- الزراعة وقضايا الغذاء -

أممية الفلاحين

جوزيه بوفيه

ديسمبر 2001

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:  

لنفس المؤلف:

  •  

حوار أجرته مجلة "نيولفت ريفيو" في عددها الصادر في نوفمبر و ديسمبر عام 2001, مع "جوزيه بوفيه" أحد أبرز قيادات الحركة المناهضة للعولمة. قاد حملة ضد محلات "ماكدونالدز", وشارك في تحطيم بعض منها في فرنسا.  كما زار مؤخراً رام الله ومقر "ياسر عرفات" فور فرض الحصار الإسرائيلي عليها. ويشرح "جوزيه بوفيه", في الحوار, خلفياته, وتجاربه, وخبراته الشخصية, وتاريخ كونفدرالية المزارعين في فرنسا, والأهداف العالمية لأممية الفلاحين, والصراعات الدائرة في الريف كرأس رمح للحركة المناهضة للعولمة.

 كيف كانت ظروف تكونك كنشط في فرنسا, بينما كنت صغيراً جداً كى تشارك في أحداث عام 1968؟

 حينذاك كنت في السنوات الأولى من المدرسة الثانوية أقيم خارج باريس لكنني بالطبع تأثرت بما حدث في مايو عام 1968, سواء بالحوارات أو بالمناخ العام.  لم أفعل الكثير سوى الانشغال بلعب كرة القدم في المدرسة, ولكن في السنوات الأخيرة من المدرسة الثانوية بدأت الاشتراك في المظاهرات.   

فحينما كنت في السابعة عشرة من عمري اشتركت في الصراع ضد الخدمة العسكرية دفاعا عن حقوق المعارضين للخدمة العسكرية والهاربين منها.  فقد كانت هناك شبكة من الجماعات المناظرة في كل مكان في فرنسا.  اعتدنا آنذاك علي حضور المحاكمات العسكرية كل أسبوع لتقديم الدعم والتأييد للفتية الذين يؤدون الخدمة العسكرية, وأيضا من أجل الجنود النظاميين الذين يحاكمون بسبب السرقة, أو دخلوا في صراع من أحد الضباط.   وقمنا بجمع وإعلان جميع الإحصاءات عما يجرى فعليا داخل القوات المسلحة في عامي 1970 و 1971.

انتقلت إلى "بوردو" مع والداي فور حصولي على البكالوريا.   كنت قد ولدت في "بوردو".   لكن والداي, وهما باحثين زراعيين يعملان في الأبحاث الخاصة بالأمراض التي تصيب أشجار الفاكهة, كانا كثيري الانتقال.  وحينما كنت طفلا قضينا سنوات قليلة في "بيركلي".

ذهبت إلى جامعة في "بوردو", لكنني كنت أرغب في العمل المنتظم مع المعارضين لتأدية الخدمة العسكرية, وكان ذلك في أوائل السبعينيات عندما حدث اتصال بيننا وبين المزارعين في "لارزاك".  حينما قررت القوات المسلحة, آنذاك, توسيع قاعدة عسكرية من ثلاثة آلاف هكتار إلى 17 الف هكتار, وطلب الفلاحون المحليون ان نساندهم في تشكيل جماعات للمقاومة.  قمنا بإقامة شبكة من أكثر من 200 لجنة من منطقة "لارزاك" في فرنسا, وكانت هناك بعض اللجان في ألمانيا وبريطانيا.  لكن كل المنظمات التي تم بناءها اختفت بعد ذلك.

في عام 1971, شرعنا في بناء حظيرة للماشية في "بوردو", في وسط المنطقة التي خصصتها القوات المسلحة لتوسيع القاعدة العسكرية, وجاء إلينا المئات بل الآلاف لتقديم المساعدة, وأطلقنا عليها آنذاك اسم مظاهرة "إن ديور" أي المظاهرة الصلب.  أنشأنا الحظيرة كلها من الحجر وبطريقة بدائية, واستمر البناء ما يقرب من عامين, وفي الوقت نفسه اتصلت شبكتنا بجماعة مزارعى الجبل في "بيرنيه".  اعتدنا على تشغيل المعارضين للخدمة العسكرية في العمل هناك في الأرض الجبلية الشديدة الارتفاع, بأدوات مصنوعة كلها يدويا.  من هنا اكتسبت أول تجربة في إنتاج الألبان وصناعة الجبن.  وكان ذلك في شتاء عامى 1975 و 76, حينما قرر فلاحو "لارزاك" أن علينا الاستيلاء على المزارع الخالية التي تقيمها القوات المسلحة حول القاعدة.   وانتقلت إلى "مونتريدو" كمربى ماشية, ولدي علاقات قوية كثيرة في المنطقة.

 

 ما هي التأثيرات الرئيسية في تلك المرحلة؟

 كان هناك موقفان.  الأول كان الفكر المؤيد للحرية في زمن الأفكار الفوضوية النقابية, خاصة أفكار "باكونين" و"كروبوتكين" و"برودون" وفوضويو الحرب الأهلية الأسبانية.  كان الكثيرون من المحاربين القدماء في الحرب الأهلية لازالوا يعيشون في "بوردو", واعتدنا على الحوار معهم.  أما التأثير الآخر على, فكان منها نموذج الناس الذين شاركوا في إستراتيجيات العمل غير العنيف, مثل "لوثر كينج" وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة, و"سيزار تشيفز", العامل الزراعي المكسيكي الذي نظم جامعى العنب اللاتينيين في كاليفورنيا.  أيضا كان هناك التأثير القوى "لغاندي", وفكرته التي تقوم علي أساس أنك لا تستطيع تغيير العالم بدون تغيير أسلوب حياتك ومعيشتك في إطار السعي لتوحيد ودمج أعمال رمزية فعالة في أشكال الصراع الجماهيري.

في أنحاء كثيرة من أوروبا وأمريكا كان هناك خلاف واضح, بلغ حد القطيعة, بين أولئك الذين خاضوا الصراعات في الستينيات والسبعينيات وبين هؤلاء الذين يخوضونها اليوم.  فضلا عن الهزائم والإحباط الناجم عن صعود "ريجان" و"تاتشر" في هذه الأثناء في الولايات المتحدة.  على نحو خاص, يبدو أن هناك جيلا جديدا يخوض الآن الاحتجاجات ضد العولمة في فرنسا,

ربما كان هناك إحساس أقل بالهزيمة والإحباط, ولكن كان هناك أيضا تجديد أقل في خلق الأجيال.

كانت السبعينيات سنوات النضال الفعال في فرنسا, تزامنت مع وضعيه سياسية مكنت الأحزاب اليسارية من الوصول إلى الحكم للمرة الأولى.  انتعشت الكثير من الآمال عام 1981, حينما تم انتخب "ميتران", لكن جاء الانحطاط والجزر في الثمانينيات.  قال البعض لا يجب أن نفعل أي شيء ربما يجلب الضرر علي الاشتراكيين.  أما البعض الآخر, فلم ينخدعوا ولم يغيروا سياساتهم.  وقالوا أننا كنا نعتقد أن ذلك سوف يغير أشياء لكن شيئا لم يتغير.  كانوا, في تلك السنوات, يمارسون الأعمال الرديئة من أجل المكاسب والحلول الفردية, وكان المال له كل الأولوية. 

لذلك لم نكن فاعلين أو مؤثرين إلى حد كبير في حركة الفلاحين.   وبعد انتصارنا في منطقة "لارزاك" على القوات المسلحة عام 1981 بدأنا في تنظيم الإدارة الذاتية للأرض.  أتي شباب للمزرعة, وطرحت قضايا الجبن "الريكفورت", والزراعة الكثيفة, والنضال من أجل حقوق صغار المنتجين, وبناء شبكات النقابات العمالية التي كانت متجمعة بالفعل في إتحاد الفلاحين.  هكذا كانت الثمانينيات بالنسبة لنا سنوات شديدة الغنى, ولم يكن هناك أي شعور بالإحباط أو التراجع. 

بالنسبة للجيل الأحدث كانت الكثير من حملات الثمانينيات كئيبة وغير مستساغة.  في الحقيقة فقد كانت رؤاهم وأهدافهم محددة, ولكن لم ينجذب الكثير من الناس نحوهم.  آنذاك ظهرت مشكلات وقضايا أخرى, كالنضال من أجل السكن لمن هم بلا مأوى, وحملات من أجل المقيمين بلا أوراق رسمية, وهى الحملات التي بدأت في إبداع أشكال جديدة من النشاط السياسي, وتبلورت في الحركة المناهضة للعولمة في السنوات القليلة الماضية.  في محاولتنا لطرد "ماكدونالدز" من "ميللو" في يونيو عام 2000, كان يؤيدنا أكثر من مئة معظمهم من الشباب.  منذ ذلك الحين وما تلاها من أحداث في "نيس" و"براغ" و"جنوا", كان هناك ادراك حقيقي بوجود نوع مختلف من الضمير والوعي الجمعي, تولد من أسلوب التفكير الأكثر عولمية في شئون العالم, حيث لم تعد أشكال الصراع القديمة سواء في أماكن العمل, أو ضد الدولة, لم تعد تحمل نفس القيمة والوزن. 

ومن خلال الحركة ضد أحادية النظام الاقتصادي العالمي, وتوحده تمكن الناس مرة أخرى من رؤية العدو أكثر وضوحا.  كانت المشكلة في الغرب, أنه يصعب على الناس أن يدركوا بوضوح, وأن يمسكوا بقوة بالأشكال الجديدة لاستلاب العمل في اقتصاد أصبح مستقلا تماما عن المجال السياسي.  ولكن في الوقت نفسه, وقد يكون ذلك أكثر وضوحا وتميزا في فرنسا, لم تعزل الحركة المناهضة للعولمة في فرنسا نفسها عن القوى الاجتماعية الأخرى.   فقد اعتدنا رؤية الصراع من أجل حقوق المهاجرين, والمستبعدين, ومن هم بلا أوراق رسمية, والعاطلين عن العمل, ومن لا مأوى لهم, نراهم كجزء من الصراع ضد الليبرالية الجديدة.   فنحن لا نتصور حركة مناهضة للعولمة لا تكافح من أجل هذه الحقوق في بلادها!

 

قمت بتأسيس إتحاد الفلاحين عام 1987, فما هو هدف هذا الإتحاد وما هي خطته ومشروعه؟

أولا: تأسس إتحاد الفلاحين دفاعا عن مصالح الفلاحين والعمال.  نحن مستغلون من جانب البنوك والشركات التي تشترى منتجاتنا, والشركات التي تبيع لنا المعدات, والأسمدة, والبذور, وغذاء الحيوانات.  ثانيا: يستهدف إتحاد الفلاحين النضال ضد نظام الزراعة الكثيفة برمته.   بينما تستهدف الشركات المتعددة الجنسيات التي تدير الزراعة تقليص أعداد العاملين إلى أدني حد, وتشغيلهم بأقصى طاقة ممكنة, كما تستهدف الإنتاج من أجل التصدير, دونما أي اعتبار للبيئة أو لنوعية الغذاء! 

خذ مثلا نظام تربية العجول, ففي البداية تفصل العجول الوليدة عن أمهاتها, وتتغذى على اللبن الذي يتم استحلابه آليا, وينقل إلي المصنع ويتم بسترته, ونزع دهونه, وتجفيفه, وإعادة تركيبه, وتعبئته, وبعد ذلك يعود مرة أخرى للمزارع. 

هذا الإنتاج من أجل التصدير يتلقى دعما ضخما من الإتحاد الأوروبي, لضمان أن تصبح تكلفة اللبن المعالج أرخص فعليا من نفقات تغذية العجول إذا ما اعتمدت على التغذية الذاتية من أمهاتها.  هذا نوع من الجنون الاقتصادي والبيئي, فضلا عن الأخطار الصحية التي تسببها الزراعة الكثيفة التي تدفعنا للبحث عن طريق بديل. 

عادة ما يسعى اليمين للسيطرة على حركة الفلاحين في أوروبا, واستغلالها وفقا لأهدافه المحافظة والدينية, بينما كانت السياسة الزراعية لليسار التقليدي مفجعة, فقد عارضت تماما عالم الفلاحين الذين كانت تتحدث باسمهم.  أردنا في إتحاد الفلاحين رسم إستراتيجية زراعية مستقلة عن الأحزاب السياسية, إستراتيجية عبرت عن المطالب الخاصة للفلاحين ولا تجعل منهم أداه لخدمة الآخرين والسير في ذيلهم.  لقد سعينا لتطوير أشكال من الزراعة المستدامة التي تحترم الحاجة إلى حماية البيئة, والغذاء الصحي, وحقوق العمال, كما يمكن لأي فلاح أن ينضم لإتحاد الفلاحين.   لم يكن الإتحاد مقصورا على أولئك الذين يستخدمون الطرائق والأساليب العضوية أو الذين يعملون في مساحات محددة من الأرض.  المطلوب من عضو الإتحاد فقط أن يخلص الولاء للهدف الأساسي.  فهناك حوالي 40 ألف عضوا في الإتحاد في الوقت الراهن.  هذا العام حصلنا في انتخابات غرفة الزراعة على 28% من مجموع الأصوات, وعلى نسبة أكثر من ذلك في بعض الدوائر, فقد حصلنا على 44% من الأصوات في "أفيرون" وعلى 46% من "لامانشي". 

 

 كيف تطور ذلك إلى حد تحريضك ضد أكثر الغذاء الرديء شهرة وتصفيه ماكدونالد في "ميللو"؟

في الثمانينيات خضنا حملة كبيرة في فرنسا ضد الضغط على مربى العجول لتغذية عجولهم بهرمونات النمو.   كانت هناك حركة قوية للمقاطعة ودعاية كبيرة حول الأخطار الصحية الناجمة عن ذلك.  أجبرت الحملة وزراء الزراعة المتعاقبين على فرض قيود على تغذية العجول بالهرمونات, رغم الضغوط الشديدة من جانب لوبي صناعة المستحضرات الدوائية والطبية.

في نهاية الثمانينيات منع الإتحاد الأوربي استخدام الهرمونات في تربية المواشي ولكن هناك تملصات ومحاولات للتهرب من المشكلة منذ ذلك الحين.  في عام 1996, تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية بشأن رفض أوروبا استيراد لحوم الأبقار الأمريكية التي استخدمت في تربيتها الهرمونات, واستغل الأوروبيون في ذلك نتائج مؤتمر علمي كان قد نظمه "فرانز فيشلر", مفوض الإتحاد الأوروبي, والذي خلص بشكل مخز ومغالط إلى أن هناك خمسة هرمونات آمنه تماما.  ولكن كانت هناك معارضة شعبية بالغة الأتساع, ارتبطت بالقلق المتزايد لدي الناس بشأن ما كان يحدث في تغذية الحيوانات, وعلاقة ذلك بسلسلة من الأمراض مثل: مرض جنون البقر, وتسمم الدواجن البلجيكية بعقار ديوكسين البنزويك والسالمونيللا, وعمليات التعديل الجيني.  لكن البرلمان الأوروبي بقي ثابتا على موقفه ضد استيراد اللحوم الأمريكية. 

وبانقضاء الموعد النهائي الذي حددته منظمة التجارة العالمية في صيف عام 1999, فرضت الولايات المتحدة الأمريكية ضريبة انتقامية بلغت 100% على قائمة طويلة من المنتجات الأوربية من بينها الجبن "الروكفورت".  كانت تلك مشكلة محلية ضخمة ليس فقط لمنتجي ألبان الضأن, بل أيضا لكل منطقة "لارزاك". 

حينما قلنا أننا سنعارض ذلك بإزالة نصف منشآت "مكدونالدز" في مدينتنا, أدرك كل إنسان مغزى قوة هذا الرمز.   فهو رمز للسعي من أجل الغذاء الأصيل ضد الأغذية المنفوخة بالهرمونات, وأيضا رمز لنضال العمال الزراعيين ضد الشركات متعددة الجنسيات. 

كانت الحجج الأمريكية واهية بشكل لا يصدق.   حشدنا جراراتنا ومقطوراتها وسرنا بها في أنحاء المدينة, وسعي اليمين المتطرف والقوميون لتوصيف عملنا بأنه كان مناهضا للآمركة, ولكن الغالبية الواسعة أدركت أن الأمر ليس على هذا النحو.   فلم يكن الاحتجاج سوى معارضة ضد شكل محدد من اشكال الإنتاج الغذائي يراد فرضه على العالم. 

وبعد اعتقالي رأيت في التليفزيون, داخل السجن, نهوض تأييد دولي مناصر لنا, وأرسل لنا الكثير من الفلاحين والبيئيين الأمريكيين شيكات مالية لدعمنا.

                      

 كيف قمت بتنسيق التضامن الدولي مع المزارعين في أراضي زراعية أخري؟

 منذ بدايات الثمانينيات بدأنا نؤمن بضرورة التنظيم على المستوى الأوروبي.   شعرنا أننا لا يجب أن نمكث حيث نحن في فرنسا بينما هناك شبكات عمل أخرى للمزارعين في سويسرا والنمسا وألمانيا.  وظهرت حاجتنا لبنيان عام في مواجهة السياسة الزراعية الأوروبية المسيطر عليها تماما من جانب مصالح أصحاب الأعمال العاملين في مجال الزراعة.   هذا هو السبب الذي جعلنا نقرر التنسيق فيما بين الفلاحين الأوروبيين من خلال مكتبهم في بروكسيل.  ومن خلال هذه الحركة تمكننا من الاتصال مع جماعات الفلاحين في كل أنحاء القارة. 

كان ذلك منذ حوالي عشر سنوات, حينما ولدت فكرة إقامة بنيان دولي.   وحدث ذلك من خلال أممية الفلاحين التي شاركت فيها كثير من المنظمات الفلاحية المتنوعة منها, إتحاد فلاحين ولاية "كارناتاكا" جنوب الهند, الذي لعب دورا كبيرا في حملات العمل المباشر ضد البذور المعدلة وراثي,ا ويمثل حوالي عشرة ملايين مزارع, وحركة المزارعين بلا ارض في البرازيل, التي قادت أسر الفلاحين لاحتلال الأرض ولديها برنامج اجتماعى وتعليمى هام.

هناك شبكات إقليمية في كل قارة منظمة حول أهداف خاصة بفلاحي كل قارة في أوروبا وأمريكا الشمالية والوسطي والجنوبية وفي أسيا وإفريقيا.  ومنذ ذلك الحين هناك تنسيق شامل مركزه الآن في "هندوراس", وسوف ينتقل إلى أسيا في العام القادم.

 

 ذهبت إلى "سياتل" مع أممية الفلاحين, فما هي انتقاداتك لمنظمة التجارة العالمية؟

 كان إدراج الغذاء والزراعة ضمن عملية الجات عام 1986, بمثابة انتصار كبير للمشروعات الكبيرة العاملة في الزراعة.  كانت خطوة هائلة في اتجاه تنظيم التجارة والإنتاج الزراعي على أساس قواعد الليبرالية الجديدة.   فلم تعد البلاد حرة في اختيار سياساتها الخاصة بالغذاء, بل أصبحوا مجبرين على تخفيض التعريفات الجمركية وأخذ نسبة من الواردات وهو ما يعني فعليا أن 80% من واردات الغذاء في العالم تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. 

أخذت العملية مدي أبعد عام 1994, بتوقيع اتفاقية مراكش التي وضعتها منظمة التجارة العالمية.  والآن لا يمكن لدولة أن ترفض استيراد منتج زراعي أو غذائي على أساس حماية صحة مواطنيها وسبل رزقهم. 

كان من المفترض أن تكون اتفاقيات "مراكش" أساس لورقة متوازنة في "سياتل", لكن هذا لم يحدث, ليس لأننا في حاجة إلى تقدير رسمي لكي نعرف أن بلدان الجنوب هي أكبر الخاسرين, وأن فتح حدودها أدي إلى هجوم مباشر على الزراعة فيها. 

على سبيل المثال, اعتادت كوريا الجنوبية والفلبين على الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأرز, ولكنهم الآن مجبرون على استيراد أرز من نوعية أردأ ولكن أرخص من الأرز المزروع محليا, وإتلاف الجزء الأعظم من إنتاجهم من الأرز.  كما تجبر الهند وباكستان على استيراد ألياف نسجية صناعية تؤدي إلى تدمير إنتاج صغار مزارعي القطن.  وفي البرازيل التي تعد أكبر مصدري المنتجات الزراعية تعاني نسبة متزايدة من السكان من سوء التغذية, وتتولى الشركات المتعددة الجنسيات طرد أعداد واسعة من العائلات الزراعية من الأرض وتحرمهم من إمكانية تغذية أنفسهم. 

 

 ماذا كنت تريد في "سياتل"؟

 أولا: من حق كل بلد أن يفرض التعريفة الجمركية الخاصة به لحماية مصادر ثرواته الزراعية والغذائية والحفاظ علي التوازن بين المدينة والريف!   فللشعوب حق أساسي في إنتاج الغذاء الذي تحتاج إليه وفي المنطقة التي تعيش فيها.  ذلك يعني معارضة العمل الراهن الذي تقوم به الشركات الأمريكية والأوربية الكبرى لنقل مزارع الدواجن والخنازير وصوبات زراعة الخضروات إلي بلدان العمالة الرخيصة, وبلا أية ضوابط بيئية.  هذه الشركات لا تأبه بتغذية السكان المحليين, بل على العكس من ذلك تقوم بتدمير الزراعة المحلية, وإجبار عائلات صغار المزارعين على ترك الأرض كما يحدث في البرازيل. 

ثانيا: يتعين علينا اتخاذ إجراءات لإنهاء عملية الإغراق التي تمارسها الشركات متعددة الجنسيات, وهو التكتيك المعتمد من جانبها, والمعتاد استخدامه للقضاء على الزراعة المحلية, حيث تقوم بإغراق بلد ما بإنتاج رخيص ورديء النوعية, ولكنه مدعوم بهبات ضخمة ومساعدات أخرى من أصحاب المصالح المالية الكبرى, ثم يرفعون بعد ذلك الأسعار مرة أخرى بمجرد أن يتم تدمير صغار المزارعين هناك.  في أفريقيا جنوب الصحراء, هبطت سبل عيش الجماهير إلي النصف, نتيجة لأن الشركات الأوربية الكبرى للغذاء غمرتها بذبائح مجمدة مدعومة بشكل كبير. 

يجب إلغاء كل مساعدات التصدير كخطوة أولى باتجاه التجارة العادلة.   حينذاك سوف يعكس السوق العالمي التكلفة الحقيقية لمنتجات البلدان المصدرة. 

ثالثا: نحن نرفض تماما أي حق للشركات المتعددة الجنسيات في فرض براءات الاختراع علي الأمور المتعلقة بالحياة.   إنها قرصنة بيولوجية, وأفدح أشكال المصادرة علي سطح الأرض.  من المفترض أن تكون براءات الاختراع لحماية اكتشاف جديد أو تقنية جديدة لا أن تكون لاكتشاف مصدر طبيعي.  إنها حتى ليست تقنية بل إنها إنتاج لبذور معدلة وراثيا. 

أن فرض براءات الاختراع من جانب نصف دستة من الشركات الكيميائية يشكل انتهاكا لحق المزارعين المعترف به في جمع البذور من أجل الزراعة في العام التالي.  أن برنامج الشركات المتعددة الجنسيات للتعديل الوراثي يشكل هجوما ضارا بالتنوع البيولوجي.   فعلى سبيل المثال, هناك ما يقرب من 140 ألف صنف من الأرز تتم زراعتها في آسيا علي مدار القرون, متوائمة مع المذاق المحلي الخاص, ومع ظروف النمو.   حبات طويلة وحبات قصيرة واختلافات في الأطوال والمذاق والصفات المميزة والقدرة علي احتمال الرطوبة ودرجات الحرارة وهكذا.  بينما لا تعمل شركات الغذاء سوي في خمسة أو ستة أنواع معدلة جينيا من أجل الكثافة الإنتاجية العالية, وتحتاج إلي عمالة زراعية أقل, ويفرضون زراعتها في مناطق الزراعة المستدامة التقليدية في بعض البلدان الآسيوية.   أسوأهم حالة الفلبين والصين.  تغطي هذه الأنواع الستة من الأرز ثلثي مساحة الأرض المزروعة بالأرز. 

 

 ما هو البديل الذي تطرحه لمنظمة التجارة العالمية ؟

 نحن نطالب بمحكمة دولية للتجارة, علي شاكلة المحكمة الدولية لحقوق الإنسان.   وأن يكون لها ميثاق وقضاه معينون بمعرفة الأمم المتحدة.  يجب أن تتمتع بالشفافية في العمل وتنظر في الدعاوى المقدمة من الأفراد والجماعات والنقابات العمالية وأيضا من الدول.  ويجب أن تلعب المحكمة دورا تشريعيا سواء في مشروعية الاتفاقات الاقتصادية الدولية أو في الاتفاقيات التي يجب التصديق عليها وفقا للحقوق الشخصية والجماعية التي أقرتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.   وهى الحق في الغذاء والملاذ والعمل والتعليم والصحة.  حيث يجب أن تغرض هذه الحقوق نفسها علي السوق وأن يكون لها الأولوية علي حرية السوق.  ويجب أن تكون هذه الحقوق موضع احترام المؤسسات الاقتصادية, وليس فقط موضع احترام الدول.   أنها عملية مشابهة لتلك العملية الخاصة باتفاقيات "كيوتو" بشأن البيئة. 

 

لاشك أن "كيوتو" لا تشكل سابقة ذات شأن كبير؟

أوافق علي ذلك لكن مثل هذه الأمور تأخذ وقت.   فالدعوة إلي محكمة دولية لجرائم الحرب لم يصادق عليها سوى 30 أو 40 دولة بالرغم من أن هذه الدعوة انطلقت منذ حوالي أربعة عقود.  لكن من الضروري أن نسأل أنفسنا ما هي المؤسسات التي نريد إقامتها من أجل التجارة المتعددة الأطراف.  نحن نعمل علي تطوير رؤية عالمية طويلة الآجل, دون أن تكون بسيطة أو سطحية وسوف يستلزم ذلك توازنا لابد منه في القوى.  يدعو البعض في إتحاد الفلاحين إلي إلغاء منظمة التجارة العالمية فضلا عن دعوات أخرى إلي إصلاحها. 

 

هل خبرات الشمال والجنوب علي خلاف في هذا الشأن؟

تطالب أممية الفلاحين بإخراج الغذاء من مفاوضات منظمة التجارة العالمية.  نحن نوافق تماما علي ثلاثة نقاط أساسية: السيادة علي الغذاء, والأمن الغذائي, وإباحة المكتشفات وعدم التقييد ببراءات الاختراع. 

بالنسبة لشعوب الجنوب تعني السيادة علي الغذاء الحق في حماية أنفسهم من الصادرات.   أما بالنسبة لنا في الشمال فهي تعني الكفاح ضد مساعدات التصدير وضد الزراعة الكثيفة.  ولا يوجد تناقض في ذلك علي الإطلاق يمكننا أن نقوم بعمل في جزء من العالم دون أن يكون له أية مخاطر أو أضرار علي مصالح الفلاحين في مكان آخر.   سواء كان هذا العمل هو استئصال نباتات الصويا المعدلة وراثيا بالاشتراك مع حركة فلاحين بلا أرض في البرازيل, كما فعلنا في يناير الماضي عام 2001.  أو القيام بمظاهرة مع الفلاحين الهنود في "بانجالور", أو اقتلاع الأرز المعدل جينيا بالاشتراك معهم حينما جاءوا إلي فرنسا.   أو الاحتجاج مع الفلاحين ومع الزاباتستيين في المكسيك. 

فعليا, إن مطالبنا ومواقفنا لا تتغير في كل هذه الأعمال.   بالطبع هناك آراء مختلفة في أممية الفلاحين, ولكن تبادل الآراء والخبرات يجعل منها شبكة ضخمة للتوجيه والحوار.  أنها أممية حقيقية للفلاحين ومثال حي لعلاقة جديدة بين الشمال والجنوب. 

 

ألا تعارض الحركة المناهضة للعولمة أشكال القوة العسكرية المعولمة  مثل الناتو, كمعارضتها لمنظمة التجارة العالمية؟

هذا أمر بالغ الصعوبة.  لا يمكن القول بأن المرء لا يجب أن يناضل ضد الناتو.  ولكن وراء الصراع العسكري غالبا ما تكون هناك أشكال خادعة ومدمرة من الاستعمار الاقتصادي, تتم من خلال البرامج المفروضة من جانب صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي.   تفتح أشكال الخداع هذه مناطق وأقاليم أمام الشركات متعددة الجنسيات, وتقضي علي الخدمات العامة, وخصخصة المنافع العامة. 

علي سبيل المثال فالمشاركين من فرنسا في قوة الطوارئ الدولية في سراييفو, في منتصف التسعينيات, لم يكونوا ضباطا في الجيش الفرنسي علي الإطلاق, بل كانوا مجرد ممثلين للشركة الفرنسية المتعددة الجنسيات "فالفينري أوجينالي إيوكس دي فرانس".  قضوا كل وقتهم في دراسة شبكات المياه, والبنية الأساسية.    وحينما انتهي القتال عرضوا تقديم خدماتهم في إعادة بناء المنافع البوسنية العامة.  اليوم تتولى "فيفندى" إدارة نظام المياه في سرابيفو باعتبارها خدمة مملوكة للقطاع الخاص.   أنه شكل من الهيمنة الاقتصادية الذي نراه في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا ومناطق أخرى.

نحن في حاجة لإدانة الدور الذي تقوم به القوة العظمى العسكرية المنفردة باعتبارها شرطي عالمي.   لكن إدانة هيمنتها الاقتصادية أكثر أهمية!!  هناك ميل إلي أن تكون الاحتجاجات ضد صراعات محددة, لا أن تكون ضد الحرب عموما.   فضلا عن مناهضة العسكرة في حد ذاتها. 

كانت هناك تحركات ضخمة في فرنسا ضد حرب الخليج, علي الرغم من أن هذه التحركات لم تكن سهلة في ظل الحكومة الاشتراكية التي خاضت الحرب.   لكن الأسلوب الغربي الوقح في القتال من أجل السيطرة علي النفط أدى إلي توليد معارضة حقيقة للحرب.  أما في البوسنة و كوسوفو  فقد كان الأمر أكثر التباسا وغموضا.  جرت الكثير من المناقشات داخل الحركة بين هؤلاء الذين عارضوا تدخل الناتو, وبين أولئك الذين قالوا وكانوا صادقين في ذلك تماما أن نظام "ميلوسوفيتش" كان نظاما فاسدا ونموذج للستالينية القديمة في زي قومي للصرب.   وكان الناس يعرفون ماذا كان يجري في كوسوفو لسنوات وجرت الكثير من المناقشات حول شكل المقاومة والتضامن الواجب اتخاذه. 

ولكن بالنسبة لي لا يمكن أن تكون هناك حربا جيدة علي الإطلاق, ولابد أن يدرك الناس هذه الحقيقة.   لقد كنت ضد كل أشكال التدخل العسكري كما إنني أعارض القذف الأمريكي لأفغانستان. 

 

ما هو موقفك من "شيفينما" وجمهوريته المناهضة للعولمة, التى لها انعكاسات في معتقدات اليسار في أماكن أخرى, مثل "بن" في بريطانيا؟

خضت نقاشا مع "تشيفينما" في راديو فرنسا حينما كنت في مؤتمر بورتو اليجرى في يناير 2001, وكنا متعارضين تماما في وجهة نظرنا.  يعتقد هو أن الدولة القومية تقف كحائل منيع ضد العولمة, أما أنا فأعتقد أن هذا مجرد وهم, وأن الشركات متعددة الجنسيات, والاتفاقيات المتعددة الأطراف حول الاستثمار, وقواعد التجارة الحرة, تعمل على مستوى مغاير تماما تتجاوز به الحدود القومية. 

يمكن للمرء أن يقول إن أى دولة لا تملك أي قوة في هذا الشأن.   إنها لا تمنح الشعوب سوى الوهم بقدرتها على حمايتهم.   كان "شيفينما" كوزير للداخلية, مسئولا عن تنفيذ أقصى السياسات المقيدة للهجرة منتهكا الحق الانسانى الخاص بحرية التحرك.   إن إغلاق الحدود السياسية لن يقدم حلا للمشكلة الأساسية الخاصة, التى تولد الهجرة, وهى عدم المساواة بين الشمال والجنوب. 

 

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية هى الدولة الوحيدة التي لا تؤدى الاتفاقيات المتعددة الأطراف إلى الانتقاص من سلطاتها ونفوذها؟

بالطبع تهيمن الولايات المتحدة تماما على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.  لكن الحكومة الأمريكية بالتالي هي مجرد أداة للشركات الكبرى.  ولهذا السبب لم يجد الناس فرقا بين بوش وآل جور في الانتخابات الأخيرة. 

أكدت حملة "رالف نادر", الطبيعة الحقيقة للسياسة الأمريكية.   فالمرشحون يختارون بالفعل لكي يكونوا ممثلين للجماعات المالية والصناعية.  يمكن للمرء رؤية ذلك, وهو يتم بطرق تفصيلية على مستوى الإدارة الفيدرالية.   يفرض نفوذ الشركات متعددة الجنسيات نفسه بشكل مباشر دوران الآلة السياسية, وتعمل الدولة الأمريكية كمحرك لدعم هذه الشركات سواء بشكل مؤسسي أو بشكل أيديولوجي. 

لكن الليبرالية الجديدة, لا تحمى فقط المصالح الأمريكية.   إن لها حقوق تتجاوز الحكومات سواء كانت أمريكية أو أوروبية وأيضا سواء كانت حكومات يمينية أو اشتراكية ديموقراطية. 

ففي مفاوضات منظمة التجارة العالمية لم يكن هناك أي اختلاف بين "باسكال لامي" المفوض الحالي للتجارة في الإتحاد الأوروبي وعضو الحزب الاشتراكي الفرنسي, وبين نظيره السابق "ليون بريتين" عضو حزب المحافظين الإنجليزي.   الجميع لديهم نفس الفكرة المهيمنة اليوم.   إنها ليست مجرد فكرة أمريكية, علينا أن نوجه الانتباه إلي تجليات هذه الفكرة داخل بلادنا, لا أن نرى أصحابها فقط في الولايات المتحدة الأمريكية. 

 

جاء "جوسبان" إلى السلطة بوعود أكثر راديكالية من "بلير" أو "شرودر", فما هو المعيار؟

نادرا ما تكون هناك أية اختلافات بين البرامج الاقتصادية لليمين واليسار, هذا إذا كان يمكن أن يطلق علي الحزب الاشتراكي صفة اليسار!  علي سبيل المثال لا تبذل أية محاولات لتخفيض عدد ساعات العمل الأسبوعية بشكل حقيقي.   لكنها ليست إلا مجرد سلسلة من المفاوضات تجرى داخل كل قطاع على حدا.  إن اليسار الآن لا يسعى لاتخاذ موقف ابعد من الموقف الوسطى.  وبوضعهم الانتخابات القادمة نصب أعينهم )عام 2002(, يسعى الحزب الاشتراكي لاستعادة أصواته في أوساط اليسار بأن يبدو معبرا عن مصالح الحركات المستقلة.   لكن محاولاته هذه لا تزيد عن كونها لغو كلامي.  فلم يفعلوا شيئا فيما يتعلق بالبرامج السياسية للحركات ففي محادثات منظمة التجارة العالمية التي ستعقد في الدوحة ) في نوفمبر 2001).   

ستقف الحكومة الفرنسية في مؤازرة الإتحاد الأوروبي.  سوف تكون القضية الأساسية في الانتخابات التشريعية والرئاسية في ربيع العام القادم هي تزايد نسبة الممتنعين عن الإدلاء بأصواتهم.   فقد خابت أمال الناس في سياسات تحالف اليسار, ولا يريدون أن يلزموا أنفسهم بالوقوف إلى جانب مرشحي اليسار المتشدد, الذين سيحصلون علي أصوات قليلة في الجولة الأولي.  لا يقدم "شيراك" أو "جوسبان" أي بدائل حقيقية.   رؤاهم الاجتماعية واحدة!!

نحن نتحرك بشكل متزايد باتجاه وضع يتحكم فيه المنطق الاقتصادي بشكل أقوى من أي إرادة سياسية.   بينما يكيف قادة الحزب أنفسهم مع اتجاه الريح. 

إتحاد الفلاحين لا يدعو للتصويت لصالح أي من الأحزاب.  وعن نفسي اشك في أنني سأدلي بصوتي علي الإطلاق.

 

هناك كلام عن اشتراكك في الانتخابات الرئاسية ؟

 إطلاقا هذا ليس دورى.  في الحقيقة إن شرط عضوية الإتحاد الفلاحين هو عدم الاشتراك في أي انتخابات.  من الغريب واللافت للنظر أن "دانيال جون بنديت", هو أول من قال أنني كنت أفكر في الاشتراك في الانتخابات الرئاسية.   وقال ذلك في أعقاب "سياتل" مباشرة, وبعد أيام معدودة كرر الحزب الاشتراكي هذا الكلام. 

يبدوا أن هذا الكلام يستهدف النيل من الحركة الاجتماعية بالقول أن الحركة تفعل ذلك كي تنقلب ببهلوانية إلي حزب سياسي أو لتحصل علي منصب في داخل فرنسا, وكأن المرء لا يستطيع إقامة حركة مستقلة لها منطقها الخاص تعمل كقوة معارضة داخل الأطر السياسية القائمة.  أنا لا أرى نفسي في الدور الذي يقوم به أي زعيم لحزب سياسي يعمل كممثل محترف ينوب عن الناس فيما يجب أن يقوموا به بأنفسهم. إن هدف أي حركة اجتماعية أو أي إتحاد مثل إتحادنا هو تمكين الناس من العمل بأنفسهم.   لقد أصبح الاقتصاد اليوم مجالا مستقلا يفرض قوانينه الخاصة. 

وإذا كنا نريد إبداع سياسات جديدة فلا بد أن نعي ذلك. 

 

هذا الصيف ذهبت إلى المناطق التي تحتلها إسرائيل لتتظاهر مع الفلاحين الفلسطينيين, ما هى الأوضاع التى اكتشفتها هناك؟

قبل كل شيئ عانيت بنفسي من واقع الاحتلال العسكري الإسرائيلي لفلسطين.   وهو في الحقيقة حرب استعمارية.   إن إسرائيل تسعي لفرض نظام العزل العنصرى, سواء في المناطق المحتلة أو على السكان العرب المقيمين داخل إسرائيل.  كما يفرضون, بتأييد من البنك الدولي, سلسلة من إجراءات الليبرالية الجديدة تستهدف دمج الشرق الأوسط في دوائر الإنتاج المعولم من خلال استغلال العمالة الفلسطينية الرخيصة.  وعلى طول الحدود مع المناطق المحتلة, تقيم إسرائيل نفس أشكال المشروعات التي يمكن أن تراها على طول الحدود المكسيكية الأمريكية.   كذلك هناك بعد اقتصادي بالغ الحدة والخطورة للصراع الدائر. 

هناك حاجة لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.   ولكن هناك أيضا حاجة لإعادة توحيد جذري على المستوى الاقتصادي بشكل يجب أن يمنح الأمل للفلسطينيين في مستقبل أفضل. 

 

أعلنت الصحافة المالية بابتهاج أن الحادى عشر من سبتمبر قضت على مستقبل الحركة المناهضة للعولمة, هل تري أن الهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة غيرت أي شيئ؟

في الأساس لم تحدث أية تغيرات.  يبقى العالم على حاله!   لم تتغير المؤسسات كذلك لازالت الحركات المناهضة للعولمة باقية ومستمرة. 

خلال قذف أفغانستان رأينا الدعاية المحلية لمطالب الولايات المتحدة الأمريكية بتصعيد أهداف الحرب وتوجيه ضربات انتقامية ضد الأبرياء الذين يعانون من البؤس والحرمان والتهديد بتدمير مناطق أخري في العالم.  كذلك لم يبق هناك شك في أن الولايات المتحدة تريد السيطرة على آبار البترول الواقعة خارج سيطرة منظمة الأوبك, وتضع أعينها على الاحتياطيات النفطية في جمهوريات وسط أسيا السوفيتية السابقة. 

أن موقف إتحاد الفلاحين هو لا لطالبان لا للإرهاب لا للحرب.  كذلك فنحن نشهد وعيا جديدا ناجما عن الأزمة الاقتصادية, بالحاجة إلى الضبط والتدخل الحكومي.  في هذا الإطار يقف منطق العولمة موقفا دفاعيا في الوقت الراهن, فضلا عن أن نقد الليبرالية الجديدة الذي طورناه خلال الأعوام الماضية أصبح أكثر فاعلية بعد 11 سبتمبر.

لكن استجابة معظم الحكومات والدول التي وافقت على ما يسمونه بالدعوة للحرب ضد الإرهاب, هي في الحقيقة استجابة للدعوة للتوسع في سياسات الليبرالية الجديدة.   وكأن ذلك سوف يؤدي إلى حل لمشكلة عدم المساواة فيما بين البلدان المختلفة أو فيما بين الطبقات الاجتماعية. 

أنهم لا يفهمون شيئا, وهو يجب أن يكون الحادى عشر من سبتمبر فرصة مناسبة لحساب الخسائر الاجتماعية والإيديولوجية الناجمة عن هذا النظام, والدعوة إلى الإصلاح الثوري.   لكنهم بدلا من ذلك, يسعون لتعزيز سيطرتهم على الكوكب ويزيدون من حدة أخطار الصراعات الدولية الأكثر أتساعا.   بينما تزيد الليبرالية الجديدة من البؤس في العالم وتزيد في الوقت نفسه أعداد أولئك البائسين بما يكفي كي يلقوا بأنفسهم في التعصب والهجمات الانتحارية ضد الليبرالية الجديدة. 

 

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية