كانت أول علامة هي أزيز
الطائرة المشئوم. طافت الطائرة الانتينوف
الروسية المتهالكة حول القرية السودانية النائية، مرسلة حمولتها المتفجرة
من براميل المتفجرات بدائية الصنع. انفجرت القنابل وسط الأكواخ المسقفة
بالقش، لتفر بسببها العائلات المذعورة طلبا للامان – ولكن حيث لا مهرب.
ثم تبعها الجانجاويد،
المليشيا العربية الرهيبة التي تمتطي الجمال والأحصنة، مسلحة بالبنادق
الـكلاشينكوف، والكرابيج. انهم يقتلون الرجال والأطفال في سن القتال،
ويغتصبون النساء – أحيانا أمام عائلاتهم – ويحرقون البيوت. يسرقون ماشية
القرويين، ويحملون ممتلكاتهم المتواضعة على عربات تجرها الدواب ويمضون.
يهرع الناجون إلى الحدود
مع تشاد المجاورة، حيث تتعلق زرافات اللاجئين السودانيين بأسباب الحياة في
منطقة صحراوية غير مرحبة، تتهددهم
الأوبئة، والمجاعة المحدقة ومزيد من الهجمات المستمرة.
هذا هو المكان الذي تحدث
فيه أسوأ انتهاكات لحقوق الإنسان في العالم ولا تتخذ أي إجراءات لإيقافها.
هذا هو التطهير العرقي على الطريقة السودانية. حملة تشرف عليها الحكومة،
يقوم بها رجال القبائل العرب على مواطنيهم
الأفارقة السود، الحملة التي
أطلقت اكبر أزمة إنسانية في عصرنا وأكثر نكبة منسية – بينما عيون العالم
مثبتة على العراق.
القوات الحكومية، طبقا
لتقرير سري صادر عن منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اطلعت عليه
الاندبندانت، تقود "حكم إرهاب"، يقترفه مجرمو حرب. ولكن، بسبب تكتيكات معطلة
تستخدمها الحكومة السودانية بوضوح، لن يعرض التقرير اليوم في لقاء مفوضية
الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
أكثر من مليون شخص تم
إزاحتهم من موطنهم منذ نشوب الحرب في دارفور – مقاطعة نائية في غرب السودان
بحجم كاليفورنيا – في أوائل العام الماضي. حوالي 110 الف آخرين عبروا الحدود
إلى الصحراء المزروعة بالألغام في شرق تشاد.
تمثل دارفور، طبقا
لمجموعة الأزمات الدولية، "قصة الرعب المحتملة في عام 2004". يقول معهد
تنمية ما وراء البحار ان هناك "مخاطر واضحة لمعدل وفيات بمقاييس هائلة نتيجة
للمجاعة".
فبعد أن رفضت السلطات
السودانية في أول الأمر السماح لفريق من الأمم المتحدة بزيارة دارفور، عادت
وغيرت رأيها في الدقائق الأخيرة هذا الأسبوع – معطلة بذلك نشر التقرير السري
لما بعد تصويت اليوم حول إمكانية إرسال بعثة من الأمم المتحدة للبلد. وقد
أثار تأجيل النشر هياج نشطاء حقوق الإنسان، الذين رأوا في ذلك التأجيل حيلة
وقحة للزوغان من التدقيق في سجل الحكومة السودانية سيئ الصيت لحقوق الإنسان.
قالت جيميرة رون من هيومان رايتس ووتش، "تحاول الحكومة السودانية تأجيل
وتأجيل هذه المهمة. انها تحاول كل شيئ لتتحاشى حظرا من الأمم المتحدة".
هناك الكثير لإخفائه.
تقع دارفور تحت طائلة الحرب منذ شرع جيش التحرير السوداني (SLA)
تمرده في أوائل العام الماضي، معددا أسباب ذلك في التهميش الاقتصادي، والتخلف
المزمن، وفشل الحكومة في حماية قبائل الزراع من هجمات الأعراب البدو الرحل.
التحقت مجموعة متمردة اخرى بجيش التحرير السوداني فيما بعد، وهي التحالف
الفضفاض لحركة العدالة والمساواة (JEM).
اكتسبت الحرب صدى لاذعا
من صدام الـ 21 عاما في جنوب البلاد ضد متمردي الجبهة الشعبية لتحرير السودان
(SPLA)، الذي يهدأ الآن
بسبب محادثات السلام الدائرة في كينيا المجاورة. أرسلت الخرطوم أسراب من
القاذفات، لتهدئة التمرد الجنوبي، كما قامت بتسليح المليشيا العربية وناورت
بالمعونة الغربية. هي الآن تستخدم نفس الأساليب الهوجاء في دارفور.
برغم أن نوبات القتال
تنشب بين الحكومة والمتمردين، إلا أن وطأة الحرب العظمى يتحملها المدنيون
العزل. تقرير الأمم المتحدة لهذا الأسبوع ردد صدى التحقيقات التي تقصت أوضاع
حقوق الإنسان في وقت مبكر في إطار استراتيجية "الأرض المحروقة" المستهدفة في
أراض قبائل زغاوة، ومصاليت، والفور، المتهمة بدعم الجماعتين المتمردتين.
طائرات الشحن الروسية
تهاجم أولا: تسقط حمولاتها من القنابل البدائية على البلدات والقرى ذات
الآبار والأسواق. يصف اللاجئون هذه القنابل بـ "البراميل الكبيرة" – التي
كانت في حرب الجنوب عبارة عن براميل زيت بسيطة معبأة بالمتفجرات والشظايا
المعدنية. والآخرون يقولون انهم هوجموا بالبنادق الآلية على طائرات
الهليوكوبتر.
هؤلاء الباقون بعد القصف
الجوي، تتبعهم غارات مليشيات الجانجاويد، وغارات جنود الحكومة النظاميون، أو
كلاهما. الجانجاويد، وهم من القبائل البدوية العربية، اعتادوا تقليديا شن
الحرب على القبائل التي تعمل بالفلاحة والتجارة في دارفور من اجل السيطرة على
موارد المنطقة الشحيحة.
يقول تقرير الأمم
المتحدة، "يقال ان الجانجاويد يستخدمون بشكل ثابت الجمال والأحصنة، بينما
يتنقل جند الحكومة في السيارات العسكرية. كلاهما يرتدي الزي القتالي
العسكري، وكلاهما مسلح بأحسن الأسلحة".
ويلي ذلك عربدة من
الدمار وسفك الدماء. بعض الضحايا يتحدثون عن انهم قد نزعت عنهم ثيابهم
وجلدوا بالسياط او ضربوا بكعوب البنادق. يسوق الجانجاويد قطعان الماشية
والماعز والأغنام ويسرقون كل الممتلكات الأخرى.
الهدف من سرقة الماشية
والدواجن – الشكل الرئيسي للثروة في دارفور – هو حرمان القرويين من سبل
الحياة. بعض البضائع المسروقة تباع في البلدات التي تسيطر عليها الحكومة.
سلم ما بلغ عددهم مائة من اللاجئين القرويين، قوائم بثرواتهم المنهوبة الى
الباحثين من الأمم المتحدة.
العنف الجنسي هو "سلاح
حرب" واسع الاستخدام طبقا لتقرير الأمم المتحدة. عصابات من رجال الجانجاويد
تغتصب النساء غير العربيات، أحيانا تحت تهديد السلاح وأمام ذويهم. تصاحب
عمليات الاغتصاب عمليات جلد أو ضرب.
بعض الضحايا أصبحن حوامل
نتيجة هذا الاغتصاب، رغم أن الباحثين يقرون بحقيقة أن من الصعب التأكد بشكل
دقيق من هذه المعلومات نتيجة لأن إقرار هذا الفعل يعتبر وصمة عار في التقاليد
المحلية. بعض التعديات تصبغها نعرات عنصرية واضحة. أخبرت امرأة تبلغ من
العمر ثمانية عشرة عاما منظمة هيومان رايتس ووتش ان مهاجمها طعنها في فرجها
بسكين، قائلا: "تأخذين هذا لأنك سوداء".
أثناء مثل هذه الهجمات،
يختطف مئات من الأطفال، طبقا لمنظمة هيومان رايتس ووتش، مما يذكر بغارات
اصطياد العبيد التي نفذتها ميليشيات عربية اخرى تحت رعاية الحكومة، اسمهم
المرحلين، في الجنوب السوداني.
جماعات حقوق الإنسان
تتحدث عن شبح تطهير عرقي، يتم بواسطة ذعر وخوف في عموم الإقليم، يحوم مع
الهجمات المنظمة التي تديرها الحكومة. يقدر فريق التنمية التكنولوجية
المتوسطة ان ما يصل الى 60% من القرى قد تم "تدميرها، أو حرقها، أو هجرانها
بسبب هجمات الأطراف المتناحرة".
حتى يناير هذا العام،
منعت حكومة الرئيس عمر البشير المساعدات الإنسانية الدولية عن دارفور. منذ
ذلك الحين تحركت حفنة من الوكالات لتدخل الإقليم ولكن حركتهم خضعت لقيود
حكومية مشددة. بعضهم كان شاهد عيان بنفسه
على الفظائع المرتكبة. أمس قال بن باركر، احد عمال
الإغاثة في الأمم المتحدة:
"لقد رأيت قرية مشتعلة شرق الجنينينا يوم الأربعاء. فر الأهالي عندما رأوا
سيارتنا. شعرنا انه يجب التوقف لاعتبارات الأمان. لا أستطيع القول إنني
رأيت الجاجاويد يشعلون الثقاب، ولكن هذا هو أسلوبهم في العمل".
حوالي 110 الف لاجئ
منهكين مذعورين جوعى وليس لديهم ملجأ آخر، عبروا الحدود الى تشاد.
بعض الأجزاء لا زالت بها
الألغام منتثرة هنا وهناك، وذخيرة اخرى لم تنفجر منذ الحرب الاهلية في تشاد
ايام السبعينيات. في بعض المعسكرات، 80% من اللاجئين هم أطفال. من المعتقد
أن آباءهم قد لقوا حتفهم، أو تخلفوا ليخلصوا ممتلكاتهم، أو انهم التحقوا
بقوات المتمردين.
تكافح وكالات المعونة
الغربية لتزويد اللاجئين بالماء، والطعام والدواء في أحوال غاية الصعوبة.
يحوم خطر المرض – في بلدة تاين، سجل الأطباء 25 حالة التهاب شوكي، وهو رقم
فوق حد الوباء. يخشى عمال الإغاثة من تدهور وشيك للأحوال خلال الشهرين
التاليين إذا ما بدأ موسم الأمطار.
ولكن خوف اللاجئين الأعظم
هو على أمنهم الخاص. حتى بعد عبور حدود التشاد، فهم ليسوا بمنأى عن هجمات
النهب التي تشنها حكومتهم عليهم. في فبراير الماضي، قتل ثلاثة وجرح حوالي 50
عندما قصفتهم الطائرات السودانية بالقنابل عبر الحدود.
مفوضية الأمم المتحدة
لحقوق الإنسان، ووكالة الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، في جهدها لحماية
اللاجئين من الغارات عبر الحدود، قامت بنقل 31 الف لاجئ سوداني إلى مناطق
أكثر عمقا في شرق تشاد.
طبقا لتقرير الأمم
المتحدة، اشتبكت السلطات العسكرية التشادية في معارك مع ميليشيات الجانجاويد
الذين اخترقوا الحدود للتحرش باللاجئين وسرقة ماشيتهم. في تبادل لإطلاق
النار مؤخرا، قتل جنديان من تشاد وجرح آخر.
الرئيس البشير يصف
الجانجاويد كمتمردين لا تدعمهم الحكومة – وهو موقف يختلف فيه العديد من
العاملين والدبلوماسيين. يتسلح الجانجاويد بالأسلحة الثقيلة، وزعمائهم
يحتلون مناصب مهمة على مستوى الإقليم، ويستخدمون الهواتف المتصلة بالأقمار
الاصطناعية، ويركبون سيارات الجيب الحكومية.
"ليسوا عصابات خارج
السيطرة"، هذا ما تقوله جيميرة رون من هيومان رايتس ووتش. "انهم يعملون في
تعاون لصيق مع القوات الحكومية. انهم ينهبون ويغتصبون وغير مسموح لأحد
بالمساس بهم. انه موسم مفتوح على كل الجماعات العرقية".
في يوم الاثنين، ترأس
وزير الشئون الإنسانية السوداني، إبراهيم حميد، جولة إعلامية نادرة زار فيها
عدة بلدات منتقاة في دارفور. صرح بأن الحكومة سوف تعيد اعمار المناطق التي
أصابها القتال. "كما يمكنكم مشاهدته، الأثر النفسي لوقف إطلاق النار هذا هو
اثر هائل وعظيم، ومنذ الأحد لم يحدث انتهاك لوقف إطلاق النار"، هذا ما قاله
في بلدة نيالا.
رفض السيد حميد التعليق
على رفض الحكومة إصدار تأشيرة دخول (فيزا) لجان ايجلاند، المنسق العام للشئون
الإنسانية في الأمم المتحدة. فقد وصف السيد ايجلاند العنف ضد الأفارقة في
دارفور بأنه "تطهير عرقي، ولكنه لا يرقى لمذابح عرقية" وصنف الوضع على انه
"واحد من أكثر الأزمات الإنسانية يتم نسيانها وتجاهلها".
في الختام، يدعو تقرير
الأمم المتحدة لتشكيل لجنة تحقيق دولية لوضع مقياس للجرائم ضد الإنسانية في
دارفور، ومدى تورط الحكومة السودانية في ارتكاب فظائعها.
|