إنها لحظة عابسة,
إننا لا نستطيع فعل شيئ ما لإيقاف الغزو الجارى. ولكن ذلك
لا يعنى انتهاء مهمة البشر الذين يهتمون بقدر ما بالعدل والحرية وحقوق
الإنسان. بل أكثر من ذلك. سوف تكون المهمة أكثر إلحاحا من ذى قبل, ومهما
كانت نتائج هذا الهجوم. وفيما يتعلق بالنتيجة لا يوجد احد عنده فكرة محددة
عنها: ولا البنتاجون ولا السى آى ايه
CIA,
ولا أى احد آخر. تتراوح الاحتمالات
بين كوارث إنسانية فظيعة كانت قد حذرت منها وكالات الغوث التى تعمل فى
العراق, إلى نتائج نسبيا اخف وطأة – برغم انه حتى إذا لم تؤذ شعرة فى رأس
إنسان فان ذلك لن يغفر جرم هؤلاء الذين أقدموا على تعريض هذا الشعب الأعزل
لتلك المخاطر الجسام, من اجل مصالحهم وأهدافهم المخجلة.
أما
النتائج فلسوف يمضى زمن طويل قبل أن نستطيع طرح أفكار أولية عنها. فالمهمة
المباشرة هو إعطاء ما نستطيعه من ثقل إلى جانب الخروج بنتائج اقل وطأة. وهو
ما يعنى. مبدأيا, أن نولى الاهتمام لما يحتاجه الضحايا, وليس ضحايا هذه الحرب
فقط ولكن ضحايا نظام عقوبات "واشنطن" الشرير والمدمر الذى طال لمدة عشر سنوات
مضت والذى هدم أسس المجتمع المدنى وعزز من قوة حكم الطاغية, ودفع السكان إلى
الاعتماد عليه من اجل بقائهم. وقد نوهنا إلى ذلك من سنين, فقد دمر نظام
العقوبات كل أمل فى أن ينتهى صدام حسين بنفس الطريقة التى انتهى بها الطغاة
القتلة الآخرين الذين لم يكونوا اقل شرا منه. يتضمن المعرض الدموى لهؤلاء
المجرمين الذين تمتعوا بدعم من هم على رأس السلطة فى واشنطون, وفى كثير من
الأحيان حتى الأيام الأخيرة من حكمهم الدموى: شاوشيسكو, كمثال واحد فقط جلى
واضح يدل على الحالة التى نشخصها.
رد
الفعل الانسانى الأولى سوف ينادى بتعويضات مكثفة من جانب الولايات المتحدة
الأمريكية, وهى ما تفتقده, من المفترض على الأقل سيل متدفق من المعونات
للعراقيين لإعادة إعمار ما تم تدميره ولكن بالطريقة التى يرونها, وليس كما
يمليه عليهم من هم فى واشنطون وكراوفورد الذى يؤمن دينهم الأعلى بان القوة
تأتى من خزنة البارود.
ولكن القضايا أكثر تأصيلا, وطويلة المدى. المعارضة لغزو العراق لم يسبق لها
مثيل فى التاريخ. وهو ما دفع بوش إلى لقاء تابعيه قفة فى قاعدة عسكرية تقع
فى جزيرة حيث يمكن عزلهم بأمان عن أى بشر. قد تركز المعارضة على موضوع غزو
العراق ولكن قضاياها تذهب إلى ابعد من ذلك بكثير. هناك خوف متزايد من القوة
الأمريكية التى تعتبر ربما فى نظر الأغلبية اكبر تهديد للسلام فى أنحاء كثيرة
من العالم. ومع ما وصلت إليه تكنولوجيا الدمار التى تتطور بسرعة متزايدة
لتصبح أكثر فتكا وأكثر هولا, أصبح تهديد السلام يعنى تهديد بقاء الحياة
نفسها.
ولا
ينطلق الخوف من الولايات المتحدة على أساس هذا الغزو بمفرده, ولكنه ينطلق من
خلفية : تصميم مصرح به لحكم العالم بالسلاح, وهو البعد الوحيد الذى تتفوق فيه
الولايات المتحدة عن الآخرين, والذى تسعى بكل الوسائل على منع ظهور أى منافس
يتحدى هذه السيطرة. إنهم يدبرون بالقصد حروبا وقائية: وقائية وليست
استباقية. فمهما تكن مبررات الحروب الاستباقية فى بعض الأوقات
إلا أنها لا
ترقى إلى مرتبة الحروب الوقائية بحال: استخدام القوة العسكرية لإفناء تهديد
آتى من الخيال أو مصطنع. الهدف المعلن بصراحة هو منع أى تحدى لقوة ووضع
ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية. مثل هذا التحدى الآن أو مستقبلا
وأى
علامة عليه قد تظهر سوف تقابل بقوة هائلة كاسحة من حكام الوطن الذين ينفقون
بوضوح على حيازة وسائل العنف أكثر كثيرا من إنفاق باقى العالم مجتمعا,
ويصطنعون سياسات جديدة شديدة الخطورة يجروننا فى طريقها ضد معارضة شبه
اجماعية من العالم كله: تطوير أسلحة حرب الكواكب على سبيل المثال.
من
الجدير بإمعان النظر أن تلك الكلمات التى اقتبسها ليست هى كلمات "ديك تشينى"
ولا "دونالد رامسفيلد" ولا أى من رجال الدولة المتطرفين الذين هم فى الحكم
الآن. انها كلمات رجل الدولة المحترم الأكبر سنا "دين اتشيسون" التى قالها من
أربعين سنة مضت عندما كان كبيرا لمستشارى إدارة "كينيدى". كان يبرر تصرفات
الولايات المتحدة ضد كوبا – وهو يعلم أن حملة الإرهابيين الدولية التى
استهدفت أيضا "تغيير النظام" كانت قد وضعت العالم على حافة حرب الفناء
النووية. وعلى الرغم من ذلك كان يحاضر فى الجمعية الأمريكية للقانون الدولى
قائلا "انه لا تقوم حجة قانونية ضد حالة قيام الولايات المتحدة بالرد على
أى
تحد لقونها أو وضعها أو مكانتها", خصوصا الهجمات الإرهابية والحرب الاقتصادية
ضد كوبا.
اننى أذكركم بهذا لأعلمكم ان القضايا ممتدة الجذور. تقف الإدارة الحالية
على أقصى درجة من أطياف صناعة السياسات المتطرفة, ونزقها المغامر وتعطشها
للعنف على أقصى درجة من الخطر بشكل غير اعتيادى. ولكن المدى ليس عريضا
بالدرجة, وإذا لم نواجه مثل هذه القضايا العميقة فإننا متأكدين أن متطرفين
آخرين أكثر رجعية سوف ينجحون فى حيازة وسائل للدمار والقمع تفوق الخيال.
"الطموح الامبراطورى" للنخبة الحاكمة حاليا, كما يسمونه الآن بصراحة, يثير
الذعر فى العالم, متضمنا رجال المؤسسة نفسها من المستويات المتوسطة – العموم,
بالوطن - أمريكا. فى الأماكن الأخرى, طبعا, رد الفعل أكثر ذعرا, وبشكل خاص
بين الضحايا التقليديين. إنهم يعرفون تاريخا ملئ بالقصص, المؤلمة جدا, ولا
تعزيهم الخطب الرنانة. إنهم سمعوا بما فيه الكفاية طوال القرون بينما هم
يقهرون على ايدى العصابة التى كانت تسمى "الحضارة".
فمن
أيام قليلة, وصفت قيادة حركة عدم الانحياز التى تتكون من حكومات أغلبية سكان
العالم, وصفت "إدارة جورج بوش"
بأنها أكثر عدوانية من هتلر. فمن المصادفة
انه ذو ميول أمريكية متطرفة وله يشترك مباشرة فى وسط المشاريع الاقتصادية
الدولية لواشنطون. وهناك شك بسيط فى انه يعمل لصالح الضحايا التقليديين,
وحتى الآن لا يعمل من اجل مصلحة الظالمين التقليديين.
من
السهل أن نسترسل, ومن المهم أن نتدبر هذه الأمور بعناية وشرف.
حتى
قبل التصعيد السريع من إدارة "بوش" لهذه المخاوف فى الشهور الأخيرة كانت
أجهزة
المخابرات وخبراء الشئون الدولية يصرحون لكل من يريد أن يستمع أن سياسات
واشنطون تسعى إلى دفع الأمور فى اتجاه نمو الإرهاب والتسابق على حيازة أسلحة
الدمار الشامل بغرض الانتقام أو للحماية. توجد طريقتان بالنسبة لواشنطون حتى
ترد على التهديدات التى تسببها أفعالها وتصريحاتها. الطريقة الأولى إن تحاول
التخفيف من التهديدات بإعطاء قدر من الانتباه للشكاوى المشروعة وان توافق على
أن تصبح عضوا متحضرا فى المجتمع الدولى, مع قدر من الاحترام للنظام الدولى
ومؤسساته. والطريقة الأخرى هى إقامة آلة أكثر شرا للتدمير والهيمنة حتى
تسحق أى تحد محتمل حتى ولو كان بعيد الاحتمال – مثيرة بذلك تحديات جديدة
وأعظم احتمالا. وهى بهذا المنوال تضع شعب الولايات المتحدة وشعوب العالم فى
مخاطر حقيقية, ربما تؤدى إلى, وهو احتمال قريب جدا, فناء أجناس بشرية من على
خريطة العالم. وهذه ليست تكهنات عبيطة.
ولنذكر حادثة ما زالت حية فى ذاكرتنا اليوم وهو انه فى الماضى تجنبنا حرب
الفناء النووية بما يشبه المعجزة, وقد تم ذلك بشهور قليلة قبل خطبة
"اتشيسون". ولكن اليوم التحديات أكثر ضراوة وفى تصاعد اكبر. والعالم معه حق
فى أن يشاهد ما يحدث فى واشنطون بخوف وقلق عميق. مواطنى الولايات المتحدة
الأمريكية هم انسب شعب يستطيع ان يهدئ من هذه المخاوف وان يفسح الطريق إلى
مستقبل أكثر أملا وأكثر ازدهارا, انه الشعب الذى يمكنه أن يشكل المستقبل.
إنها من ضمن الهموم الثقيلة التى اعتقد إننا يجب أن نضعها فى حسباننا بشكل
واضح ونحن نتابع الأحداث وهى تتوالى فى مسار لا يمكن التنبؤ به حين تسلط أكثر
القوات العسكرية شراسة فى التاريخ الانسانى ضد عدو اعزل تحكمه قيادة سياسية
صنعت سجلا رهيبا من الدمار والبربرية منذ أن اعتلت السلطة ولمدة عشرين عاما
مضت.
كنت
قد قرأت مقالة ناعوم شومسكى فى نشرة زد نت الالكترونية التى اشترك بها.
وفور قرائتى لها قررت أن أترجمها وابعث بها إلى منتدى أجيج الالكتروني.
ولكن الأخ العزيز منير مجاهد انتبه لها أيضا وسبقنى وأرسلها إلى المنتدى
نفسه
بلغتها المكتوبة بها.
وهو
فعل اشكره عليه لأنه زادنى تصميما على ترجمتها إلى العربية حتى يستفيد
منها عدد اكبر منا. واعتذر عن الأخطاء لدواعى العجلة.
المترجم
|