فيما يلى نص التقرير الافتتاحى للمؤتمر
المشترك لموقع الاشتراكية الدولية وحزب المساواة الاشتراكى حول "
الاشتراكية والصراع ضد الإمبريالية والحرب " الذى ألقاه ديفيد نورث فى 29
مارس فى " آن اربور " ، بولاية ميتشيجان الأمريكية . ديفيد نورث رئيس
هيئة التحرير الدولية لموقع الاشتراكية الدولية على شبكة الانترنت ،
والسكرتير القومى لحزب المساواة الاشتراكى فى الولايات المتحدة الأمريكية
.
فى إطار
تقييم الأيام العشرة الأولى من " حرب الصفوة " التى تشنها حكومة الولايات
المتحدة الأمريكية ضد العراق ، تذكرت العناوين الفرعية لكتاب المؤرخ
البريطانى " إيان كيرشاد " المكون من جزأين عن سيرة حياة "أدولف هتلر" .
كان
العنوان الفرعى للجزء الأول من الكتاب، الذى يتابع تقدم الزعيم الفاشى فى
مجال استعادة القوات الألمانية بنجاح لأراضى الراين الخاضعة للإدارة المدنية
عام 1936، كان عنوانه الفرعى "العجرفة" ، التى يعرفها الكاتب باعتبارها :
التكبر والزهو المفرط بالنفس الذى يفضى إلى كارثة"، ويتتبع الجزء الثانى من
السيرة آثار الانتقال إلى الكارثة التى ابتلعت "هتلر" و "الرايخ"
الألمانى فى عامه الألف، ويضعه تحت عنوان فرعى
"نيمسيس
- آلهة الانتقام عند الإغريق"، بعد أن أنزلت
آلهة
الانتقام اليونانية العقاب اللازم به نتيجة لحماقة العجرفة .
فى الأشهر
السابقة على غزو العراق ، لم تعرف عجرفة إدارة " بوش " الحدود . كان الاندفاع
نحو تحقير وتهديد أى شخص يجرؤ على التساؤل عن أحقية الولايات المتحدة فى
إملاء أوامرها على العالم ، وكان " بوش " ومساعدوه يتوعدون بتلقين العراق أو
أى دولة أخرى درسا لا ينسى . لكن الأمور لم تسير وفقا لتوقعات الإدارة
الأمريكية . خلال فترة الحرب الفيتنامية ، منذ أربعة عقود مضت ، استلزم الأمر
عدة سنوات قبل أن تفتضح المغالطات الفادحة التى قامت عليها الاستراتيجية
السياسية والعسكرية للتدخل الأمريكى ، بينما فى هذه الحرب ، يتبدى الافتقار
إلى مشروع كامل منذ الأسبوع الأول للتدخل العسكرى فى العراق .
على مدى عشرة
أيام من الحرب ، تلقى الصلف والغرور واليقين المطلق فى أمريكا التى لا تقهر،
هذا اليقين الذى دعمته وألحت عليه وسائل الإعلام ، تلقى صفعة مذهلة . وفجأة
بدا " دونالد رامسفيلد" كعجوز أشعث ومخبول ، تلطخ الحلوى شفته .
ماذا يتبقى
من نبوءات الإدارة الأمريكية ، والخبراء العسكريين ووسائل الإعلام بأنه فى
خلال الساعات الأولى من الحرب ، سيكون النظام العراقى فى عزلة تامة وسينهار ؟
.. وأن القوات العراقية لن تكون قادرة على القتال ؟ وأن قذف مراكز " القيادة
والتحكم " سوف يشل قدرة العراق على شن أية عمليات عسكرية ذات شأن ؟ والأهم من
كل ذلك ، أن القوات الأمريكية والبريطانية سوف تكون موضع ترحيب باعتبارها
قوات المخلصين والمحررين .
قبل الحرب ،
كتب " كينيث أدلمان" ، أحد
الاستراتيجيين فى الجناح اليمينى الذين شجعوا على غزو
العراق على مدار العقد الماضى ، كتب فى " الواشنطن بوست " يقول : "
أعتقد أن
تدمير القوة العسكرية لصدام حسين وتحرير العراق سوف تكون عملية غاية فى
السهولة أشبه بالرقص" كما أعلن "ريتشارد بيرل"، أحد القيادات التى تحرض
على الحرب ، أعلن فى
MSNBC
: "
قد تكون هناك جيوب للمقاومة ،
لكن قليل جدا من العراقيين سيقاتلون دفاعا عن صدام حسين
" .
وروجت وسائل الإعلام هذه الادعاءات بلا أية تحفظات .
وبعثت بأشهر مراسليها للكويت ، ليكونوا مطوقين بإحكام من جانب القوات
الأمريكية أو ( ليناموا إلى جوارها )
.
وليبتهجوا جميعا بالمشاركة فى مشاهدة الانتصار العظيم
بالوصول إلى
بغداد .
لم تكن هناك
تقارير انتقادية ، ولكن فقط كانت هناك ادعاءات وتصريحات إدارة " بوش " .
حيث
شهد العام الماضى انحطاط المؤسسة الإعلامية ، التى لم تكن أكثر من بوق لترديد
دعاية البيت الأبيض والبنتاجون .
ولم تسعى لأن تميز بين الحقيقة وبين الزيف
والكذب . ورحبت وسائل الإعلام بسعادة بأن تكون أداة تلعب دورا كبيرا للعمليات
النفسية العسكرية .
دعونا نسترجع مجددا نماذج قليلة من الحكايات التى أذاعتها
شبكات
CNN
،
MSNBC
،
FOX
، وغيرهم من الشبكات ، خلال الأسبوعين الماضيين : منها أن جنرالات الحرس
الجمهورى يجرون مفاوضات عبر الإيميل من أجل الاستسلام ؛ وأن " طارق عزيز"
نائب رئيس الوزراء ، أصيب ؛ و" صدام حسين " ، قتل ؛ وأن القوات الأمريكية
استقبلت بترحيب حين دخولها بغداد ؛ والانتفاضة التى نشبت فى البصرة .
كل هذه
الادعاءات ، الفجة والغبية الصادرة عن البنتاجون ، سلمت بها وأقرتها وسائل
الإعلام ونشرتها كحقائق موضوعية . فى هذا الإطار ، نشرت الواشنطن بوست فى
افتتاحيتها يوم الأحد 23 مارس ، قصة من وحى الخيال عن "
أسر عراقية مع
أطفالهم ... يصطفون على الطرق القريبة من مدينة البصرة الجنوبية ، يعربون عن
ترحيبهم وابتهاجهم بالقوات الأمريكية والبريطانية التى كانت تتحرك صوب الشمال
" . وأدانت الافتتاحية "
الدبلوماسيون المعارضون والمتظاهرون ضد الحرب "
الذين " يغلقون أعينهم عن التهديد الذى يشكله "صدام حسين" و " الإرهاب الذى
يمارسه نظامه " .
وبغطرسة ، تأمر الجريدة أولئك الذين يعارضون الحرب إلى أن
ينظروا للعراقيين الذين يرحبون بالمارينز
"باعتبارهم محررين " ..
أفرطت وسائل
الإعلام فى دعايتها . وتوقعت كل شئ إلا أن تكون هناك مقاومة عراقية . وتصورت
وسائل الإعلام انهيار المقاومة العراقية حتى قبل سيطرة القوات الأمريكية على
23 مليون عراقيا . إن تبعية وسائل الإعلام وخضوعها التام للدولة جعلها غير
مستعدة على الإطلاق لأية صعوبات أو عوائق تعترض طريق الغزاة . والحقيقة ،
أنها استمرت فى خداع نفسها بالأكاذيب حتى عندما واجهت القوات العسكرية
الأمريكية صعوبات اعترضت تقدمها . ولم تذيع وسائل الإعلام فى الأيام الأولى
من الحرب أية معلومات تشير إلى مدى خطأ التغييرات اللوجستية والتكتيكية
والاستراتيجية لإدارة " بوش " .
وتحدثت وسائل الإعلام فى نشوة عن طوابير
القوات والمدرعات التى كانت تتحرك بسرعة فائقة نحو الشمال ، والأرض التى تهتز
تحت وطأة ثقل عجلات الدبابات المتقدمة بلا توقف .
ولكن مع حلول يوم الخميس ،
انهارت المظاهر الكاذبة .
وأصدرت " الواشنطن بوست " تقريرا يكشف القلق
المتزايد فى الأوساط العسكرية بشأن استراتيجية البنتاجون ، قالت فيه : "
إتحد
سوء الأحوال الجوية ، مع طول وعدم القدرة على تأمين خطوط الإمداد . وعدو يرفض
أن ينبطح على وجهه استسلاما للقوات الأمريكية ، اتحدت هذه العوامل لتدفع بعض
من كبار الجنرالات العسكريين الأمريكيين لإعادة تقييم التوقعات السابقة وموقف
القوات . وبلغ الأمر حد أن بعض منهم رأى أن هناك تهديد محتمل بقتال طويل
سيستنزف المزيد من القوات الأمريكية ."
-
(بالأمس 28 مارس ) ، وكما أشارت
المصادر الرسمية ، تحدث القادة العسكريون سواء فى ساحات القتال فى العراق أو
فى غرف التشاور فى البنتاجون ، عن حرب أطول زمنيا ، وأكثر صعوبة مما كانوا
يتوقعونها منذ أسبوع واحد فقط .
فى هذا
الاطار ، قال أحد كبار الضباط بالأمس " لا
نعرف كيف سينتهى ذلك " ...
الآن ، يجبر
البنتاجون على مواجهة الظروف غير المسبوقة الناجمة عن خداعه لنفسه . ويتم
إرسال عشرا الآلاف من القوات الإضافية إلى العراق - ليس فقط لتوفير القوة
البشرية اللازمة لشن هجوم على بغداد ، ولكن أيضا لحماية خطوط الإمداد المفرطة
فى الامتداد والمعرضة لخطر الهجوم بشكل كبير .
باستخفاف
مطلق تطلق إدارة " بوش " على هذه الحرب اسم "
حرب تحرير العراق " . وفى
مواجهة المقاومة الشعبية المتزايدة ، يشير منطق أهداف الغزو ذاته - الاستيلاء
على العراق وتحويله إلى مستعمرة أمريكية - إلى أنه سيؤدى بالولايات المتحدة
إلى ممارسة العنف بشكل متزايد ضد الشعب العراقى . سوف تسعى الولايات المتحدة
" لتحرير " الشعب العراقى بفرض الحصار على بغداد وقذف سكانها بالقنابل
واستعبادهم . ويصرح " بوش " بشكل متكرر أن هذه الحرب لن تكون حربا تتخذ فيها
إجراءات وسطية .
وعلى ذلك ، فإنه إذا لم تسقط حكومة " بوش " ، فإن هذه الحرب ستفضى حتما إلى الانغماس فى القتل والاغتيال والوحشية المفرطة
-
تاريخ الوحشية المفرطة
لوحظ كثيرا
أن مستوى المعارضة الشعبية للحرب يتزايد حتى قبل أن تبدأ الحرب ، بشكل يتجاوز
المعارضة التى كانت قائمة ضد حرب فيتنام ، بل هى الأكبر والأعلى صوتا فى
تاريخ الحركة المناهضة للحرب . وكانت مظاهرات الاحتجاج السابقة على نشوب
الحرب هى الأكبر فى التاريخ . وكانت المظاهرات والتحالفات التى اندلعت يومى 15
و 16 فبراير خلال الأجازة الأسبوعية ، لم يسبق لها مثيل - ليس فقط فى الكم ،
ولكن أيضا من حيث الكيف . فلم تحدث على الإطلاق مثل هذه المعارضة الدولية
للحرب . ولا حتى فى ذروة الحرب العالمية الثانية ، ولا قبيل الحرب العالمية
الأولى عام 1914 ، حيث لم يكن من الممكن تنظيم مثل هذه الحركة الدولية
المناهضة للحرب . تلك الحركة التى شارك فيها الملايين من الناس فى كل أنحاء
الكوكب ، والتى يجب أن تحظى باهتمام موضوعى عميق - والأهم من كل ذلك أنها
نشأت تقريبا بشكل تلقائى .
لأسباب سوف
أحاول شرحها فى جزء لاحق من هذا التقرير ، تشكل هذه المظاهرات الضخمة علامة
على بداية مرحلة جديدة من الصراع ضد الإمبريالية .
هذا ، فضلا عن أنه من
الضرورى فى البداية معرفة أن مظاهرات الاحتجاج الضخمة لن تستطيع وقف الحرب.
ذلك لأن الحركة المناهضة للحرب لكى تصبح قوة
اجتماعية مؤثرة لابد لها أن تحرز
أعلى مستوى من الوعى السياسى .
وتحتاج إلى برنامج ورؤية شاملة لما يمكن أن
يقوم على أساسه نضال جماهيرى ضخم ضد الإمبريالية
الخطيئة
الكبرى التى يمكن أن ترتكب هى الاستخفاف بتماسك النخبة الحاكمة وقدرتها على
ممارسة العنف بلا رحمة . فالطبقة الحاكمة الأمريكية وقواتها المسلحة خصم عنيد
يصعب التغلب عليه . راكمت كل خبرتها التاريخية الواسعة عن الحروب التى لا تعد
ولا تحصى ضد أعداء خارجيين وفى صراعها الضارى ضد المعارضة فى الداخل ، هذه
الخبرات جعلت النخبة الحاكمة تواجه بوحشية مفرطة أية تحديات لمصالحها الطبقية
. فالانتهاك الشامل للقواعد والأسس الديمقراطية من جانب النائب العام
الأمريكى " جون أشكروفت " له سوابق كثيرة فى تاريخ الطبقة الحاكمة الأمريكية
، منها : " غارات البالمر " عامى 1919 و 1920 ؛ مذبحة 1937 الذى تحيا ذكراها
سنويا ؛ المطاردات المكارثية فى الخمسينيات ؛ القمع الدموى لتمردات الجيتو فى
" نيوآرك " ، وديترويت ، ومدن أخرى فى أواخر الستينيات ؛ قتل أربعة طلاب فى
ولاية كينت لاحتجاجهم على حرب فيتنام فى مايو 1970 ؛ مذبحة نزلاء سجن " أتيكا
" فى سبتمبر 1971 ... إتباع كل أساليب القمع التى تتجاوز المحارق لأكثر من 80
رجلا وامرأة وطفل فى " واكو " بتكساس فى أبريل 1993 .
من المناسب
استرجاع تلك الخبرات التاريخية ، ذلك لأن النضال ضد الحرب يجب أن يتأسس على
معرفة مفصلة وعميقة للتطور التاريخى للإمبريالية الأمريكية وللنظام الرأسمالى
العالمى التى تمثل العنصر الأساسى فيه . يمكن فهم الحرب ضد العراق بشكل أفضل
باعتبارها ذروة ونقطة تحول فى عملية تاريخية معقدة وطويلة . وعلى الرغم من أن
إدارة بوش هى بالتأكيد التى حرصت على هذه الحرب ، وتتحمل المسئولية الكاملة
عن نتائجها السياسية والأخلاقية ، إلا أن الإدارة الأمريكية ليست صانعة
التاريخ بقدر ما هى أداة لعمليات موضوعية ، يمكن إدراكها بصعوبة . بالضبط كما
كان الحال عام 1914 بنشوب الحرب العالمية الأولى ، وأيضا عام 1939 بنشوب
الحرب العالمية الثانية ، فقد انفجرت الحرب فى 2003 نتيجة لتصاعد حدة
التناقضات العميقة الجذور فى النظام الرأسمالى العالمى . فى الإطار التاريخى
الأوسع ، مفهوم أن التناقضات التى تؤدى إلى اندلاع هذه الحرب ، فى جوهرها ،
هى نفسها التى أدت إلى نشوب الحروب العالمية السابقة . مرة أخرى ، تندلع
الحرب نتيجة للصراع الأساسى بين السمة الكوكبية للنمو الاقتصادى وبين طبيعة
نظام الدولة القومية المنطوى على مفارقة تاريخية . يشكل مشروع الهيمنة المعلن
من جانب إدارة " بوش " ، والذى يبدو أكثر وضوحا فى وثيقة " استراتيجية الأمن
القومى " فى سبتمبر 2002 ، يشكل محاولة لإخضاع كل مصادر الثروة الضخمة
للاقتصاد العالمى لمتطلبات ومصالح الولايات المتحدة - أو بالدقة - ، لمصالح
النخبة الأمريكية الحاكمة . كل الصراعات الدائرة على حرية الوصول والاستفادة
من مصادر الثروة فيما بين الدول الرأسمالية القومية القائمة ، والذى يشكل
النفط أكثر هذه الثروات أهمية ، لابد من تقرير مصيرها بواسطة الولايات
المتحدة باعتبارها الدولة القومية الرأسمالية الأكثر قوة . وتتخذ القرارات
بشأنها ليس على أساس الحسابات العقلانية للاحتياجات الإنسانية الحقيقية ،
ولكن على أساس الحسابات النفعية لكبار المساهمين فى الشركات العابرة القوميات
التى تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية .
-
الجذور التاريخية للحرب ضد العراق
أطلب مغفرة
المستمعين ، وأستأذنهم فى أننى سأطرح ما يتناقض مع المزاج البرجماتى السائد
الآن فى التفكير الأمريكى - وذلك ، سعيا لفهم ، ولحل ، المشكلات والقضايا
الراهنة من خلال بحث جذورها التاريخية . ولذلك ، ونحن على شفا الذروة الدموية
للإمبريالية الأمريكية ، لابد من مراجعة أصولها وتطورها . والغريب ، أن
العديد من المسئولين فى إدارة " بوش " يستشهدون بهذا التاريخ ، على الرغم من
عدم إدراكهم له . ويأخذ هذا الشكل التأكيد على أن الولايات المتحدة لم تكن
لها على الإطلاق أية طموحات استعمارية ، أو أى شكل من المخططات الخاصة بنهب
الثروات الطبيعية للعراق . وأن أمريكا لا تسعى إلا لتحرير شعب العراق ، وهى
لذلك تضطر للغزو .
لا يوجد بلد
إمبريالي آخر يخفى بإصرار وبنجاح كبير الكثير من أفعاله الهمجية بالحديث عن
المثالية الديمقراطية ، مثلما تفعل الولايات المتحدة . يرجع هذا النجاح
للأصول الثورية للولايات المتحدة . التى نادت لحظة ميلادها بأن الحق فى
الحياة ، والحرية ، والسعى من أجل السعادة حقوق ثابتة غير قابلة للتصرف .
بينما أنكرت هذه الحقوق على ثلاثة ملايين من البشر الذين كانوا يكدحون كعبيد
، هذا التناقض الذى لم يسعى الآباء المؤسسون لأمريكا ولا من خلفوهم إلى
الإشارة له . ولكن ، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تقلبت أقدارها - لضمان
سيطرتها على قارة كاملة - وأدى عدم حل مشكلة القضاء على العبودية إلى تمزق
البلاد وإلى الحرب الأهلية عام 1861 . كان الدفاع عن الوحدة فى ظل قيادة "
أبراهام لنكولن " يعتبر ذو أبعاد ثورية . وتم الإطاحة بالمؤسسات الاقتصادية
للولايات الإحدى عشرة التى انفصلت عن الولايات المتحدة عام 1860 / 1861 ،
والاستيلاء على ممتلكاتها القائمة على العبودية والتى قدرت بحوالى 4 بليون
دولار .
مع ذلك ، فإن
تطور الولايات المتحدة فى أعقاب الحرب الأهلية سار على نحو شديد الاختلاف عما
كان يتصوره " لينكولن " . حيث لم يؤدى القضاء على العبودية والحفاظ على
الوحدة إلى " ميلاد جديد للحرية " ، بل بالأحرى أدى إلى تعزيز الرأسمالية
الصناعية فى شمال القارة الأمريكية وكانت النتيجة الحتمية لتلك العملية
الاقتصادية ، ليست الحكم من أجل الشعب وبواسطة الشعب ، بل من أجل الطبقة
الرأسمالية الجديدة والهيمنة المطلقة للنظام القائم على الربح . وخلال ثلاثين
عاما ، تم تحطيم ما تبقى من المجتمع الأمريكى الأصلى وثقافته ، والذى كان
يقاوم الاستيعاب فى النظام الاقتصادى القائم على الملكية الخاصة للأرض
والصناعة ,. فى الوقت نفسه ، قمعت البوروازية الأمريكية بوحشية النضالات
الكبرى الأولى للطبقة العاملة الناشئة : الإضراب القومى لعمال السكك الحديدية
عام 1877 ، والنضال من أجل ثمانى ساعات عمل يوميا فى ثمانينيات القرن التاسع
عشر ، وإضراب عمال الصلب فى 1892 ، وإضراب عمال " البولمان " عام 1894 ، ولم
تكن تلك سوى أكثر انفجارات الصراع الطبقى شهرة . أدى التوحيد القومى
للرأسمالية الأمريكية إلى تهيئة الظروف للدخول فى مرحلة التوسع الخارجى . حيث
تشير نشوب الحرب الأسبانية - الأمريكية عام 1898 إلى بداية بزوغ أمريكا كقوة
إمبريالية . احتفلت الولايات المتحدة بانتصارها على أسبانيا ، برغم أن هذا
الانتصار تحقق لرسالة أمريكا الخاصة بتحرير الشعوب المضطهدة ، والتى يجب أن
تمتد إلى كوبا وبورتريكو فى الكاريبى وإلى الفلبين فى الأطلنطى . استلزم "
تحرير " شعوب مجموعة جزر الأرخبيل الأطلنطى ممارسة القمع الوحشى ضد النضالات
القومية من أجل الديمقراطية ، وأودت بحياة أكثر من 200 ألف فلبينى .
كان بروز
الولايات المتحدة كقوة دولية فى نهاية القرن التاسع عشر جزء من عملية عالمية
. فبينما أدى النمو الاستعمارى فى بدايته إلى الكثير من الحوافز السياسية
والاقتصادية المتنوعة ، إلا أنه مع نهاية القرن التاسع عشر ، تفاقمت الصراعات
الداخلية للنظام الإمبريالى فيما بين البلدان الرأسمالية الأكثر قوة ، من أجل
الأسواق ومجالات النفوذ ، سعت القوى الرأسمالية الكبرى من خلال هذه الصراعات
إلى أن تضمن لنفسها الهيمنة على الاقتصاد العالمى .
-
الحرب الأوروبية والثورة الروسية
أدت الصراعات
الحادة فيما بين القوى الإمبريالية الكبرى فى أوروبا ، أدت فى النهاية إلى
نشوب الحرب فى أغسطس 1914 . وقد شرح الماركسى الروسى ، " ليون تروتسكى " ،
الأسباب التاريخية لهذه الحرب بشكل شديد الوضوح ، بقوله : " إن الحرب الراهنة
فى جوهرها تمرد قوى الإنتاج على الشكل السياسى للقومية والدولة , أى أنها
تعنى انهيار الدولة والقومية باعتبارها وحدة اقتصادية مستقلة .... إن المغزى
الحقيقى للحرب هو أفول وتحلل المراكز الاقتصادية القومية القائمة ، وحلول
الاقتصاد العالمى محلها . لكن أساليب الحكومات لحل هذه المشكلة الإمبريالية ،
أساليب غير عقلانية ، فلا يتم حل الأمر من خلال التعاون المنظم لكل المنتجين
فى العالم ، ولكن من خلال استغلال النظام الاقتصادى العالمى بواسطة الطبقة
الرأسمالية للبلد المنتصر ، الذى تنقله هذه الحرب من قوة كبرى إلى قوة عالمية
" .
على ذلك ،
كانت الحرب وسيلة الطبقات الحاكمة فى البلدان الرأسمالية الكبرى لحل التناقض
بين مصالحهم القومية ، والمشكلات الناجمة عن التطور الكوكبى لقوى الإنتاج ،
فهل كان هناك حل آخر لهذه المشكلة غير الحرب ؟ نعم ، كان يمكن ذلك . لم يكن
الحل البرجوازى للمشكلات الناجمة عن التناقض بين الاقتصاد العالمى وبين نظام
الدولة القومية . هو الحل الوحيد المطروح . كان هناك أيضا إمكانية لحل من
جانب الطبقة العاملة لهذه المشكلة ذاتها - يتمثل فى الإطاحة بنظام الدولة
القومية على نحو شامل ، ودمج المكونات الوطنية القومية المختلفة فى الاقتصاد
العالمى بشكل متناسق من خلال الثورة الاشتراكية العالمية . إن نفس التناقضات
التى دفعت البرجوازية الإمبريالية للحرب ، يجب أن تدفع الطبقة العاملة
العالمية للثورة الاشتراكية .
تأكدت هذه
الرؤية غير المألوفة لديناميكيات التطور التاريخى العالمى بانفجار الثورة
الروسية فى 1917 .
أدى انفجار
الحرب الأوروبية عام 1914 واندلاع الثورة الروسية عام 1917 إلى نتائج تاريخية
بعيدة المدى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية . فعلى الرغم من أن الولايات
المتحدة أصبحت فى 1914 ، بلغة اقتصادية صرفة ، أكبر الاقتصاديات الرأسمالية
إنتاجية فى العالم ، إلا أن دخولها المتأخر إلى المسرح العالمى كان فى ظل
الإمبراطورية البريطانية الواسعة .
لكن المذبحة
الأوروبية التى دمرت أوروبا واستنزفت الثروات البريطانية المتراكمة ، غيرت
توازن القوى بين العالم القديم والعالم الجديد . وبمرور الوقت ، دخلت
الولايات التحدة الحرب عام 1917 ، وظل وضعها كأكبر القوى الرأسمالية فى مأمن
كامل . علاوة على ذلك ، ففى أكثر اللحظات التى بدت فيها الولايات المتحدة
كقوة عالمية بارزة ، بدا انتصار الثورة الاشتراكية فى روسيا وتأسيس الاتحاد
السوفيتى تحديا تاريخيا غير مسبوق يهدد بقاء النظام العالمى الإمبريالى برمته
.
ردت الولايات
المتحدة على هذا التهديد بالسعى للإطاحة بالحكومة الثورية . وأرسل الرئيس "
وودرو ويلسون " قوات أمريكية لدعم ومساندة جهود قوات الثورة المضادة تحت
قيادة جنرالات الإمبراطورية الروسية السابقة . وقد فشلت هذه الجهود واضطرت
الولايات المتحدة لسحب قواتها . فى المقابل ، امتنعت عن الاعتراف الدبلوماسى
بروسيا السوفيتية ( وهو الوضع الذى استمر حتى عام 1933 ) وطاردت بقسوة
الراديكاليون والاشتراكيون المتعاطفون مع الثورة الروسية فى داخل الولايات
المتحدة .
ليكن واضحا
أنه من غير الممكن رصد كل التغيرات التى حدثت خلال القرن العشرين بتقرير واحد
. لكن هذا الاستقراء العام ضرورى كى نخلص إلى أن : وجود الاتحاد السوفيتى
ألقى بظلال قاتمة على تطور الإمبريالية الأمريكية فى بقية القرن العشرين .
فمنذ بداية دخولها المعترك الدولى كأكبر قوة إمبريالية ، رأت الولايات
المتحدة فى الاتحاد السوفيتى خطرا يتهددها ، ويختلف فى الأساس ، إمكاناته
أكبر إلى حد كبير من أى خطر يشكله أى منافس رأسمالى . طرح وجود الاتحاد
السوفيتى قضية المشروعية التاريخية لحكم البورجوازية وشرعية النظام الرأسمالى
برمته . هذا الخوف الناجم عن التحدى الذى تمثله الدولة السوفيتية يفسر الدور
غير العادى الذى لعبته القوى المعادية للشيوعية فى الحياة السياسية الأمريكية
.
يجب التأكيد
على أن الاتحاد السوفيتى عانى من تفسخ واسع المدى وكارثى . بدأ بالهزيمة
السياسية لتروتسكى والمعارضة اليسارية فيما بين أعوام 1923 و 1927 ، ومن ثم
تعزيز ديكتاتورية البيروقراطية الستالينية ، والخيانة الكاملة لمبادئ الأممية
الثورية التى وضعت أسسها ثورة أكتوبر . لم يبقى من ماركسية فى الاتحاد
السوفيتى سوى لغة عقيمة لم تؤدى إلا إلى إفساد الفكر الثورى الحقيقى وتبرير
السياسات المتناقضة للنظام البيروقراطى .
رغم ذلك ،
فقد أعاق الاتحاد السوفيتى استقرار أشكال الملكية الرأسمالية فى مساحة واسعة
من سطح الكرة الأرضية ، كما أعاق بشكل أو بآخر الطموحات الكوكبية للولايات
المتحدة ، والأهم من هذا وذاك ، أنه قدم نموذجا لإمكانية قيام مجتمع لا
رأسمالى ، مما أثار العداء الشديد من جانب الولايات المتحدة .
-
الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية
الثانية
خرجت
الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية ، وبرزت كحكم مطلق لشئون
الرأسمالية العالمية . يركع تحت أقدامها كل المتنافسين الإمبرياليين السابقين
فى أوروبا وآسيا . ولم تكن إنجلترا ولا فرنسا فى وضع يسمح لأى منهما الحفاظ
على إمبراطوريتهم السابقة - وكهدف سياسى ، لم توافق الولايات المتحدة على
استمرار العلاقات الإمبريالية القديمة التى تعيق حرية الولايات المتحدة فى
الوصول إلى مصادر الثروة والأسواق العالمية . وتم إجبار بريطانيا وفرنسا على
الوقوف خلف القيادة الكوكبية للولايات المتحدة .
رغم ذلك ،
أعاق الوضع الدولى طموحات الهيمنة الأمريكية ، ولم يسمح باختبار واسع المدى
للقدرة العسكرية الأمريكية . أولا ، لأن الاتحاد السوفيتى ، كان قد برز كقوة
عالمية ، لدوره الحاسم فى هزيمة ألمانيا النازية
.
ثانيا ، تزامن سقوط الفاشية وضعف القوى الإمبريالية الأوروبية مع حركة ثورية
جماهيرية غير مسبوقة ، ومناهضة للاستعمار ، تولدت فيما يعرف باسم " العالم
الثالث " . ثالثا ، أدت مطالبات الطبقة العاملة فى الولايات المتحدة وغيرها
من البلدان الرأسمالية المتقدمة من أجل تحسين مستويات المعيشة بعد عقدين من
الركود والحرب ، أدت هذه المطالبات إلى عدم السماح للتضحية بمستويات المعيشة
من أجل تحمل أعباء شن حرب شاملة ضد الاتحاد السوفيتى وضد التمردات الجماهيرية
الضخمة التى اجتاحت بلدان العالم الثالث . علاوة على ذلك ، أدى إحراز الاتحاد
السوفيتى للأسلحة النووية إلى تفاقم خطر شن حرب أمريكية فى العالم الثالث
تفرض على أمريكا أعباء تفوق طاقة الطبقة الحاكمة الأمريكية أو أى جزء منها
كان يأمل فى شن مثل هذه الحرب .
من ناحية
أخرى ، لم تكن اتجاهات السياسة الأمريكية فى أعقاب الحرب العالمية الثانية
مباشرة واضحة تماما . حيث دافعت قطاعات ضخمة وذات نفوذ فى الطبقة الحاكمة
الأمريكية عن إتباع سياسة الدفاع الشامل ضد الاتحاد السوفيتى 0 وتستلزم هذ
السياسة إعادة بناء التفوق والسيادة للنظام الرأسمالى العالمى تحت قيادة
الولايات المتحدة . لكن التوسع العام للاقتصاد العالمى فى أعقاب الحرب
العالمية الثانية عزز سيطرة تلك القطاعات من الطبقة الحاكمة الأمريكية التى
كانت تؤيد العمل على تحقيق شكل من أشكال التفاهم والتوصل إلى حلول وسط مع
الاتحاد السوفيتى . بدت الملامح التفصيلية لهذه السياسة فى برنامج " الاحتواء
" الذى كان رائده
"جورج ف
.
كينان ، أهم الدبلوماسيين الأمريكيين آنذاك . وأحجمت الولايات المتحدة عن
السعى لمواجهة عسكرية مباشرة مع الاتحاد السوفيتى . وأن تتسامح إزاء التواجد
والتدخل السوفيتى فى شرق أوروبا .
لكن كان
يتوجب عليها أن تسعى لمنع انتشار النفوذ السوفيتى وتوسعه فى بقية أنحاء
العالم . وكان يقصد " بالنفوذ السوفيتى " أى ظهور للأفكار الاشتراكية أو
المعادية للإمبريالية قد تهدد المصالح الرأسمالية الأمريكية فى أى جزء من
العالم .
لكن ، إلى أى
مدى استطاعت الولايات المتحدة المضى فى مواصلة سياسة " الاحتواء " ؟ يجب
الإشارة إلى أنه فى ظل سياسة الاحتواء كانت هناك مخاطر من اشتعال حرب مع
الاتحاد السوفيتى ، والصين فيما بعد ، وتزايد مخاطر اشتعال حرب نووية ، على
سبيل المثال ، تدخلت الولايات المتحدة عسكريا فى حالة الصراع الكورى لدعم
الدولة الموالية لها فى كوريا الجنوبية . لكن ، حينما اتخذ الجنرال " فاك
آرثر " قراره الطائش خط الحدود 37 والتقدم باتجاه " نهر يالو " ، دخلت الصين
الحرب ورفضت إدارة الرئيس " ترومان " طلبه بأن ترد الولايات المتحدة باستخدام
الأسلحة النووية .
طول سنوات
الخمسينيات والستينيات ، تفجر صراع ضار داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية حول
المدى الذى يمكن أن تصل إليه الحلول الوسط والتفاهمات مع الاتحاد السوفيتى ،
والصين ، وكذلك إلى أى مدى يمكن التسامح مع الصراعات المناهضة للاستعمار
وللإمبريالية . دائما ، كانت هناك قطاعات أساسية من النخبة الحاكمة الأمريكية
تحبذ الاستخدام المفرط للقوة العسكرية - بما فى ذلك استخدام الأسلحة النووية
- ضد البلدان التى تدخل فى صراع ضد المصالح الأمريكية الهامة أو التى تعيق
تحقيقها .
طوال فترة ما
بعد الحرب ، استمرت الإمبريالية الأمريكية فى إتباع استراتيجيات " مقيدة " -
إذا ما كانت هذه الكلمة مناسبة لوصف السياسات التى سمحت بقتل 3 مليون فيتنامى
خلال عشر سنوات من الحرب ، وسمحت للمخابرات المركزية الأمريكية بتمويل عدد
غير محدد من الانقلابات ، مثل الاطاحة بالنظام القومى لرئيس الوزراء الإيراني
" مصدق " عام 1953 ، وبنظام " آربنز " فى جواتيمالا عام 1954 ،واغتيال "
لومومبا " فى الكونغو عام 1960 ، وبذل محاولات لا تحصى لتدمير نظام " كاسترو
" فى كوبا ، والإطاحة بحكومة " جولارت " فى البرازيل عام 1964 ، وتنظيم ثورة
اندونيسية منظمة لجلب " سوهارتو " إلى السلطة عام 1965 ، وتنظيم تمرد
الجنرالات اليونانيين
اليمينيين عام 1967 ، والإطاحة بالرئيس الشيلى " سلفادور
اليندى " واغتياله عام 1973 . كانت تلك هى السياسة الجديدة . وأترك لكم أن
تتصوروا ماذا كانت تعنى السياسة المتشددة ، إذا كان هذا حال سياسة " الاحتواء
" .
بحلول نهاية
الستينيات ، كانت هناك مؤشرات متزايدة على أن وضع الهيمنة الأمريكية على
الرأسمالية العالمية فى أفول . فقد أدى إعادة بناء الاقتصاديات الأوروبية
وبزوغ اليابان إلى الانتقاص بشكل محتوم من المؤشرات الإحصائية للتفوق
الاقتصادى الأمريكى . فقد عكس التدهور فى ميزان المدفوعات الأمريكى ، الضعف
النسبى للصادرات الصناعية الأمريكية فى مواجهة صادرات منافسيها من أوروبا
وآسيا ، والدخول فى أزمة طويلة للنظام المالى الدولى الذى يقوم على دور حاسم
للدولار باعتباره عملة النقد الاحتياطى العالمى .
بحلول عام
1917 ، أجبرت الولايات المتحدة على التخلى عن النظام المالى المتبع منذ
انتهاء الحرب العالمية الثانية والذى يقوم على ضمان قابلية تحويل الدولار
لذهب . وقد أدى ذلك إلى وضع حد للتوسع الاقتصادى الذى أعقب الحرب العالمية
الثانية ودخول النظام الرأسمالى العالمى فى أزمة طويلة الأمد .
يمكن فهم
السياسة الأمريكية ، سواء الخارجية منها أو الداخلية ، وسواء سياسة
الديمقراطيين أو الجمهوريين ، باعتبارها استجابة للمشكلات الناجمة عن تفاقم
الرأسمالية كنظام عالمى ، وعن تدهور وضعية الولايات المتحدة فى داخل هذا
النظام . ففى مجال السياسة الداخلية ، كانت استجابة الطبقة الحاكمة الأمريكية
للأزمة الدولية هى التخلى عن أى شكل من أشكال الإصلاح وشن هجوم مستمر على
ظروف معيشة كل قطاعات الطبقة العاملة . وفى السياسة الخارجية ، انحازت
البرجوازية الأمريكية لاتخاذ موقف عدوانى تجاه كل المنافسين .
كان التدخل
فى أفغانستان عام 1979 ، بداية لعمليات بلغت ذروتها فى تراجيديا 11 سبتمبر
2001 ، وكانت مؤشرا على عدم الاستقرار فى الاتحاد السوفيتى وتسببت فى انهياره
. كان الهدف الأساسى لسياسة إدارة ريجان زيادة حدة المشاكل المتفاقمة لنظام
الحكم المطلق السوفيتى ، بفرض إحداث ضغوط عسكرية سياسية واقتصادية ، وتدمير
الاتحاد السوفيتى .
كانت نتائج
الجهود الأمريكية فى هذا الاتجاه ، مذهلة لإدارة
"
ريجان
"
،
وتصفية الاتحاد السوفيتى بقرار من البيروقراطية السوفيتية ، فى ظل قيادة "
جورباتشوف
"
، وتشجيع
عودة الرأسمالية .
كانت أسباب
هذا التحلل والانهيار مركبة . لكنه فى الجوهر كان نتيجة لخيانة الاتحاد
السوفيتى المستمرة للأممية . فالسياسات الاقتصادية للاتحاد السوفيتى التى
قامت فى الأساس مستندة إلى أسس قومية ومبدأ الاكتفاء الذاتى ، قضت
على إمكانيات الاستفادة من مصادر الثروة فى الاقتصاد العالمى ، وجعلته غير
قابل للنمو على الإطلاق .
تعتبر
الولايات المتحدة انهيار الاتحاد السوفيتى فرصة مواتية لفرض هيمنة كوكبية لا
يمكن تحديها . فى الفترة الأولى التى أعقبت مباشرة 1917 ، لم تكن هناك قيود
دولية واضحة على استخدام القوة العسكرية الأمريكية تمنعها عن تحقيق أهدافها
الكوكبية . كان ذلك مغزى التصريح الذى أطلقه الرئيس " بوش " الأول الذى قال
فيه أن زوال الاتحاد السوفيتى يفتح الطريق لتشكيل "نظام عالمى جديد " .
ومع ذلك ،
فإنه لم يحدد بوضوح ما يجب أن يكون عليه هذا النظام العالمى الجديد ، والذى
أصبح يعنى بوضوح أن تستغل الولايات المتحدة الفراغ السياسى الدولى الناجم عن
زوال الاتحاد السوفيتى لإعادة تشكيل العالم وفقا للمصالح الكوكبية
للرأسمالية الأمريكية .
منذ ما يقرب
من 60 عاما ، حذر " ليون تروتسكى " من أن ديناميكية الرأسمالية الأمريكية
كانت أكبر من أن تقنع بقبول القيود التى تفرضها الحدود القومية القائمة على
طموحاتها الاقتصادية العالمية . وحذر " تروتسكى " من أن " الرأسمالية
الأمريكية تطرح نفس المشكلات التى دفعت ألمانيا للمضى نحو الحرب فى عام 1914
. فلو تم ذلك ، هل ينقسم العالم ؟ لابد وأن يعاد تقسيم العالم . كانت القضية
بالنسبة لألمانيا هى " تنظيم أوروبا " . أما بالنسبة للولايات المتحدة ستكون
القضية " تنظيم العالم " . والتاريخ سوف يضع الإنسانية فى مواجهة
انفجار
بركان الرأسمالية الأمريكية ، والآن ، يتحقق هذا التنبؤ . حيث تتضمن
استراتيجية الإمبريالية الأمريكية استخدام قوتها العسكرية الضخمة لفرض هيمنة
عالمية غير قابلة للتحدى للولايات المتحدة وإخضاع ثروات الاقتصاد العالمى
بكاملها للمصالح الرأسمالية الأمريكية .
-
ما العمـل ؟
يمثل شن حرب
عدوانية ضد العراق ، ذروة محاولات حل التناقض التاريخى العالمى ، على أسس
الإمبريالية . بين الطبيعة الكوكبية للقوى الإنتاجية وبين النظام القديم
للدولة القومية . تعتزم أمريكا التغلب على هذه المشكلة بفرض نفسها كدولة
قومية عظمى ، تقوم بوظيفة المتحكم المطلق فى أقدار العالم - فتقرر كيفية
توزيع مصادر الثروات الاقتصادية العالمية ، بعد أن تحتفظ لنفسها بنصيب الأسد
. لكن هذا الحل الإمبريالى للتناقضات الأساسية للرأسمالية العالمية ، الذى
كان يعد رجعيا تماما فى عام 1914 ، لم يتطور مع الزمن . فى الحقيقة ، أن
التطور الاقتصادى العالمى فى غضون القرن العشرين ميز هذا المشروع الإمبريالى
باللامعقولية . حيث تتعارض أى محاولة لانفراد دولة قومية وحيدة بالسيادة مع
المستوى غير العادى من التكامل الاقتصادى الدولى . هذه الطبيعة البالغة
الرجعية لمثل هذا المشروع تعبر عن نفسها بالأساليب البربرية التى تستخدمها
لتحقيق مشروعها .
رغم كل
المآسى ، لم يكن القرن العشرين
عبثا أو بلا جدوى . ففى غضونه ، نضجت الظروف الموضوعية إلى
درجة أنها صنعت
إمكانيات توحيد البشرية بشكل منسجم ومتناغم
.
حيث يعنى ظهور الشركات
عابرة القوميات ، حتى ولو كان فى إطار الرأسمالية ، يعنى
انتصارا للتكامل الاقتصادى الكوكبى على حساب الاقتصاديات القومية . حيث لم
تعد الدولة القومية ، بأى معنى ، تمثل الوحدة الأساسية للحياة الاقتصادية
.
وحيث تتقدم عملية الإنتاج على أساس
نظام إنتاج دولى أكثر تكاملا . وتوسع وسرعة انتقال الأموال
التى تمول هذه العمليات بشكل لا يمكن التحكم فيه بواسطة أى نظام يقوم على
أساس قومى .
فى هذا
الإطار ، فإن
أى محاولة من جانب
أى دولة قومية لإخضاع
هذه العملية الواسعة النطاق
لهيمنتها وسيطرتها هى محاولة رجعية ولا عقلانية . ولا
شئ أدل
على ذلك من السعى من أجل النفط ، الذى يلعب دورا مركزيا فى الحرب الراهنة .
لن يغير الصراع الضارى الدائر حول مصادر الثروة البترولية حقيقة أن هذه
الثروة محدودة وناضبة بطبيعتها . حتى ولو كانت الولايات المتحدة تستطيع عن
طريق الغزو العسكرى ، السيطرة الشاملة على كل مصادر الطاقة المتاحة من النفط
، فإنها لن تؤدى إلى توسع الاقتصاد العالمى على المدى الطويل .
تؤكد الحرب
الراهنة على إفلاس النظام الرأسمالى العالمى . ومرة أخرى ، تهدد بجر البشرية
إلى الهاوية . وتدفع العالم برمته إلى هذا الأتون الرهيب للدمار والموت .
بالأمس ، لوح " رامسفيلد " بقبضته فى وجه إيران وسوريا . واليوم ، تلاحظ "
نيويورك تايمز " أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع روسيا لأنها قدمت
مساعدات سرية للعراق . ولا يدرى أحد ما هى الدول التى ستجر إلى
هذه الكارثة ، وكم سيكون عددها ؟ ..
ولما كان
التاريخ لا يطرح أى مشكلة دون أن تكون بلا حل . فإن الاستجابة الإمبريالية
المتوحشة الخاصة بالتطور الاقتصادى العالمى ، ليست هى الاستجابة الوحيدة ،
حيث من المفترض موضوعيا وجود إمكانية لحل اجتماعى عالمى . وهنا ، نأتى
للأهمية التاريخية للمظاهرات الحاشدة التى تمت فى كل أنحاء العالم خلال
فبراير ومارس 2003 . تلك المظاهرات التى انطلقت وتصاعدت بشكل عفوى ، ومستقل ،
وفى مواجهة كل القوى السياسية التقليدية للبنى البرجوازية ، لا يمكن إلا
اعتبارها بداية لرد أممى واشتراكى فى مواجهة أزمة الرأسمالية العالمية . إنها
ليست مجرد ردود أفعال تلقائية لقوى الإنتاج المدولة . بل إننا نشهد تراجع
الأهمية الموضوعية لأشكال الانتماء الإنسانى القديمة - القبلية ، والإثنية ،
والدينية ، والقومية - بشكل دراماتيكى . بينما تؤدى العمليات الملازمة للتطور
الاقتصادى العالمى إلى بزوغ واضح لهوية إنسانية عالمية جديدة .
فى هذا
الإطار ، تؤكد حقيقة أن وجود الشباب فى طليعة المظاهرات المناهضة للعولمة فى
كل أنحاء العالم ، دليلا على أن التغير يتم بالفعل . ولكن لابد أن تتحول
عمليات التطور الاجتماعى العفوية إلى عملية ذات وعى سياسى . هذا هو العمل
الذى يكرس " موقع الاشتراكى العالمى " باعتباره صوت اللجنة الدولية للأممية
الرابعة ، يكرس نفسه لإنجازه . تلك واحدة من الحركات السياسية المنسجمة ، مع
طبيعة الطبقة العاملة ، والتى تقوم بدورها على الصعيد العالمى . وتعد
مطبوعاتها اليومية نتيجة لمستوى التعاون الأممى غير المسبوق الذى بلغته ،
والقائم على فهم موحد للتطورات العالمية .
إن "
موقع
الاشتراكى العالمى" يعمل باعتباره عاصمة نظرية وفكرية ، يقوم على استيعاب
دروس الخبرة الاستراتيجية الثورية الواسعة للقرن العشرين .
فى دعوتنا
لهذا المؤتمر ، نشرع لوضع الأساس لتوسيع عمل اللجنة الدولية للأممية الرابعة
وموقع الاشتراكى العالمى .
طرحت
المظاهرات الضخمة سؤال : ما العمل ؟ . لا يمكن أن يكون النضال ضد الحرب مجرد
تنظيم مظاهرات الاحتجاج ، واحدة بعد أخرى .
كشفت الحرب
عن وجود هوة واسعة بين جماهير العاملين وبين كل الأحزاب السياسية القديمة .
ولا منظمة من تلك المنظمات البالية لديها أى شئ يمكن أن تقدمه للجماهير .
بينما تحتاج الحركة الجماهيرية الناشئة إلى برنامج وإلى رؤية . إن حركتنا لا
تتجاهل الحقيقة الصعبة الخاصة بأن الإجابة على المشكلات الكبرى لعصرنا ليست
بسيطة أو سهلة . فتلك المشكلات ما هى إلا نتيجة لعملية تاريخية معقدة . حيث
تشكل العالم الراهن عبر الخبرات والتجارب المأساوية للقرن العشرين ، وفرص
التغيير الثورى الضائعة والهزائم التى لحقت بالطبقة العاملة خلال هذا القرن .
إن دروس تلك الأحداث التاريخية عنصرا أساسيا لتحليل التطورات الراهنة والتى
تطرح يوميا على موقع
"الاشتراكى
العالمى " على شبكة الانترنت
.
إن تأثير
موقع " الاشتراكى العالمى " يتنامى بشكل سريع . ولكن كى لا نسئ فهم أهداف هذا
الموقع ، دعونا نؤكد أن حركتنا لا تستهدف مجرد تنظيم احتجاجات على هذا المظهر
أو ذاك من مظاهر النظام الرأسمالى ، بل نستهدف إحراز السلطة السياسية بواسطة
الطبقة العاملة . فى التخليل الأخير ، ليس النضال ضد الحرب مجرد مادة
للاحتجاج ، ولكن النضال ضد الحرب هو
قدوم الطبقة العاملة إلى السلطة وخلق أسس
المجتمع الاشتراكى .
من ناحية
أخرى ، كثيرا ما تطرح أسئلة أخرى حول طبيعة الطبقة العاملة . أثرت التغيرات
فى عمليات التصنيع ، والثورة فى الاتصالات ، والثورة فى تكنولوجيا المعلومات
، وبزوغ صناعات جديدة تماما ، وأيضا ظهور أشكال جديدة من العمل ، أثرت إلى حد
بعيد على شكل وطبيعة الطبقة العاملة . فالحقيقة ، أنها الآن تشمل قطاعات أوسع
وأكثر تنوعا من البشر ، عما كانت عليه البروليتاريا الصناعية فى منتصف القرن
الماضى . فإذا ما وضعنا فى تعريفنا للطبقة العاملة كل أولئك الذين يعتمدون
أساسا فى عيشهم على أجورهم الأسبوعية ، فحين ذاك ، تكون الغالبية الواسعة من
سكان الولايات المتحدة جزءا من الطبقة العاملة . علاوة على ذلك . فإن أثر
العولمة والتعدى الاقتصادى للقوميات فى مناطق واسعة من العالم والذى تطور على
مدار السنوات الثلاثين الماضية ، خاصة فى آسيا ، أوجد فئات جديدة من الطبقة
العاملة لم تكن موجودة من قبل .
على النطاق
العالمى ، سوف تعنى الحرب المزيد من المصاعب والمعاناة الحقيقية . ولن تحل
الحرب المشكلات الضخمة التى يعانيها المجتمع الرأسمالى فى الولايات المتحدة
الأمريكية . إن كل الظروف تؤدى إلى نشوء تطور ضخم فى الوعى السياسى لدى
الطبقة العاملة . فى هذا الإطار ، فإننا نهدف إلى تطوير موقع " الاشتراكى
العالمى " على شبكة الانترنت ، كمركز فكرى وسياسى للحركة الاشتراكية الدولية
الجديدة - لتقديم التحليلات والبرامج الرائدة ، اللازمة لكل أولئك المشاركين
فى النضال ضد الحرب الإمبريالية وضد كل أشكال استغلال البشرية وعدم المساواة
. ومن أجل العدالة الاجتماعية .
إننا نأمل أن
يكون هذا المؤتمر خطوة هامة لبناء هذه الحركة العالمية الجديدة .
|