- البدائل -

عندما ترسو السفينة, سوف تأتى الديموقراطية للولايات المتحدة الأمريكية حالا!

شهادة لمايكل ألبرت

(هذا نص معدل قليلا عن نص شهادة مايكل ألبرت التى عرضها أمام المنتدى الاجتماعى العالمى فى بورتو اليجرى بالبرازيل عام 2002.)

يناير 2002

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:


لنفس المؤلف:

ماذا نريد؟ أو الرؤية

فى البداية أود أن اشكر منظمي المنتدى على دعوتي هنا لتقديم شهادتي الشخصية, واشكرهم أيضا على أنهم فكروا فى صنع هذا الحدث الهائل, وعلى تنظيمهم له.

لقد شاركت من قبل فى تجمعات لعشرات ولمئات بل وحتى لبضعة آلاف من البشر فى وقت من الأوقات, ولكن هذا الحدث المتمثل أمامي هنا, فى "بورتو اليجرى", هو فى الحقيقة أمر غير مسبوق بالنسبة لي.

إننا جميعا ندين بالشكر لمنظمي هذا الحدث, ونتعهد لهم بالدعم المستمر, أما بالنسبة لي - عندما أفكر فى أنني حضرت هنا والتقيت بهذا الجمع الباهر من الناس واستفادتي منهم, وحتى محاولتي إبداء تعليقات مفيدة لكل هذا الحشد - يستبد بي كلا من التواضع والإلهام.

لذلك أشكركم جميعا.

عندما كنت اصغر كثيرا فى السن, كانت كلمات أغاني المغنى الامريكى "بوب ديلان" تحرك مشاعري كثيرا, ولا زالت تحركها كثيرا حتى الآن. تسمى أغنية من أغنياته التى أحبها على وجه خاص باسم "عندما ترسو السفينة". إنها تجسيد جميل لفكرة انك تربح عالما جديدا عندما ترسو سفينتك على شاطئ جديد.

وبعد هذا الوقت بمدة, الفت على حب موسيقى المناضل الشاعر "لينارد كوهين", وبالذات أغنية اسمها "الولايات المتحدة الأمريكية سوف تأتيها الديموقراطية حالا". إنها أيضا عن بعض من تداعيات الظفر بعالم جديد.

والخلاصة, أنني وصلت إلى وضع عنوان لشهادتي من تلك الكلمات الملهمة لهذين الشاعرين المناضلين.... "عندما ترسو السفينة, سوف تأتى الديموقراطية للولايات المتحدة الأمريكية حالا".

أصبحت سياسيا لأول مرة أثناء الكفاح ضد "حرب فيتنام". أتذكر فى البواكير الأولى, عند تفتح وعيي, أنني كنت ذاهبا إلى كنيسة أثرية جميلة فى وسط البلدة, فى "بوسطن", لإنهاء إجراءات استدعاء الخدمة العسكرية. أتذكر انه ربما حدث هذا فى عام 1966. كنت وقتها, واقفا فى الشرفة.

رأيت طلابا وأناس آخرين يتقدمون إلى الأمام ويدوسون بطاقات استدعاء الخدمة العسكرية بالأقدام, كنوع من الاحتجاج. هللت مصفقا لهم, مثلما فعل كثير من المتفرجين الآخرين.

عندما غادرت مكان الحدث راجعا إلى بيتي تملكتني تلك اللحظات, التى نبتهج لها كلنا حين تحدث من حين لآخر, وهى لحظة انكشاف حقيقة ما, أو استلهام لبصيرة ما. أدركت أنني صفقت مهللا لأناس بسبب إقدامهم على فعل أستطيع أنا فعله, ولكنني لا افعله الآن, ولا يوجد ما يغريني بغض الطرف عنه ولكن كل ما هو هنالك هو أنني لم استغرق فيه بعد.

قررت أن أسمو فوق هذه الحالة فى المستقبل. لقد قررت ألا اصفق أبدا كمتفرج على ما أستطيع صنعه بنفسي ولا يوجد سبب مقبول للدرجة التى تمنعي من الإقدام على فعله. قلت لنفسي, "إذا ما أثار إعجابي فعلا ما, ووجدتني قادرا على صنعه, وإذا ما انتفى وجود سبب معقول يمنعني عن ذلك, وإذا لم يكن على جدول ما هو أفضل أخلاقيا - فعلى أن أقدم على فعله".

كانت فكرة فى غاية البساطة. ومن بعدها أصبحت نشيطا سياسيا.

بعد ذلك بفترة وجيزة عند التحاقي بالجامعة, أتذكر أنني حاولت مرارا بلورة خطاب يدعم حركتنا المناهضة لحرب فيتنام ولكنني كنت أقابل معارضة غريبة لما اطرحه فى كل مرة.

لقد وصفت دوافع الحرب ومآسيها ولكنني كنت أتلقى فى المقابل سؤالا:

"وما الذى تريده أنت؟" "أي وجهه نبتغيها حتى تذهب الحرب بعيدا عنا؟" "ولماذا ترى فى الصراع ضد الحرب شيئا مهما أو ذا مغزى, وأنت تعلم أن الحرب وكل الأهوال الأخرى المرتبطة بها أمرا لا يمكن تجنبه فى حياتنا هذه؟"

كنت أظن وقتها أن هذه الأسئلة أسئلة سخيفة. لقد كانت تزعجني. كانت تبدو كما لو كانت تملصا من تحمل المسئولية, وكنت أرد على سائليها بفظاظة.

كان ردى هو.... لزاما علينا أن ننهى حرب فيتنام, وكررت وأكدت.... فيما بعد سوف يكون الزمان الذى ننهى فيه كل الحروب وإلى الأبد, ننهى فيه كل الأهوال التى نحياها فى حياتنا هذه.

وحقيقة أنني وكل المنظمين للحركة المناهضة لحرب فيتنام لم يكن لدينا إجابات صالحة ترد على كيفية إعادة هيكلة كل المجتمع للقضاء على أسباب الحرب والآلام الأخرى, رغم أن ذلك لم يكن سببا وجيها للنكوص عن مناهضة الحرب, هذا ما كنت اشعر به.

بالطبع, كانت حجتي وجيهة على هذا الجانب وفى ذلك الوقت, ولكني اليوم اعتقد كمناضل أنني كنت مخطئا وبفظاعة.

اعتبار مشاعر أو شكوك من هم على وشك الانضمام إلى صفوفنا على أنها مشاعر أو شكوك غير مقبولة أو غير منطقية كان درسا آخر من أفضل الدروس. فلم يكن من الأمثل أن نساوى بين الرد على شكوك الناس بخطاب مستقبلي عالي المستوى يمنحهم الأمل ويوجه الدفة فى الاتجاه الصحيح وبين الإجابة عليهم بنفس المنطق الذى يتكلمون به.

ومرت ثلاثون سنة منذ ذلك الحين.

لو كان باستطاعتنا أن نصنع كومة من كل الخطب والأحاديث والمناقشات والكتب والمقالات التى صدرت خلال الثلاثين سنة الأخيرة عن كيف تؤذى الرأسمالية البشر - ولو كان باستطاعتنا أن نصنع كومة أخرى من كل الخطب والأحاديث والمناقشات والكتب والمقالات التى صدرت خلال الثلاثين سنة الأخيرة عن بدائل الرأسمالية وكيف يمكن لهذه البدائل أن تفيد البشر........ سوف ترتفع الكومة التى تصف شقاء البشر إلى السماء, بل قل قد تصل برأسها إلى القمر, أما كومة البديل الفاضل فلن ترتفع فوق سطح الأرض إلا قيد أنملة.
قضية ما الذى نود أن نكون عليه مازالت قائمة. هذا السؤال يسأله الناس طول الوقت. إلا أننا ما زلنا نعطى لهذا السؤال العميق والملح والمنطقي الحد الأدنى من اهتمامنا.

يا الهول!!

اعتقد أننا فى حاجة لإعادة صياغة أوجه التعاون بين طاقاتنا وبصائرنا فى هاتين القضيتين, باحثين فى ما هى العلة وما هو مصدرها, هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى نطرح رؤيتنا لما هى مطالبنا والمنطق الذى يحكم هذه المطالب وكل ما يتعلق بها. إننا نحتاج لفعل الكثير فى الناحية الثانية.

لكن, لماذا نهتم بإجابة سؤال "ماذا نريد؟" إلى الدرجة التى تلزمنا بان نكرس لها المزيد والمزيد من طاقتنا ووقتنا؟

تخيل أنني القي خطبة بليغة مؤثرة باهرة عن متاعب الشيخوخة. وأنني أخذت اعدد كيف تقلص الشيخوخة الخيارات المطروحة أمامنا, وتكبتها...... وفى النهاية تقتلنا. وأنني عرضت وثائق دقيقة تحرك المشاعر لهذه الآلام والمعاناة. حقائق لا تقبل الشك. وكانت الحقيقة التى عرضتها فظيعة بشكل لا يمكن إنكاره. فى النهاية, تكبل الشيخوخة كل امرئ منا, وتقريبا تقتل كل منا.

انتهى من هذا الحديث الدقيق والوجداني وأقول, حسنا, التحقوا بي فى حركة ضد هذه الشيخوخة القاتلة الظالمة الفظيعة.
من الواضح الجلي انه لن يلتحق بى احد... فى الحقيقة, سوف يظن كل منكم أنني مجنون. يدرك الناس ومعهم الحق أن تنظيم حركة ضد مالا يمكن تداركه, ضد الذى ولى هو الجنون بعينه.

والناس يدركون, أيضا, أن الشروح البليغة الدقيقة لمتاعب الشيخوخة لن تحملهم على تغيير موقفهم من تجاهل النداءات التى تدعوهم إلى الانتظام فى حركة ضد الشيخوخة. من السخف الانضمام إلى حركة اجتماعية ضد حقائق الحياة التى لا يمكن تداركها.

ما نحتاج لإدراكه, بالتأكيد فى الولايات المتحدة الأمريكية, بل اشك أن فى معظم الأماكن تحتاج أيضا إلى إدراك, انه بالنسبة إلى عشرات الملايين من البشر الذين نحاول دعوتهم – تبدو الخطب والتجمعات والدورات التدريبية والأحاديث والكتب التى نقدمها عن الفقر, والمهانة, والحرب, والتعصب الجنسي, والعنصري, وإلى حدود اقل عن عبودية العمل لقاء اجر, يشبه بالضبط الحديث عن الشيخوخة.

الحديث عن المتاعب والآلام قد يبدو بليغا, للحد الذى تسفح من اجله الدموع وينفجر الغضب, ولكن كدافع لاختيار أسلوب حياتنا, لا يرقى مثل هذا الحديث إلى هذه المرتبة.

يشعر الناس انه لا يوجد بديل لعالم تسوده هذه الظروف الظالمة. انهم يشعرون أن محاربة أشكال الظلم مثل محاربة الشيخوخة: لا جدوى منها. حتى لو حققنا بعض المكاسب سوف يتم سحقها سريعا بواسطة ضغوط لا قبل لنا بها تعيد تأسيس كل العفن القديم

وهكذا يشعر الناس أن تجميع كل روشتات الآلام التى تتسبب فيها الرأسمالية, تلك الآلام التى يعرفها غالبيتهم بأنفسهم من خلال خبرتهم الخاصة, لا تجلب سوى القشعريرة لأبدانهم....... وهى بالتأكيد لن تثمر شيئا. والمسألة هى, طالما لا يعتقد الناس انه يوجد شيئا أفضل يمكن الحصول عليه, فعملية شرح شرور الرأسمالية والعنصرية والاضطهاد على أساس الجنس تصل إلى أسماعهم كما لو كانت عملية شرح لآلام الشيخوخة: انك تغرس شوكة فى جنوبهم يعيشون بها.

وهم يخبروننا بذلك. "هات حياة اخرى", انهم يقولون لنا ذلك فى الولايات المتحدة, على سبيل المثال.

تعطل لنا كمبيوتر مؤخرا فى مكاتبنا فى "z", حيث اعمل, وأيضا حيث أعيش. وجاء رجل ليقوم بإصلاحه, شاب ابيض صاحب شركة إصلاح صغيرة. وتجاذبنا أطراف الحديث عن ضرب أفغانستان أثناء قيامه بالإصلاح, ولمدة ساعتين بعد انتهاءه من العمل.

وكان كلامي هو أن دوافع رد فعل الولايات المتحدة استهدفت نزع شرعية القانون الدولى, والاحتفاظ بمصداقيتنا كفتوة قادر على تدمير هؤلاء الذين يقدمون على التحدي, وبدء حرب على الإرهاب كذريعة لإعادة توزيع الثروة على الأغنياء فى الأعالي, وكتدابير قمعية شيطانية للفقراء, فى الأسفل.

ولم يكن لديه أي مشكلة فى أن يتفهم ذلك كله, وان يرى ويشعر بفظائع تدمير بلد ما بكل هذه الأسلحة التى تفتك بشكل يشبه السلاح النووي بأرواح ملايين البشر الذين طحنتهم المجاعة إلا أنها ليست نووية. غير انه قال, "من الضروري, يا مايكل, أن تفهمني وتفهم أمثالي من الناس. إننا لا نرغب فى سماع ذلك. ولا نريدك أن تقول لنا ذلك. ولا نرحب بوقوفنا أمام هذه الحقيقة المرة بعد الأخرى".

فقلت له, " أيضا, أنت لا ترغب أن أحكى لك عن تفاصيل المعاناة التى يخلفها وراءه زلزال؟"

أجابني, "بالضبط!. مثل هذه الأمور لا يمكن تفاديها. فلا حيلة لمثلي ولا لأي شخص اعرفه فى هذا الأمر. أنني أود أن أرعى عائلتي وارغب فى تحسين أحوالهم. ما تريده أنت منى هو مضيعة لوقتي. معك الحق فيما تقوله من أمور, ولكنه أمر يؤلم أسماعي. ليس فى مقدرتي التأثير فى ذلك. ولن يستطيع أي شخص ذلك".

بالنسبة لفني إصلاح الكمبيوتر الشاب هذا ولملايين وملايين آخرين هم مثله تماما, ومثلهم الطلاب الذين كنت أحاول الوصول اليهم منذ ثلاثين عاما مضت, واليوم أعداد أكثر كثيرا مثلهم بالضبط, العقبة الكبيرة أمام تحولهم للنشاط السياسى الايجابي هى الشك فى أي ناتج أفضل يمكن الحصول عليه واستمراره.

لكي نبني حركات واسعة نحتاج لرؤية ما, حتى يحدث ذلك.

نحتاج لرؤية تتغلب على الريب والشكوك.

نحتاج لرؤية تتغلب على فكرة عدم وجود بديل.

نحتاج لرؤية تمنح الأمل الذى يكفل استمرار الانتماء, حتى بالنسبة لأنفسنا.

نحتاج لرؤية تبعث فينا منهجا ايجابيا وملهما بدلا من أن تجعلنا صوت الضمير الحي الذى يعذب الآخرين, أو معارضين من اجل الرغبة فى المعارضة فقط.

و نحتاج لرؤية تدلنا على الدرب الذى نود أن نسلكه حتى تدفع جهودنا بطموحاتنا للامام بدلا من أن تدفع بها إلى الدوامة, أو إلى ما هو أسوأ, أن تقودنا إلى نهاية نكرهها, كما حدث مرارا فى الماضى.

والآن, اليوم, بعد هذه المقدمة العاطفية الطويلة, أريد التحدث عن رؤية, اقتصادية على الأقل, أتبناها وأروج لها.

الباريكون·

هذه الرؤية الجديدة اسمها... اقتصاد المشاركة أو للاختصار "البار- إيكون"

ويقوم بنيان الباريكون على خمسة قيم محورية, اقصد أن من خلال هذه القيم الخمسة, قد تم حرفيا وضع تصور وتصميم للباريكون حتى يوفى بتحقيق هذه القيم التى نخلص لها. ما هى إذا تلك القيم؟

القيمة الأولى, قيمة لا يمكن الاختلاف عليها...وهى التضامن (Solidarity)

يطبع أي اقتصاد بطابعه علاقات البشر بعضهم ببعض بشكل لا يمكن تفاديه. فما هو الطابع الذى نريد أن نطبع به العلاقات التى سوف تنشأ فيما بيننا؟

بالتأكيد نحن لا نرغب فى جعل الناس عدوانيين اجتماعيا وفى تضاد بين احدهم والآخر.

نريد ألا نتسبب فى أن يتجاهل البشر إنسانية الآخر وان يستبيحها من اجل بقاؤه هو أو من اجل رفاهيته هو.

القيمة التى نثمنها غاليا, كبديل, هى التضامن.

إننا نريد من الاقتصاد أن يجعل الناس تهتم بالآخر وتراعى وجوده, وتجعلهم مهمومين بالبحث عن سبل رفاهيتهم ورفاهية الآخرين معا وتحسين أحوال معيشتهم ككل, إننا نريد من الاقتصاد أن يجعل من فضيلة المنفعة التعاونية وسيلة للترقي والصعود وليست الوسيلة كما هو الحال الآن الاستغلال أو التجاهل لنكبات الآخرين.

وهكذا من الذى سوف يختلف مع حقيقة أن, الاقتصاد الذى يتحقق منه مزيد من التضامن بين أفراده أفضل من الذى ينتج عنه تضامن اقل. لا اعتقد أن أحدا ما سوف يختلف, وهكذا يصبح لدينا القيمة الأولى, التضامن.

القيمة الثانية أيضا قيمة لا يختلف عليها إنسان... وهى التعدد (Diversity)

أشكال الاقتصاد تؤثر فى مدى الخيارات المتاحة لنا. إننا نفضل أن يتاح لنا اختيارات أكثر نختار من بينها حينما نقرر قرارا ما وهو ما يوفره لنا التعدد, ولأننا نستطيع أن نجنى متعة الاستفادة من تجارب الآخرين الذين سبقونا باختياراتهم المتعددة, ولان التعدد يؤمننا ضد وضع كل آمالنا فى سيناريو واحد دون اكتشاف دروب جانبية وممكنة إذا ما حان الوقت الذى يتوجب علينا فيه أن نغير من الطريق.

وهكذا من الذى سوف يختلف مع حقيقة أن, الاقتصاد الذى يوفر لنا تعددية أكثر هو اقتصاد أفضل من الذى يوفر تعددية اقل, انه فى الحقيقة أفضل كثيرا جدا من الذى يأتي بنواتج ممسوحة الملامح نافية للتنوع.

لا اعتقد أن هناك شخصا ما سوف يختلف حول ذلك, وخصوصا من الحضور هنا فى المنتدى الاجتماعى العالمى, وبذلك أصبح لدينا القيمة الثانية: وهى التعدد

القيمة الثالثة, وهى أكثر إثارة للجدل, ربما حتى فيما بيننا, هى النصيب العادل (Equity)

تطبع أشكال الاقتصاد بطابعها عملية توزيع الدخل والثروة. ما الذى نريد من الاقتصاد أن يفعله فى هذا الموضوع, إذا ما كان تقديرنا أن الاقتصاد جدير به أن يفعل ذلك؟ كم ينبغي أن يكسب كل منا؟

توجد طرق عديدة متعارف عليها لتقسيم الأنصبة.

قد يكون العرف هو توزيع الأنصبة طبقا للملكية. إذا ما كان لديك فى جيبك صكا يقول انك تمتلك ماكينات أو معدات أو ارض – رأسمال منتج - فأنت تحصل, فى صورة دخل, على الأرباح التى تولدها وسائل الإنتاج هذه. ولكننا جميعا, طبعا, ننبذ ذلك العرف فى توزيع الأنصبة على أساس أن السماح لصاحب ملكية مثل "بيل جيتس" أن يمتلك ثروة اكبر من التى يمتلكها سكان النرويج قاطبة, وهو أمر ليس فقط غير اخلاقى, بل انه شر, وعدم تحضر, بل انه بربرية.

وقد يكون العرف, بدلا من ذلك, هو توزيع الأنصبة طبقا للنفوذ والسلطة. انك تحصل على ما تستطيع أن تستحوذ عليه – كلما ازددت نفوذا وسلطانا, كلما حصلت على نصيبا اكبر. ولكننا جميعا, طبعا, ننبذ ذلك العرف فى توزيع الأنصبة على أساس أن مجتمعا مبنيا على أخلاقيات "جنكيز خان", أو أخلاقيات "المافيا", أو "مدرسة هارفارد للتجارة", هو أيضا بالمثل, أمر غير اخلاقى, وهمجي.

وقد يكون العرف, ثالثا, هو توزيع الأنصبة بناء على الإنتاج... وهو أمر أكثر حصافة.

فعلا, لماذا لا يكون حقا أن نكافئ كل مساهم بالقدر الذى يعطيه مجهوده للاقتصاد؟

والإجابة هى لأن القدر الذى تضيفه "سالي" لإنتاج المجتمع الاقتصادى, من ناحية, على عوامل عديدة لا علاقة لها باختيارات "سالي" أو بقدرتها على العمل. إنها تعتمد على كيفية تقدير المجتمع لقيمة ما تنتجه "سالي", والكيفية التى عليها القدرة الإنتاجية لزملاء "سالي" فى العمل وكذلك أدوات الإنتاج المتاحة لهم, وعلى إمكانياتها ومواهبها الشخصية الكامنة فيها – وهى عوامل لا تتحكم فيها "سالي" والتي هى ببساطة هبة منحت لها.

ذات مرة, حدثت مواجهة بين "ميلتون فريدمان", العالم الاقتصادى اليميني والحائز على جائزة نوبل, مع شلة من اليساريين حول رؤاهم. فقد قال, إنكم يا أهل اليسار ترفضون فكرة أن شخصا ما نتيجة لأنه ولد لأبويين رأسماليين, أن يولد وفى فمه ملعقة من الذهب, يولد بميزات ضخمة تضعه فى المقدمة, يولد مسنودا, يولد لا يستطيع أن يزاحمه احد – بالمقارنة مع شاب من الطبقة العاملة ولد فى الطين, فى مهب الريح, بعكازين, وعصابة على عينيه....

ولكن "فريدمان أضاف, حسنا, ولكن إذا ما كان يتوجب علينا ألا نستفيد من الحظ الذى يجعلنا نولد لآباء أغنياء – لماذا إذا يجب علينا أن نستفيد من حظنا عندما نولد بصفات وراثية جيدة؟ لماذا يجب أن ندفع "لموتسارت" أكثر من "سالييرى"؟ ولماذا يجب أن ندفع "لمايكل جوردان" أكثر من لاعب فريق "يومان"؟

يظن "فريدمان" انه هكذا قد أعطانا حجة دامغة قاطعة للمنطق الذى يرفض عوامل الحظ كعنصر من عناصر المكافأة.

إلا أنني اعتقد أن المثال الذى ساقه "فريدمان" ليس سخيفا على الإطلاق, وما ننتظره من اليساريين هو أن عليهم أن يقبلوا فعلا بوجوب عدم دخول الممتلكات الموروثة فى احتساب المكافأة, وبالمثل وجوب عدم احتساب الحظوظ فى الصفات الو راثية فى عملية توزيع الأنصبة.

وفى الخاتمة, يمكن توزيع الأنصبة طبقا للمجهود. أن نكافئ الناس على المجهود الذى يبذلونه والمصاعب التى يتحملونها فى أدائهم لأعمالهم.

ذهب اثنان إلى الحقل لقطع وجمع قصب السكر. لنفترض أن الاثنان عملا وقتا مساويا فى الطول, تحت نفس الشروط, وبذلا نفس المجهود. هل يجب اعطاءهما نفس الأجر؟ فاحدهم ضخم الجثة بشكل كبير. هل يجب علينا أن نحسب للشخص الضخم الجثة دخلا اكبر لان ما قطعه وجمعه كان أكثر مما قطعه وجمعه الشخص الضئيل؟

ماذا لو كان لدى احدهم مجموعة أفضل من الأدوات؟ ماذا لو كان حقل احديهما يتيسر فيه قطع القصب وجمعه, أو كانت فيه عيدان القصب أكثر كثافة فى نفس المساحة من الآخر؟ هل تبرر مثل هذه الاختلافات فى ظروف العمل إعطاء احدهم أجرا اكبر من الآخر؟

نريد اقتصادا يبرز الظروف والأنشطة الإنتاجية بشكل أوضح أمامنا, ليس لمجرد التأكد من ذلك, ولكن حتى نبلغ هذه الغاية, ألا نكافئ الناس بشكل لا اخلاقى, نعطى "بيلى" أكثر مما نعطى "لباربرا" بسبب الحجم, أو بسبب المواهب الموروثة, أو المعدات, رغم أن "بيلى" و"باربرا" يكدان لنفس الوقت ويبذلان نفس الجهد, ويتكبدان نفس المصاعب.

شخصان من الناس يبدعان فى الرياضات الحسابية أو فى الفن, أو ينتجان دراجات أو محركات نفاثة... واحدهم أكثر إبداعا, أسرع فى الإنجاز, لديه معدات أفضل, أو ينتج شيئا ذا قيمة أعلى. ولكنهما يعملان بنفس المعدل, فى ظروف مماثلة, ويبذلان نفس المجهود. هل من المفروض أن ندفع لأحدهما أكثر من الآخر؟

"فريدمان" معه حق, لا يوجد سببا أخلاقيا ما يدفعنا إلى المكافأة بناء على المنتج.

ولا يوجد أيضا سببا اقتصاديا ما – فالأجر الأعلى للفرد لن يحسن من صفاته الوراثية... وهو أيضا ليس أفضل السبل لحفز المواهب والمعدات للعمل بشكل امثل.

مكافأة المجهود هو الحافز المناسب لبذل مزيد من الجهد. إننا نأخذ المزيد لو بذلنا مجهودنا اكبر. وهنا تصبح القيمة الأخلاقية صحيحة.... أن نكافأ على ما نتحمله من مصاعب, وعلى ما نؤديه, وليس بسبب الحظ أو الظروف.

وهكذا يصبح لدينا قيمة ثالثة, وهى النصيب العادل.

أما فيما يخص القيمة الرابعة, أيضا يطبع الاقتصاد بطابعه العلاقات فى عملية اتخاذ القرار. وأنا اسمي القيمة المتعلقة بهذا الجانب, والتي يتوجب على الاقتصاد الجيد أن يدفع بها فى شرايينه, "الإدارة الذاتية".

والفكرة بسيطة. تخيل أن عاملة وسط آخرين تريد تعليق صورة لعائلتها فى مكان عملها. فمن هو الذى يتعين عليه أن يتخذ مثل هذا القرار؟ طبعا, العاملة نفسها, ومن جانب واحد.

وافترض إنها بدلا من ذلك تريد أن تضع فى محل العمل, مذياع عالي الصوت يلعلع بالموسيقى. فمن هو الذى يتعين عليه أن يتخذ مثل هذا القرار؟ بالتأكيد لا يمكن أن تتخذ هى منفردة مثل هذا القرار. زملاء العمل المجاورون يجب أن يكون لهم رأي فى هذا الشأن.

وبمثل هذه البساطة نصل إلى مقصدنا. فاللاعبون الاقتصاديون يجب أن يسيطروا على عملية اتخاذ القرار بالقدر الذى يؤثر عليهم مثل هذا القرار.

فى بعض الأحيان يجب أن يكون القرار من جانب واحد – حتى ولو كان مستبدا. انه ليس حتما أن يقرر رئيسي فى العمل متى يجب أن اذهب إلى الحمام لقضاء حاجتي, كما يحدث الآن – ولكن يكون القرار استبداديا عندما أقرر أنا وحدي, لنفسي, متى اذهب. فى أحيان أخرى صوت واحد لشخص واحد, حيث تكون الحكمة فى قبول قاعدة الأغلبية فى اتخاذ القرار. أو فى أحيان اخرى, تكون الحكمة فى السعى للوصول إلى الإجماع, أو اتخاذ إجراءات اخرى.

ليس قرآنا أن نتخذ أسلوبا ما. ولكن القصد هو أن نحاول أن نتمم باختيارنا للأسلوب الذى نتخذ به القرار عملية "الإدارة الذاتية" – يجب أن نؤثر فى القرارات بالقدر الذى نتأثر به نحن منها.

إذا لم يكن لدى كل منا التأثير المناسب, فمن الواضح أن شخصا ما سوف يمتلك تأثيرا اكبر, وشخصا ما آخر سوف يمتلك تأثيرا اقل. ولا يوجد هنا أي مبرر اخلاقى أو ذو جدوى لمثل هذا الوضع. فمن الصحيح أخلاقيا أن نتحكم فى حياتنا الخاصة. فضلا عن, أن كل منا هو انسب شخص يفعل ذلك. إننا, كل واحد فينا, هو أكثر الخبراء فى العالم, معرفة برغباتنا الخاصة وطموحاتنا.

وهكذا يصبح لدينا قيمة رابعة, وهى الإدارة الذاتية.

أما القيمة الأخيرة فهي القيمة التى يدعى كل رجال الاقتصاد انهم يساهمون بها – الكفاءة – ولكن الأمر يحتاج إلى توضيح.

أن تكون كفئا هو أن تبلغ هدفا ما ترغب تحقيقه دون أن تبدد مواردا, أو طاقة, أو مجهودا, أو أي من أرصدتك بلا طائل.

فلو كان الربح هو الهدف والبشر بلا قيمة, كما فى النظام الرأسمالي, سوف يكون معنى الكفاءة استخدام الموارد والأرصدة الأخرى لتوليد الأرباح بغض النظر عن اثر ذلك على البشر. فلن نبالي بان العمال يعانون من أمراض المهنة, أو انهم أصبحوا جلدا على عظم, أو انهم فقدوا كرامتهم فى عملهم هذا. لا يهم أن التلوث يحرق أعينهم ويزكم أنوفهم ويدمر صدورهم. بما أن الأرباح تتعاظم, فهذه هى الكفاءة.

وعلى العكس, تعنى الكفاءة بالنسبة لنا أن نحقق الإنتاج وتوزيع المخصصات التى نسعى لها بشكل ديموقراطي فى نفس الوقت الذى نعمق فيه من القيم التى نحرص عليها بشدة. إنها الوفاء بالاحتياجات وتطوير الإمكانيات دون إهدار أو سوء استخدام للأشياء التى تمثل لنا قيمة, ومنها طبعا, أنفسنا.

وهكذا يصبح لدينا الآن خمس قيم – التضامن, والتعدد, والقسطاس, وإدارتنا الذاتية لشئوننا, والكفاءة – ومهمتنا هى أن نقرر مجموعة من المؤسسات الاقتصادية التى تستطيع إنجاز الإنتاج والاستهلاك, وتوزيع المخصصات, بينما تعزز من هذه القيم الخمسة. وهذا ما نعنيه, كما يبدو لي, حين نحاول الإجابة على سؤال ما الذى نريد, بشكل مؤسسي, أن يكون عليه اقتصادنا؟

لدينا قيم نريدها..... ونريد مؤسسات تتوافق معها.

وماذا نفعل بالمؤسسات القديمة؟

ولماذا لا نحافظ عليهم فى إطار رؤيتنا الاقتصادية الجديدة؟

أولا, تنتهك الملكية الخاصة, طبعا, التوزيع العادل للأنصبة والإدارة الذاتية لشئوننا بشكل بالغ.

فمن نتائجها – الملكية الخاصة – ليس فقط تركيز الثروة نتيجة عدم المكافأة بناء على المجهود, ولكن ينتج عنها كذلك وضع يملك فيه حفنة من الأغنياء أكثر مما يملكه جمهرة من الفقراء.

إنها تتسبب فى تركيز السلطة والنفوذ, فى أيدي أصحاب الشركات الرأسماليين, وتكون تلك السلطة غالبا بلا حدود. فأماكن العمل الرأسمالي يمكن تخيلها على أنها كيانات ديكتاتورية. وبالتأكيد لن تسمح لعملية صنع القرار أن يؤثر فيها الجميع بالقدر الذى يتأثرون به من نتائج القرار.

لذا, علينا ونحن نعتق هذه القيم الخمسة, أن ننبذ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج كمكون مؤسسي لاقتصاد ذي جدارة حقيقية, وأتمنى لو أن الجميع هنا, فى المنتدى الاجتماعى العالمى, يرفضونها أيضا بلا شروط.

ثانيا, أيضا تنتهك المؤسسات الاقتصادية الضخمة قيمنا الخمسة. إنها تمنح المديرين الكبار وأصحاب الوظائف ذات النفوذ (مثل المحامين والمهندسين والمستشارين والدكاترة) سيطرة غير مناسبة على الناتج وتضخم من دخولهم وأحيانا تبالغ فيه.

أنني اسمي هذا القطاع طبقة المنسقين الكبار (Coordinator class). وما يجب أن نتذكره جيدا ونحن نفكر فى رؤية اقتصادية جديدة هو أن طبقة المنسقين الكبار هذه لا يمكنها فقط أن تصبح مجرد طبقة نخبة, ولكنها تستطيع أن تكون طبقة حاكمة.

كل ما يتطلبه هذا الأمر ليحدث هو اقتصاد يلغى الملكية الرأسمالية تماما ولكنه يحتفظ مع ذلك بالمؤسسات الاقتصادية الضخمة ومؤسسات التوزيع الضخمة التى تؤكد وجود هذه الطبقة وترتفع بها إلى مرتبة تهيمن على سلطة اتخاذ القرار.

وتحت أي ظرف, وطبقا للقيم التى نريدها, يجب أن نرفض المؤسسات الاقتصادية الضخمة التى تفرض درجات من النفوذ والسلطة يعلو بعضها البعض, وتمنح الدخل طبقا لمراتب السلطة, وتدفع بالطبقات فى صراع ضد بعضها البعض.

ثالثا, الأسواق, مؤسسة أخرى تعودنا عليها, تنتهك تضامنا. تخلق مؤسسة السوق سياقا يجب أن يذبح المنافسين احدهم الآخر حتى يحقق تقدمه.

أيضا تخسف مؤسسة السوق بسعر أي منتج بتجاهلها لأثره على الناس ما دام يخرج عن دائرة العرض والطلب. هذه المشكلة ليست بسيطة. فالتقدير الحقيقي لسعر البنزين فى الولايات المتحدة هو حوالي 15 دولار للجالون وليس دولارا واحدا, ذلك لو حسبنا بشكل سليم كل تأثيراته السلبية على البيئة والعلاقات الاجتماعية.

وتفسد الأسواق أيضا الشخصية الاجتماعية وتحولها إلى أنماط غير اجتماعية. إنها تشجع السعى من اجل الربح وتحقيق فائض فوق ما يحتاجه الإنسان لرفاهيته.

كما تدفع الأسواق كلا من المؤسسات الاقتصادية الضخمة, وأماكن العمل للتنافس على الجمهور, والمشترين, وتدفعهم إلى تخفيض التكلفة وزيادة المبيعات حتى ولو بتقليص شروط عملهم نفسه..... وهى المهمة الملقاة على عاتق طبقة المديرين الكبار, وتهيئ الأسواق بذلك لتوالد حكم طبقة المنسقين.

وفيما يبدو لي, آخذين القيم الخمسة فى الاعتبار, يجب أن نكون كافرين بالسوق منكرين له, وإلغاءه. يجب أن نكفر بالسوق بنفس دقة المنطق الذى رفض به البشر سلفا العبودية وقاموا بإلغائها. فنحن لا يمكننا بالتأكيد أن نجد فائدة فى الأسواق, تلك التى تنتهك قيمنا, فى محاولة لمناقضة رؤيتنا الاقتصادية الجديدة التى تعمق من قيمنا هذه.

والمؤسسة الاقتصادية الأخيرة, والتي نعرفها كلنا, وتستخدم فى وضع الميزانيات, مؤسسات التخطيط المركزي, تعتدي هى الأخرى, بشكل سافر, على إدارتنا الذاتية لشئوننا. فهي تخصص سلطات غير مبررة للمخططين ولهؤلاء الذين فى مصافهم كنخبة تقف فى عليائها نتيجة لاحتكارهم مهارات معينة أو تلقيهم لتدريب خاص أو لحصولهم على تعليم متقدم وشهادات دراسية وخاصة أصحاب الوظائف ذات النفوذ.

تصدر الأوامر إلى أسفل, وينصاع رد الفعل إلى أعلى إليهم. تصدر الأوامر إلى أسفل, ويرتد الخضوع إلى أعلى.

وهكذا, يجب أن نرفض التخطيط المركزي أيضا, مع اخذ قيمنا فى الاعتبار. وبذلك, رفضنا الأسواق والتخطيط المركزي اللذان يستنفذان بشكل عام قائمة الخيارات المؤسسية الممكنة لأي اقتصاد.

فعندما قالت "مارجرت ثاتشر" انه لا يوجد بديل, كانت تعنى بالطبع انه لا يوجد بديل أفضل, وكانت تشير إلى الرأسمالية, وإلى المؤسسات الرأسمالية. فلا بديل أفضل من البحث عن الربح, أفضل من الأسواق, أفضل من التراتب الهرمي للكيانات الاقتصادية الضخمة, أفضل من كل ذلك العفن الحقير الذى يشقى الإنسانية فى البرازيل, وتايلاند وتركيا, وفى المكسيك وايطاليا وروسيا, وفى جنوب افريقيا, وفى فيتنام, وفى أفغانستان.... وفى الولايات المتحدة الأمريكية.

"مارجرت ثاتشر" على خطأ. فما تفوهت به, فى الواقع, هو ريح خائبة. وهى منفوخة بها تماما.

فى الحقيقة, توجد بدائل أفضل – وأنا ارغب فى الدفاع عن احدهم.

إذا, ما هى المؤسسات الجديدة التى نريدها ؟

ديموقراطية المجالس

بداية, وأتعشم ألا يثير ذلك جدلا, ارغب فى مجالس لاماكن العمل وللمستهلكين تكون قاطرة المداخلات المباشرة لأشكال التنظيم الجماعي واتخاذ القرار.

تنبعث مثل هذه المجالس فى كل انتفاضة جماهيرية يقوم بها العمال المنتجين والمستهلكين. انها اختيار طبيعى ليس فقط لمناسبتها لهذا الظرف, ولكن بسبب منطقها الداخلى وكفاءتها.

إنها ببساطة أفضل الطرق مباشرة للتعبير الجماعي ولاستخلاص وجهات النظر على أي مقياس من القليل العدد إلى الأعداد الغفيرة, وهى لهذا تشكل الساق الأولى التى ترتكز عليها الرؤية الاقتصادية الجديدة, رؤية اقتصاد المشاركة.

مجالس عمال لفريق العمل, لعنبر من العنابر, لمصنع كامل, لصناعة بأكملها, للاقتصاد كله. مجالس مستهلكين لوحدة من الأحياء السكنية, لحى سكنى, لمنطقة سكنية, لمدينة, لمحافظة, لإقليم, لبلاد.

وظيفة متعددة باتساق

ثانيا, وهو بدون شك أمر يثير الجدل أكثر قليلا, فانا ارغب فيما اسميه مركب الوظيفة المتعددة باتساق.

والفكرة بسيطة. كل وظيفة فى أي اقتصاد هى مجموع لمهام ومسئوليات. فى المؤسسات الضخمة يكلف كل عامل بمقطوعية من الأشياء التى عليه أن يؤديها وهى تشبه تماما بعضها البعض بما تفرضه من اثر على قيمة الحياة التى يحياها وما تعطيه له من سلطة.

يمتلك بعض الناس وظائف تعطيهم تلك السمات فى حدها الأعلى – وهم من اسميهم طبقة المنسقين: ككبار المديرين, والمهندسين, والمحامين, والأطباء, وهؤلاء الذين يستمتعون بسيطرة كبيرة على الشروط التى يؤدون أعمالهم من خلالها وغالبا ما تمتد سطوتهم إلى شروط عمل الناس دونهم. فهم يمتلكون مكانة عالية ومكافآت سخية وسلطات واسعة ترجع لأوضاع تسمح بالسلطة الاحتكارية ولأدوات استغلال النفوذ.

إلا أن كثير من الناس يعملون فى وظائف على العكس من ذلك روتينية وخاضعة بشكل هائل.

يتسم عملهم بقلة العائد وقلة الحيلة.

التحول إلى مركب الوظيفة المتسقة التعدد يعنى تقسيم الوظيفة إلى مهام ومسئوليات بحيث, يمتلك كل شخص مجموعة منها تحقق فى المحصلة الكلية معدلا متوسطا لما يخص قيمة الحياة التى يحياها وخاصة ما تمنحه له من سلطة.

فلنسميها, لو شئنا, التشارك فى تحمل أعباء وفوائد العمل بأنصبة عادلة – ولكن النقطة الرئيسية والإضافة بالنسبة لى هى المشاركة فى الشروط الجوهرية التى تسمح بالتأثير والسيطرة على الناتج بشكل موزع بطريقة الأنصبة العادلة.

إننا نقضى نهائيا على التراتب الذى تخلقه المؤسسات الاقتصادية الكبيرة فى تقسيم العمل ونخلق بدلا منه وضعا يمتلك فيه كل عامل وظيفة مختلفة عن زملائه الآخرين ولكنها, طبعا, شبيهه فى أثرها النهائى على قيمة حياته وخاصة ما تخوله له من سلطة.

لا يوجد عندنا البعض ممن يصدرون القرارات والآخرين ممن يصممون الخطط ومن المفترض انهم يتحكمون فى الناتج, وآخرين لا يمتلكون سوى أن يبذلوا أقصى طاقاتهم فى سماع الكلام (الخضوع). كل عامل لديه خليط متوازن من المهام والمسئوليات بعضها روتينيا وبعضها شاقا وبعضها ذات سلطة وبعضها مرموق.

وهكذا, فالساق الثانية التى يقف عليها هذا الاقتصاد هو مركب الوظيفة المتعددة باتساق – أي ليس فقط القضاء نهائيا على الانقسام الطبقي بين العمل والرأسمال – ولكن أيضا القضاء نهائيا على الانقسام بين من اسميهم أنا طبقة المنسقين والعمل.

الجزاء طبقا للمجهود

أما ما يلى ذلك فهو أنني أود أن اقرن الجزاء طبقا للمجهود فى الباريكون بشكل مؤسسي.

يخصص للعمال نصيب من العائد طبقا للمجهود المبذول فى عمل مفيد يساعد على الوفاء بالاحتياجات الإنسانية ويساعد على تطوير تلك الطاقات. يقاس المجهود عن طريق مقارنته بالعمال الأنداد الذين يؤدون بنفس الأساليب المقبولة اجتماعيا بشكل عام والتى يجمع عليها محليا فى كل مكان من أماكن العمل بشكل خاص.

وما يثير الانتباه هنا, باعتماد مركب الوظيفة المتنوعة باتساق – أن لدينا جميعا ظروف عمل قريبة من ناحية ما تخوله من سلطة وما تفرضه من أعباء.... ولذلك باعتماد الجزاء طبقا للمجهود.... فالسبب الوحيد الذى يمنح "بيل" أجرا اكبر من "باربرا" هو أن "بيل" يعمل لوقت أطول, أو أن أنداده فيما يعمل قد حكموا بواسطة إجراءات ديموقراطية متفق عليها انه يبذل مجهودا اكبر منهم.

وهكذا, تأتى المكافأة على المجهود ساقا ثالثة يرتكز عليها "الباريكون".

ولنا أن نلاحظ إننا كلنا بمركب الوظيفة المتعددة باتزان وبالمكافأة على المجهود وبالتضحيات نتقدم فى حياتنا الاقتصادية إلى الأمام وبشكل كاسح إذا تقدم الآخرين أيضا.

إننا نتقدم للأفضل بسبب التحسن الاجتماعى فى متوسط مركب الوظيفة المتعددة أو بسبب التوسع فى الناتج الاجتماعى ككل, وهو الذى نساهم فيه كلنا جوهريا وبشكل متساوي.

فعلى سبيل المثال, لو كان اندريا يعمل فى منجم فحم لجزء من الوقت (ويعمل فى مكان آخر لجزء آخر من الوقت كوظيفة اجتماعية متعددة باتساق) ويعمل اندرو لجزء من الوقت فى دار نشر (ولجزء آخر من الوقت فى مكان آخر ليحقق المتوسط الاجتماعى لوظيفة متعددة باتساق)... ففيما يبدو أن كلا من اندريا واندرو سوف يفضلان أن يشهدا استثمارا حقيقا وكبيرا فى قطاع المناجم بدلا من توجيه استثمار لا وزن له لقطاع النشر, ويرجع ذلك إلى أن كلا منهم يجد المصلحة فى الناتج العام لمتوسط مركب الوظيفة الاجتماعية المتعددة باتساق, وليس مجرد ما يحدث فى أماكن عملهم هم.

تخلق "الباريكون" الظروف التى تجعل من التضامن الطريق للمكسب الشخصي.

التخطيط التشاركي

الساق الرابعة التى ترتكز عليها الرؤية الاقتصادية الجديدة – ومن الواضح أن الباريكون توفر نموذجا أكثر نضجا من الصورة التى أحاول تقديمها إليكم الآن – فهي الأكثر صعوبة فى عرضها بإيجاز.

اسمها التخطيط التشاركي وهى تحل مكان السوق والتخطيط المركزي كآلية لتخصيص الحصص.

الفكرة العامة فيها بسيطة بشكل كافي.

تصور أن كل مكان للعمل به مجلس, وبالمثل كل جماعة لها مجلس. وتصور كذلك مجالس للوحدات الأكبر – للأحياء والأقاليم والمحافظات والصناعات – وللوحدات الصغيرة أيضا, لأقسام الورش, وعنابر المصانع, وفرق العمل, وهكذا دواليك.

تصور أن أعضاء المجالس هؤلاء, بشكل منفرد وأيضا بشكل جماعي, يقترحون ما يرغبون فى إنتاجه أو استهلاكه, وتخيل أيضا أن هناك نظام اتصال يضع هذه المعلومات فى بؤرة اهتمام الرأي العام, متبعا فى ذلك الأساليب المناسبة.

والآن تصور أن كل عضو من أعضاء هذه المجالس استفاد من الآراء التى أبداها الآخرين, والتي بثتها المؤسسات المختصة (طبعا, موظفيها يؤدون أعمالهم بنفس طريقة مركب الوظيفة المتعددة باتساق) ليعدل ويضبط مقترحاته الشخصية.

تخيل أن الأفراد والوحدات تستطيع من خلال هذا النظام الخاص بتوزيع المخصصات أن تخرج بمؤشرات حقيقية للتكلفة والمنفعة الاجتماعية بالكامل – الأسعار الصحيحة – وأيضا المعلومات الكمية التى يتطلبها الأمر.

تصبح عملية التخطيط إذا عملية المساومة بين هؤلاء وأولئك الذين يوازنون بين المطالب والموارد صعودا وهبوطا حتى يصلوا إلى التوافق بين هذا وذاك, أي إلى خطة, ولكنهم يصلون إليها عن طريق عملية تعاونية يدلى كل طرف من أطرافها – فرديا وجماعيا – بما يفضلونه, وبرأيهم فى ما يفضله الآخرين, وينقحون اختياراتهم على ضوء الميزانيات والرغبات, حتى يصلون إلى عقد من العقود.

تلك الصورة ليست كاملة, طبعا, ولكن توجد الصورة الكاملة كنموذج فى موقع الباريكون, ومعها عرض لكل المؤسسات المكونة لها وشروح لكل سماتها النوعية الأساسية, مع عرض وتقييم لخصائصها.

فى التخطيط التشاركي لا يوجد لدى احد أي دافع ليبيع من اجل البيع, أو أن يحتكر السوق, أو أن يخدع امرؤ ما.

لا توجد إمكانية لزيادة دخل الناس ولا لتحسين ظروف حياتهم بتلك الأساليب, فبمثل هذه الأفعال فقط تضيع وتهدر الموارد.

بدلا من ذلك, يصبح دافع المنتجين هو استخدام امثل لطاقاتهم لإنجاز أقصى إنتاج يمكن استهدافه, يتوافق مع رغباتهم ويتوافق أيضا مع احتياجاتهم الشخصية فى, عملهم ومع دخلهم القائم على مقدار ما ينفقونه من جهد.

ودافع المستهلكين فهو استخدام دخولهم فى الحصول على المنتجات التى تسعد حياتهم وتجعلها أحسن, سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي, ولكن مع وضع حالة المنتجين فى الاعتبار.

والآن ما هى رؤية الاقتصاد التشاركي وكيف تختلف مع ما جرى تحت اسم الاشتراكية؟

الاقتصاد التشاركي هو ديموقراطية مجالس المنتجين والمستهلكين, هو مركب الوظائف المتعددة باتساق, هو المكافأة على المجهود, هو التخطيط التشاركي.

إنها تختلف عما جرى تحت اسم الاشتراكية لأنها ترفض الأسواق والتخطيط المركزي, ولأنها ترفض المؤسسات الاقتصادية الضخمة, ولأنها تتضمن مركب الوظائف المتعددة باتزان والإدارة الذاتية لشئوننا.

إنها تختلف لأنها تقضى نهائيا على الانقسام الطبقي بين المديرين, والدكاترة, والمهندسين, والمحامين, وسائر أصحاب الأعمال الذهنية من جانب – والذين يعملون فى وظائف روتينية من جانب آخر, عن طريق شراكة العمل المدعوم بسلطة اتخاذ القرار لكل العاملين بدلا من احتكار هذه الصلاحيات بواسطة عدد قليل نسبيا.

إنها تختلف لأنه نظام اقتصادي يعلن بشكل حقيقي عن المبدأ الاجتماعى لعمال ومستهلكين يسيطرون على مقدرات حياتهم الشخصية – على العكس من اعتناق هذا المثال, ولكن ليصعد, بدلا من ذلك, بطبقة ضيقة نسبيا إلى مرتبة السيادة الاقتصادية.

إنها تختلف لان ما كان يسمى فى الماضى بالاشتراكية كان يجب لنتحرى الدقة أن نسميه مذهب المنسقين Coordinatorism - بينما ما اسميه أنا الاقتصاد التشاركي يتضمن داخله أكثر المبادئ جدارة والتي ألهمنا بها أعظم المناضلين الذين كافحوا تحت راية الاشتراكية.

والآن, هل يساوى الباريكون؟

هناك طريقة واحدة للقياس وهى أن تمعن النظر فيما افترضه بعض أصحاب النظر والاعتبار فى ماهية الاقتصاد الخير, اما بشكل واضح أو بالتورية, وتقيس على أساسه جدارة الباريكون.

وعليه, فقد كتب داعية الحقوق المدنية ذو النزعة الإنسانية "مارتن لوثر كنج جى آر", وهو أمريكى من موطني...

"ليس الإيمان الحقيقي أن تلقى قطعة من العملة فى يد شحاذ مسكين؛ فالحق هو أن البنيان الذى يخلق الشحاذين يجب هدمه وإعادة بناءه من جديد."

الاقتصاد التشاركي, أو الباريكون, يتفق مع ويحقق موعظة لوثر كنج. انه يقضى نهائيا على البنيان الذى يكرهه لوثر كنج لأنه المسئول عن التوزيع غير العادل للثروة ويتحقق ذلك بالقضاء على الملكية الخاصة بالإضافة إلى إلغاء الانقسام الطبقي المؤسس على احتكار السلطة فى العمل. نحقق التوزيع العادل للأنصبة, بالباريكون. نحصل جميعنا على الدخل لقاء ما نبذله من جهد, والتباين الغير عادل فى الثروة والظروف هى أمور لا نعرفها.

وكتب الايديولوجي الرأسمالي المشهور, "آدم سميث".......

"افهام الأغلب الأعم من البشر تتشكل بالضرورة من طبيعة وظائفهم الاعتيادية... فالرجل الذى يقضى عمره فى أداء أعمال بسيطة ومحدودة, ما تنتجه من اثر, ربما أيضا, يكون دائما هو نفس الأثر, أو تقريبا هو هو بلا تغيير, هذا الرجل يعدم الفرصة فى حفز ذهنه لفهم المزيد... وعموما يصبح جاهلا غبيا للحد الذى يمكن أن يصل إليه المخلوق البشرى فى الغباء والجهل..."

والمغزى هنا أننا لا نرغب فى اقتصاد يدفع بمعظم البشر إلى "الجهل والغباء" الذى يمكن أن يصل إليه مخلوق بشرى.

وفعلا, حيث تكون مهمة التعليم فى النظام الرأسمالي هى حشر 80% من السكان فى أماكن تؤهلهم لتحمل ملل ومهانة العمل الروتيني الذليل, الذى لا يتطلب منهم أي تدبر أو حكمة ولا ألمعية, ولا يملكون أي صلاحية للسيطرة عليه, بينما فى الاقتصاد التشاركي فاللوائح التى نضعها, والمهام التى نؤديها, والمسئوليات التى نضطلع بها تدعونا لشحذ همتنا ومهاراتنا وقدرتنا على الإبداع والتي يوفر لها تعليمنا أقصى احترام وغنى, ثم يأتي العمل ليستفيد بمواهبنا ومهاراتنا وبصيرتنا لأقصى درجة ممكنة تتناسب مع إعطاء نفس الاحترام والفرصة للجميع.

وبنفس الروح, كتب "وليم موريس" الكاتب والحرفي الانجليزي الذى عاش فى القرن التاسع عشر...

"نحن نبحث عن ظروف يوفرها المجتمع لا تسمح بوجود غنى وفقير, ولا سيد وتابع, ولا خامل ومحمل بأعباء العمل, ولا عمل ذهني سقيم, ولا عمل يدوى ممل, حيث يعيش الكل فى ظروف متساوية, ويدبرون شئونهم بلا إهدار للموارد, بضمير حقيقي يعرف أن أي إيذاء لفرد يعنى إيذاء كل إنجاز للمجموع, وهو ما تعنيه أخيرا كلمة كومنولث."

وتتقابل الباريكون مع أحلام "موريس" لأنها تشيع ظروفا فى العمل حيث يمتلك كل منا خليط متزن من المهام والمسئوليات التى تتعلق بقيمة الحياة التى نحياها والسلطة التى نمارسها. سنمارس كلنا إعمال ذهنية ملهمة وأيضا إعمال يدوية مفعمة بالبهجة, وسنكون كلنا كذلك بمعايير سليمة, بل وأكثر من ذلك, سنؤثر كلنا على القرارات الاقتصادية بالقدر التى تؤثر هى فينا, وليس منة من احد, ولكن لان مثل هذه الأريحية والكرامة مكون اساسي فى النسيج الحميم فى هيكل الاقتصاد. لن يصبح الكومنولث الذى تخيله "موريس" حلما جميلا, ولكنه سيصبح حقيقة تجسدها مؤسسات.

وبالمثل, كتبت الكاتبة المسرحية الأمريكية "باربرا جارسون", الأقل شهرة ولكنها الاكثر بصيرة....

"والحاصل, انه لا توجد خانات فى دفتر استعارات الكتب يسجل فيها رضا المستعير أو خيبة أمله. كما لا توجد خانات لضمان مشاعر الثقة بالنفس والإحساس بالجدارة الشخصية. ولا توجد إقرارات كتابية لا شهرية ولا فصلية ولا سنوية بالزهو والافتخار كما لا توجد إقرارات ختامية بالإفلاس عندما يصل العامل أخيرا إلى الشعور بأنه, وبعد كل ما مر به, لم يعد فى حيلته صنع شيء آخر, وانه لا يستحق أي شيء أفضل."

وللوفاء بتوسلات السيدة "جارسون", فقد تم تصميم الباريكون خصيصا لاحترام التضحية الإنسانية والاجتماعية الحقيقية ووضعها فى الاعتبار, تلك التضحيات وكذلك المنافع الناتجة عن النشاطات الاقتصادية سواء ذات الأثر المباشر على الفرد القائم بها, أو أثرها على المجتمع ككل. الرضا وانهيار الروح المعنوية, الافتخار والثقة.... هذه المعايير وغيرها من التبعات الإنسانية والاجتماعية الحقيقية للنشاط الاقتصادى تصبح المداخل المحورية لحساب تكاليف الاقتصاد التشاركي. لم يعد توزيع المخصصات بطريقة تشاركية هى مجرد إحصاء العدد البسيط ولا الجري وراء الأرباح تلك الطريقة التى تنبذها بصيرة جارسون, ولكنها تصبح ترجمة ارادات الناس فى ناتج يحسب حسابا ويضفى كرامة على احتياجاتهم وطموحاتهم الحقيقية.

كتب الفيلسوف البريطانى العظيم, "برتراند راسل"...

"يقدم كل من لم يمسسه خبل على القبول بأشياء معينة. وهو انه من الأفضل أن تكون على قيد الحياة من أن تكون ميتا, والأفضل أن تشبع بدلا من أن تتضور جوعا, ومن الأفضل أن تحيا حرا من أن تحيا عبدا أسيرا... لقد تطور الجنس البشرى لدرجة انه الآن عائلة واحدة حيث إننا لا نستطيع ضمان رفاهيتنا إلا إذا تم تأمين رفاهية كل شخص آخر. إذا ما أردت أن تسعد أنت نفسك, يجب أن توطد نفسك على أن ترى الآخرين أيضا سعداء."

ويحفر التخطيط التشاركي مصحوبا بالمكافأة على المجهود ومركب الوظائف المتعددة باتساق مطلب "برتراند راسل" بالتضامن فى كل وظيفة من وظائف الحياة الاقتصادية. فى ظل الرأسمالية حتى الفرد ذو الشخصية الودودة اجتماعيا وذات المشاعر الإنسانية الفياضة يجب أن يخطو فوق الآخرين فضلا عن انتهاكهم, حتى يتقدم شخصيا. من اجل أن تصعد يجب أن تعرقل الآخرين, أو على الأقل عليك أن تتجاهل بلوى من خلفتهم وراءك.

ولكن, فى الباريكون, يحدث العكس, حتى الجشع الطماع الكاره للآخرين, يجب أن يتوقف لتحسين ظروف الآخرين وتقدمهم حتى يستطيع أن يمضى قدما. فى الباريكون يندمج فى صلب الأدوار التى نلتزم بها ونوفيها أن نحسن من عيشتنا بالتعاون مع بعضنا البعض, وليس على حساب احدنا الآخر.

وقد كتب "ناعوم تشومسكى", الخطيب الذى افتتح المنتدى الاجتماعى العالمى فى 2002...

"مهمة أي مجتمع صناعي حديث هى إنجاز ما يمكن تحقيقه بتكنولوجيا اليوم, بمعنى حرفي, إنجاز المجتمع المبنى حقا على أسس المساهمة الطوعية الحرة للبشر المنتجين والمبدعين, الذين يعيشون حياتهم بحرية داخل مؤسسات يسيطرون هم عليها, بأقل هياكل تراتبية مقيدة, أو بدونها على الإطلاق."

أمنية "تشومسكى" فى تقليص الهياكل السلطوية التى تحد من سيطرة الناس على معيشتهم هى بالضبط الغاية التى تقصدها ديموقراطية المجالس والإدارة الذاتية التشاركية كعرف لصنع القرار والمشاركة. حتى نلتقي بمقاييس "تشومسكى", تقلص الباريكون من وطأة السلطة كسمة محورية مميزة لمؤسساتها, أو فضلا عن ذلك تجعل منها صفة نافلة, أو تستبعدها تماما بعكس ما هو موجود فى الرأسمالية الآن.

وفى النهاية, كتب ثائر القرن العشرون الهولندى "انطون بانكوك" ...

"تأتى المشكلة من كيف نجمع ما بين الحرية والتنظيم: كيف توحد ما بين سيطرة العمال على صنعة أعمالهم وبين تربيط كل هذا العمل فى كل اجتماعي حسن التخطيط. كيف تنظم الإنتاج, فى كل محل بالإضافة أيضا للاقتصاد العالمى ككل, بالطريقة التى تجعل منهم أجزاء من مجتمع متعاون أعمالهم يسيرون بأنفسهم."

ويسلط هدف "بانكوك" الضوء على ما يضيفه الاقتصاد التشاركي للميراث الثوري للمجالس: نظام لتوزيع الحصص يضبط بشكل تعاوني توافق ارادات المنتجين والمستهلكين, ويعطى نصيبا متوازنا لنفوذ كل منهم, ويسعى للوفاء الانسانى والتنمية فرديا وجماعيا, محققا لهذه الأهداف مع الالتزام بالقيم التى نثمنها غاليا – التعدد, عدالة الأنصبة, التضامن, الإدارة الذاتية.

واذا ما كانت تستحق, فما هى بعض من تداعيات الباريكون الاستراتيجية؟

الإصلاحات غير- الإصلاحية

يختلط الأمر عند بعض من أهل اليسار عندما يسمعون كلمة "الإصلاح". ما يشوشر على كلمة "الإصلاح" كلمة أخرى هى "المذهب الإصلاحي".

الإصلاح هو التغيير الذى يحدث فى النظام القائم دون أن يبدل أي من علاقاته الأساسية المجددة لطبيعته. مثل إنهاء حرب, الظفر بمكسب رفع الأجور, الانتصار فى تحرك ايجابي, وحتى إلغاء صندوق النقد الدولى.

المذهب الإصلاحي هو القتال من اجل مثل هذه التغييرات مع الوضع فى الاعتبار انه لن يكون هناك أي مساس بعلاقات النظام الأساسية فضلا عن عدم وجود أي نية فى ذلك من الأصل.

بالنسبة لي, السعى من اجل الثورة, وهو العكس من أن تكون إصلاحيا, هو السعى من اجل إحلال ديموقراطية المجالس, والمكافأة على المجهود, ومركب الوظائف المتعددة باتزان, والإدارة الذاتية, والتخطيط التشاركي, بدلا من الملكية الخاصة, والمكافأة بناء على النفوذ والسلطة, والمؤسسات الاقتصادية الضخمة, واحتكار النخبة لصنع القرار, والأسواق.

ما نحتاجه إذا ما كنا على الطريق نحو التغيير الجوهرى هو أن نربح إصلاحا غير – إصلاحي.

الإصلاح غير – الإصلاحي هو التغيير الذى نسعى إلى صنعه وآملين فى الظفر به حتى يحسن من ظروف حياة قوانا التى هى فى غاية السوء فى الوقت الحالي, ويخلق أيضا شروطا توجهنا إلى الظفر بمكاسب مستقبلية أكثر, فى منحنى صاعد يصل بنا إلى غاياتنا العليا.

يساعدنا الاقتصاد التشاركي, أو الباريكون, فى وضع تصور لإصلاح غير إصلاحي فيما يتعلق بالآتي:

  • توزيع الدخل

  • طرق حساب الأجور

  • طرق اتخاذ القرار

  • طرق تنظيم منشآت العمل

  • الميزانية المخصصة للخدمات الاجتماعية

  • توزيع المخصصات بشكل أكثر اتساعا

  • وأوجه أخرى كثيرة من حياتنا الاجتماعية

فى كلمات اخرى... يستطيع الباريكون كهدف أن يحدد لنا كيف نضع خياراتنا الاستراتيجية فى القضايا, والمطالب, وطبعا, الوعي الجمعي الذى نهدف إلى الارتقاء به.

لم يعد لدى الوقت الذى أعطى منه المزيد للقضايا الاستراتيجية... ولكني احتاج أن أتحدث عن شيئ واحد على الأقل يتعلق بتبعات الباريكون.

مشكلة رئيسية من مشاكل التنظيم لدينا فى الولايات المتحدة هى أن انخراط الطبقة العاملة الأمريكية فى النشاط الراديكالي بكل أنواعه متدنية لحد فظيع جدا. اعتقد أن جزء كبير من السبب يعود إلى أن الحركة غير مفهومة لهم وأنها لا تعطيهم القدرة على الفعل, ولكنها, بدلا من ذلك, تم تشكيلها فى عقول وبطريقة مناسبة لمن اسميهم طبقة المنسقين وهى لهذا تمنح لهذه الطبقة القدرة على الفعل. أن الحركة أشبه بفصل من فصول مدرسة الحقوق فى سلوكياتها وبالقيم التى تحملها, أكثر منها بالاجتماعات التى تحدث فى منتديات ومقاهي الطبقة العاملة.

وحتى أكثر من ذلك, تعتمد الحركة أشكال تنظيمية وأعراف يعرفها العمال واعتادوا عليها من واقع معيشتهم اليومية ويمقتونها اشد المقت – المؤسسة الكبيرة, ونزول القرار من أعلى إلى أسفل – بدلا من اعتمادها أعراف جديدة وأشكال تنظيمية مبتكرة تمنح له المقدرة على اتخاذ القرار والفعل.

فضريبة الدفاع عن الباريكون هى بالضبط انه بينما نكافح لتخليص حركتنا من العنصرية والتحيز الجنسي ... يجب علينا أيضا أن نتخلص فى حركتنا من الأساليب الرأسمالية فى صنع القرار, وتنظيم العمل, والمكافأة عليه.

يجب أن نعمل على إدماج التنظيم المجالس, ومركب الوظيفة المتعددة باتزان, والمكافأة على المجهود, والإدارة الذاتية فى مؤسسات حركتنا. يجب أن نتوقف عن أن يتسرب إلينا ثقافة طبقية وتنظيم طبقي, لان مثل هذه السمات تخلع منا أي مصداقية, وتفقر روح حركتنا, وتنفر منا العمال, وتتضاءل بقدراتنا على تطوير انتماء عمالي حقيقي لحركتنا وبرنامجنا.

ديموقراطية المجالس, مركب الوظيفة المتعددة, المكافأة على المجهود, الإدارة الذاتية التشاركية ليست فقط أهدافا بعيدة الأمد لتتحقق, إنها أشكال نستطيع أن نتصرف من خلالها فى حياتنا وخاصة فى مؤسساتنا, وان نصنع منها نماذج وان نستمد منها قدرة للطبقة العاملة على القرار والفعل.

الخلاصة

اخبرنا شاعر القرن التاسع عشر الإنجليزي "الفرد تنيسون" أن....

نصرخ فى وجه الأشكال القديمة ذات الرائحة العفنة المريضة.

نصرخ فى وجه النهم الضيق الأفق للذهب.

نصرخ فى وجه ألاف من حروب العهد الماضى.

وان نهلل لآلاف الأعوام من السلام.

ولعمري إنها نصيحة طيبة.

وكتب ثائر القرن العشرين الإيطالي العظيم, "انطونيو جرامشى"....

"من الضروري أن ننقذ الحضارة بروح جسورة وضمير خير... يجب أن نمنع التحلل الذى ينخر فى جذور المجتمع الانسانى. الشجرة الجافة الجرداء تستطيع أن تخضر مرة أخرى. هيا بنا, ألسنا مستعدون؟"

ولعمري, إنها لنصيحة أطيب.

أريد أن يكون للعمال والمستهلكين السيطرة على شئونهم الاقتصادية, هذا فيما يتعلق بالاقتصاد. أريد من كل أن يكون لديه الشروط العادلة التى يتمكن من خلالها أن يستغل كامل مواهبه وطاقاته. وأريد دخولا تناسب المجهود الذى يبذله الناس فى أعمالهم.

أريد الإنتاج, ومن ينتجه, وظروف إنتاجه, ومن يستهلك ثمرة هذا الإنتاج جميعهم مكرسين للارتقاء بالرفاهية والتنمية الإنسانية وجميعهم مقررون من قبل من يساهم فى صنعهم من البشر, كل حسب ما يناله من اثر. أنا أريد نهاية لكهنوت التراتب فى السلطة والثروة والانقسام الطبقي الذى يجعل من معظم اللاعبين تابعين خاضعين لنخبة قليلة العدد... ولإنجاز كل هذه الغايات أنا أقف فى جانب مؤسسات الاقتصاد التشاركي – مجالس العمال والمستهلكين, والمكافأة على المجهود, ومركب الوظيفة المتعددة باتساق, والتخطيط التشاركي.

وهو ما يعنى أن ما أريده هو التغيير الثوري, وأنني أدعو إليه بشكل ايجابي... ولست أشير فقط لما أعارضه. أنا لست محاربا جيدا وفقط. أنني أحارب لانتصر, لأننا نستطيع ذلك, ويجب علينا أن ننتصر.

كل هذه القيود التى تقيد حياتنا – الاستغلال, والاغتراب, والفقر, وقلة الحيلة, والعمل المضني المفتت, الانخلاع الاقتصادى, الإنتاج من اجل الربح, التشرد القاسي, المجاعة, العولمة, الانحطاط – ليسوا قوانين الطبيعة مثل الشيخوخة ولا مثل قانون الجاذبية.
لقد نتجوا عن علاقات مؤسسية, أسسها وحافظ عليها البشر. تستطيع مؤسسات أخرى جديدة, يبنيها ويحافظ عليها البشر أيضا, أن تعود على حياتنا بنتائج أفضل بشكل لا يضاهى.

يجب أن يصبح جدول أعمالنا هو تحديد ماهية هذه المؤسسات الجديدة والعمل على بلوغها, متضمنا الظفر بإصلاحات غير إصلاحية فى منحنى صاعد إلى غاياتنا العليا.

لو كنت على خطأ فى جدارة مؤسسات الاقتصاد التشاركي التى سردتها توا – ولو استطاع شخصا ما أن يظهر فشل مؤسسات الباريكون لحد ما فى إنجاز وظائف اقتصادية ضرورية أو أن هذه المؤسسات لها آثار جانبية يفوق ضررها ما تعود هى به من منافع – عندئذ وببساطة سوف أعود مرة أخرى إلى طاولات الدرس.

لن يهدأ لي بال دون رؤية, ولكن سوف ابحث عن رؤية جديدة حتى انتصر على الرأسمالية, حتى اظفر بعالم جديد, فالشيء الوحيد الذى ينقصنا بكل تأكيد هو الرؤية الاقتصادية الملهمة والتي تنهض هممنا, وشعبية ويساهم فيها الجميع – سواء كانت هذه الرؤية هى الاقتصاد التشاركي أو كانت شيئا آخر.

كان من المفترض أن تكون كلمتي هذه شهادة شخصية. ولهذا أرى أن من واجبي أن أقدم لكم اعتذاري. فلم أقدم فعلا الكثير عن نفسي مما هو شخصي, ولكنني حاولت أن أقدم لكم تشخيصا عن حالة اسمها الاقتصاد التشاركي, مع العلم أن هذا التشخيص كان موجزا. ويسعدني أن .......

سوف أفضى لكم بتعليق شخصي حتى اصل إلى خاتمة الحديث,... عندما أتذكر أن حياتي خرجت عن مسارها الطبيعى إلى المقاومة ثم إلى الثورة بسبب الحركة المعادية للحرب فى الستينات -- دعوني اختم حديثي بقصيدة.

لقد وضعت هذه القصيدة فى الصفحة الأولى لكتاب كتبته منذ عشرين عاما مضت, ومازال يروقنى ولسوف يظل أن يروق لى قراءتها.


عنوان القصيدة هو "فيتنام"

لست سامقا ولا أنت بعيد المنال

لست إمبراطورا ولا أنت ملكا

لست إلا لافتة صغيرة

تنتصب على حافة الطريق السريع

أنت بالنسبة للعابرين

تشير إلى الاتجاه الصحيح وتمنعهم من ضلال السبيل

أنت تخبرهم بما تبقى من مسافة

عليهم أن يقطعوها فى رحلتهم

خدمتك هذه ليست بالهينة

ولسوف يتذكرك الناس دائما

مؤلف هذه القصيدة هو: "هو شى منه"


عودة الى المناظرة

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية