- العسكرة والحرب -

حرب العراق هى بروفة لحروب قادمة

حوار نعوم شومسكي مع في. كيه. راماتشاندران
(مجلة Front Line الهندية والتى تصدر باللغة الإنجليزية بالإضافة إلى أكثر من لغة هندية ـ 2 إبريل 2003).

نشرت الترجمة في مجلة "فصول"، العدد 61، شتاء 2003

ترجمة : سحر توفيق


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

نعوم شومسكى، أستاذ فى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مؤسس علم اللغة الحديث وناشط سياسى، من أهم المعادين للنشاط الاستعمارى فى الولايات المتحدة اليوم. فى 21 مارس، والذى كان يوما مزدحما ـ ومناسبا جدا لنشاطات شومسكى ـ حيث كان يوما للاحتجاج السياسى والبحث العلمى الأكاديمى، تكلم من مكتبه لمدة نصف ساعة مع فى. كيه. راماتشاندران عن العدوان الجارى على العراق.

 

راماتشاندران: هل يمثل الاعتداء الحالى على العراق استمرارا لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه العالم فى السنوات الأخيرة، أو هو مرحلة جديدة كيفيا لهذه السياسة؟

شومسكى: بل هو يمثل مرحلة جديدة على نحو ظاهر. ورغم أنه ليس غير مسبوق، لكنه رغم ذلك جديد بشكل واضح.

لابد أن ننظر إلى هذا الاعتداء كنوع من التجربة أو البروفة trial run. فالعراق يُنظر إليه كهدف سهل للغاية ومجرد من الدفاع. وقد افتُرض، ربما عن حق، أن المجتمع سوف ينهار، وأن الجنود سوف يدخلون وسوف تكون السيطرة للولايات المتحدة التى سوف تؤسس نظاما من اختيارها وعلى أساس عسكرى تضعه هى. وبعد ذلك سوف يواصلون حل القضايا الأصعب التى ستظهر تباعا. فالقضية التالية يمكن أن تكون قضية المنطقة الهندية، أو يمكن أن تكون إيران، أو غير ذلك.

إن تجربة السير trial run هى تجربة وتأسيس ما تسميه الولايات المتحدة "المعايير الجديدة" فى العلاقات الدولية. والمعايير الجديدة هى "حرب وقائية" (ولنلاحظ أن المعايير الجديدة وضعتها الولايات المتحدة وحدها). ومن ثم، وعلى سبيل المثال، عندما غزت الهند باكستان الشرقية لإنهاء مجازر رهيبة، لم تكن تؤسس معيارا جديدا للتدخل المسلح بين البشر، لأن الهند كانت هى البلد المخطئ، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة عملت جاهدة على معارضة هذا الفعل.

هذه الحرب ليست حربا وقائية pre-emptive war، فهناك فرق جوهرى. الحرب الوقائية لها معنى، ومعناها أنه، على سبيل المثال، إذا جاءت الطائرات عبر الأطلنطى لضرب الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة لها أن تضرب هذه الطائرات وتسقطها حتى قبل أن تلقى قنابلها، ولها أن تهاجم القواعد الجوية التى جاءت منها هذه الطائرات. فالحرب الوقائية هى رد فعل لهجوم حالى أو وشيك الوقوع.

أما قانون الحرب الاستباقية preventive war فهو مختلف تماما، فهو يعنى أن للولايات المتحدة الحق ـ وحدها، فليس ثمة من له هذا الحق غيرها ـ فى مهاجمة أى بلد تدعى أنه يمثل احتمالا لتحديها. ومن ثم، إذا ادعت الولايات المتحدة، على أية أسس، أن البعض قد يمثل لها فى بعض الأحيان تهديدا، إذن فيمكنها مهاجمة هذا البعض.

لقد أُعلن قانون الحرب الاستباقية بوضوح فى تقرير الاستراتيجية الوطنية فى سبتمبر الماضى. وأثار هذا التقرير قشعريرة فى العالم كله، بما فى ذلك مؤسسات المجتمع فى الولايات المتحدة نفسها، التى نرى أن معارضتها للحرب عالية على غير المعتاد. إن فحوى ما يقوله تقرير الاستراتيجية القومية هو أن الولايات المتحدة سوف تحكم العالم بالقوة، التى هى البُعد ـ والبُعد الوحيد ـ الذى تتفوق فيه تفوقا هائلا. وبالإضافة إلى ذلك، أنها سوف تفعل ذلك فى المستقبل لأجل غير مسمى، لأنه إذا ظهر أى احتمال لتحدى هيمنة الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة سوف تدمره قبل أن يصبح تحديا.

وهذه هى أول ممارسة لهذا القانون. فإذا نجح تطبيقه بهذه البنود، كما يفترض أن يحدث، لأن البلد المستهدف مجرد من القدرة الدفاعية، فسوف ينبرى المحامون العالميون والمثقفون الغربيون وغيرهم للكلام عن معايير جديدة فى الشئون الدولية. ومن المهم تأسيس مثل هذه المعايير إذا كانت الولايات المتحدة تأمل فى أن تحكم العالم بالقوة فى المستقبل المنظور.

هذا الهجوم ليس بدون سابقة، لكنه غير مألوف نهائيا. وسوف أشير إلى سابقة واحدة لأظهر مدى ضيق هذا المنظور. فى 1963، ألقى دين أكيسون ـ الذى كان رجل دولة أكبر محترم للغاية وكبير المستشارين لإدارة كنيدى ـ كلمة أمام الجمعية الأمريكية للقانون الدولى، برر فيها هجوم الولايات المتحدة على كوبا. وقد كان هجوم إدارة كينيدى على كوبا إرهابا دوليا واسع المدى وحربا اقتصادية. وكان توقيت هذا الهجوم هاما ـ فقد جاء مباشرة بعد أزمة الصواريخ [السوفييتية فى كوبا فى الستينيات]، عندما كان العالم على حافة حرب نووية أخيرة. وفى هذه الكلمة، قال أكيسون: "لا اعتبار لقضية قانونية إذا كانت الولايات المتحدة تتصرف استجابة لتحديات لمكانتها، أو هيبتها، أو سلطتها"، أو كلمات تقارب هذا المعنى.

وهذا أيضا تصريح أملاه مذهب بوش. ورغم أن أكينسون كان شخصية هامة، فإن ما قاله لم يكن سياسة حكومية رسمية فى فترة ما بعد الحرب [العالمية الثانية]. ولكنه الآن يعتبر بمثابة سياسة رسمية وهذا أول تعبير عنها. سياسة تتجه النية لأن تكون سابقة للمستقبل.

مثل هذه "المعايير" لا تطبق إلا عندما تفعل إحدى القوى "الغربية" شيئا، لا عندما يفعل الآخرون. وهى جزء من العنصرية العميقة الغور للثقافة الغربية، والتى ترجع إلى قرون من الاستعمار، وهى عميقة حتى أنها تُمارس بلا وعى أو ضمير.

ومن ثم فإننى أعتقد أن هذه الحرب خطوة جديدة هامة، وهذا هو المقصود بها.

راماتشاندران: وهل هى مرحلة جديدة أيضا بالنسبة لأن الولايات المتحدة لم تستطع حمل الآخرين عليها؟

شومسكى: هذا ليس بجديد. ففى حالة حرب فيتنام، على سبيل المثال، لم تحاول الولايات المتحدة حتى أن تحصل على تأييد دول العالم. ومع ذلك، فأنت على حق فى أن ذلك غريب وغير مألوف. هذه قضية أكرهت فيها الولايات المتحدة، لأسباب سياسية، على أن تحاول إجبار العالم على قبول وضعيتها ولم تقدر، وهو أمر غير مألوف. ففى العادة يخضع العالم.

راماتشاندران: فهل تمثل هذه القضية "فشل الديبلوماسية" أم إعادة تعريف الديبلوماسية نفسها؟

شومسكى: لا يمكن أن أسميها ديبلوماسية على الإطلاق، إنه فشل استخدام وسائل الإكراه.

فلنقارن ذلك بحرب الخليج الأولى. ففى حرب الخليج الأولى، أكرهت الولايات المتحدة مجلس الأمن على قبول وضعها، رغم أن الكثير من دول العالم كانت ضد ذلك. حتى الناتو تعاون معها، والدولة الوحيدة فى مجلس الأمن التى لم توافق كانت اليمن، وقد عوقبت بقسوة عقب ذلك مباشرة.

فى أى نظام قانونى نأخذه بجدية، تعتبر أحكام الإكراه باطلة، ولكن فى الشئون العالمية التى يقودها منطق القوة، فالإكراه مقبول، ويسمونه ديبلوماسية.

والشىء الهام فى هذه الحالة أن الإكراه لم يأت بنتيجة. فهناك بلدان ـ فى الواقع أغلب البلدان ـ التزمت بعناد رأى الأغلبية العظمى من شعوبها.

والحالة الأكثر دراماتيكية هى حالة تركيا. وتركيا دولة عرضة للكثير، عرضة لعقاب الولايات المتحدة وحوافزها. ورغم ذلك، فإن الحكومة الجديدة، وأعتقد أن ذلك أثار دهشة الجميع، اتخذت موقف حوالى 90 بالمائة من شعبها. وقوبل هذا الموقف من تركيا باستنكار مرير، مثلما قوبل بالاستنكار المرير أيضا موقف كل من فرنسا وألمانيا لأنهما دافعتا عن موقف الغالبية العظمى من شعبيهما. وأما الدول التى مُدحت وأُثنى على موقفها مثل إيطاليا وأسبانيا، فهى التى وافق قوادها على اتباع أوامر واشنطن ضد إرادة ربما 90 بالمائة من شعوبها.

وهذه خطوة جديدة أخرى. لا أستطيع أن أفكر فى حالة أخرى تم فيها الإعلان بكل هذا الوضوح عن كراهية الديمقراطية وازدرائها، ليس فقط من الحكومة، ولكن أيضا بواسطة المعلقين الليبراليين وغيرهم. والآن نشأ أدب جديد فى محاولة شرح لماذا تحاول فرنسا وألمانيا، وما يُسمى "أوروبا القديمة"، وتركيا ودول أخرى، أن "تزعزع" الولايات المتحدة. ومن غير المفهوم بالنسبة لهؤلاء الحكماء المفوهين أن هذه البلدان تفعل ذلك لأنهم جادون فى ديمقراطيتهم، وأنهم يعتقدون أنه عندما تكون الغالبية العظمى من الشعب لها رأى، فإن الحكومة ينبغى أن تتبعه.

وهذا ازدراء حقيقى للديمقراطية، تماما كما أن ما حدث فى الأمم المتحدة هو ازدراء تام للنظام العالمى. والواقع أن هناك نداءات الآن ـ من جريدة وول ستريت، وبعض أعضاء الحكومة وغيرهم ـ لحل الأمم المتحدة.

إن الخوف من الولايات المتحدة فى جميع أنحاء العالم أمر غير عادى. أمر شديد التطرف، حتى أنه يناقش فى وسائل الإعلام المنتشرة. فالموضوع الرئيسى للعدد القادم من النيوزويك هو: لماذا يخشى العالم الولايات المتحدة لهذه الدرجة. وجريدة البوست وضعت نفس الموضوع على رأس موضوعاتها منذ أسابيع قليلة.

وبالطبع، اعتُبر ذلك خطأ العالم، وأن العالم به شىء "غلط" يجب على الأمريكيين أن يتعاملوا لتصحيحه بشكل ما، لكنه أيضا شىء يجب التعرف عليه.

راماتشاندران: فكرة أن العراق تمثل أى نوع من الخطر الواضح والماثل هى، بالطبع، ليس لها أى أساس مادى على الإطلاق.

شومسكى: من المثير للعجب أن لا أحد يلتفت إلى هذا الاتهام إلا شعب الولايات المتحدة.

فى الأشهر القليلة الماضية، كان ثمة إنجاز مبهر لدعاية وسائل الإعلام الحكومية، وتتضح نتيجة هذا الإنجاز فى الاستفتاءات. فالاستفتاءات العالمية تظهر أن تأييد الحرب أعلى فى الولايات المتحدة عنه فى البلاد الأخرى. أى أنه، رغم ذلك، أمر مضلل، لأنه إذا تأملنا فى الأمر أكثر، سوف نجد أن الولايات المتحدة أيضا مختلفة فى أمر آخر عن العالم؛ فمنذ سبتمبر 2002، كانت الولايات المتحدة هى البلد الوحيد فى العالم الذى يعتقد 60 بالمائة من أبنائه أن العراق يشكل تهديدا مباشرا ـ وهو أمر لا يصدقه الناس حتى فى الكويت وإيران.

وفضلا عن ذلك، يصدق 50 بالمائة من شعب الولايات المتحدة الآن أن العراق كان مسئولا عن الهجوم على مركز التجارة العالمى. وقد حدث هذا التحول فى الرأى منذ سبتمبر 2002. والواقع أنه بعد هجوم 11 سبتمبر، كانت النسبة حوالى 3 بالمائة. وقد تمكنت دعاية وسائل الإعلام الحكومية من رفعها إلى 50 بالمائة. فإذا كان الناس يعتقدون بصدق أن العراق قام بأعمال إرهابية كبيرة ضد الولايات المتحدة وأنه يخطط لفعل ذلك مرة أخرى، فى هذه الحالة سوف يؤيدون الحرب.

وكما قلت، حدث ذلك بعد سبتمبر 2002. ففى سبتمبر 2002 بدأت حملة الميديا الحكومية، وكذلك بدأت حملة انتخابات التجديد النصفى. وكان يمكن أن تتعرض إدارة بوش لصدمة لو كانت القضايا الاجتماعية والاقتصادية فى الصدارة، لكنها تمكنت من كبت هذه القضايا لصالح قضايا الأمن ـ واحتشد الناس تحت مظلة السلطة.

هذه بالضبط هى الطريقة التى كانت تُدار بها البلاد فى الثمانينيات. ولنتذكر أن هؤلاء هم تقريبا نفس الأشخاص الذين كانوا فى إدارة ريجان وبوش الأب. وخلال الثمانينيات نفَّذوا سياسات محلية أضرّت بالشعب وعارضها الناس، كما نستدل من الاستفتاءات الكثيرة. ولكنهم استطاعوا أن يحتفظوا بالسيطرة عن طريق إثارة المخاوف. وهكذا كان جيش نيكاراجوا على بعد يومين من تكساس، وعلى وشك أن يهزم الولايات المتحدة، وكانت القاعدة الجوية فى جرانادا إحدى القواعد التى سوف يستخدمها الروس لضرب أمريكا. كان أمر يعقب الآخر، كل سنة، وكلها جديرة بإثارة السخرية. وقد أعلنت إدارة ريجان الطوارئ القومية بالفعل فى عام 1985، بسبب تهديد للولايات المتحدة تمثله حكومة نيكاراجوا.

فإذا كان ثمة أحياء فى المريخ يراقبون ذلك، لما عرفوا هل هو مثير للضحك أم للبكاء.

وهم يفعلون نفس الشىء الآن، وسوف يفعلون شيئا مماثلا من أجل الحملة الانتخابية الرئاسية. سوف يكون هناك تنين جديد يقدم على المذبح، لأن الإدارة إذا تركت القضايا المحلية تتصدر، لأصبحت فى مأزق كبير.

راماتشاندران: لقد كتبتم أن هذه الحرب العدوانية لها عواقب وخيمة بالنسبة للإرهاب العالمى وخطر الحرب النووية.

شومسكى: لا أستطيع أن أدعى أن هذا الرأى من ابتداعى. إننى فقط أقتبس أقوال السى. آى. إيه. وغيرها من وكالات الاستخبارات وبحكم الواقع الفعلى أقتبس رأى كل متخصص فى الشئون الدولية والإرهاب. فإدارات الشئون الخارجية، والسياسة الخارجية، والدراسة التى أجرتها الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ولجنة هارت ـ رودمان الرفيعة المستوى على التهديدات الإرهابية للولايات المتحدة، كلها تجمع على أن هذا العدوان من المحتمل أن يزيد الإرهاب ويكثر من إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

والسبب بسيط: جزء منه للانتقام، ولكن الجزء الأهم هو مجرد الدفاع عن النفس.

فليس ثمة طريق آخر لحماية النفس من عدوان الولايات المتحدة. والواقع أن الولايات المتحدة مقنعة للغاية فى عرض وجهة نظرها، فهى تعلم العالم درسا فى غاية القبح.

ولنقارن بين كوريا الشمالية والعراق. العراق ضعيف ولا يمتلك قدرة دفاعية؛ والواقع أنه أضعف نظام فى المنطقة. بينما يحكمه وحش كاسر، لا يمثل تهديدا لأى أحد آخر. أما كوريا الشمالية، من ناحية أخرى، فهى تمثل تهديدا بالفعل. ولكن الولايات المتحدة لم تهاجم كوريا الشمالية لسبب بسيط للغاية: إنها تملك وسائل ردع. إنها تملك مدفعية ثقيلة موجهة إلى سيول، وإذا هاجمتها الولايات المتحدة، يمكنها أن تمسح من الوجود جزءا كبيرا من كوريا الجنوبية.

ومن ثمّ فالولايات المتحدة تقول لدول العالم: إذا كنتم بلا دفاع، سوف نهاجمكم متى نريد، ولكن إذا كنتم تملكون وسائل ردع، فسوف نتراجع، لأننا لا نهاجم إلا أهدافا لا تستطيع الدفاع عن نفسها. وبتعبير آخر، إنها تقول لدول العالم إنه من الأفضل أن تطور شبكة إرهابية وأسلحة دمار شامل أو غير ذلك من وسائل الردع الفعالة، وإذا لم تفعل، فهى معرضة لـ "حرب وقائية" “preventive war”.

ولهذا السبب وحده، من المحتمل أن تقود هذه الحرب إلى تكاثر كل من الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.

راماتشاندران: كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع عواقب الحرب على الإنسان والإنسانية ـ فى رأيك؟

شومسكى: لا أحد يعرف، بالطبع. ولهذا لا يلجأ الناس المحترمون الشرفاء للعنف ـ لأن المرء لا يعرف ببساطة كيف تكون العواقب.

لقد أوضحت وكالات الغوث والجماعات الطبية التى تعمل فى العراق أن العواقب ستكون وخيمة. ويأمل الجميع ألا يصل تأثيرها إلى ملايين الناس، ولكن هذا يمكن أن يحدث. وعندما يكون هناك مجرد احتمال لذلك، فإن اللجوء إلى العنف عمل إجرامى.

وهناك بالفعل ـ أعنى، حتى قبل الحرب ـ كارثة إنسانية. وحسب التقديرات المتحفظة، فإن عشر سنوات من العقوبات قد قتلت مئات الآلاف من الناس. فإذا كان هناك شرف وأمانة، فيجب على الولايات المتحدة أن تدفع تعويضات عن فترة العقوبات وحدها.

والحالة أشبه بضرب أفغانستان، التى سبق أن تحدثنا عنها عندما كان الهجوم الأمريكى فى مراحله الأولى. كان من الواضح أن الولايات المتحدة لا تنوى بحث العواقب بأى حال.

راماتشاندران: أو توفير النقود التى سوف يحتاجون إليها.

شومسكى: بالطبع لا. أولا لم يحدث أن أثيرت المسألة، ومن ثمّ ليس لدى أى أحد فكرة عن المدى الذى وصلت إليه عواقب العدوان على معظم أنحاء البلد. ثم، لا يوجد دخل تقريبا. وأخيرا، خرجت أفغانستان من نشرة الأخبار، ولم يعد أحد يتذكرها.

فى العراق، سوف تقوم الولايات المتحدة بعرض مشهد عن إعادة البناء الإنسانى، وسوف تضع على رأس البلاد نظاما تسميه ديموقراطيا، والديمقراطية هنا معناها أنه يتبع أوامر واشنطن. ثم ستنسى ماذا سوف يحدث بعد ذلك، وستواصل المسيرة إلى التالى.

راماتشاندران: كيف واصلت الميديا ما اشتهرت به من نموذج دعائى هذه المرة؟

شومسكى: فى الوقت الحالى تتزعم وسائل الإعلام الهتافات للفريق المحلى. أنظر إلى السى. إن. إن. ـ وهى مثيرة للاشمئزاز ـ وستجد أن الأمر لا يختلف فى كل مكان. وهذا هو المتوقع فى زمن الحرب؛ فالميديا تعبد السلطة.

والأكثر إثارة للاهتمام هو ما حدث فى الإعداد للحرب. فى الواقع إن دعايات الميديا الحكومية كانت قادرة على إقناع الناس بأن العراق خطر ينذر بالانفجار، وأن العراق مسئولة عن 11 سبتمبر، وهذا إنجاز مبهر، وكما قلت، تم تحقيقه فيما لا يزيد على أربعة أشهر تقريبا. فإذا سألت العاملين فى الميديا عن ذلك سوف يقولون: "ولكننا لم نقل ذلك أبدا"، وهذه حقيقة، فهم لم يفعلوا. لم يحدث أن أُذيع تصريح بأن العراق على وشك غزو الولايات المتحدة أو أنه قام بعملية الهجوم على مركز التجارة العالمى. وإنما أُدخل ذلك فى الأذهان تسللا، تلميحا إثر تلميح، حتى استطاعوا أن يحملوا الناس على تصديقه فى النهاية.

راماتشاندران: أنظر إلى المقاومة رغم ذلك. رغم الدعاية، ورغم تشويه سمعة الأمم المتحدة، فهم لم يتمكنوا من إحراز النصر الكامل.

شومسكى: لا يمكن إصدار حكم بعد. فالأمم المتحدة فى وضع محفوف بالخطر.

وربما تحاول الولايات المتحدة حلها. وأنا لا أتوقع ذلك فى الحقيقة، لكن على الأقل سوف تحاول التقليل من حجمها، فما فائدتها وهى مخالفة للأوامر؟

راماتشاندران: لقد عايشت حركات مقاومة للإمبريالية على مدى زمن طويل ـ فيتنام، أمريكا الوسطى، حرب الخليج الأولى. ما هو انطباعك عن شخصية، وامتداد، وعمق المقاومة الحالية لعدوان الولايات المتحدة؟ إننا نشعر بالكثير من الثقة والتشجيع عندما نرى الحشود غير العادية فى جميع أنحاء العالم.

شومسكى: نعم، هذا صحيح، ولا يوجد ما يماثل ذلك أبدا. المعارضة فى العالم كله هائلة وغير مسبوقة، ونفس الشىء واقع فى الولايات المتحدة. وعلى سبيل المثال بالأمس، كنت فى مظاهرات فى مدينة بوسطن، فى الحديقة العامة ببوسطن. ولم تكن المرة الأولى التى ذهبت إلى هناك. فى المرة الأولى شاركت فى مظاهرات كان علىّ أن ألقى فيها كلمة فى أكتوبر 1965. وكان ذلك بعد أربع سنوات من بدء الولايات المتحدة عدوانها على فيتنام الجنوبية. وكان نصف فيتنام الجنوبية قد تم تدميره وتم توسيع الحرب إلى فيتنام الشمالية. ولم نستطع القيام بمظاهرة بسبب الهجوم العنيف المضاد، وأغلب من قاموا الطلبة بمساعدة الصحافة والإذاعة الليبرالية، والتى هاجمت هؤلاء الناس الذين يجرؤون على رفع صوت معارض لحرب "أمريكية".

ورغم ذلك، ففى المناسبة الحالية، كانت هناك معارضة حاشدة قبل شن الحرب رسميا، ثم مرة أخرى فى يوم شن الحرب ـ ولم تكن هناك أية مظاهرات مضادة. وهذا فرق جوهرى. ولولا عامل الخوف الذى أشرت إليه، لربما كانت هناك معارضة أكبر كثيرا.

والحكومة تعلم أنها لا تستطيع القيام بعدوان وتدمير لفترة طويلة كما حدث فى فيتنام لأن الشعب لن يتحمل ذلك.

وليس إلا طريق واحد للقيام بحرب اليوم. أولا، اختيار عدو أضعف كثيرا، عدو يفتقد القدرة الدفاعية. ثم تزايد التلميح فى نظام الدعاية وكأنه على وشك القيام بعدوان علينا أو أنه تهديد مباشر. ثم، سوف تحتاج إلى نصر سريع مبهر. ومن الوثائق الهامة التى تسربت عن رئاسة بوش الأب وثيقة ترجع لعام 1989 تصف كيف يجب أن تقوم الولايات المتحدة بحرب. تقول الوثيقة إن الولايات المتحدة يجب أن تحارب أعداء أكثر ضعفا بكثير، وإن النصر يجب أن يكون سريعا وحاسما، حيث أن التأييد الجماهيرى سوف يتلاشى سريعا. ولم يعد الأمر كما كان فى الستينيات، عندما كان يمكن القيام بحرب لسنوات دون أية معارضة على الإطلاق.

وعلى وجوه شتّى، فإن الحركات الناشطة فى الستينيات والسنوات التى أعقبتها قد غيرت العالم كثيرا، بما فيه هذا البلد [الولايات المتحدة]، حيث أصبح الناس أكثر تحضرا فى نواح كثيرة.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية