فضلاً
عن أن المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليجرى يعارض المنتدى الاقتصادي
العالمي في نيويورك ، فأنه يبدو من سلالة مؤتمر "باندونج" التاريخي الذي عقد
في اندونيسيا عام 1955 . فكلاهما يعتبر محاولة لمناهضة النظام العالمي
المهيمن : الاستعمار وثقل وطأة الحرب الباردة بين القطبين العالمين في حالة
"باندونج" ، وسطوة العولمة الرأسمالية في حالة "بورتو اليجرى".
علاوة عن ذلك
، تبدو الاختلافات واضحة . فمن ناحية كشف مؤتمر "باندونج"
، الذي قدم قيادات من آسيا وأفريقيا أساسا, كشف بأسلوب دراماتيكي عن البعد العنصري
للاستعمار
وللنظام العالمي للحرب الباردة ، الذي وصفه "ريتشارد راتب" بأنه نظام منقسم
على نفسه بفواصل واضحة . في المقابل ، كانت "بورتو
اليجرى" حدثا مبهراً إلي
أقصى حد . كان هناك القليل من المشاركين من آسيا وأفريقيا ، كما كانت
الاختلافات العرقية للأمريكيين أقل حضوراً بشكل دراماتيكي . يشير ذلك إلى
استمرار مهمة شاقة يواجهها المجتمعون في "بورتو اليجرى" : تقوم الحركات إلى
أبعد مدي ، سواء في داخل كل مجتمع وأيضا على النطاق العالمي ، وهو المشروع
الذي بعد المنتدى مجرد خطوة أولى فيه . من ناحية أخرى ، بينما كانت "باندونج"
يقودها جماعة محدودة من القيادات السياسية القومية والمحافظة ، فأن "بورتو
اليجرى" تكتظ بالحشود الجماهيرية وشبكات الحركات المدنية . هذه الوفرة من
الأبطال والفاعلين هي الإبداع الكبير وغير المألوف للمنتدى الاجتماعي العالمي
، والمحور المركزي للأمل الذي نقدمه من أجل المستقبل .
كان
الانطباع الأول والمسيطر للمنتدى هو ضخامة حشوده الغامرة . لم يقل عدد
المشاركين عن 80 ألفا على حد قول المنظمين ، كما كانت الأحداث والملتقيات
أكثر وفرة وتنوع . البرنامج الذي احتوى على كل المؤتمرات ، والندوات ، وورشة
العمل الرسمية التي عقدت في الجامعة الكاثوليكية ، كان في حجم الصحيفة
"التابلويد" ، لكن المرء أدرك في حينه أنه كانت هناك اجتماعات أخرى غير رسمية
لا يمكن حصرها تفقد في كل أنحاء المدينة ، أعلى عن بعضها في ملصقات أو وريقات
، وبعضها الآخر أعلن عنه شفويا . كذلك كانت هناك تجمعات مستقلة للجماعات
المختلفة المشاركة في المنتدى ، مثل اجتماع الحركات الاجتماعية الإيطالية أو
اجتماع الأقسام الوطنية المختلفة " لأتاك"
ATTAC .
هذا بالإضافة للتظاهرات : سواء المسيرات الرسمية ، مثل موكب الافتتاح
الجماهيري الحاشد على شاكلة الاحتفال بأول مايو ، أو التظاهرات الأصفر وذات
الطابع الصراعي ،مثل المظاهرات ضد أعضاء البرلمانات من مختلف البلدان ،
المشاركين في المنتدى ، الذين صوتوا مع الحرب ضد الإرهاب . في النهاية . تمت
سلسلة أخرى من الفعاليات في المعسكر الضخم للشباب ، وساحات ومخيمات لسكن 15
ألف مشارك في جو يذكر بمهرجان صيفي للموسيقي ، خاصة عندما سقطت الأمطار وراح
كل شخص يخوض في الوحل مرتدياً كيساً من البلاستيك كبديل لبالطو المطر .
باختصار إذا حاول أي شخص لدية ميول "استحوازية" أن يفهم ماذا حدث في "بورتو
اليجرى" فسوف تفشل محاولاته تماماً . كان المنتدى بالغ الأتساع والتنوع بشكل
لا يمكن أدارك حدوده أو أبعاده أو معرفة كل ما يحدث فيه . كما أن غزارة البشر
والأحداث ولدت انبهارا وبهجة لدي كل مشارك ، وجد المرء نفسه في بحر من البشر
من مناطق كثيرة جداً من العالم ، يناضلون ضد الشكل الراهن من العولمة
الرأسمالية .
كان
هذا اللقاء المفتوح أكثر العناصر أهمية فى "بورتو اليجرى" على الرغم من ذلك
. كان المنتدى قاصراً على بعض الصلات المجتمعة والجغرافية ، بينما أغفل
علاقات مجتمعة وجغرافية هامة ، ، بمعني أخر أنه بالرغم من أن فرصة تشكل عولمة
مختلفة من خلال دورة الصراعات التي امتدت من سياتل إلى جنوة ، التي قادتها
شبكة من الحركات . كانت حتى ذلك الحين محصورة وقاصرة على شمال الأطلنطي ،
بشكل عام وكانت تتعامل مع نفس القضايا . وكان أولئك الذين يناضلون ضد الشكل
الراهن للعولمة الرأسمالية ، أو ضد سياسات مؤسساتية محددة مثل سياسات صندوق
النقد الدولي ، كان أولئك المناضلون أيضا مازال نضالهم قاصراً على صلات
مجتمعة وجغرافية محدودة في الواقع ، كان اعتراف الجميع في خططهم ومشاريعهم
بهذه الحقيقة ، هو الخطوة الأولى لمد شبكة الحركات ، أو ربط إحدى الشبكات
بأخرى ، كان هذا الاعتراف هو المسئول الأساسي عن إشاعة جو السعادة والنشوة
الاحتفالية في المنتدى .
علاوة
على ذلك ، فأن المواجهة لا تتكشف ولا تحدد فقط الأهداف والآمال العامة ،
لكنها تظهر أيضا الاختلافات والتنويعات المتبانية لأولئك المختلفين في الظروف
المادية والتوجيهات السياسية .
لا
يمكن للحركات المتنوعة في كل أرجاء العالم أن تتصل ببعضها ببساطة على نحو ما
تفعل ، بل يجب أن يتم هذا الاتصال فيما بينها على نحو أفضل من خلال اللقاء
لتبادل الآراء والخبرات على نحو ملائم . على سبيل المثال ، هؤلاء القادمون من
أمريكا الشمالية ومن أوروبا لن يستطيعوا فرض خبراتهم ولا إلغاء الاختلاف
الواضح بين خبراتهم وخبرات العمال الزراعيين وفقراء الريف في البرازيل ،
الممثلة بوضوح في " حركة الفلاحين المعدمين الذين لا يملكون أرض " . أي نوع
هذا من تبادل الخبرات والتجارب بين الحركات الأوروبية أمريكية وبين حركات
أمريكا اللاتينية لمناهضة العولمة حتى يمكن أن يقيما معاً شبكة مشتركة واحدة
؟. قدم المنتدى فرصة للتعرف على هذه الاختلافات والقضايا والإشكاليات لأولئك
الراغبين في التعرف عليها ، لكن دون أن يفرض طرف شروطا على الآخر أو أن يوجهه
في الحقيقة ، أن طبيعة المنتدى المفرقة في التنوع خلقت حالة عامة من الابتهاج
والغبطة . نحن تماما هذه الاختلافات والصراعات فلم يكن المناخ يسمح
بالمواجهات.
معاداة الرأسمالية والسيادة القومية
كان
"منتدى بورتو اليجرى" غارقا في هذه المشاعر والأحاسيس ، قد تكون أحاسيس
بالسعادة البالغة ، والاحتفالية الضخمة ، ولم يكن هناك مجال مناسب للصراعات
والنزاعات . أكثر الخلافات السياسية الهامة التي اجتاحت المنتدى بشكل كامل
كانت تتعلق بدور السيطرة القومية . في الواقع هناك موقفين أساسين في الرد على
القوة المهيمنة اليوم على العولمة : أحدهما يعمل على تعزيز هيمنة الدول
القومية كحواجز دفاعية ضد سيطرة رأس المال الأجنبي والكوكبي ، والموقف الثاني
يكافح من أجل بديل غير قومي لخلق شكل من العولمة ينعم فيه العالم كله
بالمساواة . يزعم الموقف الأول أن الليبرالية الجديدة مقولة تحليلية أساسية ،
ترى العدو باعتباره النشاط الرأسمالي الكوكبي الذي لا تحده قيود ويضعف سيطرة
الدولة ، أما الموقف الثاني يقف بوضوح أكثر ضد الرأسمالية نفسها ، سواء كانت
هذه الرأسمالية تضبطها الدولة أولا تضبطها . قد يدعي أصحاب الموقف الأول بحق
أن الموقف ضد العولمة ، حتى ولو كان مرتبطا بتضامن دولي ، فأنه يخدم السلطات
القومية ، بقدر ما ينجح في تحديد وتقييد وضبط قوى العولمة الرأسمالية .
وبالتالي ، يبقي التحرر القومي من هيمنة العولمة الرأسمالية هدفاً أساسياً
بالنسبة لهذا الموقف ، كما كان هدفا للنضالات ضد الاستعمار القديم
والإمبريالية .
في
المقابل ، فان الموقف الثاني يعارض أية حلول قومية ويبحث عن سبيل أخر من أجل
العولمة الديمقراطية.
احتل
الموقف الأول مجالات أكثر وضوحاً وهيمنة في منتدى بورتو اليجرى ،وكان ممثلا
في الجلسات الواسعة ، وعبر عن نفسه كثيراً في كلمات المتحدثين الرسميين باسم
الشعوب ، وفي التقارير الصحفية كان الراعي الأساسي لهذا الموقف هو قيادة "حزب
العمال البرازيلي " الذي استضاف المنتدى ، منذ تولى حكم المدينة وشكل حكومة
الإقليم الذي تقع فيه مدينة بورتو اليجرى ، كان من الواضح بل ومما لا يمكن
تجنبه ، أن يحتل "حزب العمال البرازيلي" مكانة مركزية في المنتدى ، وأن يستغل
الاعتبار والاحترام الدولي الذي حظي به المنتدى كجزء من حملته الإستراتيجية
من أجل الانتخابات القادمة . كانت القيادة الفرنسية لمنظمة "أتاك"
ATTAC ثاني
الأصوات السائدة والمهيمنة دفاعا عن السيادة الوطنية ، التي نشرت أعمال
المنتدى على صفحات "الموند دبلوماتيك" . في هذا الإطار ، فأن قيادة "أتاك" (ATTAC)
على علاقة وثيقة بالعديد من السياسيين الفرنسيين ، أكثرهم عجزاً "جان بيير
تشيفنت" ، الذي يدافع عن تعزيز هيمنة الدولة القومية كحل للأثار السيئة
للعولمة المعاصرة . على أية حال ، فأن هذه الشخصيات هي التي هيمنت وسادت
التمثيل في المنتدى سواء في داخله أو في التقارير الصحفية التي نشرت عنه فى
المقابل ، كان الموقف غير السائد ، الموقف الداعي لعولمة بديلة ، كان يشكل
الأقلية في المنتدى ، ليس بالمعني الكمي ، ولكن بالمعني التمثيلي ، ففي
الحقيقة كان غالبية المشاركين في المنتدى يتخذون موقف هذه الأقلية أولاً لأن
الحركات المتنوعة التي قادت الإحتجاجت من "سياتل" إلى "جنوة"
اتجهت بشكل عام
نحو حلولا غير قومية .
والواقع أن البنية المركزية لحالة الهيمنة ذاتها تتناقض مع شكل الشبكة أو
البنية الأفقية الذي تنمو به هذه الحركات . ثانيا أن الحركات الأرجنتينية
التي تنطلق في مواجهة الأزمة المالية الراهنة ، منظم في جمعيات نيابية على
نطاق المدينة وما يجاورها ، وتتناقض مع إطروحات الهيمنة القومية . وتدعو
شعاراتهم وليس مجرد سياسي واحد ، بل جميعهم ، يدعون للتخلص من الطبقة
السياسية برمتها . وأخيراً انطلاقاً من أن ميل الأحزاب والمنظمات المتنوعة
التي حضرت المنتدى وتشكل قاعدته أكثر عداء لإطروحات هيمنة الدولة القومية من
ميل القيادة في المنتدى . قد ينطبق ذلك بشكل خاص على " أتاك "
ATTAC
المنظمة الهجين التي تقود الحركة بشكل خاص في فرنسا ، وتختلط بالسياسيين
التقليديين ، لكن أقدامها تقف على أرض ثابتة داخل الحركات.
ليس من
المستحسن فهم الانقسام بين الموقف المناهض للعولمة من أجل تعزيز السيادة
القومية وبين الموقف الداعي لعولمة بديلة ، والمناهض في الوقت نفسه للهيمنة
القومية ، ليس من المستحسن فهم هذا الانقسام على أساس جغرافي . فهي ليست
انقسامات بين الشمال والجنوب ، ولا هي انقسامات بين العالم الأول والعالم
الثالث . بل بالأحرى هي صراعات متبادلة بين شكلين مختلفين من التنظيم السياسي
. حيث تحتل الأحزاب التقليدية والحملات المركزية بشكل عام القطب المدافع عن
الهيمنة القومية ، بينما تتجمع الحركات الجديدة المنظمة في شبكات أفقية في
القطب المناهض للهيمنة . علاوة على ذلك ، ففي داخل المنظمات التقليدية
والمركزية ، تتجه القيادة نحو الهيمنة القومية ، بينما تتجه القاعدة في
الاتجاه المضاد ، قد لا يثير الدهشة ، أن أولئك الذين في موقع السلطة أكثر
ولوعا بهيمنة الدولة ، بينما الآخرين البعيدين عن مواقع السلطة لهم موقف آخر
.
على
أية حال ، قد يساعد ذلك على تفسير كيف أن الموقف المدافع عن السيادة القومية
والمضاد للعولمة يسيطر على ممثلي المنتدى ، على الرغم من أن غالبية المشاركين
أكثر ميلا باتجاه عولمة بديلة لا تقوم على أساس قومية.
كمثال
واقعي ملموس لهذا الخلاف السياسي والأيديولوجي ، يمكن للمرء أن يتصور
الاستجابات المختلفة للأزمة الاقتصادية الراهنة في الأرجنتين التي سيتبعها
أصحاب كل موقف من الموقفين طبقا لمنطقة الفكري . الحقيقة أن الأزمة ألقت
بظلالها على المنتدى بشكل واضح ،مثل التحذيرات من سلسلة من كوارث اقتصادية
قادمة . يشير أصحاب الموقف الأول إلى حقيقة أن الانهيار الأرجنتيني كان بسبب
قوى رأس المال العالمي وسياسات صندوق النقد الدولي ، بالتوفيق مع المؤسسات
فوق القومية التي تفوض سيادة الدولة القومية . وبالتالي فأن ذلك يستدعي تعزيز
سيادة الدولة القومية في الأرجنتين (والدول الأخرى) ضد هذه القوى الخارجية
التي كانت السبب في عدم الاستقرار في البلاد . أما الموقف الثاني فأنه سيتفق
مع الموقف الأول في تحديد أسباب الأزمة ، لكن سيؤكد أن أي حل قومي غير ممكن
وغير مرغوب فيه . ولن يكون هناك بدلاً لسيطرة رأس المال الكوكبي ومؤسساته إلا
بتحقيق المساواة على مستوى الكوكب ، من خلال حركة ديمقراطية كوكبية . اليوم
تتم تجارب عملية في الديمقراطية في الأرجنتين على نطاق المدن والأحياء ،
وتطرح على سبيل المثال قضية التواصل الضروري بين مفرطة الأرجنتين ومفرطة
النظام الكوكبي .
بالطبع
. فأن هذه الرؤى لا تقدم وصفة ناجزة لحل عاجل للأزمة وصفة تطوق روشتات صندوق
النقد الدولي وتنقلب عليها ، ولا أعتقد أن هذا الحل موجود في الواقع ليس
لديهم في الوقت الراهن سوى إستراتيجيات سياسية مختلفة من أجل عمل حالي يبحث
مع الوقت عن تطوير بدائل حقيقية تحل محل الشكل الراهن من السيطرة الكوكبية .
أحزاب في مواجهة شبكات عمل
في
فترة سابقة ، شاهدنا مواجهات أيديولوجية قديمة بين الموقفين . إنهم فيها
أصحاب الموقف الأول ، أصحاب الموقف الثاني بأنهم لعبة في يد الليبرالية
الجديدة ، لتفويض سيادة الدولة القومية ، وتمهيد السبيل لعولمة أخرى . ويرد
أصحاب الموقف الثاني بأن الأنظمة القومية والأشكال الأخرى لسيادة الدولة ،
فاسدة وقمعية ، وتقف عائقا أمام الديمقراطية الكوكبية التي ننشدها . لكن هذا
النوع من المواجهات لم يحدث في " بورتو اليجيري" نتيجة للطبقة الكرنفالية
للحدث ، التي جنيت الصراعات ، وبسبب جزئى أخر ، وهو أن أصحاب الموقف المدافع
عن سيادة الدولة القومية أحرزوا نجاحاً بالغاً في احتلال مواقع مركزية في
المنتدى وتمكنوا من جعل أي محاولة لإثارة الخلافات آمراً مستحيلاً .
لكن
السبب الأكثر أهمية في عدم المجابهة ، هو الأشكال التنظيمية التي يعمل وفقا
كل موقف من الموقفين . فالأحزاب التقليدية والمنظمات المركزية لديها متحدثين
يمثلونها ويخوضون معاركها ، لكن لا أحد يتحدث
باسم أي شبكة . كيف تتجادل مع
شبكة ؟ الحركات المنظمة في داخل الشبكات تمارس نفوذها فيها ، لكنها لا تمارس
خلافاتها من خلالها أو في داخلها . أحد السمات الأساسية للشبكة ، أي شبكة ،
أن أي طرفين متناقضين أو مختلفين لا يواجه أي منهما الآخر ، بل عادة ما
يهمشون تناقضهم بوجود طرف ثالث ، أو رابع ، أو بأعداد غير محدودة من الأطراف
الأخرى في الشبكة . بدا ذلك أحد السمات لأحداث "سياتل" التي أثارت لدينا
الكثيرون من عدم الفهم والالتباس : جماعات نعتبرها متناقضة موضوعيا ، من
البيئيين ، والنفايات العمالية ، وجماعات الكنائس ، والفوضويين ، ونجدهم فجأة
قادرين على العمل معاً ، في إطار الشبكة المتعددة الأطراف . نظراً لأن
الحركات تأوي وجهات نظر مختلفة ، فإنها تقوم بأعمال في مجال النشاط العام ،
على أمل أنها قد تتمكن من التعبير بشكل كامل عن الاختلافات الموجودة في مناخ
عام من المناقشات المفتوحة . لكن ذلك لا يعني أن الشبكات بلا فاعلية أو أنها
سلبية . بل تعزل الخلافات وتتحاشى التناقضات من أجل عمل نفيس تقوم به ، أو
لنقل إنها مثل موج البحر ، حيث يؤدي تدفق الحركات إلى تغيير المواقف
التقليدية الثابتة ، وتفرض الشبكات نفوذها ومنطقتها من خلال نوع من التيار
القوى لا يمكن مقاومته .
هكذ1
كان الحال في المنتدى نفسه ، يفيض بعدد وافر من الحركات بشكل مفرط ويتعذر
إدراكه ، لذلك فهو أمر بالغ الأهمية ، لمعرفة الاختلافات التي تقسم النشطاء
وحشود السياسيين في "بورتو اليجرى" . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، يكون
من الخطأ محاولة قراءة هذا الانقسام على ضوء النموذج التقليدي للصراع
الأيديولوجي بين الأطراف المتعارضة . حيث لم يعد الصراع السياسي في زمن شبكات
الحركات يعمل بنفس الطريقة التقليدية . على الرغم من نزعة أولئك الذين إحتلوا
موقعاً مركزياً وتسيدوا هيئات المنتدى إلى تأكيد تمييع الصراع ، إلا أنهم
اكتشفوا في النهاية أنهم قد يكونوا خسروا الصراع . قد يكون ممثلو الأحزاب
التقليدية والمنظمات المركزية في " بورتو اليجرى" مشابهين إلي حد كبير
للقيادات القومية القديمة التي احتشدت في باندونج ، "لولا" عن حزب العمال
البرازيلي في موقع " احمد سوكارنو" باعتباره المضيف ، و "برنادو كاسين" من
منظمة "أتاك" الفرنسية مثله مثل "جواهرلال نهرو" وكذلك حال غالبية الضيوف
المحترمين .
لا شك
في أن القيادات تمكنوا بدهاء ومكر من طرح وتأكيد إطروحات وحلول لتعزيز سيادة
الدولة القومية ، لكنهم على الإطلاق لم يتمكنوا من حصار النفوذ الديمقراطي
للحركات . في النهاية ، سوف تكتسحهم التعددية الغامرة ، القادرة على تغيير كل
العناصر الراسخة والمركزية وتحويلها إلى كتل صلبة ومتعثرة في شبكة ممتدة ولا
نهائية . |