فى نفس
الموضوع:
لنفس المؤلف:
|
نحن نجتمع فى لحظة استثنائية فى
تاريخ العالم, لحظة ليست منذرة بالسوء وفقط، ولكنها أيضا
مفعمة بالأمل..
الدولة الأكثر قوة فى التاريخ
تعلن, بتبجح وبوضوح, أنها تعتزم
حكم
العالم بالقوة, القوة التى تعتبرها سبيلها الوحيد للسيادة وفرض سلطانها على
العالم.
وبصرف النظر عن الاحترام التقليدى لمفاهيم الإكراه التى لم
تعد معيارا
يعتد
به, فإن قادة الدولة الأكثر قوة يواصلون السعى لتحقيق "طموحاتهم
الإمبريالية",
على النحو الذى يصفهم به بصراحة مقالا هاما نشرته الجريدة الرئيسية للسياسة
الخارجية. كما أعلنوا أنهم لن يسمحوا بوجود منافسين لهم, سواء الآن أو
فى
المستقبل. ويؤمنون إيمانا راسخا بأن وسائل العنف التى فى أيديهم وسائل
استثنائية
تمكنهم من إزاحة أى قوة تقف فى طريقهم. هذا هو السبب الحقيقى للاعتقاد بأن
الحرب
مع
العراق, تستهدف, فى جانب منها, تلقين العالم بعض الدروس حول ما يجب عمله من
جانب القوى الأخرى حينما تقرر الإمبراطورية خوض الحرب...
هذه العقيدة ليست
جديدة تماما, ولا هى قاصرة على الولايات المتحدة الأمريكية, لكنها لم تطرح من
قبل
بمثل هذه الغطرسة الوقحة... على الأقل لم يطرحها أى شخص تحفظه
ذاكرتنا.
من
ناحيتى, لن أسعى للإجابة على السؤال المطروح فى هذا الاجتماع : كيف نواجه
الإمبراطورية. والسبب فى ذلك, هو أن معظمكم يعرف الإجابة, بل يعرفها أفضل
منى, سواء من حياتكم أو من عملكم. يأتى السبيل لمجابهة الإمبراطورية من
خلال خلق
عالم
مختلف, عالم لا يقوم على العنف والإخضاع, ولا على الإكراه والخوف. وهذا هو
السبب فى وجودنا هنا, والأمل النبيل الذى يقدمه المنتدى
الاجتماعى العالمى.
نعمت بالأمس بمشاهدة بعض الأعمال الملهمة التى تستهدف تحقيق
هذه الأهداف, ذلك
فى
التجمع الدولى لأممية الفلاحين الذى حشدت له حركة فلاحون بلا أرض
( MST ),
والتى أعتقد أنها أكثر الحركات الشعبية الموجودة فى العالم أهمية. ببنيانها
القائم
على
أساس أنشطة وفاعليات محلية, والتنظيم الدولى من ذلك النوع الذى تمثله أممية
الفلاحين والمنتدى الاجتماعى العالمى, وما يقدمونه من تعاطف وتضامن ومساعدات
متبادلة, هذا هو الأمل الحقيقى من أجل مستقبل أفضل.
لدى أيضا بعض التجارب
والخبرات الحديثة التى تعطى صورة حية لما يمكن أن يكون عليه العالم إذا لم
تتم
محاصرة العنف الإمبريالى والقضاء عليه. ففى الشهر الماضى كنت فى جنوب شرق
تركيا, حيث ان بعض المشاهد لأسوأ الفظائع الوحشية والمروعة التى شاهدناها فى
التسعينيات, لا تزال قائمة : منذ ساعات قليلة مضت علمنا بارتكاب الفظائع
الوحشية
مجددا من جانب القوات المسلحة بالقرب من" ديار بكر", المدينة التى تعتبر
بمثابة عاصمة غير
رسمية للمناطق الكردية. طوال التسعينيات, أجبر الملايين من السكان على
مغادرة
القرى التى دمرت, وقتل عشرات الآلاف من جراء التعذيب الوحشى الذى لا يمكن
تصوره. وعاشوا فى كهوف خارج" ديار بكر", فى منشآت غير صالحة للحياة,
أو فى
أحياء
الفقراء القذرة المزدحمة بالسكان فى اسطنبول, أو فى أى مكان وجدوا فيه مأوى,
ممنوعين من العودة لقراهم على الرغم من التشريع الجديد الذى يسمح لهم نظريا
بالعودة. جاءت 80 % من الأسلحة التى قتلتهم وشردتهم من الولايات المتحدة
الأمريكية. وفى
عام
1997 فقط, أرسل" كلينتون" أسلحة إلى تركيا أكثر من التى حصلت عليها تركيا من
أمريكا طوال سنوات الحرب الباردة, وذلك فى مستهل حملة الإرهاب التى شنتها
الدولة
وأطلقت عليها" مواجهة الإرهاب", خاضها الإرهابيون ومؤيدوهم. وأصبحت تركيا
المتلقى الأساسى للسلاح الأمريكى ( إذا استثنينا إسرائيل ومصر, ياعتبارهما
يشكلان
فئة
مميزة ومختلفة ) تقف فى مصاف الدول التى تفرط فى استخدام العنف
الوحشى.
فى عام 1999, تخلت تركيا عن هذا الوضع المميز لتحل كولومبيا
محلها, ويرجع السبب فى ذلك إلى أن إرهاب الدولة المدعوم من الولايات المتحدة
الأمريكية نجح
فى
تركيا بشكل كبير. بينما لم ينجح فى كولومبيا. حازت كولومبيا على أسوأ سجل
لانتهاك حقوق الإنسان فى نصف الكرة الغربى فى التسعينيات, وفى الوقت نفسه
كانت
المتلقى الأساسى للسلاح والتدريبات العسكرية الأمريكية, ولازالت تسبق العالم
كله
فى
هذا الشأن. هذا فضلا عن أنها تسبق دول العالم فى انتهاكات أخرى, مثل,
اغتيال
النشطاء من العمال, حيث أكثر من نصف جرائم الاغتيالات التى تمت على النطاق
العالمى
فى
العقد الماضى جرت فى كولومبيا. وفى العام الماضى طرد حوالى نصف مليون فلاح
كولومبى من أرضه. وتشير الإحصاءات إلى أن السكان الكولومبيين المرحلين من
مساكنهم
وأراضيهم يقدرون الآن بحوالى 7ر2 مليونا. ويرتفع معدل الاغتيال السياسى إلى
20
قتيل يوميا, وهو ما يشكل ضعف عدد الاغتيالات السياسية منذ خمس
سنوات مضت.
لقد
زرت"
كوكا" فى جنوب كولومبيا, التى شهدت أسوأ انتهاكات لحقوق الإنسان فى البلاد
خلال
عام 2001. استمعت هناك على مدى ساعات لشهادات الفلاحين الذين طردوا من
أراضيهم بواسطة الأسلحة الكيماوية, فى العمليات التى سميت" بالتطهير بالغاز "
تحت
دعوى
"حرب المخدرات" التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية, والتى حظيت بقليل
من
الاهتمام, رغم أهدافها القذرة وجرائمها المتعمدة .
دمرت الحرب حياتهم
وأراضيهم, ومات أبناءهم, وتركوهم يعانون المرض والجراح. هناك, تقوم الزراعة
الريفية على
المعارف التقليدية الفنية وعلى الخبرات المكتسبة على مدار قرون طويلة, التى
تورثها
الأم
إلى بناتها كما هو الحال فى كثير من أنحاء العالم. رغم الإنجاز الإنسانى
الرائع, إلا أنه ضعيف إلى حد بعيد, ويمكن تدميره نهائيا وإلى الأبد خلال
جيل
واحد. أيضا يتم القضاء على جانب من التنوع البيولوجى الغنى فى العالم, كما
يحدث
فى المناطق المتاخمة للبرازيل. وبينما لا يملك المزارعون, والسكان
الأصليون, والكولومبيون من أصول أفريقية, سوى الالتحاق بالملايين الذين
يعيشون فى أحياء
الفقراء والمعسكرات العفنة, تستولى الشركات المتعددة الجنسيات على جبالهم من
أجل
استخراج الفحم والنفط وغيرها من مصادر الثروة, واغتصاب الأرض من أجل زراعة
محصول
واحد
من أجل التصدير باستخدام البذور المنتجة معمليا وتجريد البيئة من ثرواتها
وتنوعها.
المشاهد فى كولومبيا وفى جنوب شرق تركيا مختلفة عن مباهج تجمعات أممية
الفلاحين ومجتمع" حركة فلاحون بلا أرض"
MST.
لكن تركيا وكولومبيا حبلى بالأمل فى
حياة
مختلفة, بسبب شجاعة الشعوب وتفانيها فى نضالها من أجل العدالة والحرية,
ومجابهة الإمبراطورية أينما كانت تمارس القتل والتدمير.
هناك
بعض من المؤشرات
للمستقبل, إذا ما واصل" الطموح الإمبراطورى" طريقه العادى, والذى يتسارع الآن
بفضل
الاستراتيجية الكبرى لحكم الكوكب بالقوة والإكراه. ليس هذا بقدر محتوم,
فهناك نماذج وسبل للقضاء على هذه الجرائم, يمكن للمرء أن يذكر منها : حركة
فلاحون
بلا
أرض, وأممية الفلاحين, والمنتدى الاجتماعى العالمى.
يخوض المنتدى
الاجتماعى العالمى مناقشات وحوارات مكثفة حول سلسلة من القضايا والمشكلات
بصراحة
شديدة, وجديرة بالاعتبار إلى حد بعيد, لكنى أعتقد أننا نستطيع تحديد موضوعين
أساسيين. الأول, هو قضية العدالة الكوكبية والحياة بعد الرأسمالية - أو
جعلها
أكثر
وضوحا, ذلك لأنه ليس من الواضح أن الأجناس البشرية يمكنها البقاء لفترة طويلة
فى ظل وجود مؤسسات الدولة الرأسمالية. أما الموضوع الثانى,
فيتعلق بالحرب والسلام, وبشكل خاص, الحرب فى العراق التى تستعد لخوضها كل من
واشنطن ولندن, منفردين.
دعونا نبدأ ببعض الأنباء الطيبة حول هذه الموضوعات
الأساسية. فكما تعلمون, هناك أيضا مؤتمر المنتدى الاقتصادى العالمى الذى
يعقد الآن فى" دافوس ". وإذا كان
المزاج العام هنا فى" بورتو أليجرى" يسوده البهجة والحيوية والإثارة, فإن
المزاج
العام فى" دافوس" على حد قول "صحيفة النيويورك تايمز", تسوده الكآبة.
فبسبب" التقلبات والاهتزازات" فإن هذا" ليس زمان الاحتفالات
الكوكبية ". فى الحقيقة, استسلم مؤسس المنتدى الاقتصادى العالمى
للهزيمة, حيث قال :" إن سلطة وقوة الشركات
الكبرى تتلاشى تماما
". بينما نحن هنا فى" بورتو أليجرى" ليس لنا ما نفعله سوى
لملمة أجزاء حركتنا, والسعى من أجل النهوض, ليس فقط للحديث عن رؤية لمستقبل
عادل
وإنسانى, بل أيضا للتحرك لخلق وإبداع هذه الرؤية.
بالطبع, لا يجب علينا أن
نترك الثناء والتمجيد يطيح برؤوسنا, فلازالت هناك صعوبات
تواجهنا.
كانت القضية
الأساسية لمنتدى دافوس الاقتصادى العالمى هى" بناء الثقة", وهو أن"
قادة
البشرية"
كما كانوا يحلو لهم أن ينعتوا أنفسهم فى الأيام الخوالى, يدركون أنهم الآن
يواجهون مشكلة خطيرة. إن استطلاعات الرأى المنشورة مؤخرا توضح أن الثقة فى
هذه
القيادات تتراجع على نحو خطير. بينما لا يتمتع بثقة الغالبية الواسعة سوى
قيادات
المنظمات غير الحكومية, ويليهم الأمم المتحدة, ثم القيادات الروحية والدينية,
ويأتى بعد ذلك زعماء أوروبا الغربية والمديرون الاقتصاديون, وبعدهم القيادات
التنفيذية للشركات الكبرى, وفى القاع, يأتى قادة الولايات المتحدة الأمريكية,
بثقة تبلغ حوالى 25 %. وهو ما يعنى فى الواقع عدم وجود ثقة, فعادة, حينما
يسأل
الناس عما إذا كانوا يثقون فى القادة الذين يتولون السلطة, يجيبون بحكم
العادة
:"
نعم".
الأسوأ من ذلك, أنه منذ أيام قلائل, كشف استطلاع للرأى أجرى
فى كندا
أن
أكثر من ثلث مجموع السكان يعتبرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تشكل أكبر
تهديد للسلام العالمى. إن ما لدى الولايات المتحدة من جنود أكثر من ضعف ما
لدى
العراق أو كوريا الشمالية, وأيضا أكثر مما لدى "القاعدة" بما لا يقاس. كما
كشف
استطلاع رأى عشوائى أجرته مجلة" تايم" أن أكثر من 80 % من المشاركين فى
الاستطلاع
فى
أوروبا يعتبرون الولايات المتحدة أكبر تهديد للسلام العالمى, بينما من
اعتبروا
العراق أو كوريا الشمالية التهديد الأكبر للسلام العالمى فقد كانوا أقل من 10
% من
المشاركين. حتى ولو افترضنا عدم دقة هذه الأرقام, فإن الأمر يبقى
مأساويا.
دونما الخوض فى التفاصيل, فإن مجرد دفع كل فرد من قيادات الشركات الكبرى مبلغ
30
ألف
دولار لحضور الاجتماعات الكئيبة فى" دافوس" هو دليل كافى على
نواياهم الصادقة" لبناء الثقة".
اشك أن الحرب القادمة مع العراق تساهم فى
هذه
التطورات المثيرة والهامة. فمعارضة هذه الحرب هى معارضة غير مسبوقة على
الإطلاق. ففى
أوروبا وصف "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكى, بعجرفة بالغة كل من
فرنسا
وألمانيا بأنهما يمثلان "
أوربا العجوز", لمجرد أنهما رفضا الإذعان.
وأكد
للصحفيين الأجانب أن " عددا كبيرا من البلدان الأوروبية الأخرى تقف إلى
جانب
الولايات المتحدة الأمريكية".
هذا العدد الكبير يمثل فى رأيه " أوروبا الجديدة", ويومئ له "
بيرلسكونى" إيطاليا, لمجرد أنه زار البيت الأبيض, ساعيا لأن يكون" الباء"
الثالثة, فى ثلاثية ، "بوش", "بلير" ، "بيرلسكونى", مفترضا أن ذلك
سوف
يمكنه من البقاء خارج السجن.
يقول
لنا البيت الأبيض أن إيطاليا فى الجانب
الأمريكى. وأنه ليست هناك مشكلة فى أن أكثر من 80 % من الإيطاليين يعارضون
الحرب
طبقا
للاستطلاعات الحديثة للرأى. إن ذلك لا يعنى سوى أن الشعب الإيطالى أيضا
ينتمى" لأوروبا العجوز", ويمكن إلقاءهم فى مزبلة التاريخ مع فرنسا وألمانيا,
وغيرهم
ممن
لا يدركون مواقع أقدامهم.
أسبانيا مدعوة كعضو دائم آخر فى "أوروبا
الجديدة",
رغم أن 75 % من الأسبان يعارضون الحرب تماما, طبقا لاستطلاع رأى أجرته
مؤسسة "جالوب" الدولية. وعلى حد قول محلل السياسة الخارجية لمجلة
"النيوزويك", فإن الآمال المعقودة على "أوروبا
الجديدة"
معقودة على البلدان الشيوعية السابقة, التى تضع فى حساباتها المصالح
الأمريكية فى تقويض السوق الاشتراكى المحتقر من جانب
أوروبا. ويقرر المحللون السياسيون أن ثلثا السكان فى تشيكوسلوفاكيا,
يعارضون المشاركة
فى
الحرب, وفى بولندا لا يؤيد الحرب سوى 25 % من السكان شريطة أن "يثبت مفتشوا
الأمم المتحدة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل".
وفى هذا الإطار, تؤكد التقارير
الصحفية البولندية أن 37 % من البولنديين يوافقون على الحرب فى هذه الحالة,
بينما
تبقى
نسب الموافقة شديدة الانخفاض, فى قلب "أوروبا الجديدة
".
نشرت
صحيفة "وول ستريت جورنال", تعريف لأوروبا الجديدة: فإلى جانب إيطاليا,
وأسبانيا, وبولندا, وتشيكولوفاكيا, هناك قادة (وليس شعوب) الدنمارك (رغم أن
الرأى العام
بشأن
الحرب ينتمى إلى أوروبا العجوز), والبرتغال (رغم معارضة 53 % من السكان
للحرب تحت أى شرط, و96 % يعارضون الحرب إذا ما شنتها الولايات المتحدة
وحلفاءها
منفردين), وبريطانيا (التى يعارض الحرب فيها 40 % من السكان تحت أى ظرف,
بينما
يرفض
90 % من السكان إنفراد الولايات المتحدة وحلفاءها بشن حرب بعيدا عن الأمم
المتحدة )، والمجر ( التى لا تتوفر أية إحصاءات عن اتجاهات
الرأى العام فيها). باختصار، تتكون" أوروبا الجديدة" من الزعماء الذين
يرغبون فى تحدى شعوبهم.
تسبب إعلان "رامسفيلد" فى ان يكون مصدرا لإزعاج "أوروبا
القديمة" خاصة حين وصفها بأنها
بلاد
تمثل "مشكلة", وأنها دول غير حديثة. وكان رد الفعل مفهوما من جانب
المعلقين فى الولايات المتحدة. وكتبوا فى صحفهم الواسعة الانتشار, نحن نعلم
أن
الحلفاء الأوروبيين الضجرين لا يدركون "الاستقامة الأخلاقية" للرئيس "بوش
".
الدليل على هذه الاستقامة الأخلاقية هى "أن مستشارى الرئيس بوش يعبرون عن
الحماسة
والتعصب الانجيلى" المستمد مباشرة من الإنسان البسيط الذى يكرس حياته
لاستئصال
الشر
من العالم.
ونظرا لأن هذا الدليل, هو أكثر الأدلة التى يمكن تصورها تفاهة
وسطحية, ولا يستحق سوى الازدراء, فلا علينا إلا أن نتغاضى عنه كما تغاضى عنه
آخرون. على أية حال, نحن نقول, أن اعتبار الأوروبيين العيابين لنقاء
بوش
الروحى, مجرد "سذاجة أخلاقية" - بصرف النظر عن التصورات المبتكرة التى سوف
يروجها أخصائيو العلاقات العامة
فى
الإدارة الأمريكية. كذلك نحن نعلم أن"
هناك
إنقساما حادا بين العالم الأوروبى الكئيب وبين النزعة المثالية لدى العالم
الجديد من أجل القضاء على البربرية". إذا كان ذلك هو هدف العالم المثالى الذى
يدعو له زعماؤنا, فهل هناك دليل أوضح من ذلك يمكن للمرء أن
يبحث عنه؟
فى
أوروبا الجديدة, لا يشار إلى الرأى العام إلا عند التعامل مع مشكلة التسويق,
فالمنتج الذى يباع يجب أن يكون جيد وجدير بالاحترام, ومعلوم المصدر. بينما
يفضل
زعماء أوروبا الجديدة رغبات واشنطن على رغبات شعوبهم, ويهددون بعزل "ألمانيا
وفرنسا", اللذان يظهران فى رأيهم تراجعا عن الديمقراطية, كما يؤكد زعماء
أوروبا
الجديدة أن كل من ألمانيا وفرنسا لا يتحدثان إلا لإرضاء شعوبهم وشعوب أوروبا
الجديدة أيضا. هذا فى الوقت الذى يدرك فيه المعلقون السياسيون مدى"
المعارضة
القوية" لسياسات أوروبا الجديدة, داخل أوروبا الجديدة.
إن أولئك الذين يدعون
أنهم
يحكمون العالم بالعدل والحق, توضح بياناتهم وردود أفعالهم, أنهم لا يخفون
احتقارهم للديمقراطية, سواء الديمقراطية كفكرة ونموذج, أو الديمقراطية كما
تطبق
فى الواقع.
هناك الكثير من الدلائل على ذلك. فحينما تجرأ المستشار
الألمانى "جرهارد شرودر" على اتخاذ موقف الغالبية الساحقة من الناخبين فى
الانتخابات الأخيرة, وصف موقفه بأنه "صدمة" و "فشل فى القيادة",
وأن على ألمانيا أن تتغلب على هذه
المشكلة إذا ما كانت تريد أن تكون موضع قبول العالم المتمدين. إذن المشكلة
ترتبط
بألمانيا نفسها, ولا ترتبط بالنخب الحاكمة فى الديمقراطيات الأنجلو -
أمريكية. وتكمن المشكلة الألمانية فى أن "الحكومة تحيا فى خوف من
الاصوات الانتخابية, وأن هذا يدفعها لارتكاب خطأ تلو الآخر" - هذا على حد
قول المتحدث باسم الجناح
اليمينى
لحزب الاتحاد المسيحى الاشتراكى, الذى يعبر قوله عن فهمهم الحقيقى
للديمقراطية.
تشكل تركيا حالة ودليلا أكثر وضوحا, حيث تعد تركيا الأكثر بين
دول
المنطقة معارضة للحرب - وتسجل أحدث استطلاعات للرأى رفض 90 % من الأتراك
للحرب. وتعجز الحكومة عن إعطاء بعض الاهتمام للشعب الذى انتخبها. لكنها
لم تخضع
تماما للضغوط والتهديدات الشديدة التى تمارسها واشنطن لإجبارها على الرضوخ
لصوت
السيد الأمريكى. هذه الممانعة من جانب الحكومة المنتخبة عن إتباع الأوامر
تشكل أحد
الدلائل القوية على أن القادة الأتراك ليسوا ديمقراطيون حقيقيون. ومن أجل
أولئك
الأغبياء الذين لا يدركون الحقائق الدقيقة, يشرح لهم سفيرنا السابق فى تركيا
"مورتون ابرامووتيز", والآن هو رجل دولة شهير ومعلق بارز، هذه الحقائق عندما
يقول "أن تركيا كانت
لديها حكومة ديمقراطية حقيقية",
حكومة "تورجوت أوزال" الذى "تجاهل رأى مواطنيه
الذين كانوا يفضلون عدم التورط فى حرب الخليج
". لكن الديمقراطية تراجعت وتقلصت فى
تركيا. فالقيادة الراهنة "تسير خلف الشعب", و"تفتقر للديمقراطية", ويضيف
"مورتون": "
أن ما يؤسف له أن الولايات المتحدة لا تجد الآن أوزال".
هكذا, سيكون من
الضرورى جلب الديمقراطية الحقيقية لتركيا من خلال الضغوط الاقتصادية وغيرها
من
أدوات الإكراه - هذا هو للأسف ما تدعونا إليه صحافة النخبة, والديمقراطية
الذين
يدعوننا للرثاء عليها.
تقدم البرازيل دليلا آخر على المواقف الحقيقية لسادة
العالم من الديمقراطية. ففى أكثر الانتخابات حرية التى شاهدها نصف الكرة
الغربى, صوتت الغالبية الواسعة مع السياسات التى تعارضها بشدة مؤسسات التمويل
والاستثمار
الدولية, وصندوق النقد الدولى, ووزارة الخزانة الأمريكية. فى سنوات سابقة,
كان
ذلك
الأمر إشارة لضرورة القيام بانقلاب عسكرى للإطاحة بالحكومة المنتخبة وتنصيب
دولة
مستبدة تحت ذريعة الأمن القومى, كما كان الحال فى البرازيل منذ 40 عاما.
لكن الآن, لم يعد
هناك
مكانا لدولة الأمن القومى ؛ فقد تغيرت الشعوب فى الجنوب والشمال, ولم تعد
تتقبل بسهولة هذا الشكل الاستبدادي للدولة.
علاوة على ذلك, هناك الآن طرقا
أسهل
لإضعاف وتقويض إرادة الشعب, ويرجع الفضل فى ذلك لآليات الليبرالية الجديدة
التى
قلصت سلطات الدولة من خلال : تقليص هيمنة الدولة على الاقتصاد, وتحرير حركة
رأس
المال وهروبه خارج البلاد, والهجوم على العملة الوطنية, والخصخصة, وغيرها من
الإجراءات التى وضعت خصيصا من أجل تقليص مساحات الخيارات الشعبية.
وقد
أدى ذلك
للنتيجة المأمولة, وهى خضوع الحكومة لما تمليه عليها أوامر الاقتصاديين
الدوليين, الذين يطلق عليهم"
البرلمان الحقيقى"
للمستثمرين والمقرضين, الذين يضعوا
القرارات, ويخضعون الشعب, الأمر الذى يعد انتهاكا صارخا للقواعد الأساسية
للحكم
الديمقراطى.
بمجرد خروجى من المطار, تلقيت أسئلة صحفية
حول
لماذا لا يوجد فى أمريكا سوى القليل جدا ممن يناهضون الحرب ؟. كانت الأسئلة
مفيدة. ففى الحقيقة, أن الاحتجاجات فى الولايات المتحدة, مثلها مثل أى مكان
آخر
فى
العالم, احتجاجات لم يشهد التاريخ مثلها. لم تقتصر فقط على المظاهرات, بل
كانت
هناك أيضا الندوات, والأحداث الجماهيرية الأخرى. ولنأخذ مثالا على الأنواع
المختلفة من الاحتجاجات, ففى الأسبوع الماضى, أصدر مجلس مدينة شيكاغو قرارا
ضد
الحرب, شاركت فيه 50 مدينة وبلدة أخرى. نفس الشئ حدث فى قطاعات أخرى, بما
فى ذلك
أولئك الذين هم فى قمة الاحتكارات الكبرى : عبرت عنه منظمات غير حكومية
ومنظمات
دينية وشخصيات بارزة, مع وجود استثناءات قليلة. ومنذ عدة أشهر أصدرت جامعة
تكساس
أكبر
جامعات أمريكا قرارا حاسما ضد الحرب, وهى الجامعة المجاورة لمزرعة "جورج بوش
".
ومن المنتظر أن تستمر هذه الاحتجاجات ضد الحرب. كذلك, لماذا هذا الحكم
الواسع
الانتشار فى أوساط النخب بأن تقاليد المعارضة والاحتجاج قد
اختفت؟
من الثابت, أن المقارنات التى جرت بين الاحتجاجات الراهنة
وبين الاحتجاجات ضد الحرب فى فيتنام, تكشف عن حقيقة واضحة. منذ وقت قريب
مرت 40 عاما على إعلان إدارة كيندى الأمريكية
بأنها كانت قد أرسلت القوات الجوية الأمريكية لقذف فيتنام الجنوبية, كما
بادرت
بوضع
خطط لحشد الملايين فى معسكرات مركزية, وبرامج لشن حرب كيماوية لتدمير
المحاصيل الغذائية فى فيتنام. بينما لم تكن هناك ذريعة للحرب, سوى الرطانة
البلاغية الرسمية على شاكلة : الدفاع ضد الاعتداءات الداخلية فى فيتنام
الجنوبية
ذاتها, والتصدى "للهجوم من الداخل ". ذلك على حد قول" الرئيس كيندى" وسفير
الولايات المتحدة آنذاك " آدلاى ستيفنسون ". وحينذاك لم تكن هناك معارضة.
ولم تكن
قد
بلغت أى مستوى له معنى أو شأن, واستمرت على هذا الحال لسنوات عديدة وبمرور
الوقت التحقت مئات الآلاف من القوات الأمريكية بجيش الاحتلال, وقامت بتدمير
مناطق
كثيفة السكان بالقنابل, وامتد العدوان إلى الهند الصينية. وحينذاك كانت
الاحتجاجات فى أواسط النخب الثقافية الأمريكية تقوم فى المقام الأول على "أسس
براجماتية" : أن الحرب كانت "خطأ"
لأنها أصبحت باهظة التكاليف على الولايات المتحدة
الأمريكية. وبحلول نهاية الستينيات, اختلف الأمر بشكل حاد, فقد هبت
الغالبية
العظمى تعبر عن الرأى العام المعارض للحرب, ليس لأنها مجرد
"خطأ", بل لأنها بالأساس "جريمة ولا أخلاقية".
أما اليوم, فيختلف تماما عن الستينيات, فهناك الاحتجاجات
الشعبية واسعة النطاق ضد الولايات المتحدة قبل أن تبدأ الحرب رسميا. يعكس
ذلك تنامى راسخ لعدم الرغبة فى تحمل العدوان والوحشية أو التسامح معهما.
هذا فى الواقع, واحد من التغيرات الكثيرة التى تحدث على النطاق العالمى.
وأيضا
يشكل
جزءا من خلفية ما يحدث فى" بورتو أليجرى", وهو جزء من أسباب الكآبة التى تسيطر
على" دافوس".
إن القيادات السياسية تدرك تماما هذه التطورات. حينما جاءت
الإدارة الأمريكية الجديدة إلى البيت الأبيض, تلقت مراجعة عن الوضع العالمى,
أعدته
وكالات الاستخبارات. ورغم أن هذه المراجعة سرية, إلا أننا نعلم بها منذ
سنوات
طويلة سابقة. فحينما جاء "بوش الأول" إلى البيت الأبيض عام 1989, تم تسريب
جزء
صغير
من هذه المراجعة, وكان ما تم تسريبه يتعلق " بالحالات التى تواجه فيها
الولايات المتحدة أكثر الأعداء ضعفا"
- وكانت الفكرة الوحيدة المسيطرة هى القتال. وقد نصح المحللون من المخابرات
بأن الصراع مع " أكثر الأعداء ضعفا", سيمكن
الولايات المتحدة من تحقيق نصر "حاسم وسريع", وسوف يؤدى إلى انهيار أى معارضة
شعبية.
كل
هذا لا يشبه ما حدث فى سنوات الستينيات, حينما تحمل الأمريكيون
وتقبلوا لسنوات ضحايا الحرب ودمارها دونما معارضة واضحة. وهو الأمر الذى لم
يعد
قائما الآن. فقد أحدثت الحركات المدنية النشيطة على مدى السنوات الأربعين
الماضية
تغيرات هامة. والآن, فإن السبيل الوحيد للهجوم على أكثر الأعداء ضعفا, يتم
من
خلال
شن حملة دعائية ضخمة لتصوير ذلك العدو فى صورة مرتكب المذابح الجماعية,
والمهدد لبقاءنا واستمرار حياتنا, ذلك حتى يكون السبيل ممهد لتحقيق النصر
الرائع
على
العدو المرعب, بينما تنشد الأغانى لتمجيد القادة الشجعان الذين بعثت بهم
الأقدار لإنقاذنا فى الوقت المناسب.
هذا هو السيناريو الراهن فى التعامل مع
العراق.
تكشف استطلاعات الرأى أن نسبة المؤيدين للحرب فى الولايات
المتحدة
الأمريكية أكبر من أى مكان آخر فى العالم, لكن الأرقام مضللة وخادعة, هذا من
جانب, ومن جانب آخر, يجب أن نضع فى اعتبارنا أن الولايات المتحدة هى البلد
الوحيد التى
لم
يسبها "صدام حسين", بل ويخشاها أيضا. وأن هناك تكثيف للدعاية القوية التى
تحذر
من أننا إذا لم نوقف" صدام حسين" اليوم, فسوف يدمرنا غدا. وعلى حد ما
أعلنته "كولداليزا رايس" مستشار الأمن القومى فى سبتمبر الماضى, أن الهدف
القادم لأسلحة الدمار الشامل العراقية قد تكون "نيويورك".
هذا على الرغم من
أن
جيران العراق لا يبدو عليهم هذا القلق المفرط, على الرغم من كره الكثير منهم
للطاغية المستبد. قد يكون ذلك لأنهم يدركون أن "الغالبية الواسعة من
الشعب العراقى
يعانى من التجويع نتيجة للحظر المفروض عليه منذ سنوات",
وذلك ما تؤكده تقارير
منظمة الصحة العالمية, هذا فضلا عن أن العراق يشكل أحد الدول الضعيفة فى
المنطقة, حيث لا تشكل النفقات الاقتصادية والعسكرية للعراق سوى جزءا ضئيلا من
النفقات
الاقتصادية والعسكرية للكويت, التى لا يتجاوز مجموع سكانها 10% من سكان
العراق, وكذلك الحال مع جيران العراق الآخرين.
لكن
الأمر يختلف بالنسبة للولايات
المتحدة الأمريكية. فحينما منح الكونجرس الرئيس الأمريكى سلطات لشن حرب فى
أكتوبر
الماضى, كان ذلك فى إطار "الدفاع عن الأمن القومى للولايات المتحدة ضد
التهديدات
المستمرة القائمة من جانب العراق".
وكأن علينا أن نرتعد خوفا من هذا التهديد
المرعب, فى الوقت الذى تسعى فيه البلدان المجاورة للعراق لإعادة إدماج العراق
فى
المنطقة, بما فى ذلك البلدان التى تعرضت لهجوم "صدام حسين", حينما كان صديقا
وحليفا لأولئك الذين يديرون أمور واشنطن الآن - والذين أمدوه بالمساعدات
ممتنين
لجهوده, بما فى ذلك وسائل تطوير أسلحة الدمار الشامل, هذا فى
وقت كان فيه "صدام" أكثر خطورة إلى حد بعيد مما هو عليه الآن, وكان يرتكب
بالفعل أسوأ جرائمه.
إن الإجراء الخطير والخاص بدعم وتأييد الحرب يجب أن يتخلص
تماما من "عامل الخوف", الذى لا تستشعره سوى الولايات المتحدة الأمريكية
وحدها. تبقى بعد ذلك
الإجراءات التى تتخذ لدعم اللجوء إلى العنف, وهى على ما أعتقد, يتم اللجوء
إليها
فى أماكن أخرى من العالم, وليس فقط فى الولايات المتحدة
الأمريكية.
من اللافت
للنظر أيضا أن المعارضة القوية للحرب القادمة تمتد إلى مؤسسات الدولة.
فهناك
إصدارات حديثة لأكبر جريدتين فى السياسة الخارجية تحتوى على مقالات تعارض
الحرب لشخصيات
بارزة فى نخب السياسة الخارجية. كما أصدرت الأكاديمية الأمريكية للفنون
والعلوم, ذات السمعة الطيبة, دراسة مطولة حول الحرب، سعيا لإعطاء أفضل تفسير
مناسب ممكن
لموقف إدارة الرئيس بوش, وفى هذا الإطار, فضحوا مواقف الإدارة الأمريكية,
واحد
تلو
الآخر. واقتبسوا عن أحد المحللين المحترمين وهو, مساعد رئيس "منحة كارنيجى
للسلام الدولى", الذى حذر من أن الولايات المتحدة تصبح "خطرا على نفسها
وعلى
الجنس البشرى برمته"
فى ظل قيادتها الحالية, التى لم يوجد نظير لها من قبل.
مع
ذلك, يجب أن نعترف بأن هذه الانتقادات محدودة وتمضى فى مجالات ضيقة. وأنهم
لا
يأبهون إلا بالأخطار التى تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. ولا يعبأون
بالآثار
المحتملة على العراقيين : فى هذا الاتجاه, تحذر وكالات الأمم المتحدة ووكالات
المساعدة من أن الملايين قد يتعرضون لأخطار شديدة القسوة فى بلد يحيا على
حافة
البقاء بعد حرب رهيبة استهدفت بنيته الأساسية, والتى تعد بمثابة حربا
بيولوجية
-
وبعد
عقد من الحصار المدمر الذى أدى إلى قتل مئات الألوف من الشعب ووقف أى مساعى
لإعادة البناء, لكنه فى الوقت نفسه لم يؤد إلا إلى تعزيز الطاغية المستبد
الذى
يحكم العراق.
من المثير أيضا أن الانتقادات لم تلتفت مطلقا للتناقض فى
اللغة
البلاغية المتغطرسة حول مقرطة العراق وإطلاق الحريات فيه. من المحتمل, أن
المنتقدين اعتبروا اللغة البلاغية الطنانة لا تستهدف سوى إرضاء المثقفين
وكتاب
الافتتاحيات - الذين لم يفترض فيهم أنهم لاحظوا أن الاندفاع باتجاه الحرب كان
متزامنا مع مظاهر مفاجئة تعبر عن كره الديمقراطية, كما كان من المعتقد أنهم
تناسوا
الإشارة إلى أولئك الذين يقودون الحملة من أجل الحرب. لماذا لم يناقش هذا
الأمر
أيضا
فى الأمم المتحدة؟... على الرغم من ذلك, فإن الانتقادات الموجهة إلى مؤسسة
الدولة كانت شديدة الواقعية والصدق. فالمنتقدين لم يدهشوا أو يفاجئوا حينما
أخطرت
المخابرات المركزية الكونجرس الأمريكى فى أكتوبر الماضى أنها تعلم بعدم وجود
أى نوع من العلاقات بين العراق وبين الإرهاب الذى تمارسه "القاعدة"
والمنظمات التى على
شاكلتها, إلا أن أى هجوم على العراق من المحتمل أن يؤدى إلى زيادة التهديدات
الإرهابية للغرب بطرق وأساليب عديدة. من المحتمل أن يؤدى الهجوم على العراق
إلى
خلق
جيل جديد من الإرهابيين مصمم على الثأر, وقد يدفع العراق للقيام بأعمال
إرهابية, وهو الأمر الذى يأخذه المحللون الأمريكيون بجدية. فى هذا
الإطار,
أصدرت
مجموعة عمل رفيعة المستوى فى مجلس العلاقات الخارجية تقريرا حديثا يحذر من
هجمات
إرهابية محتملة, ستكون عواقبها أسوأ كثيرا مما حدث فى 11 سبتمبر, منها احتمال
استخدام أسلحة الدمار الشامل داخل الولايات المتحدة الأمريكية, وهو الخطر الذى
يصبح "أكثر توقعا بعد ذهاب القوات الأمريكية للحرب مع العراق".
وبالفعل قدموا الكثير
من
التوضيحات والصور والمعلومات عن الإرهابيين. لكنها ليست المرة الأولى التى
يفعلون فيها ذلك, فقد سبق للمحللين الاستراتيجيين أن قدموا معلومات مشابهة
قبل 11
سبتمبر بوقت طويل.
من المفهوم أيضا أن أى هجمات على العراق قد لا تؤدى فقط إلى
المزيد من الإرهاب, بل قد تؤدى أيضا إلى انتشار أسلحة الدمار الشامل, وذلك
لسبب
بسيط, وهو أن الولايات المتحدة تسلم بأنه لا سبيل لتحقيق "الطموح الأمريكى",
إلا بتحمل مخاطر جادة ليس من جانب أمريكا وحدها, ولكن أيضا العالم برمته.
هذا ما
يحذر
منه الكاتب فى الجريدة الرئيسية للسياسة الخارجية. كما يحذر الصقور
البارزين
من
أن أى حرب فى العراق قد تؤدى إلى "أكبر كارثة فى التاريخ ". إنهم يدركون أن
العراق إذا ما كانت تمتلك فعلا أسلحة كيماوية وبيولوجية, فإن النظام
الديكتاتورى
الحاكم سيحتفظ بها ويتمسك بها ويخفيها بشكل محكم. كما أنهم يدركون أيضا أن
العراق
لن
يستخدم أى أسلحة للدمار الشامل قد تكون فى حوزته إلا إذا ما تم الهجوم عليه,
وهكذا فإن دعاة الحرب يشجعون ويدفعون لمحرقة. كذلك, فإنه من غير المحتمل أن
تتسرب
هذه
الأسلحة إلى "أسامة بن لادن" أو من على شاكلته فى العالم, لأن ذلك سيكون
بمثابة تهديد رهيب لصدام حسين نفسه. ولكن, فى ظل الهجوم, سوف ينهار النظام
الاجتماعى العراقى, وستنهار معه وسائل السيطرة على أسلحة الدمار الشامل.
وسوف
يؤدى
ذلك إلى "خصخصة" أسلحة الدمار الشامل, وفى هذا الإطار, يشير خبراء الإرهاب,
إلى أن الحرب ستدفع إلى الأسواق بكميات ضخمة من الأسلحة غير التقليدية، ولن
تجد
صعوبة فى الحصول على مشترين. وهذا هو فى الواقع "السيناريو الكابوسى" الذى
يحذر
منه الصقور.
حتى قبل أن تبدأ إدراة "بوش" فى دق طبول الحرب ضد العراق,
كانت
هناك
الكثير من التحذيرات من أن مثل هذه المغامرة سوف تؤدى إلى انتشار أسلحة
الدمار
الشامل, والإرهاب, واعتبرت هذه التحذيرات أن مثل هذه الأخطار لابد وأن تشكل
عائقا
ضد
الحرب. الحقيقة الراهنة, أن واشنطن تلقن العالم درسا بالغ الخطورة والبشاعة
؛
إذا
ما كنت ترغب فى حماية نفسك منا, فعليك بمحاكاة كوريا الشمالية وإظهار القدرة
على
التهديد العسكرى وعلى استخدام أسلحة الدمار الشامل. من جهة أخرى, فإننا سوف
ندمرك من أجل تحقيق "الاستراتيجية الكبرى" الجديدة, التى لا تروع فقط الضحايا
العاديين أو تروع "أوروبا العجوز", بل تروع أيضا النخبة السياسية الأمريكية
المشتغلة بالسياسة الخارجية, التى تقر بأن "دخول الولايات المتحدة
الأمريكية فى
مواجهة عسكرية لفرض
مصالحها القومية, لن تجلب للعالم سوى المزيد من الأخطار, ولن
تسفر
عن تحقيق الأمن للولايات المتحدة",
هذا أيضا ما تقوله شخصيات بارزة فى صحف
النخبة الأمريكية.
من الواضح, أن النهوض المحتمل للإرهاب ولانتشار أسلحة
الدمار الشامل لا يحظى إلا باهتمام محدود من جانب مخططى السياسة فى واشنطن,
وذلك
فى
إطار تمسكهم بأولياتهم الحقيقية. وفى هذا الإطار يمكن للمرء أن يصل بسهولة
إلى
أن
كل هذه المخاطر لا تهم أحدا.
تأكدت هذه المخاطر بشكل درامى فى أكتوبر
الماضى, فى اجتماع "قمة هافانا" بمناسبة الذكرى الأربعين لأزمة الصواريخ
الكوبية, والتى حضرها مشاركون أساسيون من روسيا وأمريكا وكوبا. وعلى الرغم
من أن مخططى
السياسة الأمريكية كانوا آنذاك يدركون أن مصير الأمم فى أيديهم, إلا أن
المعلومات
الجديدة التى طرحت فى"قمة هافانا" كانت مروعة حقيقة. فقد علمنا أن "فاسيلى
أرخيبوف"، قائد إحدى الغواصات الروسية, أنقذ العالم من دمار نووى, حينما
اعترض
على
تنفيذ أمر بإطلاق صواريخ تحمل رءوسا نووية, أثناء تعرض الغواصات الروسية
لهجوم المدمرات الأمريكية بالقرب من خط "دفاع كيندى ". ولو أن" ارخيبوف"
كان قد
وافق على شن هجوم نووى متبادل, لأدى ذلك إلى تدمير نصف الكرة
الأرضية الشمالى, على حد قول " ايزنهاور".
هذه الاكتشافات المروعة ظهرت فى الوقت المناسب تماما, حيث
تكشف الملابسات أن: جذور أزمة الصواريخ أشارت وقتها إلى ما يدخره الإرهاب
الدولى للمستقبل, وإلى جذور مفهومين هامين يبرزان الآن. أن الهجمات
الأمريكية ضد
كوبا
التى بدأت مباشرة بقرار من "كيندى" فى أعقاب استيلاء "كاسترو" على السلطة
بوقت
قصير, أدت إلى خوف واضح من الغزو, على حد اعتراف "روبرت مكنمارا ". كما
كان
رفض" كيندى" للحرب الإرهابية فى أعقاب الأزمة رفضا حاسما ؛ ولم تستأنف
الولايات المتحدة عملياتها الإرهابية ضد كوبا إلا فى أواخر السبعينيات,
واستمرت
عشرين عاما بعدها. وبصرف النظر عن أية أحكام تتعلق بسلوك المشاركين فى أزمة
الصواريخ, فإن الاكتشافات الجديدة تظهر بمزيد من الوضوح الأخطار الرهيبة وغير
المسبوقة للهجوم على "عدو شديد الضعف", وأنها بلا مبالغة أخطار تهدد بقاء
البشرية.
أما فيما يتعلق بمصير الشعب العراقى, فلا أحد يمكنه التنبؤ
به: لا المخابرات المركزية الأمريكية, ولا "دونالد رامسفيلد", ولا حتى
أولئك الذين يدعون أنهم خبراء فى شئون العراق, ولا غيرهم. وتتراوح
الاحتمالات من
الاحتمالات المرعبة التى تستعد لها وكالات المساعدة، إلى الأحاديث المتفائلة
التى
يروجها خبراء العلاقات العامة فى الإدارة الأمريكية وتوابعهم. لكن لا أحد
يعرف
مصير
شعب العراق. إن الإنسان لا يتوقع التهديد أو استخدام العنف, سواء فى الحياة
الشخصية أو فى العلاقات الدولية, ما لم تكن أسباب استخدام العنف قوية بشكل
ساحق. ولا شك أن هذا غير متوفر فى الحالة الراهنة, وهو الأمر الذى يفسر
اتساع وكثافة
المعارضة لخطط واشنطن ولندن.
كان
من الواضح أن توقيت الحملة الدعائية لواشنطن
-
لندن
موضوعا للجدل, والسخرية أحيانا. بدأت الحملة فى سبتمبر من العام الماضى.
قبل ذلك كان "صدام حسين" مجرد "فتى مرعب", لكنه لم يكن يشكل تهديدا
محتملا
لبقاء الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يعلن عن هذا التغير المفاجئ إلا فى
سبتمبر. ومنذ ذلك الحين, ويتراوح المعارضون لشن حرب ضد العراق بين 60% و
70% من
الأمريكيين. فى هذا الإطار, يلاحظ كبير المحللين السياسيين لليونايتدبريس
أن "الالحاح الشديد على تحرك سريع ضد العراق
الذى عبر عنه " بوش" فى أكتوبر,
لم يكن واضحا
فى
أى حديث له قبل شهرين",
ويخلص من ذلك إلى نتيجة واضحة: أن سبتمبر
كان
يشكل بداية الحملة السياسية الانتخابية الخاصة بالتجديد النصفى للكونجرس.
ويضيف: "أن الإدارة الأمريكية وجدت فى العراق ضالتها من أجل شن حملة
للاستمرار فى
تنمية قوتها, على أساس سياسة المغامرة الدولية, والاستراتيجيات العسكرية
الجديدة
الخاصة بالهجمات العسكرية الوقائية والاستباقية,
والتعطش لتحقيق مواءمة سياسية".
ما دامت القضايا الداخلية تحتل مكان الصدارة, فإن "بوش" وزمرته لن يجدوا
الأرض والمناخ المناسب, لأنهم يرتكبون جرائم خطيرة ضد الشعب الأمريكى عموما.
لكن أنظر وتأمل ! فعلى الرغم من عدم وجود هجمات إرهابية أو أية مؤشرات محددة
لتهديد
مباشر, منذ بداية سبتمبر, فإن مشكلات الأمن القومى احتلت بؤرة اهتمام السلطة
العليا, وليس مجرد اهتمام "القاعدة" فقط, بل أن القوة العسكرية المرعبة
والمهددة, أصبحت هى
العراق
!!
نفس
التعليقات والملاحظات عبر عنها الكثير من المراقبين. من
الملائم لأناس مثلنا أن نقوم بمجرد اقتباس تعليقات ومقتطفات تعبر عن الاتجاه
الأساسى
بدلا
من تقديم تحليلات مثيرة للاختلاف والجدل. لقد اقتبست من أقوال مساعد مدير
مؤسسة "كارنيجى للمنح" قبل أن أكتب أن "بوش" وشركاه يسيرون على هدى "الاستراتيجية
الكلاسيكية - الحديثة للأوليجاركية اليمينية التى تعمل على حرف السخط
الجماهيرى
لتتخذ مسارا قوميا",
بإثارة الخوف من أعداء يستهدفون تدميرنا. تحتل هذه
الاستراتيجية أهمية حاسمة, فرغم البدء فى توجيه سياسة واشنطن باتجاه التعجيل
بتنفيذ مشروع "القوميين المتطرفين"
المعلن من أجل "الهيمنة
المنفردة على العالم
من
خلال التفوق العسكرى المطلق", إلا أن هذه الاستراتيجية تتناقض مع مصالح
الغالبية الواسعة من الشعب الأمريكى.
هذه
الاستراتيجية صنعت بوضوح من أجل
الانتخابات. وإذا كانت انتخابات خريف 2002 تم كسبها بعدد قليل من الأصوات,
إلا
أنه
كان كافيا لسيطرة السلطة التنفيذية على الكونجرس. وكشف المحللون للانتخابات
أن
أصحاب الأصوات استمروا فى معارضتهم للإدارة الأمريكية فى القضايا الاجتماعية
والاقتصادية, لكنهم جنبوا هذه القضايا لصالح الهموم الأمنية, وهو الأمر الذى
أدى
إلى
دعم صورة السلطة على نحو نموذجى - صورة راعى البقر الشجاع المنوط به إنقاذنا
فى
الوقت المناسب تماما.
يبين التاريخ, أنه من السهل تماما للقادة المجردين من
الأخلاق والضمير أن يروعوا شعوبهم بالعواقب الوخيمة والمصائب التى ستحل
بهم. ذلك
هو
الأسلوب المعتاد لحرف الاهتمام عن حقيقة أن تخفيض الضرائب على الأغنياء
وغيرها
من
الوسائل تؤدى إلى تقويض الأمل فى تحسين ظروف حياة الغالبية العظمى من
الأمريكيين, وفى ضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. وحينما بدأت الحملة
الانتخابية الأمريكية, لم يستجيب الاستراتيجيون الجمهوريون لمطالب الشعب
الأمريكى الخاصة بضمان معاش
التقاعد, والوظائف, والرعاية الصحية, وغيرها من الضمانات الاجتماعية. بل
وعلاوة
على
ذلك, أثنوا على قائدهم البطل وعلى ضرورة دعم خطواته لإنقاذهم من الدمار
الوشيك
الذى
يتهددهم من جانب عدو يمتلك قوة جبارة, وضرورة المضى لمواجهة القوى الصاعدة
التى تسعى إلى تدميرنا.
عادت هذه الأفكار لتصبح مألوفة مرة ثانية بالنسبة
للقيادات السياسية الحالية, حيث يستمدها غالبيتهم من إدارة ريجان التى كانوا
جزء
منها. ويعيدون تكرار السيناريوهات المعتادة: دفع البلاد نحو العجز لكى تكون
هناك
قدرة
على تقويض البرامج الاجتماعية, وإعلان "الحرب على الإرهاب" كما فعلوا عام
1981, واستحضار الأرواح الشريرة لإرهاب الناس وإجبارهم على الطاعة
والإذعان. فى
الثمانينيات ضربت ليبيا, بينما كان البعض يطوفون شوارع واشنطن سعيا لاغتيال
ريجان, وحينما انطلقت المظاهرات بعد يومين فقط من غزو نيكاراجوا, أعلن ريجان
حالة
الطوارئ بدعوى أن هناك تهديدات خطيرة لبقائنا. كما ضرب مطار فى "جرينادا"
بدعوى
أن
"روسيا" تسعى لاستخدامه فى قذف أمريكا بالقنابل ؛ أو أن الإرهابيين العرب
يسعون لقتل الأمريكيين فى أى مكان يتواجدون فيه, بينما يخطط "القذافى" على حد
قول
"ريجان"، " للقضاء على أمريكا ". أو تجار المخدرات فى أمريكا اللاتينية
الذين يسعون لتدمير الشباب الأمريكى، الخ... الخ...
فى الأثناء, كانت القيادة
السياسية الأمريكية تنفذ سياسات محلية لم تكن ذات نتائج وخيمة على الفقراء
فحسب, لكنها أيضا زادت من ثروات قطاعات محدودة وأضرت بغالبية الأمريكيين -
هذا هو
السيناريو الذى يعاد تنفيذه مرة أخرى. ونظرا لأن العامة يعرفون ذلك,
ويدركون أنهم
يلجأون لإحياء "الاستراتيجية القديمة للأوليجاركية اليمينية" وأنهم إذا ما
كانوا
يأملون فى تنفيذ برامجهم الداخلية والدولية التى يتعهدون بها, فسوف يوضعون فى
مأزق
شديد الصعوبة قد يؤدى إلى إنهاء سيطرتهم.
بالطبع, هناك الكثير من الاعتبارات
غير
الداخلية - لا تقل أهمية لديهم. فقد منحت هجمات 11 سبتمبر الوحشية
الإرهابية, منحت الفرصة والذريعة لتنفيذ الخطط القديمة للاستيلاء على الثروة
البترولية
العراقية الهائلة, تلك الثروة التى تشكل جزءا أساسيا من مصادر الثروة فى
الخليج, والتى وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية عام 1945 بأنها "مصدر ضخم
للقوة
الاستراتيجية, وأحد أكبر المغانم المادية فى تاريخ العالم ". فى هذا
الإطار, تتنبأ مراكز المعلومات الأمريكية بأن يحتل النفط أهمية أكبر فى
السنوات القادمة. أما القضية التى لا يتم التعرض لها, وهى أن المحللين فى
مراكز المعلومات الأمريكية
أنفسهم يتعجلون الولايات المتحدة حتى تزيد من اعتمادها فى المستقبل على
إمدادات النفط الأكثر
أمانا والموجودة فى نصف الكرة الغربى وفى غرب أفريقيا.
كان هذا الواقع نفسه قائما
بعد
الحرب العالمية الثانية. لم تكن المشكلة أكثر من السيطرة على "المغانم
المادية", التى حققت ثروات ضخمة ذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بطرق
كثيرة, وأيضا إلى بريطانيا, كما كانت "المصادر الهائلة للقوة
الاستراتيجية, التى تعتبر
أداة
تحقيق الهيمنة المنفردة على العالم",
هى الهدف الذى يعلن الآن على الملأ, ويروع الكثير من بلدان العالم, بما فى
ذلك "أوروبا العجوز" والمؤسسات المحافظة
فى الولايات المتحدة الأمريكية.
أعتقد أن النظرة الواقعية للعالم تعطى صورة
مختلطة. فهناك الكثير من الأمور المشجعة, ولكن سوف يكون هناك أيضا طريقا
شديد
|