تنشر هذه المقالة فى عدد
6 نوفمير 2002
من جريدة كورييرا لا سيرا واسعة الانتشار فى ايطاليا
تجرى وقائع المنتدى الاجتماعى الاوروبى فى فلورنسا فى الفترة من السادس
إلى الثانى عشر من نوفمبر فى أثناء السقوط الحاد الذى يعانى منه النظام
الرأسمالى المأزوم بشكل خطير على مستوى الكوكب كله.
فما يجعل الأزمة الحالية تغلى وما يجعلها فريدة فى
نوعها, هو أزمة الإنتاج
الزائد عن الحد والطاقة الإنتاجية الزائدة عن الحد
التى تستولى على اهتمام طوائف متعددة من المحللين الاقتصاديين من أول
جوزيف شومتر وخوان روبينسون حتى ارنست مندل,
وتتقاطعا مع أزمة فى إعادة إنتاج العمليات
الإيديولوجية والسياسية التى تحافظ على استدامة مثل هذا النظام الانتاجى.
أزمة الإنتاج الزائد عن
الحد
ما
هو اساسى فى كل هذه التداخلات تأتى أزمة الإنتاج
ا لزائد والطاقة الإنتاجية
الزائدة مركزا لكل ذلك, وقد تعنى أكثر من مجرد
ركود اقتصادى معتاد. اظهر القطاع الانتاجى فى
الاقتصاديات الأولى فى العالم, وقد ارتبط
بنظامى إنتاج وتوزيع متكاملين عبر الكوكب كله,
أن أرباحه قد توقفت عن النمو بعد عام 1997.
وبنهاية العقد كانت كل القطاعات الصناعية الرئيسية فى الولايات المتحدة
تعانى عمليا من زيادة هائلة فى الطاقة الإنتاجية على مستوى الكوكب,
والوضع الأسوأ هو وضع قطاع الاتصالات التليفونية حيث لم يستفاد عمليا إلا
بنحو من 2.5% فقط من البنية التحتية الأساسية
التى استثمر فيها.
ومع الركود الانتاجى لم يقود الاقتصاد الامريكى عبر هذا العقد الماضى
كله سوى ديناميكيات رأس المال المالى. ولكن
كون ربحية القطاع المالى تعتمد على الربحية الفعلية للقطاع الانتاجى الذى
تموله فان قاطرة النمو المعتمد على الرأسمال المالى قد بلغت منتهاها وقد
أوشك بخارها أن ينفد.
تمثل خسارة السبعة مليارات دولار من الأوراق المالية فى أسواق السندات
الأمريكية, والتى بدأت فى مارس عام
2000, برهان آخر يخرق العين على حقيقة أن اقتصاد
الكوكب مشلول الحركة بالطاقة الإنتاجية الزائدة عن الحد وفوائض الإنتاج
مع نقص الربحية. اقتصاد
الولايات المتحدة اليوم هو جزء من اقتصاد العالم الذى يزداد تكامله مع
بعضه البعض, حتى أن فائض الإنتاج
هو الآن أزمة انكماشية عامة يعانى منها الجميع
بالتتابع, وتأخذ فى طريقها كل من أوروبا
واليابان وشرق آسيا. أنهت العولمة على أوضاع
سابقة كان يمكن فيها أن يمنع النمو الاقتصادى,
فى دولة ما من الدول, اتجاهات الركود فى
اقتصاد دولة أخرى .
أزمة الشرعية
هناك أزمة إعادة الإنتاج أيضا,
وبالتوازى مع وبالتداخل أيضا مع,
أزمة فائض الإنتاج. تتواجد ثلاثة عمليات تزيد
من تعقيد الموقف بشدة أمام قدرة النظام على إعادة إنتاج
نفسه بشكل مستقر وهى أزمة الشرعية الايدولوجية وأزمة
الليبرالية الديموقراطية وأزمة التوسع المفرط.
تشير أزمة الشرعية الايدولوجية إلى عدم القدرة
المتزايدة لايدولوجيا الليبرالية الجديدة التى تميز رأسمالية اليوم
المتعولمة بإقناع الناس بضرورتها وحيويتها كنظام إنتاج
وتبادل وتوزيع.
وقد طبعت هذه الأزمة بـطابعها أساسا مؤسسات الرأسمالية الكوكبية الرئيسية
التى تستخدمها كسلطة سيادة اقتصادية وهى البنك الدولى وصندوق النقد
ومنظمة التجارة العالمية ويعود هذا إلى المردود المدمر لسياساتها فى
العالم النامى.
تنبع أزمة الديموقراطية الليبرالية من الإحساس الشعبى العام,
فى كلا من الجنوب الفقير أو الشمال الغنى, أن
الديموقراطيات النيابية قد تم سلبها تماما من محتواها عن طريق سياسات
الشراء بالنقود. وأصبح الشعور حادا فى
الولايات المتحدة الأمريكية بان اعرق الديموقراطيات المعاصرة قد تحولت
لتكون حكما لأقلية النخبة. وقى أوروبا يتزايد
الاهتمام والقلق لسيطرة الشركات العملاقة على تمويل الأحزاب السياسية
ولكن الخطير فى الأمر هو الإحساس العام بان السلطة قد تم اختطافها من
البرلمانات الوطنية المنتخبة بواسطة الهيئات الأوروبية غير المنتخبة وغير
الخاضعة للمحاسبة مثل المفوضية الأوروبية.
الإفراط غير المحسوب فى الهيمنة
وتأتى الأزمة الرابعة التى قد تكون غير ملموسة بشكل مباشر ولكنها فاعلة
فى نفس الوقت. قد يبعث توسع النفوذ العسكرى
الامريكى فى أفغانستان والفلبين ووسط وجنوب آسيا إحساسا ما بالقوة.
والشاهد بالرغم من كل هذا التحرك أن الولايات المتحدة
غير قادرة على تجسيد أى انتصار ما فى أى من هذه الأماكن وبالتأكيد ليس فى
أفغانستان حيث تسود الموقف هناك الفوضى وليس حكما مواليا للأمريكان.
ولا يزال البنتاجون الامريكى غير متأكد من تحقيق نجاح
حال قيامه بغزو العراق.
وقد أدى موضوع غزو العراق بحلف الاطلنطى إلى وضع بالغ السوء لم يشهده منذ
الحرب العالمية الثانية. وتتفجر أمريكا
اللاتينية بالتمرد السياسى ضد سياسات التحرير الاقتصادى الجديدة بينما
تغرق اهتمامات واشنطن فى الشرق الأوسط. كل
ذلك علامات ليست بهذا القدر على هيمنة بلا منازع ولكنها علامات على ما
سماه بول كينيدى إفراط امبريالى غير محسوب.
الفرج وسط الضيق
تتوالى هذه الأزمات المتقاطعة بينما الحركة المناهضة للعولمة التى تقودها
الشركات المتعدية الجنسية تدعم قوتها.
والمنتدى الاجتماعى الاوروبى هو واحد من آخر تجلياتها التى تستلهم بشكل
مباشر المنتدى الاجتماعى العالمى المقام فى بورتو اليجرى بالبرازيل خلال
العامين الماضيين. ويمكن القول أن المنتديين
الاجتماعيين العالمى والاوروبى يؤديان ثلاثة وظائف للمجتمع الكوكبى
الغاضب والمهموم والذى يبحث عن بدائل.
فهما اولا: يمثلان مكانا
بالمعنى الفيزيقى والزمنى لالتقاء هذه الحركات المتنوعة ولعقد أواصر
علاقات شبكية بينهم, أى ببساطة تامة للإحساس
بأنفسهم ولتأكيد أنفسهم. ثانيا:
هما استراحة المحارب تجمع الحركات أثناءها طاقاتها وترسم اتجاهات نضالها
المستمر للمواجهة, ولطى صفحة العولمة التى
تقودها الشركات وإنهاء أساليب عملها ومؤسساتها وهياكلها البنيوية.
ثالثا:
أنهما يوفران موقعا ومكانا تنضج فيه الحركات الاجتماعية وتتناقش وتتحاور
مع بعضها البعض فى الرؤى والقيم والمؤسسات الخاصة بالبدائل السياسية
والاقتصادية للنظام القائم.
وكلما تحتد أزمة الرأسمالية الكوكبية كلما زادت أهمية المنتديين
الاجتماعيين العالمى والاوروبى.
وكما تنبأت المفكرة الألمانية اللامعة روزا لكسمبرج,
"البربرية فى ثياب الفاشية التى جعلت منها
النخبة الرجعية قضية عامة قد انتصرت تقريبا فى الثلاثينيات وبداية
الأربعينيات". اليوم تخلق العولمة التى
تقودها الشركات نفس القدر من البلبلة والسخط والأزمات التى تشكل المرعى
الخصيب لقوى الفاشية والتطرف والطغاة الديماجوجيين.
وليس لدى القوى التى تمثل التضامن الانسانى وتمثل
المجتمع اختيارا آخر سوى الشروع فورا فى إقناع الجماهير الساخطة أن فى
الامكان بناء عالم أفضل لان البديل هو كما فى الثلاثينيات أن نرى الفراغ
يحتله الإرهابيون والديماجوجيون الدينيون وأصحاب الامتيازات ودعاة
اللاعقلانية والعدميون.
|