- البدائل -

حركة للحركات؟
تمردات جديدة ضد النظام

ايمانويل ولرشتاين

نيو لفت رفيو، عدد نوفمبر/ديسمبر 2002


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

أنا الذي سككت مصطلح ’الحركة المعادية للنظام‘ في السبعينات من اجل اشتقاق صيغة تجمع معا ما كان تاريخيا وتحليليا نوعين متميزين ومتنافسين من أوجه عدة للحركة الجماهيرية – هؤلاء الذين يندرجون تحت اسم "اجتماعي"، وأولئك الذين كانوا تحت اسم "قومي".  كانت الحركات الاجتماعية مبدأيا على صورة أحزاب اشتراكية ونقابات عمالية؛ كانت تسعى لتعميق الصراع الطبقي داخل كل دولة ضد البرجوازية وأصحاب الأعمال.  وكانت الحركات القومية هي تلك الحركات التي حاربت من اجل خلق دولة قومية، إما بتوحيد كيانات سياسية منفصلة، كانت تعتبر جزء من امة – كايطاليا مثلا – أو بالانفصال بها بهوية قومية محل تساؤل عن دول اعتبرت إمبراطورية وظالمة– المستعمرات في آسيا أو أفريقيا على سبيل المثال.

برزت كلا الحركتان كهياكل بيروقراطية لها وزنها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واشتد نموها مع الوقت.  كلاهما مال لترتيب أولياتهما المستهدفة على حساب كل نوع آخر من الأهداف السياسية – وبشكل خاص، على حساب منافسها الاجتماعي أو القومي.  نتج عن ذلك كثير من العداوات الشديدة المتبادلة.  نادرا ما تعاون النوعان معا بشكل سياسي، وإذا ما حدث شيئ من هذا القبيل، فانهما كانا يعتبران ذلك التعاون تكتيك مؤقت، وليس تحالف أساسي.  مع ذلك، يكشف تاريخ هاتين الحركتين لنا بين عام 1850 وعام 1970 سلسلة من السمات المشتركة.

معظم الحركات الاشتراكية والقومية ادعت لنفسها مرارا وتكرارا ’الثورية‘، بمعنى، إنها تناضل من اجل تغيير جذري للعلاقات الاجتماعية.  وانه لحقيقي، أن لكلا الطرازين جناحا، أحيانا ما يكون منفصل تنظيميا، يدافع عن تناول أكثر تدريجية ولهذا يحاذر من الخطابية الثورية. 

  • ولكن إذا ما تحدثنا عموما، بداية – وغالبا لعقود من السنين – فقد كان هؤلاء الذين في السلطة يعتبرون كل هذه الحركات، حتى الطبعات المعتدلة منها، تهديدا لاستقرارهم، أو حتى تهديدا لبقاء هياكلهم السياسية.
  • ثانيا، في نهاية الأمر، كلا النوعان بلغا درجة تامة من الضعف وكانا لزاما عليهما أن يحاربا معركة ضارية من اجل مجرد توفير حق البقاء.  تم قمعهما أو تجريمهما بواسطة حكومتهما، قبض على زعمائهما، وخضع أعضاءهما لعنف منهجي منظم بواسطة الدولة أو قوات الأمن الخاصة.  عديد من الطبعات المبكرة جدا من هذه الحركات دمرت تماما.
  • ثالثا، خلال العقود الثلاث الأخيرة من القرن التاسع عشر، مر كلا النوعين خلال سلسلة موازية من المناظرات العظمى حول الاستراتيجية التي ضمت بين دفتيها هؤلاء الذين تمحور منظورهم ’حول الدولة‘ ضد هؤلاء الذين رأوا في الدولة عدو أصيل ودفعوا بدلا من ذلك في اتجاه التأكيد على التحول الفردي.  بالنسبة للحركة الاشتراكية، كان هذا هو الجدل بين الماركسيين والأناركيين؛ أما القوميين، فقد كان هذا هو الجدل بين القومية السياسية والثقافية.
  • ما حدث تاريخيا في هذه المحاورات – وهو التماثل الرابع – أن هؤلاء الذين اتخذوا الموقف ’المتوجه نحو الدولة‘ هم الذين انتصروا.  الحجة الدامغة في كل حالة كانت أن المنبع الفوري للسلطة الحقيقية يكمن في جهاز الدولة وان أي محاولة لتجاهل محوريتها السياسية هي محاولة مصيرها الفشل، حيث أن الدولة سوف تقمع بنجاح أي زخم مندفع نحو الأناركية أو القومية الثقافية.  في أواخر القرن التاسع عشر، هذه المجموعات أعلنت ما أطلق عليها استراتيجية من خطوتين: أولا اربح السلطة من داخل بناء الدولة القائم؛ ثم غير العالم.  كان هذا مصدقا عليه اشتراكيا كما كان مبدأ صحيحا قوميا.
  • السمة المشتركة الخامسة اقل وضوحا، ولكنها ليست خيالية بأقل قدر.  الحركات الاشتراكية غالبا ما ضمت إلى أفكارها خطابا قوميا، بينما أصبح لدى المناظرات القومية مكونا اجتماعيا على الأغلب.  كانت النتيجة هي غموض اكبر لكلا الموقفين أكثر مما يقر به أنصارهما.  فقد لوحظ مرارا أن الحركات الاشتراكية في أوروبا كانت غالبا ما تؤدي مهامها كقوة تسعى للتكامل القومي بشكل أكثر فعالية من تيار المحافظين أو الدولة نفسها؛ بينما خدمت الأحزاب الشيوعية التي وصلت إلى السلطة في الصين وفيتنام وكوبا بوضوح كحركات تحرر وطني.  هناك سببان لذلك.  أولا، عملية التعبئة أجبرت كلا القوتين على أن يحاولا جر قطاعات اعرض من السكان بشكل متزايد إلى معسكرهم، وتوسيع مجال خطابهم كان مفيدا في هذا الجانب.  ولكن، ثانيا، غالبا ما أدرك الزعماء في كلا الفريقين بشكل باطني أن لديهما عدوا مشتركا في النظام القائم – ولذلك فهم لديهم الكثير مما هو مشترك أكثر مما يسمح به خطابهم العلني.
  • الخطوات التي اتخذها نوعي الحركة كلاهما للتعبئة الجماهيرية كانت إجراءاتها متماثلة تماما.  بداية كلا النوعيتان، في معظم البلدان، كانت مجموعات صغيرة، تتكون غالبا من حفنة من المثقفين بالإضافة إلى قلة من المناضلين من صفوف شرائح اخرى.  هؤلاء الذين نجحوا تم لهم ذلك النجاح لأنهم كانوا قادرين، بفضل حملات طويلة من التدريس والتنظيم، تأمين قواعد جماهيرية في دوائر متحدة من المناضلين، والمتعاطفين والأنصار السلبيين.  عندما تنمو دائرة الأنصار الخارجية اتساعا للدرجة التي تكفي لعمل المناضلين، مثل السمك ، كما في عبارات ماو زيدونج، العائم في مياه كثيرة، تصبح الحركة مطالب خطير بالسلطة السياسية.  يجب، طبعا، أن نلاحظ أيضا أن المجموعات التي أطلقت على نفسها اسم ’الديموقراطيين الاشتراكيين‘ مالت إلى أن تكون مراكز قوية في مناطق قلب اقتصاد العالم، بينما هؤلاء الذين وصفوا أنفسهم بأنهم حركات تحرر وطني فقد انتعشوا عموما في المناطق الطرفية وشبه الطرفية من العالم.  إضافة إلى أن الأخيرة شهدت وجودا حقيقيا واسعا للأحزاب الشيوعية.  يبدو السبب واضحا.  وجد هؤلاء من مناضلي المناطق الأضعف أن الكفاح من اجل المساواة يتعلق بقدرتهم على استخلاص السيطرة على هياكل الدولة من القوى الإمبراطورية، سواء كانت تمارس حكما مباشرا أم غير مباشر.  هؤلاء من مناضلي مناطق قلب العالم كانوا يعيشون توا في ظل حكومات دول قوية.  لتحقيق تقدم في مجال كفاحهم من اجل المساواة، احتاجوا إلى استخلاص السلطة من شرائحهم الخاصة المهيمنة.  ولكن بالدقة، لان هذه الدول كانت قوية وثرية، لم تقابل تكتيكات الانتفاضات بقبول حسن، ولهذا استخدمت هذه الأحزاب وسيلة الانتخاب.
  • السمة السابعة المشتركة هي أن كلا هاتين الحركتين كافحتا تحت ضغوط الشد والجذب بين ’الثورة‘ و’الإصلاح‘ كأنماط أولية للتغيير – ولكن بالنسبة لكلاهما، في النهاية، انقلبت الآية لتظهر أنها كانت مؤسسة على قراءة مغلوطة للواقع.  في الممارسة لم يكن الثوار ثوريين جدا، ولم يتصرف الإصلاحيين كإصلاحيين دوما.  بالتأكيد، بدا الاختلاف بين المقاربتين غامضا أكثر فأكثر كلما أخذت الحركات تسعى في مساراتها السياسية.  كان على الثوريين أن يقدموا العديد من التنازلات حتى يستطيعوا البقاء.  تعلم الإصلاحيون أن السبل الشرعية المفترضة من اجل التغيير كانت غالبا ما تغلق بصرامة في الممارسة وان الأمر يتطلب القوة، أو حتى التلويح بها، للنفاذ من العراقيل.  الحركات الثورية المزعومة جاءت عادة للسلطة كنتيجة للتدمير الذي لحق بالسلطات القائمة في زمن الحرب أكثر من كونها نتيجة لقدراتها الانتفاضية الخاصة.  فقد نقل عن البلاشفة قولهم أن روسيا، في 1917، ’كانت السلطة ملقاة هناك في الشارع‘.  فور اعتلاء السلطة، تسعى الحركة للبقاء فيها، بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إليها؛ وذلك يتطلب غالبا التضحية بالجانب الكفاحي، بالإضافة إلى التضحية بالتضامن مع نظرائهم في البلدان الأخرى.  الدعم الجماهيري لهذه الحركات، للوهلة الأولى، هو نفس الدعم الكبير سواء كان النصر بالاقتراع أم بالرصاص – نفس الرقص في الشوارع احتفالا بالصعود إلى الحكم بعد كفاح طويل.
  • في النهاية، كان لدى كلا الحركتين مشاكلهما في تنفيذ استراتيجية الخطوتين.  ففور إتمام ’المرحلة الأولى‘، وقد وصلوا إلى السلطة، يتوقع أتباعهم منهم الوفاء بوعود المرحلة الثانية: تغيير العالم.  ما يكتشفونه، هذا إذا لم يكن قد عرفوه من قبل، هو أن سلطة الدولة محدودة بأكثر مما كانوا يعتقدون.  فكل دولة يكبحها كونها جزء من نظام بين-دولي ما، لا تستطيع فيه دولة واحدة أن تتمتع بسيادة مطلقة.  كلما طال بقاءهم في مناصبهم، كلما بدا انهم يؤجلون تحقيق وعودهم بشكل أطول؛ أصبحت كوادر الحركة التي ناضلت لتعبئة الجماهير هي كبار موظفي الحزب في السلطة.  تحولت مواقعهم الاجتماعية وبالتالي، بشكل لا مناص منه، تحولت نفوسهم.  ما كان يعرف في الاتحاد السوفيتي باسم الـ "نومينكلاتورا" يبدو انه قد ظهر، بشكل أو بآخر، في كل دولة استولت فيها حركة على السلطة – أي طائفة ذات امتيازات من كبار الموظفين، تمتلك سلطة ونفوذا اكبر وثروة حقيقية أعظم من باقي السكان.  في نفس الوقت، يفرض على العامل الاعتيادي أن يشقى أكثر ويضحي أكثر باسم التنمية الوطنية.  فور تقلدهم للمناصب، يصبح التكتيك النقابي المناضل الذي كان خبز الحركة الاجتماعية اليومي، فعلا ’مضادا للثورة‘، ولا يلقى التشجيع ويواجه بالقمع.

تحليل الوضع العالمي في الستينات يكشف عن أن هذين النوعين من الحركات يبدوان على أكثر ما يكون من التماثل أكثر مما سبق.  أنجزت هذه الحركات ’المرحلة الأولى‘ من الاستراتيجية ذات المرحلتين في معظم البلدان، وقد اعتلت الحكم في كل مكان عمليا.  حكمت الأحزاب الشيوعية أكثر من ثلث العالم، من الألب إلى يالو؛ حركات التحرر الوطني حكمت في آسيا وأفريقيا، الحركات الشعبية في أمريكا اللاتينية والحركات الاجتماعية الديموقراطية، أو أبناء عمومتهم، في معظم القارة الأوربية، أو على الأقل بناء على قاعدة التبادل.  لكنهم، على أية حال لم يغيروا العالم.

 

1968 وما بعدها

لقد كانت مجموعة من هذه العوامل هي التي أحاطت بسمة رئيسية لثورة العالم في 1968.  كان لدى الثوار مطالب محلية مختلفة ولكنهم يشتركون في قضيتين جوهريتين محل جدل تقريبا في كل مكان.  أول كل شيئ، لقد عارضوا كلا من هيمنة الولايات المتحدة وتآمر الاتحاد السوفيتي في هذه الهيمنة.  ثانيا، أدانوا اليسار القديم لأنه "ليس جزءا من الحل ولكنه جزء من المشكلة".  هذه السمة المشتركة الثانية نبعت من تبخر الوهم الجماعي لأنصار الحركات التقليدية المناهضة، وهم أدائها في السلطة.  شهدت البلاد التي عملوا فيها عدد معين من الإصلاحات – عادة كانت هناك زيادة في المنشآت التعليمية والصحية وضمانات الوظيفة.  ولكن بقيت مظالم ثقيلة.  اغتراب العمل المأجور لم يختف؛ على العكس، لقد زاد كنسبة من أنشطة العمل.  حدث توسع طفيف أو لم يحدث أي توسع في المشاركة الديموقراطية الحقيقية، سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى مكان العمل؛ غالبا ما حدث العكس.  على المقياس الدولي، مالت هذه البلاد إلى لعب دور متشابه جدا في النظام العالمي لذلك الدور الذي لعبته من قبل.  وهكذا، كانت كوبا اقتصاد مصدر للسكر قبل الثورة وظلت كذلك بعدها، على الأقل حتى انهيار الاتحاد السوفيتي.  باختصار، الذي تغير لم يكن كافيا.  المظالم قد تكون تغيرت قليلا ولكنها عموما كانت حقيقية ومكثفة.  الحركات الحاكمة ناشدت سكان هذه البلاد الصبر، لان التاريخ في صفهم.  ولكن صبرهم أوشك على الانتهاء.

الخلاصة إن ما خرج به الناس في العالم من أداء هذه الحركات الكلاسيكية المعادية للنظام أثناء وجودها في السلطة كان سلبيا.  لقد كفوا عن الإيمان بان هذه الأحزاب سوف تجلب لهم مستقبلا باهرا أو عالما أكثر مساواة، وكفوا أيضا عن منحهم الشرعية؛ وفقدوا الثقة في الحركات، وفقدوا أيضا الثقة في الدولة كأداة للتغيير.  لا يعني ذلك أن القطاعات الأعرض من السكان سوف تمتنع عن إعطاء أصواتها إلى مثل هذه الأحزاب في الانتخابات؛ ولكنه أصبح تصرفا دفاعيا، من اجل درء شرور أكثر، وليس تأكيدا لإيديولوجية أو ناتجا لتوقعات.

 

من الماوية إلى بورتو اليجري

منذ 1968، قد كان هناك بحثا مراوحا في مكانه، برغم ذلك، عن نوعية أفضل للحركة المعادية للنظام – نوعية تؤدي فعلا إلى عالم أكثر مساواة وديموقراطية.  وقد كان هناك أربع طرز للمحاولة في هذا الأمر، بعضها ما زال مستمرا.  الطراز الأول كان تفتح زهور متعددة للماوية.  من الستينات حتى منتصف السبعينات، بزغ هناك عدد كبير من حركات متنافسة مختلفة، عادة صغيرة الحجم ولكنها في أحيان اخرى واسعة بدرجة لافتة للنظر، تدعي أنها ماوية؛ وهو ما تعني به أنها بشكل ما تستلهم نموذج الثورة الثقافية في الصين.  انتقاداتهم، بشكل جوهري تقول أن فشل اليسار القديم تعود أسبابه إلى انه لا يدعو إلى مبدأ الثورة النقي، الذي يقومون بالدعوة إليه الآن.  ولكن هذه الحركات فشلت سريعا لسببين.  أولا، لقد تعاركوا بمرارة بينهم وبين أنفسهم حول ما هو المبدأ النقي، وهو الأمر الذي حولهم سريعا إلى فرق قزمية معزولة متحزبة؛ أو إذا كانت أحجامهم كما في الهند بالغة الاتساع فإنهم يتطورون إلى طبعات أحدث من الحركات اليسارية القديمة.  ثانيا، وبشكل أكثر أصولية، بوفاة ماو زي دونج انحلت الماوية في الصين، ونضب معين إلهامها.  اليوم، لا توجد مثل هذه الحركات بأي وزن له مغزى.

تنويع ثاني، من الادعاء بمناهضة النظام، وأكثر عمرا كان هو الحركات الاجتماعية الجديدة – الخضر والجماعات البيئية الأخرى، الحركات النسوية، حملات ’الأقليات‘ العنصرية أو العرقية، مثل السود في الولايات المتحدة أو البوير في فرنسا.

تمتلك هذه الحركات تاريخا طويلا ولكن، في الواقع، إما أصبحوا بارزين لأول مرة في السبعينات أو إما عادوا للظهور مرة اخرى حينئذ، في شكل مجدد أو أكثر جلدا.  كانوا أيضا أقوى في العالم الأوروبي أكثر منهم في الأجزاء الأخرى من النظام العالمي.  تكمن سماتهم المشتركة، مبدأيا، في رفضهم النشط لاستراتيجية الخطوتين الخاصة باليسار القديم، ورفضهم لتراتبها الهرمي الداخلي وأولوياتها – فكرة أن احتياجات المرأة، و’الأقليات‘ والبيئة هم قضايا ثانوية ويجب مخاطبتها ’بعد الثورة‘.  وثانيا، كان لدى هذه الحركات شكوك عميقة في الدولة والنشاط الموجه إلى والمنبثق من الدولة.

بحلول الثمانينات، انقسمت كل هذه الحركات الجديدة داخليا بين ما يسميه الخضر الألمان الـ fundis والـ realos.  وضح أن هذا هو تكرار لجدل "الثوري مقابل الإصلاحي" الذي دار في أوائل القرن العشرين.  ما انتهى إليه الأمر كان خسارة الثوريين في كل حالة، واختفائهم بشكل أو بآخر.  الإصلاحيون المنتصرون اتخذوا بشكل متزايد مظهر احد أنواع الأحزاب الاجتماعية الديموقراطية، وعلى غير اختلاف كبير عن النوعية الكلاسيكية منه، برغم خطابيتهم الأعلى حول التوازن البيئي، والعلاقات الجنسية، والعنصرية، أو الثلاثة مجتمعين.  اليوم، تستمر هذه الحركات في اكتساب أهمية لها وزنها في بلاد بعينها، ولكنهم على ما يبدو أكثر مناهضة للنظام بقليل من هؤلاء في اليسار القديم – خصوصا منذ أن كان الدرس الوحيد الذي خرج به اليسار القديم من 1968 هو الاحتياج إلى دمج هموم التوازن البيئي والنوع والاختيارات الجنسية والعنصرية في عباراتهم البرنامجية.

 الطراز الثالث من الادعاء بموقف مناهض للنظام كان منظمات حقوق الإنسان.  بعضها طبعا، مثل الامنستي الدولية (منظمة العفو الدولية)، كانت قائمة قبل 1968، ولكن عموما هذه المنظمات اكتسبت قوة سياسية رئيسية فقط في الثمانينات، وساعدها على ذلك إقرار الرئيس كارتر لقاموس مصطلحات حقوق الإنسان في التعامل مع أمريكا الوسطى، وتوقيع اتفاق هلسنكي 1975 بخصوص الدول الشيوعية في شرق ووسط أوروبا.  كلا الأمرين أعطيا شرعية المؤسسات للعدد الغفير من المنظمات التي تخاطب الآن الحقوق المدنية.  في التسعينات، سلطت الميديا الأضواء على التطهير العرقي، في رواندا والبلقان بشكل ملحوظ، وأدى ذلك إلى مناقشة علنية واسعة لهذه القضايا.

ادعت منظمات حقوق الإنسان أنها تتحدث باسم ’المجتمع المدني‘.  يشير الاسم نفسه إلى الاستراتيجية: المجتمع المدني من خلال تعريفه ليس هو الدولة.  يستدعي هذا المفهوم تمييزا ظهر في القرن التاسع عشر بين الوطن بمعناه القانوني le pays légal والوطن بمعناه الحقيقي le pays réel – بين هؤلاء في السلطة وهؤلاء الذين يمثلون الشعور الشعبي العام – طارحا للسؤال: كيف يمكن للمجتمع المدني أن يسد الفجوة بين نفسه والدولة؟  كيف يتأتى له أن يسيطر على الدولة ويشرف عليها، أو يجعل الدولة مرآة تعكس قيمه؟  يبدو أن هذا التمييز يفترض أن الدولة حاليا تحت سيطرة مجموعات قليلة العدد ذات امتيازات، بينما ’المجتمع المدني‘ يتكون من الجمهور المتنور باتساعه.

تركت هذه المنظمات أثرا جعل بعض الدول – ربما كلها- تعطف على سياساتهم في اتجاه شئون حقوق الإنسان؛ ولكن، خلال هذه العملية، صاروا اقرب لزوائد حكومية أكثر من كونهم خصومها ونادرا، إجمالا، ما يبدون مناهضين للنظام.  لقد أصبحوا منظمات غير حكومية (NGOs)، تقع في قلب العالم إلا أنها تبحث عن تنفيذ سياستها في محيطه، حيث ينظر لهم عادة على انهم عملاء لدولهم القومية أكثر من كونهم منتقديها.  لم تحرك هذه المنظمات (في الأطراف)، في أي حالة، دعما جماهيريا، معتمدة بالأحرى على قدرتها في الاستفادة من قوة ووضع نشطاء النخبة في القلب.

الطراز الرابع والأكثر حداثة قد كان ما يسمى بالحركات المناهضة للعولمة – تسمية لم تطلق لحد بعيد بواسطة هذه الحركات نفسها قدر ما أطلقها عليها خصومها.  استخدام الاسم بواسطة الميديا لم يسبق بالكاد تغطيتها الإعلامية لاحتجاجات لقاء منظمة التجارة العالمية في سياتل 1999.  ’العولمة‘، في رطانة الأنصار النيوليبراليين لحرية التجارة في السلع والرأسمال، أصبحت بالطبع قوة عاتية أثناء التسعينات.  بؤرتها الإعلامية كانت المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتطبيقها المؤسسي قد حدث عن طريق "اتفاق واشنطن"، وسياسات صندوق النقد الدولي وتدعيم منظمة التجارة العالمية.  سياتل كانت مقصودة كلحظة رئيسية في توسيع دور منظمة التجارة العالمية، وقد صدمت الاحتجاجات القوية، التي مزقت إجراء الاجتماعات، الكثيرين بالدهشة.  صفوف المتظاهرين ضمت جحافل كثيرة من أمريكا الشمالية، ينتمون لليسار القديم، والاتحادات النقابية، والحركات الجديدة، وجماعات الأناركيين.  بالفعل، كانت حقيقة استعداد اتحاد النقابات الفيدرالي الأمريكي لان يكون في نفس الصف مع جماعات البيئيين في عمل نضالي بهذه القوة، هذه الحقيقة نفسها كانت شيئا جديدا، خصوصا بالنسبة للولايات المتحدة.

السلسلة المستمرة للمظاهرات حول العالم، التي تلت سياتل، ضد اللقاءات ما بين الحكومات التي تنعقد في ظل الأجندة النيوليبرالية قادت، بدورها، إلى بناء المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي أقيمت اجتماعاته التمهيدية في بورتو اليجري؛ وجذب لقاءه الثاني أكثر من 50 الف مندوب لأكثر من الف منظمة.  ومنذ ذلك الحين، انعقد عدد من اللقاءات الإقليمية، تحضيرا للمنتدى الاجتماعي العالمي 2003.

خصائص هذا المطالب الجديد بدور في الحركة المناهضة للنظام هي أكثر اختلافا من سابقيها في المحاولات المبكرة.  أول كل شيئ، يبحث المنتدى الاجتماعي العالمي تجميع كل الطرز السابقة معا – اليسار القديم، الحركات الجديدة، هيئات حقوق الإنسان، والآخرين الذين لا يسهل تصنيفهم كأحد هذه الشرائح – ويتضمن مجموعات تنتظم في أشكال مغلقة محلية، وإقليمية، ووطنية، وعابرة للقوميات.  أساس المشاركة هو هدف مشترك – الكفاح ضد الأمراض الاجتماعية الناتجة عن النيوليبرالية – مع احترام مشترك للأولويات الفورية لكل منهم الآخر.  يبحث المنتدى الاجتماعي العالمي، بشكل عالي الأهمية، عن تجميع الحركات من الشمال مع الحركات في الجنوب معا داخل إطار واحد.  هكذا، يصبح الشعار الموحد هو ’عالم مختلف هو أمر ممكن‘.  وحتى بشكل أكثر غرابة، يسعى المنتدى الاجتماعي العالمي إلى تحقيق ذلك دون خلق بناء فوقي عام.  في هذه اللحظة، يمتلك فقط لجنة تنسيقية دولية، من حوالي 50 عضو، يمثلون حركات ومناطق جغرافية متنوعة.

بينما ظهر بعض التذمر من حركات اليسار القديم حول أن المنتدى الاجتماعي العالمي هو واجهة إصلاحية، ولكن الشكاوى لهذه الدرجة ظلت قليلة تماما.  المتذمرون يشتكون؛ إلا انهم لا يرفضون المنتدى بعد.  بالطبع، من المعروف بشكل واسع أن هذه الدرجة من النجاح تقوم على الرفض السلبي للنيوليبرالية، كأيديولوجية وأيضا كممارسة مؤسسية.  الكثير قدم البراهين أن من الجوهري بالنسبة للمنتدى الاجتماعي العالمي أن يتحرك نحو الدفاع عن برنامج أكثر ايجابية ويكون أكثر وضوحا.  سواء هل هو قادر على هذا الفعل مع استمرار المحافظة على مستوى الوحدة وغياب بناء فوقي (تراتبي لا محالة) سيكون هذا هو السؤال الكبير خلال العقد القادم.

 

فترة انتقال

إذا ما كان نظام العالم، كما ناقشت ذلك في مواضع اخرى، هو حاليا في أزمة، وقد دخلنا في ’عصر الانتقال‘ – فترة مفترق الطرق والفوضى- فمن الواضح حينئذ أن القضايا التي تواجه الحركات المعادية للنظام تطرح نفسها بأشكال مختلفة جدا عما كانت عليه في القرن التاسع عشر والكثير من القرن العشرين.  استراتيجية الخطوتان التي ينصب تركيزها على الدولة قد أصبحت غير ذات صلة، وهو ما يشرح عدم الراحة التي تشعر بها سلالة المنحدرين من المنظمات السابقة المناهضة للنظام وهم يضعون أمامهم الأهداف السياسية طويلة الأمد أم الفورية أيهم.  هؤلاء الذين يحاولون، يقابلهم مريدوهم بالشك؛ أو بما هو أسوأ، اللامبالاة.

مثل فترة الانتقال هذه لديها خاصيتان تسيطران على فكرة الاستراتيجية المناهضة للنظام نفسها.  الأولى هي أن هؤلاء الذين يمسكون بالسلطة لن يحاولوا الاستمرار بالنظام القائم بعد الآن (المحكوم عليه بالدمار الذاتي كما هو حاصل)؛ والأكثر، سوف يحاولون ضمان أن الانتقال سوف يفضي إلى بناء نظام جديد ينسخ أسوأ ما في النظام القائم- تراتبه الهرمي، الامتيازات، انعدام المساواة.  ربما لم يستخدموا بعد لغة تعكس انخلاع الهياكل القائمة، ولكنهم ينفذون سياسة مؤسسة على هذا التصور.  بالطبع، معسكرهم ليس موحدا، كما يتضح من الصراع بين من يسمون يمين الوسط ’التقليديين‘ وبين الصقور من أصحاب النزعة العسكرية في اليمين المتطرف.  ولكنهم يعملون بقوة لبناء الدعم من اجل التغيير الذي لن يكون تغييرا، نظاما جديدا على نفس درجة سوء – أو أسوأ من – النظام الحالي. 

الخاصية الجوهرية الثانية هي أن فترة انتقال منهجية هي فترة عدم يقين عميقة، فيها من المستحيل أن تعرف ما سوف تكون عليه النواتج الآتية.  التاريخ لا يقف في صف احد.  كل منا يستطيع ان يؤثر في المستقبل، ولكننا لا نعرف ولا نستطيع أن نعرف كيف سيتصرف الآخرون للتأثير فيه، أيضا.  يعكس إطار العمل الأساسي للمنتدى الاجتماعي العالمي هذه الإشكالية، ويجذب الانتباه لها.

 

اعتبارات استراتيجية

لذلك، الاستراتيجية التي تغطي فترة الانتقال يجب أن تتضمن أربع مكونات – كلهن قولهن أيسر من تنفيذهن.  المكون الأول هو عملية لحوار مفتوح ومستمر حول الانتقال والنتائج التي نتمناها.  لم تكن هذه العملية سهلة أبدا، والحركات المناهضة للنظام تاريخيا لم تكن جيدة في هذه المهمة أبدا.  ولكن المناخ المحيط أصبح مواتيا اليوم أكثر مما سبق، وتبقى المهمة ملحة و لا يمكن الاستغناء عنها – مشددين على دور المثقفين في مفترق الطرق هذا.  بنيان المنتدى الاجتماعي العالمي قد نذر نفسه لتشجيع هذا الحوار؛ ولسوف نرى ما إذا كان المنتدى قادرا على الحفاظ على هذا الانفتاح.

المكون الثاني يجب أن يدل على ذاته: حركة معادية للنظام لا تستطيع ان تهمل النضالات الدفاعية قصيرة المدى، بما فيها المعارك الانتخابية.  سكان العالم يعيشون في الحاضر، واحتياجاتهم المباشرة يجب ان تلبى. أي حركة تتجاهلهم مقدر لها ان تخسر الدعم السلبي الواسع اللازم للنجاح طويل المدى.  ولكن دافع ومبرر الكفاحات الدفاعية يجب ألا يكون نوعا من العلاج للنظام المنهار ولكن الأجدى أن يكون مانعا لمزيد من الآثار السلبية له على المدى القصير.  وهو الأمر المختلف نفسيا وسياسيا بشكل تام.

المكون الثالث يجب أن يكون هو تأسيس غايات مؤقتة، متوسطة المدى تبدو أنها تتحرك بنا في الاتجاه الصحيح.  واني لاقترح أكثر الغايات نفعا – بشكل مادي، وسياسي، ونفساني – هو محاولة التحرك نحو عدم التسليع النوعي، ولكن بشكل متسع أبدا.  إننا نخضع اليوم لوابل من المحاولات النيوليبرالية لتسليع ما كان في السابق نادرا بيعه كسلعة أو لم يبع مطلقا بنقود – الجسم البشري، والماء، والمستشفيات.  يجب ألا نعارض هذا فقط ولكن يجب أن نتحرك في الاتجاه المضاد.  هذا لا يعني انه يجب ’تأميمهم‘ – لأنه على الجانب الأغلب سوف يكون طبعة اخرى من التسليع.  فهذا يعني أننا يجب أن نخلق هياكل، تعمل في السوق، هدفها هو أداء الخدمة والبقاء أكثر من أن يكون هدفها الربح.  نستطيع عمل ذلك، كما نعلم، من تاريخ الجامعات أو المؤسسات الخيرية الأخرى – ليس كلها ولكن أفضلها.  لما لا يكون مثل هذا المنطق ممكنا بالنسبة لمصانع الصلب المهددة بالانهيار محليا؟

في الختام، نحتاج إلى تطوير معنى مستقل جوهري لغاياتنا على المدى الطويل، وأنا أراها على أنها عالم ديموقراطي نسبيا تسوده المساواة نسبيا.  أنا أقول ’نسبيا‘ لان ذلك واقعي.  سوف تكون هناك ثغرات دائما – ولكن ليس هناك سببا ما يدعو لان تكون هذه الثغرات واسعة، عصية على العلاج ومتوارثة.  أليس هذا ما اعتدنا على تسميته بالاشتراكية، أو حتى بالشيوعية؟  ربما، وربما لا.  يعود بنا ذلك مرة اخرى إلى قضية الحوار.  نحتاج إلى التوقف لتجميع أجزاء صورة المجتمع الأفضل (وليس الفاضل) الذى سيكون عليها.  نحتاج لمناقشتها، وتحديد معالمها العامة، ونحتاج إلى اختبار هذه الصورة بهياكل بديلة لتحقيقها؛ نحتاج لعمل ذلك بينما ننفذ الأجزاء الثلاثة الأولى من برنامجنا في عالم تسوده الفوضى في مرحلة انتقال منهجي.  وإذا لم يكن مثل هذا البرنامج كافيا، ومن المحتمل انه كذلك، مثل هذا القصور يجب أن يكون جزءا من الحوار الذي هو النقطة رقم واحد من البرنامج.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية