- قضايا التجارة والتنمية -

ماذا تعنى خصخصة المياة في أفريقيا؟

النص الأصلى للمقال بالإنجليزية على موقع: www.wsws.org

بارى ماسون و كريس تابلوت

17 سبتمبر 2002

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

كانت هناك, من بين المشاركين من أصحاب المصالح الرأسمالية الكبرى في قمة جوهانسبرج للتنمية العالمية, عشرات من شركات المياة التى تعد العدة لعقد صفقات مع حكومات البلدان النامية من أجل مشروعات المياة والصرف الصحى التى تجلب بلايين الدولارات.   كان الحديث في جوهانسبرج, عن تخفيض عدد  البشر الذين لا يحصلون على مياة نقية من بليونين إلى بليون واحد فقط بحلول عام 2015 , مجرد لغو فارغ لا يحمل الحكومات أية التزاماتلكن الحقيقة أن المياة كانت احد المجالات القليلة التى توصلت فيها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى إلى اتفاق شامل للضغط على البلدان النامية, بما فيها البلدان الأشد فقرا, لبيع مواردها المائية للشركات الكبرى.

      إن خصخصة المياة سواء ببيعها مباشرة للقطاع الخاص أو بالمشاركة بين القطاعين العام والخاص هو الآن موضوع له الأولوية.   وذلك  على نحو ما أكد "كوفى عنان", السكرتير العام للأمم المتحدة, في تصريح قال فيه: "إن الحلول الدائمة والفعالة لا يمكن أن تتم إلا إذا اتحدت جهود أصحاب المصالح الاستثمارية مع الجهود الأخرى للمشاركين في العمل وإن هذا لن يحدث إلا بتعبئة وتنظيم القطاع المشترك وهو ما نعتبره تقدما هاما". 

      يستعرض تقرير صادر عن الصندوق البريطانى "للتمويل الخيرى ومساعدات المياة", الظروف المروعة الناجمة عن الافتقار للمياة النظيفة والشروط الصحية حيث يؤدى عدم توافر الشروط الصحية إلى وجود بيئة مناسبة لانتشار الأوبئة والأمراض التى تهدد حياة البشر وتكون النتيجة موت مليونى طفل كل عام, أى طفل كل خمسة عشر ثانية, بسبب عدم الوقاية من الأمراض في هذا الإطار تعد الأمراض الناجمة عن عدم توفير المياة النقية في البلدان النامية ثانى الأسباب المؤدية للوفاة وأن نصف المترددين على العيادات الطبية مصابين بأمراض ناجمة عن تلوث المياةيبين التقرير أن المناطق الريفية  ليست المناطق الوحيدة التى تفتقر للمياة النقية فملايين من البشر المكدسين في المدن بحثا عن العمل يعيش غالبيتهم فى عشش دون أية بنية أساسية أو خدمات خاصة بالمياة النقية والخدمات الصحية.

      إن البحث فيما تعنيه خصخصة المياة في أفريقيا جنوب الصحراء, حيث يفتقر أكثر من نصف السكان لمياة الشرب النقية, يوضح الدور الذى يلعبه كل من صندوق النقد الدولى والبنك الدولىيوضح تقرير صدر العام الماضى على موقع: afrol.com  , أن هناك بلاد مطلوب منها أن تجعل مياهها مجالا لاستثمار الشركات الخاصة كشرط من شروط صندوق النقد الدولى, حتى يتسنى منح قروض لها.    ويكشف التقرير عن قائمة بأسماء ثمانى بلاد في أفريقيا جنوب الصحراء يتعين عليها أن تتجه إلى خصخصة المياة, أو أن تفرض أسعارا للمياة تمكنها من استرداد تكلفة مشروعات توفير المياة النقية للسكان هكذا فانه يجب على الحكومات استرداد تكاليف المشروعات كبداية وكتمهيد للخصخصة.

      في كثير من هذه الحالات كانت الشروط الخاصة بالمياة يتم فرضها نظير القروض التى يقدمها صندوق النقد الدولى من أجل تخفيض حدة الفقر وإحداث التنمية وقد تم ذلك عام 1999 .   كما يبين التقرير أن البلدان المثقلة بديون كبيرة لن تكون قادرة على الحصول على قروض جديدة من معظم المصادر الدولية للتمويل, إلا إذا وافقت على معايير وشروط صندوق النقد الدولىمن بين هذه البلاد:

  • أنجولا التى حددت أسعارا للمياة بغرض استرداد نفقات التكلفة وذلك مقابل الحصول على قروض جديدة

  • بينين التى خصخصت مرفق المياة وشركة توزيع الكهرباء

  • غينيا بيساو التى نقلت إدارة مرافق المياة والكهرباء إلى شركة خاصة

  • النيجر حيث تتم خصخصة المشروعات الحكومية في مجالات الاتصالات والكهرباء والبترول كشرط من البنك الدولى لبحث تسوية ديون النيجر السابقة

  • تنزانيا حيث تم مطالبة السلطات في دار السلام بالتخلى عن ملكية وإدارة مشروعات المياة والصرف الصحى للشركات الخاصة

      نتيجة لتعليمات صندوق النقد الدولى, لجأت البلدان ذات الديون الكبيرة المستحقة للبنوك الغربية إلى استدانة المزيد من الأموال لتمويل خصخصة المياة على سبيل المثال: سنجد المغزى الأساسى لتمويل مشروع دار السلام هو حصول تنزانيا على قروض قدرها 145 مليون دولار من أجل إصلاح البنية الأساسية وتطويرها بينما لن تدفع الشركة التى تفوز بالعرض سوى مبلغ 6.5 مليون دولار لتوفير العدادات ومواسير المياة.

      تقدم الأكاديميات البريطانية المزيد من التفاصيل حول خصخصة المياة في أفريقيا, في تقرير لوحدة "الأبحاث الدولية للخدمات العامة" وكذلك جامعة "ويتسوترسستاند" بجنوب أفريقيا في دراسة لها في مايو من هذا العام تؤكد جميعها أنه قبل نهاية التسعينيات لم تكن هناك سوى قلة من شركات المياة الخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء معظمها في البلدان الفرانكفوتية وتزايدت بشكل كبير عامى 1999 وعام 2000 خضوعا لشروط البنك الدولى وصندوق النقد الدولى.

      إذا كانت الشركات الفرنسية المتعددة الجنسيات مثل شركات "سور وسويز" و"فيفندى" هى أكثر الشركات نشاطا في مجال المياة في أفريقيا فإن الأعوام القليلة الماضية شهدت دخول شركات أخرى مثل الشركة البرتغالية آجاس دى برتغال والشركة البريطانية بايووتر حيث أصبح لهما نشاطا في جمهورية الكونغو كما يكشف تقرير وحدة الأبحاث الدولية للخدمات العامة عن مخطط للخصخصة في الكاميرون وغانا وتنزانيا وإوغندا وبلدان أخرى

      رغم ضغوط صندوق النقد الدولى إلا أن خصخصة المياة فى أفريقيا تتقدم بخطوات متعثرة في السنوات القليلة الماضية فيشير تقرير الوحدة الدولية لأبحاث الخدمات العامة إلى أن عددا من المشروعات يتعثر نتيجة لفشل المفاوضات بين الشركات متعددة الجنسيات وبين الحكومات سواء حول عقود جديدة أو حول تنفيذ عقود سبق الاتفاق عليها وقد أشار مسئولون في شركة فيفندى إلى هذه المشكلة في مؤتمر كامبالا وأوضحوا أن الشركات الخاصة لن تستثمر إلا إذا ضمنت استمرار الحصول على مستحقاتها المالية سواء من المجالس البلدية أو من الحكومات فضلا عن ضمان الحصول على عائدات كافية ومضمونة من مستخدمى خدمات المياة

      طبقا لتقرير وحدة الأبحاث الدولية المذكورة فإن السبيل لتحقيق ذلك هو توقيع عقود لإدارة هذه المشروعات  وفي هذه الحالة ستتولى الشركات إدارة مصادر المياة على أن تتولى الحكومات تدبير النفقات الكبيرة التى تحتاجها البنية الأساسية حدث ذلك في تشاد وجنوب أفريقيا ومالى والجابون وبوركينا فاسو وموزمبيق علاوة على ذلك يذكر التقرير تطورا أساسيا جديدا يتعلق بتقديم الحكومات الغربية مساعدات لتطوير البنية الأساسية شريطة موافقة البلدان الأفريقية على الخصخصة تتبع إدارة التنمية الدولية بالحكومة البريطانية هذا السبيل  وهى الإدارة التى قدمت تمويلا قدره 350 دولار بداية هذا العام لهذا الغرض.

      يبدو من المحتمل أن مشاركة شركات المياة فى جوهانسبرج لم تكن مجرد علاقات عامة ولكن لتضمن استمرار المساعدات المالية التى كانت تقدم لاستثماراتها في أفريقيا من خلال مشروعات مساعدات الحكومات الغربية

      تعد غانا مثالا لكيفية تأثير خصخصة المياة على السكان حيث ارتفعت أسعار المياة في العاصمة أكرا بنسبة 95% في مايو من العام الماضى ومن المتوقع أن يرتفع سعر السوق بنسبة 300% نتيجة للخصخصة من ناحية أخرى يفتقر 35% من سكان غانا للمياة النظيفة ويقول رودولف أمينجا إيتجو من التحالف المناهض للخصخصة إن الأسعار الراهنة للمياة تتجاوز إمكانيات غالبية السكان في غانا فكيف سيستطيع الناس تحمل أسعار السوق في ظل الخصخصة

      تلقى الحكومة البريطانية بثقلها من أجل الدفع في اتجاه الخصخصة في غانا وكشفت المساعدات المسيحية في العام الماضى عن أن دائرة التنمية الدولية في الحكومة البريطانية قدمت منحة قدرها 10 ملايين جنيها إسترلينيا, وكذلك 15.7 مليون دولار شرط أن تقوم غانا بخصخصة إمدادات المياة للمدن.

      حتى الآن تشهد جنوب أفريقيا أكثر تجارب خصخصة المياة مرارة فبالرغم من العدد المحدود للمناطق التى تنتقل نحو الخصخصة التامة والتى يفصلها تقرير الوحدة الدولية لأبحاث الخدمات العامة إلا أن حكومة المؤتمر الوطنى الأفريقى في جنوب أفريقيا تلتزم بالخصخصة وشرعت في تحصيل النفقات الكاملة وسط معارضة واسعة من سكان البلاد

      نتيجة لذلك انتشرت أسوأ موجة لوباء الكوليرا في تاريخ جنوب أفريقيا في أغسطس عام 2000 بدأت خارج إمبانجينى في كوازولو ناتال وامتدت إلى جوتنج في المنطقة الشمالية إلى منطقة جوهانسبرج وبحلول فبراير من هذا العام ارتفع عدد الموتى إلى 260, ويعترف رونى كاسريلس وزير المياة والغابات بأن هذا الوباء ما كان له أن يحدث لو كانت المياة متوفرة بالمجان وأضاف أن المشكلة تكمن في أننا إذا ما سعينا للحصول على نفقات التكلفة فإن غالبية الفقراء لن يستطيعوا دفع ثمن المياة النقية.

      في هذا الإطار تشير التقارير إلى أن سكان منطقة إمبانجينى لا يستطيعون الحصول على إمدادات المياة من الشركة الحكومية لأن غالبيتهم فقراء لا يستطيعون دفع ما قيمته 4.8 دولار قيمة التسجيل في الهيئة المحلية للمياة هذا على الرغم من أن المجلس المحلى لديه احتياطيات مالية قدرها 98 مليون راند بالعملة المحلية لجنوب أفريقيا, وقدم إعفاءات ضريبية للمشروعات التى تستثمر في المنطقة بينما يطالب السكان بدفع نفقات تكلفة الحصول على المياة وتشير تقارير موقع afrol.com إلى أن أربعة من سكان ضاحية ألكسندرا في جوهانسبرج أصيبوا في صدام مع الشرطة خلال احتجاج ضد خصخصة المياة وهى المنطقة التى تعد أخطر مناطق الإصابة بالكوليرا ويعتقد سكانها أن هناك إمكانيات لتزويدهم بالمياة النقية والصرف الصحى لكن شركة المياة المخصخصة حديثا والتى تديرها شركة سويز ترفض تركيب صنابير في المنطقة وهناك جهود تبذل للتحقيق فيما تمتنع الشركة عن تنفيذه طبقا للعقود.

يتضمن تقرير وحدة الأبحاث الدولية للخدمات العامة تفصيلات بشأن ممارسات أخرى تتعلق بالخصخصة في جنوب أفريقيا من ضمنها شركة باي ووتر البريطانية التى تعمل في نلسبرويت عاصمة إقليم مبومالانجا, وشركة سور الفرنسية التى تعمل بالمشاركة مع شركات عامة وخاصة  في منتجعات شاطئ دولفين في كوازلوـ ناتال.

واجهت شركة سور مشكلات مالية عام 2001, مما أدى إلى رفع أسعار المياة بنسبة 15%, ومن المتوقع أن تزداد أكثر في وقت لاحق كشفت التحقيقات المحلية أن هناك صعوبات تواجه التوسعات في المشروع نتيجة لأن الأسعار المرتفعة للمياة تحول دون حصول الفقراء عليها

      كذلك يواجه مشروع شركة باى ووتر معارضة محلية قوية وتشير التحقيقات إلى أن باى ووتر لم تمد خدماتها ولم تشيد البنية الأساسية اللازمة لتقديم المياة طوال السنوات الثلاثة الماضية ولازالت ثابتة عند تقديم خدمات بمعدل صنبور واحد فقط لكل عشرة منازل هذا فضلا عن أن منظمات المعارضة المحلية تقول أن السكان الذين كانوا يدفعون في المتوسط حوالى سبعون راند شهريا نظير الحصول على المياة النقية, قبل مجئ شركة باى ووتر عام 1999, يدفعون الآن ما يتراوح بين 400 - 500 راند  وحينما يتوقف السكان عن الدفع تقطع عنهم المياة.    ويواجه السكان المتأخرين عن السداد خطر رفع دعاوى قضائية ضدهم من جانب المجلس الذى يعمل كمجرد أجير عند الشركة  يتولى ملاحقة المتأخرين عن السداد.

توضح هذه الأمثلة كيف أضرت خصخصة المياة بمجتمعات جنوب أفريقيا وفيما يتعلق بأثر خصخصة المياة على أفريقيا جنوب الصحراء حيث مستويات الفقر عموما بالغة الحدة, ويمكن بصعوبة تصور نتائجها الآن على نحو ما توضح قمة جوهانسبرج, أصبح هناك ضرورة لتحمل الحكومات الغربية ولعدد متنامى من المنظمات غير الحكومية مسئولية حصولهم على أرباح نتيجة لتوفير أكثر ضرورات الحياة لأشد الناس فقرا في العالم.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية