- الهيمنة والإمبراطورية -

عصر ريجان
مقتطفات من إعاقة الديموقراطية، 1991

نعوم تشومسكي

11 يونيو 2004.

ترجمة : خالد الفيشاوي


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

بالنظر إلى النظام السياسي، يمثل عصر ريجان تقدما له وزنه في الديموقراطية الرأسمالية.  لمدة ثمان سنوات، كانت حكومة الولايات المتحدة تؤدي وظائفها مجازا دون مدير تنفيذي رئيسي.  تلك حقيقة هامة.  فليس من العدل تماما تحميل رونالد ريجان، الشخص، كثيرا من المسئولية عن السياسات التي اتخذت باسمه.

برغم جهود الطبقات المتعلمة لتحيط الإجراءات بالاحترام اللازم، كان من الصعب الاحتفاظ بسر عدم استيعاب ريجان للسياسات التي اتخذتها إدارته إلا بأكثر المفاهيم إبهاما، وإذا لم تكن هذه السياسات من صنع طاقم مستشاريه وبشكل سليم، لما أخذ احد تصريحاته المحيرة التي صدرت بانتظام على محمل الجد.  السؤال الذي سيطر على جلسات استماع قضية إيران-كونترا – هل كان ريجان يعلم، أو هل كان ريجان يتذكر، وماذا كانت سياسة إدارته؟ -- لقد كانت بالكاد تعتبر أسئلة جادة.  التظاهر بالعكس كان جزءا من عملية التغطية؛ ونقص اهتمام الجمهور بإفشاء سر أن ريجان قد تورط في تقديم مساعدة غير شرعية للكونترا أثناء فترة هو لم يدري عنها شيئا كما اخبر الكونجرس فيما بعد، هذا النقص يفضح حقيقة معينة.

الواجب الذي كان يؤديه ريجان هو أنه كان يبتسم، هو أنه كان يقرأ من شاشة عرض النص بصوت حلو، وانه كان يلقي ببعض النكات، وان كان يحافظ على الجمهور مستمتعا مأخوذا.  كانت مؤهلاته الوحيدة للرئاسة هو انه كان يعرف كيف يقرأ النص الذي يكتبه له جماعة الأغنياء، الذين يدفعون جيدا لقاء خدماته هذه.  لقد أدى ريجان ذلك لسنوات.

يبدو انه كان يؤدي للدرجة التي ترضي السادة الممولين، ويبدو انه كان مستمتعا بالتجربة.  في جميع الأحوال، لقد أمضى عديد من الأيام السارة في أبهة وزخارف السلطة ولابد انه كان سعيد الوقت بمخصصات التقاعد التي وفرها له أولياء نعمته الشاكرين.  حقا ليس من شأنه لو أن رؤساءه تركوا أكواما من الجثث المشوهة بفرق الموت التي اجتاحت أراضي السلفادور أو مئات الآلاف من المشردين في الشوارع.  لا يلوم المرء احد الممثلين على العبارات التي تخرج من فمه.  عندما نتحدث عن سياسات إدارة ريجان، إذا، نحن لا نشير إلى الشخص الذي نصبوه في المقدمة بدلا منهم في إدارة كانت تكمن قوتها الرئيس في العلاقات العامة.  عملية بناء شخصية رمزية بواسطة رجال صناعة الرئيس هي مساهمة لحل واحدة من المشاكل الحرجة التي لابد أنها تواجه أي مجتمع يجمع بين السلطة الممركزة وبين الآليات الشكلية التي تسمح نظريا للجمهور العام بالاضطلاع بجزء من المسئولية في إدارة شئونهم الخاصة، مهددة بذلك هذه الامتيازات.

يوجد أناس غير مهمين، ليس فقط في مناطق النفوذ ولكن أيضا في داخل البلاد، يجب أن يتعلموا الخضوع بالذلة الواجبة، وصناعة شخصية أوسع من الحياة هي اختراع تقليدي لتحقيق هذه الغاية.  نستطيع بقراءة في الزمن الماضي، كزمن هيرودوت، كيف أن الناس الذين كافحوا للظفر بحريتهم "سقطوا مرة اخرى في براثن الخضوع لحكومة اوتوقراطية" عبر تصرفات زعماء أقوياء وطموحين "ادخلوا للمرة الأولى طقوس الولاء"، واضعين الزعيم على مسافة نائية عن العامة خالقين أسطورة أنه "من رتبة مختلفة عن الرجل العادي" ويجب أن يختفي في ستر الإلغاز، تاركين أسرار الحكومة، التي ليست هي من شئون الدهماء، إلى هؤلاء المقدرين للاضطلاع بها.  علق المؤرخ لورانس فريدمان على ذلك بأن، في سنوات الجمهورية الأولى، اخترعت بدعة جورج واشنطن السخيفة كجزء من جهد "زراعة الولاءات الأيديولوجية للمواطنة" خالقين إحساسا بـ "الأمة الحيوية".

كان واشنطن "رجلا تاما" على "درجة من التمام لا نظير لها"، ارتفع إلى "مستوى فوق البشر"، وهكذا دواليك.  إلى اليوم، يظل الآباء المؤسسون هم "هؤلاء العبقريات الخالصة ذات التأمل المنفرد"، متفوقين على البشر الفاني لحدود بعيدة (انظر صفحة 00).  مثل هذا التبجيل يستمر، في دوائر نخبة المثقفين بشكل ملحوظ، كوميديا كاميلوت هي المثال. في بعض الأحيان يصعد احد الزعماء الأجانب إلى مرتبة شبه مقدسة بين عبيده المخلصين، وربما يوصف كـ "شخصية بروميسية" ذات "قوة خارجية هائلة" و"سلطات هائلة"، كما في أكثر اللحظات الساخرة للحقبة الستالينية، أو كما في شهادة التقدير الممنوحة لرئيسة الوزراء جولدا مائير من مالك ورئيس تحرير صحيفة نيو ريببلك مارتن بيريتز، الذي اقتبست منها هذه العبارات.

بلغ فرانكلين ديلانو روزفلت ذرى مماثلة بين قطاعات عريضة من السكان، تتضمن العديد من الفقراء والعمال، الذين وضعوا ثقتهم فيه.  يبقى قبس نور القداسة بين المثقفين كهنة المعبد.  الناقد الاجتماعي من اليسار الليبرالي موراي كمبتون، مراجعا في نيويورك بوك ريفيو لكتاب وضعه جوزيف السوب في مدح فرانكلين روزفلت، وصف "جلالة" ابتسامة روزفلت، "كان يشع ضوءا من عليائه السامية التي تقع ابعد من أي شائبة... هؤلاء من بيننا الذين ولدوا لظروف اقل إيمانا، يميلون للاعتقاد، مع التبجيل بحق، بان هذا السلوك مظهر أرستقراطي... [نحن] مثلنا مثل السوب نشعر بالحنين للوطن إلى الوقت الذي كانت أمريكا محكومة فيه بهؤلاء الرجال المهذبين والسيدات المهذبات". 

روزفلت ولوسي ميرسر "كانوا أشخاصا أعظم على المسرح الداخلي أكثر مما انتهوا عليه في المسرح الكوني"، وواجهوا أزمة حياتهم الكبرى، مسألة العلاقة الغرامية السرية، "بأكثر الأساليب روعة".  "وأن روزفلت كان هذا الديموقراطي الذي يكونه الرجال المهذبين بطريقة لا تنقص أبدا من عظمتهم... [توليفته المكونة من الذوق الرفيع والمشاعر الساخنة] تضيف حقيقة إلى جلاله".  لقد ترك فينا "حنينا إلى الماضي" لا يزال "يشجينا".  يقف "كيانه الهائل" بيننا وبين "كل التاريخ السابق... مبتهجا بشكل محبب... خالدا بشكل رائع للرومانسية"، الخ، الخ.  امسك روزفلت في يده القيادة بشكل شبه كامل "تاركا التساؤل الاجتماعي... أرضا ضائعة"، للدرجة التي، ضاعت معها عشر سنوات قبل أن يثير توزيع الدخل فضول احد الاقتصاديين في وزارة التجارة ويثير دهشته اكتشاف أن اختلال توزيع الدخل استمر ثابتا تقريبا من عهد هوفر, عبر روزفلت وترومان..."   ولكن هذا هو انتقاد العقول التافهة فقط.  الحقيقة الهامة هي أن روزفلت جلب لنا "الراحة... لأنه كان يطبع على الضمير العام أن الناس هم فعلا متساوون"، مهما كانت تظهر أرقام الإصلاح الاقتصادي وسجل حقوق الإنسان.  كان هناك رد فعل واحد منشور، كتبه نويل انان، الذي مدح "التقريظ الذي منحه موراي كمبتون بشكل عادل على روزفلت".  يحاولون على ما يبدو، ناسجو الخيالات لا يستطيعون حتى الاقتراب من هذه الذرى في عصر ريجان.

يسجل التاريخ الاجتماعي والسياسي للديموقراطيات الغربية كل أنواع المحاولات لتأكيد أن الآليات الشكلية هي أكثر قليلا من عجلات المغازل التي تدور الهوينى.  الهدف هو إلغاء وساطة الجمهور في تشكيل السياسة.  وهذا ما تم إنجازه في الولايات المتحدة لحد كبير، حيث لا يقف إلا القليل في سبيل المنظمات السياسية، أو الاتحادات النقابية النشطة، أو وسائل الإعلام المستقلة عن الأقلية الحاكمة في الشركات العملاقة، أو الهياكل الشعبية الأخرى، التي قد تمنح الناس وسائل الحصول على المعلومات، وتوضح وتطور أفكارهم، وتدفعهم قدما في الساحة السياسية، وتعمل على تحققهم.  طالما كل فرد منا يواجه أنبوب التلفزيون وحده، لا تسبب الحرية الشكلية أي تهديد للامتيازات.

واحدة من الخطوات الرئيسية لإعاقة الجمهور المزعج من الشئون الجادة هي اختزال الانتخابات إلى نوع من الاختيار بين شخصيات رمزية، مثل العلم، أو ملكة انجلترا—التي، بعد كل ذلك، تفتتح البرلمان بقراءة برنامج الحكومة السياسي، برغم أن لا احد يسأل هل هي تؤمن به، أو حتى تفهمه.  لو إن الانتخابات تصبح قضية اختيار الملكة للأربع سنوات القادمة، حينئذ نكون قد قطعنا شوطا كبيرا نحو حل التوتر المتأصل في المجتمع الحر الذي تتركز سلطة الاستثمار والقرارات الحاسمة الأخرى – ومن هنا النظام الايديولوجي والسياسي أيضا – في أيدي الخاصة.

حتى تنجح مثل هذه التدابير في إعاقة الديموقراطية، يجب أن يؤدي النظام المذهبي مهامه بشكل سليم، مؤسسا الزعيم بجلالته وسلطته وصانعا الأوهام الضرورية للاحتفاظ بالجمهور في أسرها – أو على الأقل، يقع تحت الاحتلال من ناحية اخرى.  في العصر الحديث، احد الطرق لتناول المهمة هي الحديث بحماسة مفرطة (أو الانتظار) عن الشعبية المدهشة للشخصية الإمبراطورية المنتخبة لتترأس علينا من عليائها.  من الأيام الأولى لحكم ريجان، كانت تظهر بشكل متكرر روايات عن شعبية ريجان غير المسبوقة، لتكرر الميديا تجزئتها وبيعها لنا مرة اخرى بشكل لا ينتهي، وكلها روايات مزورة.  نادرا ما انحرفت شعبيته هذه عن المعتاد، تتراوح بين الثلث والثلثين، ولم تبلغ قط المستويات التي وصل إليها كنيدي أو ايزنهاور وهي ما يمكن التنبؤ به لحد كبير، من الإحساس العام، كمعيار، لاتجاه الاقتصاد.  كان جورج بوش واحد من أكثر المرشحين تدني في الشعبية الذين تقلدوا الرئاسة، إذا ما لجأنا لنتائج استطلاعات الرأي أثناء الحملة؛ بعد ثلاثة أسابيع في المكتب كانت نسبة قبوله الشخصي قد بلغت 76%، وهي نسبة تتعدى ما حققه ريجان في أي وقت كان.  بعد 18 شهر في المكتب، ظلت نسبة القبول الشخصي لبوش فوق أعلى نقطة كان قد حققها ريجان.  اختفاء ريجان السريع فور انتهاء مدته يجب ألا تدهش أحدا ممن شهد الدور الذي اضطلع به.

من الهام، رغم كل شيء، أن نضع في عقولنا انه بينما قيمة الديموقراطية قد انخفضت بنجاح أثناء عصر ريجان، لا يزال الجمهور بشكل مادي خارج السيطرة، مثيرين بذلك مشاكل خطيرة أمام ممارسة السلطة.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية