"بورتو
اليجرى " ليست بالضبط إحدى مدن العالم الثالث ، فهي تقع في ولاية زيوجراند
دوسول " ، أكثر الولايات البرازيلية ازدهاراُ ، يقطنها عدد كبير من
الأوروبيين . يبلغ عدد سكانها نصف مليون . وتتمتع ببنية أساسية وخدمات
اجتماعية تتمتع بها مدن العالم الأول . وتقف في الحقيقة في مصاف أرقة المدن
من زاوية نوعية الحياة .
عالم آخر .. أمر ممكن .
"
بورتو اليجرى "، التي شهدت في العالم الماضي ، وفى العام الحالي، اجتماعات
المنتدى الاجتماعي العالمي ، أصبحت مثالا للروح المزدهرة للحركة المناهضة
للعولمة . من المتوقع أن يحتشد حوالي 70 ألف إنسان ، في الفترة من 30 يناير
إلى 4 فبراير ، تحت شعار "عالم آخر" .. آمر ممكن" . ويمثل هذا العدد ستة
أضعاف من تجمعوا في بورتو اليجرى " العام الماضي (2001) .
من بين
من سيشاركون في بورتو الجيري "صيادون في الهند" وفلاحون من شرق أفريقيا ،
وأعضاء نقابات عمالية من تايلاند ، وسكان أصليين من وسط أمريكا . ولكن ، من
المحتمل أن يكون هناك عدداً كبيراً من بلدان الشمال . وسيتشرف المكان بشخصيات
جاءت لتمثل التباينات في الحركة المناهضة للعولمة التي تقودها الشركات الكبرى
، فهم المفكر المعروف " ناعوم شومسكى" ، والفيلسوف الهندية والزعيمة النسوية
" فاندانا شيفا " ، و "مودبارلو" المحامى الشعبي الكندي ، والمفكر المصري "
سمير أمين" .
نقيض "دافوس"
نشأ
المنتدى الاجتماعي العالمي في مواجهة المنتدى الاقتصادي العالمي ، التجمع
السنوي المعبر عن مصالح الشركات العالمية في " دافوس" بسويسرا . نشأ المنتدى
الاجتماعي العالمي بمبادرة من تحالف منظمات المجتمع المدني البرازيلي ، وحزب
العمال الذي يسيطر علي كل من "بورتو اليجيرى" وعلي ولاية "ريوجراند دوسول".
حصلت الفكرة علي دعم دولي ضخم من جانب منظمات مثل "الموند دبلوماتيك" الشهرية
الفرنسية ، وشبكة "أناك"، و المنظم ذات التأثير الواسع في أوروبا ، الخاصة
بفرض ضريبة علي الحركة العالمية للأموال ، كما تتلقى دعما ماليا من متبرعين
تقدميين مثل "نوفيت" ، المنظمة الهولندية من أجل التنمية الدولية.
أدت
هذه الطاقات إلى عقد المنتدى الاجتماعي العالمي الأول الذي استغرق الإعداد له
ثمانية أشهر فقط.
عقدت
التليفزيونات مناقشات عبر الأطلنطي بين ممثلي المنتدى الاجتماعي العالمي ،
وبعض الشخصيات الشهيرة المشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي ، نشرتها
"التايمز فاينانشيال" كوجهتي نظر متعارضتين تمثلان عالمين متناقضين.
أحداهما تمثل قمة أثرياء العالم ، والأخرى تمثل الجماهير العريضة المهمشة .
أكثر ما يمكن أن يتذكره المرء ، لحظة المواجهة ، حينما صاح "هيب دى بونافينى"
ممثل الحركة الأرجنتينية لحقوق الإنسان ، في وجه المالي المعروف "جورس سوروس"
قائلاً: "أنت منافق ، كم من الأطفال أنت مسئول عن موتهم؟"…
ازدهر
المنتدى الاجتماعي العالمي منذ اجتماعه الأول ، بينما تدهورت مكانة المنتدى
الاقتصادي العالمي . الآن ، يتخذ المنتدى الاقتصادي موقفا دفاعيا ، وهو
المنتدى الذي يناقش "كيفية الحفاظ علي الهيمنة علينا" علي حد قول أحد
المحاورين في المنتدى الاجتماعي العالمي .
هذا ،
وقد طلبت الحكومة السويسرية من المنتدى الاقتصادي العالمي ألا يجتمع في
"دافوس" من منطلق أنها لا تستطيع حماية أمن المشاركين فيه ، ففي العام الماضي
، كانت عملية منع المتظاهرين من دخول "دافوس" ، أكبر عملية للأمن السويسري
بعد الحرب العالمية الثانية ، وتتخذ السلطات إجراءات أمن غير مسبوقة وتعانى
من الرعب في أعقاب أحداث 11 سبتمبر . نتيجة لذلك ، يعقد المنتدى الاقتصادي
العالمي اجتماعاته هذا العام في نيويورك ، ولولا ذلك لكلن المنتدى الاقتصادي
العالمي قد طواه النسيان . ويقول الكثير من المراقبين أن "دافوس" الواقعة في
قمة الجبال السويسرية قوة جذب أساسية لمديري الشركات.
يدور
اجتماع بورتو اليجرى هذا العام في 26 جلسة مفتوحة علي مدي أربعة أيام .
للحوار حول أربعة موضوعات : "إنتاج الثروة وإعادة الإنتاج الاجتماعي " ،"و
حرية الوصول للثروة والتنمية المستدامة" ، و "المجتمع المدني والمعترك العام"
و " النفوذ السياسي والأخلاقيات في المجتمع الجديد" ، هذا فضلاً عن حوالي
خمسة آلاف ورشة عمل . وتنظيم مسيرات وتظاهرات للعمال والفلاحين ، تنظمها
المنظمات الجماهيرية البرازيلية (الاتحاد المركزي للعمال) و (حركة فلاحون بلا
أرض) ، وهما المنظمتان الأساسيتان في منظمات المنتدى الاجتماعي العالمي .
عام مضطرب.
تجتمع
القوي المناهضة للعولمة في "بورتو الجيري" بعد عام مضطرب . قد تكون ذروة
الحركة المناهضة للعولمة تبدت في اجتماع مجموعة الثمانية الذي عقد في جنوه في
الأسبوع الثالث من شهر يوليو الماضي ، حينما تظاهر حوالي 300 ألف في مواجهة
مع البوليس الذي تصدي لهم بالغازات المسيلة للدموع . وبعد وقت قصير من صدامات
"جنوه" التي قتل البوليس فيها أحد المتظاهرين ، كانت الصحافة العالمية تتوقع
أن من الممكن ألا يسمح مستقبلاً لتجمع هذه النخب في بلد غير سلطوي . وفي
الواقع ، تقدمت كندا بطلب لعقد اجتماعات قمة الثمانية القادمة في منتجع في
قلب الصخور الكندية في منطقة "ألبرتا" ، ويكشف بوضوح حقيقة أن النخبة
العالمية تهرب بهذا القرار من ديمقراطية الشوارع .
حينما
جاءت أحداث 11 سبتمبر ، توقف اندفاع حركة المقاومة وتعثرت في مسارها . بعد أن
كان من المتوقع أن تكون المجابهة الكبيرة التالية بين مؤسسات العولمة
ومعارضيها ، في أواخر سبتمبر في واشنطن ، خلال الاجتماع السنوي للبنك الدولي
وصندوق النقد الدولي . وألغي توأم "بريتون وودز" اجتماعهم تحت صدمة 11
سبتمبر ، خوفا من الاحتجاجات الضخمة التي كان متوقعا لها أن تستمر لمدة أسبوع
وأن يشارك فيها 50 ألف معارض . واحتراما للمشاعر العامة للشعب الأمريكي ،
ألغي المنظمون الاحتجاجات ، ونظموا بدلاً منها مسيرة من أجل السلام.
استغلت
مؤسسات العولمة الظروف غير المتوقعة ، لتواجه أزمة المشروعية التي نالت منها
قبل 11 سبتمبر ، وذلك بالضغط علي البلدان النامية كي توافق علي بدء جولة من
المفاوضات التجارية خلال المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية
الذي عقد في الدوحة بقطر ، في منتصف نوفمبر الماضي ، وقالت لحكومات العالم
الثالث أنها إذا لم توافق علي مباحثات للمزيد من تحرير التجارة ، فأنها سوف
تكون مسئولة عن زيادة الركود العالمي الذي يمضي علي نحو متسارع منذ الهجوم
علي مركز التجارة العالمي .
عملت
سكرتارية منظمة التجارة العالمية والسلطات القطرية علي تحديد عدد المنظمات
غبر الحكومية التي حضرت الاجتماع إلى حوالي السدس . وأمن ذلك عدم حدوث
مظاهرات شوارع كالتي حدثت في سياتل ، وهو ما دفع أحد البلدان النامية البارزة
للثورة في مركز المؤتمر بالشيراتون للقول بأننا لم نحضر في مؤتمر الدوحة ،
وفي ظل هذه الظروف ، انهارت مقاومة البلدان النامية.
انقلاب الأقدار.
يأتي
اجتماع المنتدى الاجتماعي العالمي في ظل تغيرات في العام . فقد ارتفعت شعبية
إدارة "بوسن" بعد انتصاره العدواني في أفغانستان . علاوة علي ذلك ، ففي
الأسابيع القليلة الماضية ، مكر التاريخ كعادته ، وتلقت واشنطن ضريبتي :
كارثة " إنرون" وانهيار الاقتصاد الأرجنتيني.
أصبحت
"إنرون" رمزاً لقذارة المزيج المتطاير للفساد وانتهاك القوانين ، التي قادت
الاقتصاد الأمريكي في التسعينات ، وتدفعه إلي ما يمكن أن يكون أسوأ ركود
عالمي منذ الثلاثينات.
تحت
ضغط عدم القدرة علي تسديد الديون الأجنبية البالغة 140 مليار دولار ، واضطراب
الصناعة ، وسقوط العديد من مواطنيها تحت خط الفقر ، لفتت الأرجنتين الانتباه
إلى الكارثة التي تنتظر البلدان التي تأخذ سياسات الليبرالية الجديدة مأخذ
الجد ، وتسترشد بها في لبرلة وعولمة اقتصادياتها.
في
الوقت الذي يبدأ فيه المنتدى الاجتماعي العالمي ، تعيد هاتين الكارثتين بعنف
أزمة الشرعية التي شهدتها النخب العالمية ، كما شاهدها مشروعها من أجل
العولمة ، والتي سبقت أحداث 11 سبتمبر . في هذا الوقت ، تحتل "بورتو
اليجرى"
موقفا فعالاً ، وتقدم نموذجا لحركة فعالة من حركات الدفاع المضاد التي تعتقد
أن " عالم مختلف.. آمر ممكن". |