- التنمية والتجارة -

مفترق طرق جوهانسبرج

والدن بيللو

سبتمبر 2002

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:
  • ما هو الخطأ فى حملة أوكسفام للتجارة؟  والدين بيللو
  • رد أوكسفام على والدين بللو . أنجوس كلير
  • حوار مع أوكسفام: من الاختلاف فى الرأى إلى استراتيجية مشتركة  والدن بيللو
  • من الدوحة إلى جوهانسبرج: اغتصاب السيطرة على العالم.  فيكتور مينوتى
  • قمة جوهانسبرج عجزت عن حماية نفسها.   ناعومى كلين
  • ماذا تعنى خصخصة المياه في أفريقيا؟   بارى ماسون و كريس تابلوت

  • لنفس المؤلف:

     

     

    نشرت هذه المقالة ايضا فى مطبوعات رد ببر فى سبتمبر 2002.

    بعد عشر سنوات من مؤتمر ريو دى جانيرو عن البيئة والتنمية أصبحت حالة البيئة فى كوكبنا أسوأ بلا جدال.   الجانى الاساسى هو نمط الإنتاج الرأسمالى المنفلت الذى يحول باستمرار خيرات الطبيعة الطيبة إلى سلعة ويخلق احتياج جديد بعد آخر بلا توقف.   تستمر الرأسمالية فى التهام كينونة المرأة والرجل فى الطبيعة كمخلوقات وتتغذى على كينونتهم فى المجتمع كمواطنين وتمتص حتى طاقة الحياة منهم كقوة عمل.   أنها تصب وعيهم فى قالب واحد يتمحور حول دورهم كمستهلكين.   وتمتلك الرأسمالية عديد من القوانين التى تقود حركتها ولكن أكثرها تخريبا للمدى الذى تصل إليه البيئة هو قانون ساى الذى يقول "ان العرض يخلق الطلب عليه".   فالرأسمالية آلة تخلق الطلب, آلة تحول الطبيعة الحية إلى سلع ميتة, تحول الثروات الطبيعية إلى رساميل بلا حياة.

    تتوسع الرأسمالية توسعا غير متساوى.   فقد بلغت تطورا يزيد عن حاجة موطنها الأم فى الشمال وتخلفت زيادة عن اللازم فى أطرافها فى الجنوب.   وهكذا يتباين توزيع تأثيراتها البيئية على نفس المنوال.   ولا يشرح مثل هذا الأمر شيئا أفضل من التباين فى نسبة كمية الانبعاثات الغازية الضارة لكل فرد.   فالفرد الامريكى يتسبب فى انبعاث كمية من الغازات الضارة التى يسببها 17 من سكان جزر المالديف و 19 هنديا و 30 باكستانيا و 49 سيريلانكيا و 134 من سكان بوتان و 269 نيباليا.

    قد يكون التأثير الذى يتسبب فيه الشمال الرأسمالى الفائق التطور أعظم فداحة مما تكشف عنه المقارنات الإحصائية.   فأمام المد المتصاعد لحركة جماعات البيئة أزاح الشمال عن كاهله مشكلة عدم الاتزان الطبيعى وصدرها إلى الجنوب.   وربما تأتى طريقة الرأسمال اليابانى فى العيش مع مستويات بيئية مقبولة فى موطنه الأم بإسراع معدلات استهلاكه للطبيعة ومعدلات توليده للعوادم والمخلفات فى شرق وجنوب شرق آسيا نموذجا فى هذا المجال.   على سبيل المثال 70% من الأشجار التى اقتلعت من غابات الفلبين لتستخدم كأخشاب استهلكته اليابان طوال الخمسينات وحتى السبعينات ومعظمه استولت عليه بشكل غير شرعى.   الاستهلاك اليابانى من البضائع التى تنتج من على مسافة آمنة دفع بالسموم الملوثة المنطلقة بلا سيطرة من احد إلى منطقتنا مصاحبة لنقل اليابان لمنشئاتها الصناعية المسببة للتلوث الكثيف أو التى تحتاج لعمالة كثيفة فى أواخر الستينات.

     انضم الرأسمال الامريكى والاوروبى اليوم إلى الرأسمال اليابانى فى تحويل الصين ذات العمالة الرخيصة وصديقة التلوث إلى ورشة تصنيع العالم وكذلك حولوها إلى سلة مهملاته.   ما حدث للصين وشرق آسيا اليوم لم يكن فى الحقيقة سوى المرحلة الأخيرة فقط من عملية قامت بها العولمة الرأسمالية على مدى 150 من الأعوام لإزاحة التكلفة البيئية للإنتاج والاستهلاك الرأسمالى من المركز للأجزاء التابعة من الاقتصاد العالمى.

    من عشرة سنوات مضت قصف جورج بوش الاب قمة "ريو" بقوله "أن نموذج الحياة الامريكى غير مطروح للتفاوض".   تصنع الأوروبيون واليابانيون الرعب على وجوههم ولكن العشرة أعوام التالية أظهرت ان الاستهلاك كان الملك بالنسبة لهم أيضا وان الاستهلاك المتصاعد أبدا كان هو الروشتة العامة للاحتفاظ بالاقتصاد الرأسمالى الكوكبى مستمرا.   مجموعة السبعة الكبارهو أساسا منتدي يخدم التفاوض حول من من المراكز الرأسمالية يأتى دوره ليكون آلة توليد الاستهلاك فى الاقتصاد العالمى.   فما يسمى بإدارة الاقتصاد العالمى هو فى جوهره عملية تحديد أى مركز سوف يرفع من معدلات تحويله الطبيعة إلى بضاعة ثم تحويل البضاعة إلى فاقد مستهلك.

    اليوم قمة جوهانسبرج هى جنين مات فى الرحم.   قمة جوهانسبرج ماتت منذ ما يقارب السنة قبل ان تعقد وقد قتلها قرار جورج دبليو بوش بانسحاب القوة الرأسمالية الأولى فى العالم من الانضمام لمعاهدة "كيوتو" حول التغيير المناخى.   هذه هى الرأسمالية التى تعرت من ثوبها الليبرالى الرأسمالية التى كشفت عن طبيعتها الأصيلة فى عدائها للطبيعة.   تظاهرت النخبة اليابانية والأوروبية بالانزعاج ولكن أكثر ما أزعجهم هو الاعتراف الامريكى الصريح بالديناميكية الأساسية لنظام الإنتاج الذى يتبعونه جميعهم   هذه الديناميكية هى حتمية تحقيق التوسع المستمر عن طريق رفع معدلات الاستهلاك ورفع معدلات السموم الملوثة للطبيعة.

     سيتمخض جوهانسبرج عن خليط من غسيل اخضر للشركات الضخمة عن خدمات أمريكية لتسهيل الأمور عن أوضاع تمثيلية تظهر أن أوروبا أسمى قداسة من الآخرين.  عن قادة العالم الثالث يدورون على الموائد طلبا لصدقة المعونات مقابل مزيد من الليبرالية التى ترغبها الشركات الضخمة بينما تختطف البيئة بواسطة منظمة التجارة العالمية فى خدمة تحرير التجارة.   انه مؤتمر آخر من مؤتمرات منظمة الأمم المتحدة يحكم عليه بالفشل المشين.

    يأتى هذا الفشل فى وقت تتفجر فيه أمريكا اللاتينية بالتمرد ضد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية بينما الجريمة المنظمة التى ترتكبها الشركات الضخمة بالإضافة لعدم قابليتها للمساءلة تهدم مصداقية رأسمالية الشركات الضخمة فى الولايات المتحدة ويشعر 72% من الأمريكيين بان الشركات الضخمة تمتلك سلطة اكبر من اللازم على حياتهم.

    سوف يحين الوقت الذى تقفل فيه الطرق أمام مقدرة الرأسمالية العالمية على الإفلات من أزمتها الناتجة عن فائض الإنتاج وعدم قدرة الأسواق على استيعاب هذا الإنتاج .  الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وشرق آسيا هذه ماكينات النمو الذى يقوده الاستهلاك تواجه الآن شبح الغرق المتزامن فى دوامة إلى أسفل بلا قرار.   ما قد أبصره المحللون منذ ماركس حتى سمبتر من ديناميكية مدمرة لذاتها, فى النظام الرأسمالى, يتطور اليوم على شكل سخط الطبيعة, الذى يتبدى يوما بعد يوم, وانقلاب المستهلكين فى جميع أنحاء العالم إلى مواطنين مصممين على استعادة مجتمعاتهم وإعادة خلق التضامن الاجتماعى الذى كان قد نسفته الرأسمالية.

    قد نتذكر جيدا جوهانسبرج كمفترق طرق ذو مغزى فى الصراع الدائر بين الرأسمالية والبيئة بين الرأسمالية والمجتمع.   ايهما سينتصر؟  هذا ما سوف نراه!

     

    زى نت - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - الترجمات