- العسكرة والحرب -

واشنطن : منتصرة أم مفرطة في التوسع؟

والدن بيللو

اغسطس 2002

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

  • الحرب على الطريقة الامريكية  والدن يللو

  • لا للعولمة الإمبريالية والحرب  بيان الوفود الآسيوية المشاركة في المنتدى الاجتماعي العالمي 2002

  • هل تنفصم عرى حلف الاطلنطى؟!   والدن بيللو
  • حرب الإرهاب تتحدى الإمبراطورية   ناعوم شومسكى
  • أنا مع السلم والعدالة   زى نت ZNet
  • هموم ثقيلة  ناعوم شومسكى

  • الاضطراب الهائل: أزمة الإمبريالية الأمريكية والحرب ضد العراق  ديفيد نورث

  • الحرب العراقية فى مواجهة الاستعمار  روبرت فيسك


  • لنفس المؤلف:

     

     

    بعد أكثر من ثمانية أشهر من شن حرب كوكبية ضد الإرهاب ، أصبح من الواضح بشكل جلي أن الولايات الأمريكية متورطة في صراع ممتد لا رحمة فيه ليس من السهل الانسحاب منه .

    سعيا منها للاحتفاظ بقوة دفع حربها ضد الإرهاب, بعد أن أعلنت "الانتصار" علي أفغانستان في بداية يناير ، أرسلت الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين في الشهر نفسه للمساعدة في تعقب واصطياد أعضاء جماعة قاطع الطريق "أبو سياف" المرتبطة بشبكة "القاعدة" التي يقودها "أسامة بن لادن".

    تبدو الفلبين ، المستعمرة سابقة ،اختيارا مناسبا لمكان لمد الحرب ضد الإرهاب . بينما كانت واشنطن تنافس فيما بين يناير ومارس قضية بالغة الأهمية : ما إذا كان سيتم إقصاء "صدام حسين" أم لا ؟

    لكن الحقيقة ، على نحو ما رأت الزمرة المؤيدة لغزو العراق ، بدت واضحة ، فالاجتياح الإسرائيلي الهمجي للضفة الغربية طغي علي الحسابات الأمريكية ، التي تعتمد علي افتراض الدعم السياسي من البلدان العربية المؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية.

    تبرير أم رفض؟

    في الوقت نفسه ، بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر ، تشير واشنطن إلى الفلبين باعتبارها "جبهة ثانية" ، حيث يواصل حوالي 60 إلى 80 من عصابة "أبو سياف" مراوغة ستة آلاف من القوات المسلحة الفلبينية المدربة علي يد 160 مستشار أمريكي في الجزيرة الصغيرة الواقعة علي المحيط الهادي.

    علاوة علي ذلك ، فأن وقائع الحملة الأفغانية التي تسربت بعد الإطاحة بطالبان أفسدت حالة الانتصار التي سادت في ديسمبر الماضي . الفكرة أن الإستراتيجية القتالية الجديدة القائمة علي الضربات الجوية الكثيفة والبالغة الدقة مع استخدام محدود للقوات الأرضية التي أكدت أفغانستان صحتها ، أصبحت الآن أقل إقناعاً . فقد مات الآلاف من المدنيين بسبب أن القنابل أقل إحكاما ودقة في إصابة الأهداف ، وأن عشرات من حلفاء الولايات المتحدة كانوا أهداف للقنابل وقتلتهم القوات الأمريكية اعتمادا علي معلومات خاطئة . كذلك فأن اعتماد الولايات المتحدة على المرتزقة الأفغان في القتال على الأرض ، أصبح الآن مفهوما للبعض في البنتاجون ، أنه قد أدي إلى هروب "أسامة بن لادن" من جبال "تورا بورا" . وحينما اشتبكت القوات الأمريكية في القتال عن كثب مع قوات طالبان لقاعدة خلال "عملية أناكوندا" ، التي حدثت في منطقة "شاه إي كوت" بالقرب من باكستان ، في بدايات شهر مارس ، لأنهم تلطخوا بدماء "الأنكودا" حيث "لم يكن ثمة ما يمكن للبنتاجون أن يفخر به".

    ورغم أنها لم تحقق هدفها الأساسي بالقبض علي "بن لادن" أو الإجهاز على شبكة "القاعدة" ، إلا أن واشنطن لا زالت تعتقد أنها تملك المبادرة الإستراتيجية . علاوة على ذلك ، تبدو واشنطن في حالة مرضية ، تدفع بنفسها في حرب متعددة الجبهات لكنها غير قادرة علي تحقيق انتصار يعتد به على أية جبهة.

    كذلك ، فإن قوة الدفع مفقودة على الجبهة السياسية . وبينما تتراجع كثافة الحملة العسكرية في أفغانستان ، أدخلت الأمم المتحدة للوساطة بطرح تسوية سياسية تبشر بديمقراطية نيابية ، وتم جرجرة الإتحاد الأوروبي ليقوم بحفظ السلام من خلال قوة طوارئ مسلحة تقودها بريطانيا . علاوة على ذلك ، بدا واضحا أن السلطة المركزية التي كانت تشكلها "طالبان" قد ولت لتقود هيمنة القيادات العسكرية المحلية في أنحاء مختلفة من البلاد ، ويتزايد دور قوات الأمن في منع الشركاء السابقين في تحالف الشمال من الاقتتال فيما بينهم . "المستنقع" هي الكلمة الأكثر استخداما في الصحافة الأمريكية لوصف الحالة الأفغانية .

    بينما يعيش جيران أفغانستان في الفوضى ، الجنرال الباكستاني "مشرف" بلا استقرار وبلا شرعية, بسبب الضغط الأمريكي الذي فرض عليه التزام جانبها في الحرب ضد الإرهاب .

    والآن ، قد يكون نفوذ الأصوليين الإسلاميين في أوساط السكان أعظم منه قبل 11 سبتمبر ، والعربية السعودية تموج بالغضب والسخط ، وتواجه واشنطن موقفا بغيضا ، حيث تتولى القيام أساساً بدور القوة البوليسية التي تحول بين النخبة السعودية التي تتزايد عزلتها وبين الشباب المتململ الذي يثمن " بن لادن" باعتباره بطلاً.

    إن ميل واشنطن تجاه إسرائيل ، لا يساعد على دعم شرعية حلفاءها من العرب في نظر شعوبهم . إسرائيل هي المفسد الكبير للجهود الأمريكية لإدارة شئون الشرق الأوسط ، ومن الممكن أن تتعرض إسرائيل لعواقب وخيمة لأنها قد يمكنها الاعتماد على تأييد الكونجرس الأمريكي الضخم لها في الحد من ضغوط المسئولين في الإدارة الأمريكية ، بينما التحركات الإسرائيلية المصرة على تدمير السلطة الفلسطينية يبدو ومن الواضح الآن أنها لا تكترث بنا أعلنته واشنطن مؤخراً.

    إلى أي مدي يمكن الإفراط في التوسع؟

    في الواقع ، أن الفشل في أفغانستان والعناد الإسرائيلي ، اجتمعا ليجعلا الوضع الإستراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط أشد سوء ، ولم تجنى أية مكاسب سياسية أو عسكرية في جنوب شرق آسيا ، مع احتفاظ اندونيسيا بمسافة بعد عن واشنطن كما أصبح توغل الولايات المتحدة في الفلبين تورط بلا نهاية ، أشبه بتورطها في فيتنام . وقد يبدو من الظواهر أن تقدم القوات الأمريكية في جورجيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى ، يبدو إضافة إستراتيجية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار احتياطيات الطاقة في المنطقة لكن ، في ظل العجز عن تحقيق انتصار عسكري أو سياسي حاكم في أي جبهة ، فأن انتشار الجنود الأمريكيون في آسيا الوسطى قد يكون بالفعل تمديد للنفوذ الأمبريالى الأمريكي ، لكن ثماره الإستراتيجية الحقيقية تبدو محدودة.

    لا يثير الدهشة وجود أصوات تتساءل الآن في واشنطن عما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القوات والثروات الكافية لتحمل عواقب القتال في حرب متعددة الجبهات . حتى إذا أدى غزو العراق إلى الإطاحة بصدام حسين ، فلن يكون سوى تفاقم لمأزق الإفراط في التمدد ، فمنذ التدخل في العراق للمرة الأولى ، ومثلما هو الحال في أفغانستان ، هناك مأزق سياسي ضخم نجم عن هذا التدخل وليس من السهل الخروج منه . في هذا كان . كان لبول كنيدى قول مأثور عن المأزق الذي يواجه واشنطن : "التمدد الأمبريالى" .

    في الحقيقة أن المرء قد يندفع إلى القول بأن هناك تشابه تاريخي بين خلق الولايات المتحدة الأمريكية لجبهات جديدة ضد الإرهاب ، وبين الوثوب الياباني عبر جنوب شرق آسيا والباسفيك في الأشهر الستة الأولى من عام 1942 . فقد تمكنت اليابان من السيطرة على قطاعات واسعة من المنطقة ، لكن ثمن التمدد كان قوة الإمبريالية اليابانية ذاتها . فقد أدى خلق اليابان لجبهات كثيرة ، إلى عدم تمكنها من تركيز قواتها واهتمامها بقطاعات إستراتيجية قليلة .

    الخاسرون

    حتى الآن ، ليس هناك فائزون فيما يسمي بالحرب ضد الإرهاب ، لكن هناك خاسرون واضحون . أحدهم "طالبان" . أما ثاني أكبر الخاسرين فهي الديمقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة . حتى في سنوات الحرب الباردة لم تبرز مثل هذه الشمولية التي برزت في "الحرب ضد الإرهاب" حيث تصدر قوانين وأوامر تنفيذية على وجه السرعة ، تفيد حقوق السرية وحرية الحركة إلى درجة يحسدهم عليها "جو مكارتي" . لم تكن الولايات المتحدة قد مر على دخولها الحرب أكثر من ثلاثة أشهر حينما صدرت التشريعات ، ووقعت الأوامر التنفيذية التي أقامت محاكم عسكرية سرية لمحاكمة المدينين  غير الأمريكيين ، وفرضت الشعور بالإثم على المهاجرين ، وبذلت جهود ضخمة لتعقيب ثمانية آلاف من الشباب المسلمين ، وحصل النائب العام الأمريكي على سلطات للقبض على الأجانب لمجرد الاشتباه وحبسهم لفترات غير محددة ، والتوسع في استخدام وسائل التصنت على التليفونات والرسائل والاستقصاءات ،السرية ، والسماح باستخدام أدلة سرية الدعاوى القضائية الخاصة بالهجرة لا يستطيع الأجانب أن يواجهوها أو أن يدافعوا عن أنفسهم إزاءها ، وأعطت وزارة العدل السلطة لنقض الأحكام القضائية الصادرة بحق المهاجرين ، وانتهاك حرمة العلاقة السرية بين المحامى والمتهم بواسطة السماح للأجهزة الحكومية بالتصنت عليهم ، ومأسسة العنصرية والتعصب العرقي.

    يتيه الأمريكيون بأنفسهم في أحوال كثيرة بأن لديهم نظام سياسي يولى أهمية قصوى للحرية الشخصية ويحميها ، وفقا لرؤى "جون لوك" و "توماس جفرسون" . في الأشهر القليلة الماضية ، تراجعت التقاليد المنسوبة للوك وجفرسون ، كما يجبر الأمريكيون على منح الحكومة سلطات واسعة جديدة على حساب الحريات الشخصية بدعوى ضمان النظام و الأمن . بدلا من التحرك نحو المستقبل ، تتراجع الديمقراطية الأمريكية المحدودة عن أفكارها وروحها المستوحاة من "لوك" في القرن السابع عشر إلى "هويس" وروح الديمقراطية في القرن السادس عشر . حيث نموذج الدولة الديكتاتورية في العصور الوسطى التي يدين لها المواطنون بالولاء مقابل حمايتهم من الإفطار التي تهدد حياتهم.

    المدى الذي وصل إليه قبول محاولات تقليص الحريات التقليدية يتضح خلال استماع مجلس الشيوخ "لجون أشكروفت" النائب العام الأمريكي حينما قال أن المنتقدين للإجراءات الأمنية التي تتخذها إدارة بوش كانوا يبيعون الخوف ، وأضاف أن "من يروع الشعب المحب للسلم بأشباح فقد الحرية ، يساعد الإرهابيين" الحقيقة أن أعضاء مجلس الشيوخ من الليبراليين والديمقراطيين الذين يعارضون هذه التعليقات لم يواجهوا بشجاعة ولم يوضحوا كيف أن المحافظين يستغلون الصراع ضد الإرهاب كأداة لكسب الحرب الحقيقية في الداخل ، حيث تدور الحرب ضد الليبراليين والتقدميين . مؤخراً فقط ، بدأ الديمقراطيون يتحدثون ضد تقليص الحريات المدنية ، وعن تخوفاتهم من ذلك.

    في النهاية ، بعد أكثر من ستة أشهر من أحداث 11 سبتمبر ، تعجز الولايات المتحدة عن تحقيق انتصار حاسم في الحرب ضد الإرهاب وقد تجد نفسها الآن في وضع إستراتيجي مفرط في التوسع والانتشار .

    من المفروض أن دور الشرق الأوسط كمصدر أساسي للنفط زاد من مكانة الشرق الأوسط . غير أن الأشهر القليلة الماضية شهدت إفلات إسرائيل من العقوبة وتمتعها بالحصانة رغم ممارساتها ضد الفلسطينيين . وأن يتحول جنوب شرق آسيا إلى ثقب أسود إستراتيجي يبتلع القوة البشرية العسكرية الأمريكية أكثر فأكثر . ولكن ، إذا لم يكن هناك رابحون واضحون ، فأن هناك خاسرون واضحون : فبالإضافة لطالبان ، هناك خسائر الحريات المدنية والديمقراطية في الولايات المتحدة ، وذلك ما يدعو للأسف والرثاء..

     

    زى نت - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - الترجمات