وعلى الرغم من ثقة واشنطن من أن
كبار قادة حزب البعث لابد وأن يكونوا سريع الانكسار وقابلين للرشوة، فقد
حاولت بإلحاح تحريض الجنرالات العراقيين على التخلى عن القيام بواجباتهم، أو
نزع ملابسهم العسكرية، أو اغتيال " صدام حسين " نفسه. وبمجرد التأكد من
فشكل كل هذه المحاولات، لم يكن أمام البنتاجون خياراً سوى شن هجوم عسكرى برى
بشكل تقليدى. حيث تعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية للإمبراطورية
الأمريكية يقتضى، منع قيام تمرد داخل الولايات المتحدة أو منع انتشار
الانتفاضة إلى أرجاء العالم العربى، وذلك من خلال الاندفاع نحو الاحتلال
العسكرى للعراق. لكن، ما لم تتوقعه الولايات المتحدة على الإطلاق هو
النتيجة السياسية لهذا العمل العسكرى الضخم.
فقد كشفت
الإحداث، أن القوات المسلحة العراقية لم تنهار مع الضربة الأولى، كما لم تكن
هناك دلائل على الامتنان الشعبي الواسع بقوات الغزو، بل على العكس من ذلك
كانت هناك مقاومة وغضباً شعبياً واسعاً فى العالم العربى، بينما راح المدنيون
ضحية للصواريخ ومدافع الهاون وغارات القذف الجوى. وبشكل مؤقت، نجحت القوات
" الصليبية " فى جعل " صدام حسين " بطلاً قومياً، رفع المتظاهرون صورة فى
عمان وغزة والقاهرة وصنعاء. فى وقت كتب فيه أن المستشفيات فى بغداد مكتظة
بالجرحى والموتى، بينما تواجه المدينة الدبابات الأمريكية. ويعلن كولونيل
أمريكى، وهو يعاين العاصمة المحطمة ويتقمص روح أى قائد دبابات المانى من قادة
عام 1940، ويعلن قائلا: نحن نسيطر عليها تماماً. ( لوس انجليس تايمز، 7
ابريل 2003، المقارنة مع الحملة العسكرية الكاسحة التى شنها " هتلر" فى عام
1940 التى يعقدها القادة الداعون للحرب دونما الإحساس بوخز الضمير). أنظر
ماكس بوت فى الفينانشيال تايمز 2 إبريل، "قاتل الفرنسيون قوة عام 1940 فى
البداية، لكن التقدم الألمانى السريع أدى بهم إلى الانهيار الشامل. نفس الشئ
سوف يحدث فى العراق". ما حدث فى فرنسا بعد عام 1940 قد يدفع هؤلاء
المتحمسين للتردد.
بالإضافة
لطوابير المدرعات، يمتلك البنتاجون نظاماً للاحتلال، يقوده الجنرال الأمريكى
السابق " جاى جار نر"، تاجر السلاح ذو العلاقات الوثيقة مع اللوبى الصهيونى
فى أمريكا، بالتعاون مع خونة ودجالين ومحتالين متنوعين من أمثال " احمد جلبى
" و " كانان ماكيا“، يعملون معاً لإقامة نظام للصهر. ولن يخلف السلطات
الأمريكية فى العراق سوى نظاماً رجعياً محافظاً، حتى ولو جاء عبر انتخابات،
ومجلس تشريعي، وما إلى ذلك، وكذلك، إقامة " حكومة انتقالية “، تتولى القيام
ببيع الثروات العراقية. ومع ذلك، فسوف تتلاشى أية أوهام بان ذلك سيتم بسلام
أو سلاسة. وستكون هناك حاجة ماسة للقمع الشديد فى التعامل، ليس فقط مع
الآلاف من ميليشيات العبث والموالين له، ولكن أيضاً فى التعامل مع الوطنيين
العراقيين من أى نوع، بصرف النظر عن الحديث عن ضرورات حماية المتعاونين مع
الاحتلال من انتقام القوميين.
دفع الافتقار
إلى أى ترحيب تلقائى من جانب الشيعة، والمقاومة الضارية للقوات غير النظامية،
دفع إلى القول بأن العراقيين " شعباً مريضاً، يحتاج إلى الحماية قبل أن يتمكن
من الائتمان على مصيره، هذا الخط روج له " دافيد آرونوفيتش " كاتب العمود فى
الإوبزرفر البريطانية، البليرى الهوى والتوجه. فضلاً عن " جورج ميللون “،
الذى كتب محذراً فى " وول ستريت جورنال “، يقول:
أن العراق لن يشفى بسهولة من إرهاب صدام حسين “، " بعد
ثلاثة عقود من الحكم الدموى، يبقى العراق مجتمعاً مريضاً بشدة ". وأكد "
ميللون " أن بناء " مجتمع منظم " وإعادة تنشيط ( خصخصة ) الاقتصاد سوف
يستغرق زمناً. وفى صدر صفحات " الساندى تايمز “، كتب " مارك فرانشيتى "
نقلاً عن العريف " ريان دوبر " قوله " أن العراقيين شعب مريض ونحن نتولى
علاجه. وسنبقى حتى على زمام الأمور فى العراق. وإن كنت قد بدأت أكره
هذا البلد. ولا أريد أن أقبض على أحد العراقيين، لكنى سوف أتولى قتله
بمجرد الإمساك به. .
ويواصل
التقرير المنشور فى صحيفة " فلاجشيب " التى يمتلكها " ميردوخ
“، يواصل الحديث عن الكيفية التى قامت بها وحدة هذا العريف بقتل العديد من
المدنيين العراقيين فى اليوم التالى. ( سانداى تايمز، 30 مارس 2003 ).
لاشك أن نظرية
" المجتمع المريض " ستواجه المزيد من التعقيدات، لكن من الواضح أن هذه
الذرائع ضرورية لتبرير ما يحدث فى جوانتانامو وغزة والمناطق التى أعيد
احتلالها مجدداً.
الأمم المتحدة الأمريكية:
بالطبع، ستكون
هناك طلبات من الحكومات الأوروبية للأمم المتحدة للسيطرة على البلدان التى
احتلتها القوات الأمريكية، وهو الأمر الذى سوف يؤيده " بلير لأسباب تخصه، وفى
هذا الإطار، يستخدم لغة أكثر مداهنة من " بوش " وسيتردد الكثير من الكلام عن
تحسين الأوضاع الإنسانية، والحاجة الملحة لتخفيف المعاناة عن المدنيين
والحاجة " للتعاون مرة أخرى " مع المجتمع الدولى. وطالما ليست هناك قوة
حقيقية تجبر الولايات المتحدة على التراجع، فإنها تملك كل الوسائل التى
تمكنها تكريس الأمر الواقع وحماية مغانمها من العدوان بواسطة الأمم المتحدة،
كما هو الحال فى كوسوفو. فالصراع الخفى الذى دار فى مجلس الآمن على مدى عدة
أشهر، لم يكلف الولايات المتحدة الكثير، بل راحت خلاله، وعلى مرأى من الجميع
وبمعرفتهم، تستعد لغزو العراق من خلال نقل الجنود وإحتياجاتهم إلى أرض
المعركة. وبمجرد حصولها على القرار 1441، الذى صدر بالإجماع من مجلس الأمن،
بما فى ذلك موافقة فرنسا، وروسيا، والصين، فضلاً عن سوريا
– ولم يكن هذا القرار أكثر من
ديكور. لدرجة أن " جين ديفيد ليفيت “، السفير الفرنسى فى واشنطن، دعا
الولايات المتحدة لعدم السعى من أجل استصدار قرار ثان من مجلس الأمن، وصرح
للفاينانشيال تايمز فى 26 مارس 2003 قائلاً: قبل أسابيع من وضع القضية على
جدول الأعمال، ذهبت إلى وزارة الخارجية والبيت الأبيض وقلت لهم: " لانفعلوا
ذلك. . لستم فى حاجة له".
بالطبع، كان
النفاق فى لندن أكثر من العناد فى واشنطن، هما المسئولون عن دفع العالم
لمهزلة السعى من أجل "تفويض " آخر من الأمم المتحدة، لكنه لم يلقى النجاح.
لكن نصيحة " ليفيت " تلقى الضوء على الطبيعة الحقيقية للأمم المتحدة التى
أصبحت أحد أدوات السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة. كان صرف "
بطرس غالى " من منصبه كسكرتير عام للأمم المتحدة هو نقطة الانعطاف فى هذا
التحول، على الرغم من أن تصويت كل أعضاء مجلس الأمن كان لصالحه، باستثناء
الولايات المتحدة، وذلك لأنه تجرأ على انتقاد الحشود العسكرية الغربية فى
البوسنة على حساب المآسى الأكثر أتساعا فى أفريقيا. وبمجرد أن تولى كوفى
عنان المنصب خلفاً لبطرس غالى بأمر من واشنطن –
مكافأة لعنان على مساعدة إدارة كلينتون على حرف المساعدات والانتباه عن
المجازر الإنسانية فى رواندا –
بمجرد ذلك، أصبحت الأمم المتحدة فى قبضة أمريكا.
ليعنى ذلك أن
الأمم المتحدة يمكن الاعتماد عليها فى تنفيذ الإدارة الأمريكية فى كل قضية.
فقد تعجز عن تحقيق ذلك. كما أنها ليست مطلوب منها ذلك، فكل ما هو مطلوب
منها – ومتاح بشكل ثابت
– هو انصياع الأمم المتحدة
للرغبات الأمريكية، وإقرار الأفعال الأمريكية بعد حدوثها بشكل روتيني.
الشيء الوحيد الذى يجب أن تفعل هو أن تدين أو أن تحول دون تنفيذ الإدارة
الأمريكية. فترى إحدى وجهات النظر أن الهجوم على العراق، ومن قبله الهجوم
على يوغوسلافيا، بشكل انتهاكا وقحاً لميثاق الأمم المتحدة.
ومع ذلك لم
تجرؤ أى من الدول الأعضاء فى مجلس الأمن على الدعوة لعقد اجتماع طارئ لمناقشة
هذا الموضوع، ناهيك عن التحرك من أجل إصدار قرار لإدانة الحرب. بمعنى أخر،
تبدى هذا الرياء بشكل واضح، فى الحصار العدواني الذى فرضه الأمم المتحدة على
العراق منذ حرب الخليج والذى تسبب فى موت مئات الآلاف فى العراق ليضيفهم إلى
ضحايا مجلس الأمن الذين ماتوا فى رواندا، وكان الضحايا فى الحالتين نتيجة
لخضوع الأمم المتحدة لتعليمات الولايات المتحدة.
أن طلب
الولايات المتحدة الحصول على تفويض من الأمم المتحدة يبدو طبيعياً تماماً مثل
انتظار الخادم لتلبية طلبات سيده.
لا تعنى
الإشارة إلى هذه الحقائق الواضحة، تجاهل الانقسام المتزايد فى داخل " المجتمع
الدولى " حول الحرب فى العراق. فحينما قررت إدارة كلينتون شن هجوماً على
يوغوسلافيا، لم تكن تضمن الحصول على تفويض من مجلس الأمن بسبب عدم تحمس
روسيا، فضلاً عن قيامها بهذا الهجوم من خلال الناتو، اعتقادها الصحيح بأن
موسكو سوف تلحق بالقطار فى وقت لاحق، وأن الأمم المتحدة ستقر الحرب بمجرد
نشوبها. أما فى هذه الحالة ( حالة غزو العراق ) فالناتو نفسه منقسم، ولا
يمكن أن يستخدم كبديل. لكن من الحق افتراضا أن النتيجة سوف تكون شديدة
الاختلاف. تلك هى المرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة التى تشهد خلافاً
بين الإتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية، يشق الرأى العام، ويظهر
على شاشات التليفزيون ويساعد على استقطاب الرأى العام على جانبى الأطلنطى.
لكن الذاكرة الصحفية القريبة لا يمكن أن تنسى الجدل الأكثر عنفاً الذى انفجر
أثناء الحرب الباردة، حول مغامرة شهدتها نفس المنطقة. ففى عام 1956، شنت
إنجلترا وفرنسا حملة " منفردة “، بالتواطؤ مع إسرائيل، فى محاولة لتغيير
النظام فى مصر، أثارت غضب الولايات المتحدة الأمريكية، التى لم تستشر مسبقاً،
وخافت من أن تؤدى هذه المغامرة إلى فتح أبواب الشرق الأوسط أمام النفوذ
الشيوعي. وحينما هدد الإتحاد السوفيتي باستخدام الصواريخ لدعم " عبد الناصر
“، وجه " ايزنهاور " أمراً لبريطانيا بالانسحاب من مصر أو فرض عقوبات
اقتصادية قاسية ضدها، وهكذا تم التخلى عن العدوان الثلاثي وتراجعه. أما
الآن فقد انعكست الأدوار بشكل واسع، حيث تعترض فرنسا وألمانيا على الحملة
الأمريكية، التى تشارك فيها بريطانيا، وقامت بدور الكلب المهاجم فى
الحالتين.
لاشك، أن أحد
أوجه الاختلاف، هو غياب الإتحاد السوفيتي من الحسابات العدوانية الراهنة،
والاعتماد على القوة الأمريكية. وليست الأوروبية الساحقة. ورغم ذلك فإن
دروس 1956 لم تفقد أهميتها فى هذا الشأن. فالخلافات الدولية الحارة تنسجم
تماماً مع قاعدة وحدة المصالح بين القوى الرأسمالية الرئيسية، حيث أكدت هذه
القاعدة فاعليتها على نحو سريع. فقد شجع إخفاق حملة السويس عام 1956، شجع
فرنسا على توقيع معاهدة روما الخاصة بتأسيس " الجماعة الاقتصادية الأوروبية
“، التى اعتبرت إلى حد ما كقوة مقابلة للولايات المتحدة الأمريكية، لكن
الولايات المتحدة نفسها دعمت قيام الجماعة الأوروبية، الذى يتوسع الآن فى
خدمة أهدافها الراهنة، بينما النخبة الفرنسية الحاكمة أصبحت تدرك ذلك بصعوبة،
ومع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً تجاهه.
ومن المحتمل
أن تبقى المشاعر الرديئة والعدوانية بين واشنطن وبين كل من باريس وبرلين بعد
الخلاف العلنى الذى تفجر فى الأشهر الماضية ، حتى ولو جاهدت كل الأطراف
المعنية بوضع هذا الخلاف ظهورهم ، على نحو ما نتوقع ، ففى داخل الإتحاد
الأوروبي نفسه ، تقوم بريطانيا بمساندة ودعم أمريكا ضد ألمانيا وفرنسا ، وإن
كانت تزعم أنها تقوم بدور الوسيط بينهما ، وهو ما يؤكد مرة أخرى دور بريطانيا
كحصان طروادة داخل الجماعة الأوروبية. من ناحية أخرى فقد ولت أيام معارضة "
ديجول " للولايات المتحدة الأمريكية. وسيتبادل " شيراك " و"بلير " القبلات
ويسود الخلافات فيما بينهما.
ما العمل ؟
بالطبع، من
غير المجدى تعليق الأمل على الأمم المتحدة أو أوروبا، إذا ما تجاوزنا عن ذكر
روسيا والصين، فمن يحول دون المخططات الأمريكية فى الشرق الأوسط، من أين تبدأ
المقاومة ؟ بالطبع، لأبد وأن تبدأ المقاومة من داخل المنطقة نفسها. فى هذا
الإطار، من المأمول أن يرحل الغزاة فى النهاية من العراق نتيجة لتنامى رد
الفعل القومى ضد نظام الاحتلال الذى أقامه الغزاة، وإن المتعاونين مع
الاحتلال قد يلقوا المصير أن انتهى إليه " نورى السعيد " من قبلهم. عاجلاً
أو آجلاً، فإن حلقة الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المحيطة بالعراق سوف تنهار.
فى الوقت
نفسه، وفى وطن الإمبريالية ذاتها، استمدت المعارضة للنظام الحاكم جوهرها
وطبيعتها من تجارب الماضى الأمريكى. ففى السنوات الختامية للقرن التاسع
عشر، " ‘صدم " مارك توين " بردود الأفعال السوفيتية لتمرد البوكسر فى الصين،
وضد الاستيلاء الأمريكى على الفلبين، التى أشارت إلى الخطر.
وأعلن " توين
" أن الإمبريالية تجد من يعارضها. وفى 1899 أسس المجلس التشريعي فى شيكاغو
ما عرف بالعصبة الأمريكية ضد الإمبريالية ونمت عضويته فى غضون عامين لأكثر من
نصف مليون، وكان من بين أعضاءه " ويليام جيمس “، و " دبيو. إي. بي. دابيوس
" ، و " ويليام دين هاويلز " و " جون ديوى ". واليوم، حينما أصبحت الولايات
المتحدة القوة الإمبريالية الوحيدة، فإن الحاجة ماسة لتشكيل عصبة عالمية
لمناهضة الإمبريالية، لكن الوجود الأمريكى فى هذه الجبهة يجب أن يكون
حاسماً. إن أكثر أشكال المقاومة فاعليه هى تلك التى تبدأ فى داخل أمريكا.
حيث يعلمنا تاريخ صعود الإمبراطوريات وسقوطها أن مواطنيها حينما ييأسون من
الحروب التى لا تنتهى ومن الاحتلال الدائم والمستمر، فإن هذه الإمبراطورية
تكون قد دخلت عصر التراجع والتردي والأموال.
حتى الآن، كان
المنتدى الاجتماعى العالمي، ولا يزال يحتشد فى مواجهة نفوذ الشركات المتعددة
القوميات وضد مؤسسات الليبرالية الجديدة. لكن ذلك كان يعتمد على مؤسسات
القوة الإمبريالية. كان " فريدريك فون هايك " هو الأب الروحي " لإجماع
واشنطن، يعتقد أن الحروب هى دعائم النظام الجديد، وفى هذا الإطار، دافع عن
قذف إيران بالقنابل عام 1979 و الأرجنتين عام 1982. الآن، يجب على المنتدى
الاجتماعى العالمي أن يواجه التحدي. لماذا لا يشن المنتدى حملة من آجل
إغلاق كل القواعد والتسهيلات العسكرية الأمريكية فى الخارج
– فى أكثر من مائة بلد، توجد فيها
الآن قواعد للقوات الأمريكية أو مطارات أو مخازن للسلاح ؟ ماذا يمكن أن يبرر
هذا التوسع الإخطبوطى
سوى اختبار القوة الأمريكية؟
إن الاهتمامات
الاقتصادية للمنتدى لا تتناقض مع هذا التوسع فى جدول أعماله. فالصراعات
الاقتصادية تعبر عن نفسها بشكل مركز فى فالصراعات السياسية، كما أن الحرب
تشكل استمرارا لكل من الصراعات الاقتصادية والسياسية ولكن بأساليب مختلفة.
منذ فترة
قصيرة، أحاط بنا السياسيون، والمنتقدون، ورجال الدين، والمثقفون، يعرضون
إجماعهم، فى المطبوعات أو عبر الأثير، على رفضهم الشديد للحرب، ويؤكدون فى
الوقت نفسه أن أفضل سبيل الآن للتعبير عن حبهم للإنسانية هو الدعوة لتحقيق
انتصار أمريكي سريع فى الحرب، حتى لا يتعرض العراقيون لمعاناة لا طائل من
وراءها.
هؤلاء، لم
يرفضوا نظام العقوبات، وما صاحبه من غارات أسبوعية تشنها القوات الأنجلو
أمريكية، زادت من بؤس الشعب العراقي على مدار الأعوام
12 الماضية. الشيء الوحيد
الجدير بالاهتمام فى هذا الكورس المقزز، هو إثارتهم لقضية ما يجب فعله
لمقاومة احتلال العراق.
إن المهمات
المباشرة التى تواجه أى حركة مناهضة للإمبريالية هى دعم المقاومة العراقية
ومساندتها فى مواجهة الاحتلال الأنجلو –
أمريكى، ومعارضة أى برنامج يمنح الأمم المتحدة فى العراق
صفة الغطاء على الغزو وتقديم خدمات ما بعد البيع لكل من واشنطن ولندن.
دعوا
المعتدين يدفعون ثمن طموحاتهم
الإمبريالية. ولابد
من تعرية محاولات تجميل استعمار العراق بإضفاء مظهر الانتداب من جانب عصبة
الأمم الجديدة عليه، على نحو ما كانت تفعل عصبة الأمم فى عشرينيات القرن
الماضى. وإذا كان "بلير"
يلعب دور المحرك الرئيسى فى هذا الاتجاه، فأنه سوف يجد من يؤيده من خارج
أوروبا فى هذا الشأن. بدأت هذه الحملة القذرة فى قنوات "ميردوخ"
التليفزيونية، وفى "BBC" و
"CNN"، بإثارة الأمل فى
استعادة شمل الغرب.
وإذا كان
القطاع الواسع من الرأى العام الرسمى فى أوروبا، وقطاعات أكثر اتساعا فى
الولايات المتحدة، يائسة من البدء فى عملية إزالة أثار" الصراعات التى ولدتها
الحرب.
إلا أن
الرد الوحيد الممكن هو الشعار الذى رددته شوارع سان فرانسيسكو فى الربيع
الماضى: "لا لحربكم ولا لسلامكم".
|