- العسكرة والحرب -

الحرب علي الطريقة الأمريكية

والدين بيللو

ديسمبر 2001

ترجمة: خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

  • لا للعولمة الإمبريالية والحرب  بيان الوفود الآسيوية المشاركة في المنتدى الاجتماعي العالمي 2002

  • واشنطن : منتصرة أم مفرطة في التوسع؟   والدن بيللو

  • هل تنفصم عرى حلف الاطلنطى؟!   والدن بيللو
  • حرب الإرهاب تتحدى الإمبراطورية   ناعوم شومسكى
  • أنا مع السلم والعدالة   زى نت ZNet
  • هموم ثقيلة  ناعوم شومسكى

  • الاضطراب الهائل: أزمة الإمبريالية الأمريكية والحرب ضد العراق  ديفيد نورث

  • الحرب العراقية فى مواجهة الاستعمار  روبرت فيسك


  • لنفس المؤلف:

     

     

    وفقا لمنطق واشنطن ، يجب الآن أن تشتعل النيران في كل مكان ، فقد حانت ساعة الصليبيون لمقاومة الإرهاب ضد مخبأ أسامة بن لادن في تورا بورا . مع ذلك فأن أوربا غير مكترثة ، وهناك خشية في الجنوب وجزع واضح يغطى معظم بلدان العالم العربي والإسلامي .

    النتائج واضحة 4 آلاف قتيلا على الأقل معظمهم من المدنيين ، و 4 ملايين لاجئ ، وعودة للفوضى القبلية نتيجة للقضاء على السلطة المركزية . صحيح أن ما فعلته طالبان وتنظيم القاعدة عمل مروع لا يمكن تبريره ، ولكنه لا يبرر ما يفعله الأمريكيون في أفغانستان تحت أسم العدالة .

    مرة أخرى ، يدمر الأمريكيون أفغانستان بدعوى حمايتها .

    مع ذلك ، فإن واشنطن لن تسمح لهذه التفاصيل بأن تفسد عليها الإحساس بالانتصار . تم تدمير طالبان والقاعدة ، لكن هذا الانتصار له أهمية أكبر بالنسبة للبنتاجون . فالنتيجة الأهم والغير مسبوقة هو أن القوة الجوية يمكن أن تكسب الحروب ، بدون مشاركة تقريبا من جانب القوات الأمريكية العاملة على الأرض ،  وأن ذلك أيضا تم بلا ضحايا تقريبا . بالطبع ، فأن القوات العاملة على الأرض يمكن الاستغناء تماما عنها ، لكن الحاجة لها لم تعد ضرورية في الهجمات الكبيرة ، ولكن في مهام تكميلية يمكن أن يتولاها مرتزقة محليين  مثل قوات تحالف الشماليين .

    القوة الجوية تقضي على عقدة فيتنام

    كانت هذه الحرب هي المسمار الأخير في نعش " عقدة فيتنام " .

    وما سعت إليه في البداية في صراع كوسوفو عام 1999 ، يتحقق في أفغانستان .

    بتجديد الثقة فيما أسماه المؤرخ العسكري " روسيل ويلى " بـ " الأسلوب الأمريكي في الحرب " الذي يقوم علي : القوة الضخمة ، التكنولوجيا المتقدمة ، الانتصار الشامل ، أصبحت واشنطن الآن تأخذ بجدية إمكانية التدخل بنفس الطريقة في البلدان الأخرى التي تزعم الولايات المتحدة بأنها تدعم الإرهابيين أو تؤويهم ،مثل اليمن ، والسودان ، الصومال ، والعراق المرشحين الرئيسيين للتدخل العسكري الأمريكي .

    سيكون من المثير للدهشة ألا تؤدي الأحداث الجارية في أفغانستان إلى عدم تشجيع ودعم المخططات الخاصة بلعب دور عسكري أمريكي قوي في الحرب ضد المخدرات في كولومبيا . فقد قالت النيوزويك أن السلطات الكولومبية تسعي من أجل دور أمريكي اكثر حسماً من خلال مساعيها الراهنة لتوضيح التماثل بين طالبان وبين الحركات المسلحة التي تخوض حروب العصابات في كولومبيا ، بالطبع هناك اختلاف هام بين أفغانستان الصحراوية وبين أدغال كولومبيا وأحراشها .

    ولكن ألا تمثل تلك مشكلة هامة ، وهى أن التكنولوجيا الأمريكية يمكن أن تحل مثل هذه المشكلات بلا صعوبة تذكر ؟

    الوصاية الجديدة 

    مع استعادة الثقة في الطريقة الأمريكية في الحرب يعاد الاعتبار في التدخل الأمريكي المباشر في شئون البلدان النامية . حتى قبل 11 سبتمبر ، كانت الكثير من المجتمعات النامية ، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط ، تصنف كمجتمعات عاجزة .

    لم يكن مقال " روبرت كابلان " فى الاتلانتيك عام 1994 " المقال الوحيد ، بل كان أحد الكتابات العديدة المؤثرة في تقديم الحجج القوية دفاعا عن الرأي القائل بأن خروج الاستعمار لم يؤدي إلى استقرار سياسي في أفريقيا والشرق الأوسط ولكن أدى إلى السقوط في الفوضى التي تهدد العالم برمته بعدم الاستقرار .

    بعد 11 سبتمبر ، يتراجع النظر باحترام لكل من السيادة القومية وتقرير المصير في كل من واشنطن ولندن ، وانطلقت أصوات المفكرين المحافظين يعبرون عن رأيهم بأن الدول القوية لا تستطيع التوحد والترابط على الإطلاق .

    وجاءت أحد الصياغات المؤثرة من "بول جونسون " الكاتب في المودرن تايمز :

    افضل حل في المدى المتوسط سيكون إحياء لوصية الأمم النظام القديم لعصبة الأمم الخاص بالانتداب الدولي ، الذي عمل بشكل جيد كنظام استعماري موضع احترام فيما بين الحربين . كانت سوريا والعراق مفروض عليها نظاما في الانتداب أكثر نجاحا . أما السودان وليبيا وإيران فكانوا خاضعين لأنظمة شبيهه تحكمها معاهدة دولية .

    إن البلدان التي لا تستطيع الحياة في سلام مع جيرانها والتي تشن حربا خفية ضد المجتمع الدولي لا يجب أن تنعم بالاستقلال الكامل .

    ومع التراجع الراهن للأعضاء الدائمين في الأمم المتحدة ، وإن بدرجات متفاوتة ، فإن المبادرة التي يقودها الأمريكيون يجب ألا يصعب عليها ابتداع شكلا جديداً من الوصاية من جانب الأمم المتحدة يضع الدول الإرهابية تحت المراقبة .

    ليس من المثير للدهشة ، أن القليل من هذه الرؤى تتحدث عن الأسباب الأصولية لردود الفعل المتطرفة مثل الإرهاب : الحدود الاستعمارية المفروضة التي أدت إلى استمرار الصراع فيما بعد الاستعمار ، واستمرار تهميش البلدان الجديدة في النظام الاقتصادي العالمي غير المتكافئ ، واستمرار السيطرة الشمالية على المناطق الغنية بالنفط والغاز لتزود بالنفط والوقود الحضارة الغربية .

    تقدم حالة أفغانستان شكل الوصاية الجديدة أو نظام الانتداب الجديد المطلوب بعد فشل المبادرة الكبرى الأولى لمواجهة التمرد في الصومال عام 1993 طلب من الاتحاد الأوروبي تقديم قوة احتلال دائمة ، تحت القيادة البريطانية بالطبع بينما تتولى الأمم المتحدة دور الوسيط الذي بتعين " حكومة نموذجية " من بين الجماعات القبلية لملئ الفراغ السياسي . إن إدراك التطورات الراهنة في أفغانستان ، تمكن المرء من أن يلاحظ أن واشنطن تعمل وفقا للقاعدة التالية : الانفراد بالعمل العسكري ، والتعددية في التخطيط السياسي تجعل الآخرين موضع التأنيب واللوم إذا ما انهارت البنية السياسية .

    حرب بلا حدود

    الحرب ضد الإرهاب لا تعرف الحدود ، كذلك فإن الحرب في داخل الوطن يجب أن تمضي بنفس القوة ، كان

    11 سبتمبر بمثابة " بيرل هاربر الثانية " .

    وتقول إدارة بوش للأمريكيين أنهم الآن في حرب شاملة ضد الإرهاب تشبه الحرب العالمية الثانية ، وتتجاوز في شمولها الحرب الباردة ، تنتهك خلالها حقوق الناس فيما يعتبرونه أسراراً شخصية وتقيد حرية الحركة بواسطة القوانين والأوامر الواجبة التنفيذ التي تم تحريرها بسرعة وبطريقة يحسدهم عليها "جو ماكارثي " بعد تسعة أسابيع من شن الولايات المتحدة لهذه الحرب ، لاحظ " ديفيد كورن " في ذي نيشن بالرغم أن القوانين التي تم تحريرها والأوامر الواجبة التنفيذ التي تم توقيعها والخاصة بتشكيل محاكم عسكرية سرية لمحاكمة غير الأمريكيين ، قد جرمت المهاجرين ضمنا إلا أنها أيضا تمنح النائب العام سلطة حبس المشتبه فترات غير محدودة ، والتوسع في استخدام وسائل مراقبة المكالمات التليفونية والمراقبة السرية ، والسماح باستخدام أدلة سرية في  طلبات الهجرة والتي لا يستطيع الأجنبي أن يثبتها أو ينفيها ، وتدمير سرية العلاقة بين المحامى وموكله من خلال السماح للحكومة بالتصنت عليها ، وتأكيد الملامح العرقية الإثنية  .

    يندفع حلفاء أمريكا الأوربيين لعمل نفس الشيء  ، مثلهم مثل واشنطون ويغتنم الكثيرون منهم فرصة المناخ المعادى للإرهابيين للسعي من أجل إصدار مجموعة شاملة من التشريعات التي سعى إليها اليمينيون قبل أحداث 11 سبتمبر . على خلاف ما يحدث في أمريكا سار المواطنون والبرلمانيون ضد الأهداف الوحشية لتونى بلير والتي تسمح باعتقال وحبس أي أجنبي لفترة غير محدودة المدة إذا ما كان موضع اشتباه في أية أعمال إرهابية .

    تشكل التشريعات الأمريكية التي صدرت بعد سبتمبر مصدراً للانزعاج والقلق ليس فقط لأبعادها المحلية ،ولكن أيضا لنتائجها الدولية .

    أن ما نراه هو تأسيس نظام قانوني تسنه الولايات المتحدة وتلزم به الأطراف التي لم تشارك في صنعه المجموعة الأخيرة من القوانين والأوامر الواجبة التنفيذ . تمنح واشنطن نفسها من خلالها السلطة لعمل أي شيء خارج حدودها لكشف الأهداف الإرهابية التي تسعي القوات الأمريكية لاصطياد الإرهابيين _ والذي حرصت القوات الأمريكية علي إظهارها مؤخراً ، في عمل لا يخلوا من قرصنة ، حينما صعدوا على متن سفينة سنغافورية في البحر العربي بدون السماح لهم بذلك ، وسيطروا على طاقم السفينة وقاموا بتفتيش عن الإرهابيين لكنه لم يسفر عن شيء .

    موعد مع القدر

    في دراما كلاسيكية ، كان 11 سبتمبر ما يمكن تسميته بأنه موعد مع القدر _ قوة أو حدث خارجي توجه ضربة قضاء وقدراً لتسير الأمور لمصلحة أحد أبطال الرواية .

    فقد كانت مهمة القاعدة في نيويورك أفضل هبه ممكنة للولايات المتحدة والمؤسسة العالمية في ظل الأزمة والأوضاع التاريخية السابقة على 11 سبتمبر . قبل أسبوعين فقط من 11 سبتمبر ، تظاهر حوالي 300 ألف في جنوه في أكبر استعراض للقوة للحركات لمناهضة العولمة التي تعززت أكثر فاكثر منذ مظاهرات سياتل ، وواشنطن ، تشيانج ماي ، وبراغ ، ونيس ، وبورتو اليجيري ، وهونولولو ، وجوتنبرج .

    أكدت احتجاجات جنوه حقيقة أن شرعية المؤسسات الأساسية للسيطرة الاقتصادية العالمية .

    صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية _ كانت في أسوا وضع لها ، كذلك كان الحال بالنسبة لعقيدة الليبرالية وعدم التحكم في إدارة الاقتصاد والخصخصة التي جاءت تحت عنوان اقتصاديات الليبرالية الجديدة أو اتفاق واشنطن الجماعي ، هذا التآكل للمصداقية جاء نتيجة لسلسة من الكوارث منها ، الأزمة الآسيوية ، تباطؤ الإصلاح الهيكلي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ، واتساع نطاق الأزمة المالية ، بها لتشمل روسيا ثم البرازيل ثم الأرجنتين .

    أن ما جعل أزمة شرعية المؤسسات الرئيسية للعولمه الرأسمالية أزمة متفجرة بشدة ، هو أنها ارتبطت بالأزمة الهيكلية العميقة للاقتصاد العالمي ، تبدت السمات الأساسية لهذه الأزمة البنيوية في فائض الإنتاج الصناعي ، وزيادة الاحتكار لمواجهه انخفاض الربحية ، و أنشطته المضاربة المنفلتة في الأسواق المالية ، حيث تم القضاء على

    4.6 تريليون دولار أمريكي من الثروة الصناعية _ وهو ما يعادل نصف الناتج القومي الأمريكي _ في أواخر عام 2000 وبدايات عام 2001 ، تلاشي " الاقتصاد الجديد " المزعوم وسقط في الركود ، إن وصفية الركود العالمي وعمقه أدى إلى صعود تعبير "الانكماش المتزامن" الذي يصف عملية ناتجة بشكل خاص عن التشابكات و التكاملات الاقتصادية الأكبر الناجمة عن عولمة التجارة والاستثمار والتمويل .

    مع وعد العولمة بالازدهار والقضاء على الفقر والحد من عدم المساواة .

    فأنه ليس من المثير للدهشة أن يقول " فريد بيرجستن " للجنة الثلاثية ( المشكلة منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ) إن القوي المناهضة للعولمة كانت " في موقع الهيمنة ".

    علاوة علي ذلك ، قبل 11 سبتمبر ، لم ينتاب تآكل الشرعية المؤسسات الحكومية الاقتصادية للعولمة فقط ، ولكنه انتاب أيضا مؤسسات الحكم السياسي في الشمال ، خاصة في الولايات المتحدة . بدأت أعداد متزايدة من الأمريكيين تدرك أن ديمقراطيتهم الليبرالية فاسدة تماما نتيجة للسياسات المالية المشتركة للطبقة الثرية الحاكمة . في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2000 ، خاض سيناتور " جون مكين " حملة شعبية تركزت على قضية : إصلاح النظام الانتخابي الذي ليس له نظير في العالم .

    الحقيقة أن المرشح الذي يحظى بأكبر تأييد من جماعات المصالح الرأسمالية الكبرى خسر أصوات الجماهير _ وطبقا لبعض الدراسات ، خسر الانتخابات وأيضا ومع ذلك فقد انتهي به المصير إلي رئاسة أكثر الديمقراطيات الليبرالية قوة في العالم لم تعد بقادرة على دعم مشروعية النظام السياسي الذي يوصف من جانب الكثير من المراقبين باعتباره نظام في دولة نحيا حالة " حرب أهلية ثقافية " بين المحافظين والليبراليين ، وفى حالة استقطاب حاد يشطر البلاد إلي نصفين بين قطبي الصراع .

    انقلاب الأقدار

    علي الرغم من أن الإحساس العميق بالظلم يجعل حق الإرهابيين بشر غير عاديين إلا أن التقدميين عادة ما يدينون الإرهاب ، ليس فقط لأنه يؤدى بحياة الأبرياء ، ولكنه أيضا يفتح الطريق للثورة المضادة . في الواقع ، تبدو الأحداث التي أعقبت 11 سبتمبر مؤكدة للخبرة التاريخية .

    كان الدخان المتصاعد من انهيار المركز العالمي للتجارة لا يزال ثقيلا وكثيفا حينما أمسك الممثل التجاري الأمريكي " روبرت زوئيليك " أمسك بالفرصة من أجل استعادة قوة الدفع للتقدم نحو المزيد من العولمة . يحث علي أن التعجيل بالتحرير الاقتصادي كان ضروريا لمواجهة آثار 11 سبتمبر على الاقتصاد العالمي وشن كل من زوئيليك ، ومفوضه الاتحاد الأوربي " باسكال لامى " ، والمدير العام لمنظمة التجارة العالمية " مايك مور " ، شنوا حملة علي البلدان النامية ليحملوها مسئولية عدم التصديق على بدء جولة جديدة من مفاوضات تحرير التجارة خلال المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في الدوحة بقطر ، في نوفمبر الماضي . لقد أدار إعلان الدوحة عجلة تحرير التجارة التي تعثرت بعد انهيار المؤتمر الثالث لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في سياتل .

    رأي المدير الإداري لصندوق النقد الدولي " هورست كوهلر  " ، و "جيم وولفنستون "رئيس البنك الدولي رأوا في الحرب فرصة لمواجهة أزمة مؤسساتهما .

    وشارك " كوهار " بترحاب في تحويل الصندوق إلي عنصر أساس في برنامج واشنطن الشامل الموجه لدول استراتيجية مثل باكستان وإندونيسيا ، وأيضا في إهمال بعض الدول التي لا تعتبرها واشنطن استراتيجية مثل الأرجنتين ، التي تواجه إفلاسا وشيكاً ، فيترك في مهب الريح . تتعرض رئاسة " كوهلر " ومؤسسته لحصار من النقد سواء من اليسار أو اليمن . أما " جيم وولفنسون " ، فقد اغتنم أحداث 11 سبتمبر ليضع مؤسسته كشريك أساسي للبنتاجون في الحرب ضد الإرهاب ، للقيام بالدور " السلمي " في التعامل مع الفقر الذي يولد الإرهاب ويغذيه ، بينما يقوم البنتاجون بالدور " العسكري" في القضاء علي الإرهاب .

    من ناحية أخرى ، وعلي صعيد أزمة الحكم السياسي في الولايات المتحدة ، أدت 11 سبتمبر إلي تحويل الرئيس جورج دبليو بوش " من رئيس أقلية يفتقر حزبه للأغلبية في مجلس الشيوخ إلي ما يعتقد البعض أنه أصبح الآن أكثر الرؤساء الأمريكيين قوة ، والوحيد الذي حصل علي 86 % من أصوات الشعب الأمريكي وذلك في أحدث استطلاع للرأي أجرته نيويورك تايمز . فهناك 8 من كل عشرة أمريكيين تقريباً يؤيدون سياسة بوش الخاصة باعتقال المشتبه فيهم من غير الأمريكيين ، وهناك 7 من عشرة أمريكيين يؤيدون تصنت الحكومة علي أية محادثات بين المشتبه فيهم وبين محاميهم .

    الليبراليون مرعوبون تماما ، حيث يتسامح ليبرالي " هارفارد " البارز " لورانس ترايب " الذي يتغاضى عن استخدام المحاكمات  العسكرية ، وسجن أكثر من 1200 لفترات غير محددة ، بينما زميله الذي يجاريه في شهرته " آلان ديرشويتس " ، " يقترح استخدام التعذيب الذي قد يكون هناك مايبرر استخدامه " . حتى " ريتشارد فالك" بجامعة " برنستون " ، معبود الليبرالية اليسارية ورمزها ، خضع مبكراً لمبررات الحرب التي يشنها بوش .

    من " لوك " إلي " هويس "

    قد يكون خطر العقلية السياسية والنظام السياسي الأمريكي خطر بعيد المدى .

    فالأمريكيون يفتخرون بأنفسهم لأنهم يمتلكون نظاما سياسيا يؤمن إلي أقصي حد الحرية الشخصية ويحميها بما يتفق مع دعوات " جون لوك " و " توماس جفرسون " .

    لقد كانت التقاليد اللوكية و الجفرسونية عرضه للانتهاك بوحشية في الأسابيع القليلة الماضية ، حيث رضي الأمريكيون مرعوبين بمنح الحكومة أوسع سلطات ضد الأفراد بدعوى ضمان النظام والأمن . بدلا من التحرك نحو المستقبل ، تتراجع الديمقراطية الأمريكية المحدودة عن روحها التي كانت تميزها في القرن السابع عشر حيث كان جون لوك ، وعن القرن السادس عشر حيث عاش هوبس  .

    إن ما كان يعد انتهاكها في عرف الليبراليين التقليديين يمكن أن يتمتع الآن بالحصانة وهو ما عبر عنه مؤخراً النائب العام جون أشكروفت حينما قال أن الانتقادات الموجهة للإجراءات الأمنية التي اتخذتها إدارة "بوش" تخيف بعض الناس من الذين يدعون حب السلام ويتاجرون بأشباح و أوهام ودعاوى فقد الحرية وهم في الواقع يساندون الإرهابيين .

    الحقيقة أن أعضاء مجلس الشيوخ من الديمقراطيين الليبراليين الذين وجه لهم هذه الملاحظات في جلسة استماع للمجلس لم يردوا بشجاعة لفضح استخدام المحافظين لمقولة الصراع ضد الإرهاب من أجل كسب الحرب الحقيقية داخل أمريكا ، وهي الحرب ضد الليبراليين والتقدميين .

    النضال من أجل المستقبل

    الحركة المناهضة للعولمة التي كانت تتقدم باندفاع قبل 11 سبتمبر ، تكافح الآن ضد اليأس وفقد الأمل في محاولة لاستعادة قوة اندفاعها وتهددها ثلاثة تطورات هامة :

    أولاً : البوليس ، بعد أن أصبح عرضه للتشهير والغضب العام بسبب أساليبه الاستفزازية ضد المتظاهرين في جنوه ، استعاد ثقته في المناخ الجديد الذي يظهر فيه تأييد عام كبير لتقييد الحريات السياسية ، وكان البوليس مسيطراً تماما علي الموقف خلال الاجتماع الأخير لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي عقد في أوتاوا يومي 18 ، 19 نوفمبر الماضي دون أي إثارة ، وبعيد تماما عن متابعة الصحافة ، وانقض البوليس الكندي بعنف على الاحتجاج السلمي المناهض للعولمة ليعتقل المتظاهرين الشبان الذين لم يفعلوا شيئا سوي التظاهر بشكل سلمي .

    ثانيا : تعريف معنى " الإرهابي " الذي يستخدم في سن القوانين في كل من أوربا وأمريكا ، وهو تعريف غامض إلي حد كبير يمكن أن يستخدم ضد الجماعات التي تمارس الأساليب السلمية فى نضالها أو تناصر التمردات السلمية ، والتي تشكل أسلحة أساسية وضرورية في الحركة ، أو يستخدم ضد الجماعات التي قد تضر بشكل أو ما بالملكية العامة .

    ثالثا : يشارك الفعاليات الكبرى لمناهضة العولمة مئات الآلاف من الناس الذين يتنقلون من بلادهم إلى مكان الحدث ، والآن يتم الاعتراض بسهولة على ذلك نتيجة القوانين الجديدة الخاصة بالتحقيقات العشوائية ، والاعتقال أو رفض دخول الأجانب إلى البلاد لمجرد الشبهات فى أنهم قد يكونوا إرهابيين ، أو مؤيدين للإرهاب .

    كل ذلك يزيد من مخاوف جماهير المعارضين ، فضلاً عن أن السلطات ووسائل الإعلام تشارك فى خلق تصورات مختلطة لدى الرأي العام لا تميز بين الهجمات الإرهابية وبين العصيانات السلمية للمناهضين للعولمة . "دارث فاندر" ام "لوك سكايولكر"

    تستمتع واشنطن بانتصارها ، لكن الصورة التى تريد أن ترسمها هي أن أمريكا هي "لوك سكايولكر" التى تحرر الشعب الأفغاني من إمبراطورية طالبان المستبدة التي تعرفها بلدان كثيرة في العالم الثالث ، على حد قول "جون لويد" فى الفاينينشيال تايمز الذي أوضح أن هناك الكثير من "الدارث فاندر" الأشرار اعداء "لوك سكايولكر". فى الحقيقة أن الأسلوب الأمريكي في الحرب يعزز ذلك ، بتساقط الموتى عن بعد دون رؤية من يقتلهم ودون مواجهة مباشرة معه . تلك كانت الحرب مروعة إلى أقصى حد ، ولا تعتمد على الأشخاص ، وأصاب "جون بارى " الحقيقة بدرجة كبيرة حين قال في النيوزويك" إن حملة القذف التي روعت طالبان وأفقدتهم شجاعتهم، بدت أمريكا للكثير من جماعة طالبان مثل كائنات من كوكب أخر" .

    هناك شيئاً واحداً أكيداً أن الاستبداد عادة يولد المقاومة ، في الحقيقة يمكن مناقشة انه بينما قد تكون الولايات المتحدة قد كسبت معركة أخرى ، إلا أن موقفها الإستراتيجي في الشرق الأوسط وجنوب أسيا يتدهور نتيجة لهذا الصراع الحاد ، فمن المحتمل أن تتحول باكستان لنظام أصولي ، كما أن النخبة السعودية المدعومة من واشنطن تعانى من انتقادات حادة من الشباب السعودي الذي يبدى احتراما لابن لادن الذى يبدو كبطل يتحدى الولايات المتحدة الأمريكية ، وبالإضافة إلى أن القصف الجوى لأفغانستان والتأييد الجارف من الإدارة الإدارة الأمريكية لإسرائيل يولد غضباً عميقاً ضد الولايات المتحدة وضد الغرب في العالم الإسلامي من شمال إفريقيا إلي إندونيسيا ، ويهز الأرض من تحت أقدام الأنظمة الحليفة لأمريكا .

    هل ستكون التكنولوجيا المتقدمة أم ستكون التحركات الشعبية العامل الحاسم في هذا الصراع الحديث العهد من اجل الحرية والعدالة وسيادة البشر في الجنوب ضد سيطرة الإمبراطورية ؟ هل سيكون المصير فى أفغانستان هو نفس ما حدث في فيتنام ؟ من سيبقى حيا "دارث فاندر" ، أم "لوك سكايواكر " ؟ ستبقى من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة لفترة من الوقت .

    بالنسبة لحركة مناهضة العولمة ، قد تكون 11 سبتمبر أحدثت انقلاباً مؤقتاً في التأييد الكبير التي كانت تنعم به . فالحشود الضخمة فى الشوارع التي شارت بالتوازي مع النخبة العالمية مثل اجتماعات صندوق النقد الدولي واجتماعات الثمانية الكبار ، بلغت الآن حدودها الدنيا في الفعالية ، وقد يؤدى ذلك لإتباع لإستراتيجيات مبكرة تجمع بين الحفاظ على قاعدة جماهيرية واسعة للحركة ، و الالتزام بالشرعية ، والعمل البرلماني .

    فى الحقيقة إذا كان هناك أمراً واضحاً في أعقاب 11 سبتمبر ، فهو أن الحركات الثلاثة التي شكلت مجرى مستقل ـ حركة السلام الآن وحركة حقوق الإنسان والحركة المناهضة للعولمة ، وجدت نفسها الآن في موقف حرج قد يدفعها لأن تتعاون فيما بينها ، هذا التحالف المحتمل قد يؤدى إلى مساهمة هامة في موازين القوى على المدى المتوسط والبعيد .

    المدافعين عن السيطرة وهيمنة الإمبراطورية والقائمين على الدعاية لها يصرحوا بأنهم سيحققون نصراً قريباً وسريعاً ، باستعارة صور الحرب العالمية الثانية التي سيحضرها جورج بوش ودونالد رامسفيلد وجون اشكروفت هذه الأيام فنحن لسنا فى عام 1945 ولكننا في عام 1941 .     

     

    زى نت - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - الترجمات